← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وهذا يؤيد ما ذكرناه أن الجلسة ليست للتشهد، وإنما هي للسلام. فإن قيل: فإن هذا الخبر متردد بين أن يكون ورد في الوقت الذي لم يكن التشهد فيه مفروضا، إذ فرض التشهد متأخر؛ بدليل ما روي عن ابن مسعود: "كنا نقول قبل أن يفرض التشهد" (١). فإذا احتمل هذا؛ سقطت الحجة، وبين أن يكون واردا بعد فرض التشهد؛ فنقول: قوله: "قد تمت صلاتك"؛ لا يخلو من أن يكون على الحقيقة، وبإجماع الأمة ليس على الحقيقة؛ لأنه قد بقي عليه شيء لو طرأ الحدث قبله لفسدت الصلاة، فعلمنا أن الصلاة لم تتم حقيقة؛ لأنه قد بقي فرض من فرائضها، فصار معنى قوله: "فقد تمت صلاتك" أي قاربت التمام. قيل: أما الفصل الأول؛ فإنه يجوز أن يكون متقدما للتشهد؛ [لأن ابن عمرو روى في الإمام، والجماعة سنة بعد كمال الصلاة، وفروضها، وسننها] (٢)، ولا يلتفت إلى الاحتمال؛ لأن الظاهر اقتضى تمامها جملة إلا أن تقوم دلالة على إلحاق شيء آخر بها. فأما خبر ابن مسعود؛ فقد تكلمنا عليه، فهو أولى بالتقدم؛ لأن النبي ﷺ لم يبلغ إلى بيان حكم الإمام والمأموم في خبرنا إلا بعد الفراغ من حكم الانفراد. وأما الفصل الثاني وما ذكروه من الحقيقة؛ فهم أيضا قد احتجوا بخبر ابن مسعود، وفيه ذكر التشهد، وأنه قال له قبل السلام: "فقد تمت صلاتك" (٣).

стр. 1892

وبينا أنه أراد بالتمام الكمال، ولم يرد التمام حقيقة؛ لأن السلام قد بقي عليه، ولو طرأ عليه الحدث قبله؛ لفسدت الصلاة، فنحن وهم في التمام على طريقة واحدة إن كان بمعنى المقاربة، فنحتاج إلى دليل قاطع يدل على فرض التشهد كما دل على فرض السلام. على أننا نقول: إن الجلوس ركن في الصلاة لا يصلح لقراءة القرآن، فالذكر فيه مسنون مستحب؛ أصله الركوع والسجود. وبالله التوفيق. فصل (٣٣٦) فأما الصلاة على النبي ﷺ فمذهب مالك ﵀ أنه ليس بفرض في الصلاة (١). وبه قال أبو حنيفة (٢). وحكي عن ابن المواز أنه قال: هو واجب (٣). وبه قال الشافعي (٤). والمشهور عن أصحابنا أنه واجب في الجملة على الإنسان أن يأتي [بها مع] (٥) الشهادتين مرة في دهره، مع القدرة على ذلك (٦).

стр. 1893

والدليل على أنه ليس بفرض في الصلاة؛ جميع ما تقدم ذكره في سقوط وجوب التشهد الأخير. ولنا أن نبنيه على أن التشهد الأخير ليس بواجب، فإذا سلم ذلك؛ فلا فرق بينهما. ويجوز أن نستدل على هذا ابتداء بما ذكرنا من تلك الأدلة، وأنا أعيد بعضها هاهنا، وهو ما روي في حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال له في بعض الأخبار: "فإذا رفعت رأسك من السجدة الأخيرة فقد قضيت ما عليك، فإن شئت فقم، وإن شئت فاقعد" (١). وهذا ظاهره يدل على سقوط الزيادة على ذلك إلا بدلالة. وفي بعضها: "وقعدت فقد تمت صلاتك" (٢). وفي بعضها: "علمه التشهد"، إلى قوله: "وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" (٣)، ثم قال: "إذا فعلت هذا [أو] (٤) قلت هذا فقد تمت صلاتك" (٥). فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٦)، وهذا أمر ظاهره الوجوب.

стр. 1894

قيل: هو كما قلتم، ولكن الأمر لا يقتضي إلا فعل مرة، ولا يقتضي التكرار إلا بدلالة (١). ويجوز أيضا صرفه إلى الندب بدلالة، وقد ذكرنا تعليم النبي ﷺ لابن مسعود والأعرابي، ولم يذكر فيه الصلاة عليه. وذكرنا القياس أيضا في التشهد فهو ينتظمه. ونقول أيضا: لو كانت مفروضة؛ لما أودعت فيما ليس بمفروض، وقد أودعت في التشهد الأول وجلسته ليست بفرض، ألا ترى أن القراءة لما كانت فرضا؛ لم تجعل في موضع مسنون. فإن قيل: فقد اتفقنا على وجوب التسليم، فيجب أن تكون الصلاة على النبي ﷺ واجبة، والمعنى فيه أنه يقع عقيب التشهد. قيل: هذا يفسد بالدعاء؛ لأنه يقع عقيب التشهد وليس بواجب. وأيضا فقد دللنا على أن التشهد نفسه ليس بواجب، فإذا لم يجب نفس التشهد وفيه: "وأشهد أن محمدا عبده ورسوله"؛ لم تجب الصلاة عليه في هذا الموضع. فإن قيل: فإن [ابن عمر] (٢) روى أنه أتى النبي ﷺ رجل فقال: "يا

стр. 1895

رسول الله! أما السلام عليك فقد عرفناه، كيف الصلاة عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد النبي الأمي". وروي عن كعب بن عجرة أنه قال: ألا أهدي لكم هدية؟ خرج إلينا رسول الله ﷺ فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال قولوا "اللهم صل على محمد … " (١). وهذا لفظ أمر ظاهره الوجوب إلا أن تقوم دلالة. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن ما خرج هذا المخرج لا يكون واجبا (٢)، لأنهم قد يسألونه كيف يقولون السنن كما يسألونه عن الفروض، فيجيبهم عن ذلك.

стр. 1896

والجواب الآخر: أن الأمر إذا تجرد يقتضي فعل مرة. وعلى أننا قد ذكرنا من الدلائل والقياس ما يجوز حمله على الندب. وكذلك الجواب عما يذكرونه أن النبي ﷺ سمع رجلا يدعو في صلاته، لم يحمد ربه، ولم يصل على نبيه، فقال ﷺ : "إذا دعا أحدكم فليبدأ بتحميد ربه، والثناء عليه، وليصل على النبي" (١). وحديث ابن مسعود: "كنا إذا جلسنا في الركعتين لم ندر ما نقول إلا أن نسبح، وإن رسول الله ﷺ عُلم جوامع الخير ومفاتحه، فأقبل علينا بوجهه فقال: "إذا جلستم في الركعتين فقولوا التحيات لله"، إلى أن قال: "ثم يصلي على النبي، ثم يسل حاجته" (٢)؛ مثل الجواب الأول (٣). فإن قيل: فقد قال ﷺ : "لا صلاة لمن لم يصل علي" (٤) قيل: معناه: لمن لم يصل علي في دهره، وقد بينا أنه فرض على الإنسان أن يصلي عليه مرة في دهره (٥).

стр. 1897

ويجوز أيضا أن يريد نفي الكمال، فكأنه قال: لا صلاة كاملة لمن لم يصل علي" بالدلائل التي تقدمت. فإن قيل: فإن الصلاة عبادة استحق ذكر الله فيها، فوجب أن يكون ذكر الرسول مستحقا فيها كالإيمان. قيل: لو وجب هذا؛ لوجب أن لا يذكر الله تعالى في موضع من الصلاة إلا وجب أن يستحق ذكر الرسول ﷺ معه، كالإيمان، وهذا لا يجب، وقد ذكرنا قياسا يعارض هذا. فإن قيل: فإننا رأينا كل ركن ممتد من أركان الصلاة تضمن ذكرين مختلفين؛ كان الأول منهما فرضا، كالقومة لما تضمنت التكبير والاستفتاح؛ كان التكبير مفروضا، ولما تضمن الفاتحة والسورة بعدها؛ كانت الفاتحة مفروضة، كذلك القعدة لما تضمنت الصلاة على (٣٣٧) النبي ﷺ وما بعدها من الدعاء؛ وجب أن تكون الصلاة عليه مفروضة. قيل: قد بينا أن التمادي في الجلسة الأخيرة ليس بذكر على ما شرحناه، فلا نسلم لكم أنه ركن، وقد بينا أن القومة وأن التمادي فيها أيضا قد تسقط إذا أدرك الإمام راكعا فسقط هذا. ثم هذا يفسد أيضا؛ لأنه يوجب أن يكون التشهد فرضا، والصلاة على النبي مسنونة؛ لأن هذه الجلسة تضمنت ذكرين مختلفين، وهما التشهد

стр. 1898

والصلاة، فينبغي أن يكون الأول منهما مفروضا، وأنتم لا تقولون هذا، فأما القومة فتضمنت التكبير والاستفتاح، فقد بينا مذهبنا فيه قبل هذا، وأن الاستفتاح لا يكون في الصلاة، وأنه ليس بعد التكبير غير القراءة، فسقط ما ذكروه. وبالله التوفيق. ووجه ما حكي عن ابن المواز ما تقدم من دلائل المخالفين، وتكون الجلسة الأخيرة لهذا وللتسليم فقط. ويكون وجهه أيضا أن الصلاة لما تضمنت ذكر الله تعالى واجبا، وتحميدا، وتمجيدا في فاتحة الكتاب؛ وجب أن يجب فيها ذكر الرسول ﷺ والصلاة عليه حتى لا يخلو ذكره من ذكره تعالى في الصلاة، كما لم يخل في الأذان والإقامة. * * * * مسألة (٣٦): والسلام من الصلاة عند مالك والشافعي (١) فرض، لا يصح الخروج منها إلا به، كما لا يصح الدخول فيها إلا بالتكبير (٢). وذهب أبو حنيفة إلى أن التحلل من الصلاة يقع بما يضادها من قول أو فعل (٣)، ولا يتعين بالسلام.

стр. 1899

والدليل لقولنا ما روي عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يختم الصلاة بالتسليم" (١). واتباعه واجب لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ (٢). وقال [ ﷺ ] (٣) "صلوا كما رأيتموني أصلى" (٤). وأيضا فإنه بيان للمجمل الواجب في الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٥)، وما كان بيانا لواجب فهو واجب. وأيضا فما رواه محمد بن الحنفية، عن أبيه علي بن أبي طالب ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (٦). وقد روى أبو الأحوص، عن عبد الله قال: "انقضاء الصلاة بالتسليم" (٧). وكذلك قال ابن عباس ﵄، ولا يعرف لهما مخالف، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ

стр. 1900

الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١). وتارك السلام إلى غيره من الأفعال سالك إلى غير سبيل المؤمنين في صلاته، فالوعيد لاحق به. فإن قيل: الآية تقتضي كل المؤمنين، وليس واحد واثنان هما كل المؤمنين. قيل: قد قلنا إنه لا مخالف لهما، فصار كالإجماع. وأيضا فإنه إذا اتبع واحدا من المؤمنين فلم يخرج عن سبيلهم؛ لأن الإنسان يقول لابنه: اسلك طريق العلماء والصالحين، فلو اتبع واحدا منهم وعمل على طريقته؛ لم يخرج عنهم. وأيضا فقد قال النبي ﷺ : "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم" (٢). وأيضا فإن الخروج من الصلاة ركن من أركانها، فيجب أن يتعين كالركوع.

стр. 1901

وأيضا فإن الصلاة عبادة لها تحليل وتحريم، والتحريم بها يتعلق بنوع شرعي، فيجب أن يكون التحليل كذلك؛ أصله الحج. وأيضا فإن الصلاة عبادة مفروضة متعلقة [بالبدن] (١)، فلا يجوز تعليق التحليل بما يفسدها إذا اعترض في حلالها على طريق النسيان، كالحج لا يجوز أن يقع التحليل منه بالجماع؛ لأنه لو طرأ في خلاله كذلك؛ لأفسده، فكذلك الصلاة لو أحدث في خلالها ناسيا؛ أفسدها، فكذلك لا ينحل منها بتعمد الحدث في خلالها. فإن قيل: فقد روي في حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "إذا فعلت هذا فقد قضيت ما عليك، فإن شئت فقم، وإن شئت فاقعد" (٢). وفي حديث: "فقد تمت صلاتك" (٣)، ولم يذكر له السلام. قيل: الخبر متروك الظاهر؛ لأنه بنفس القعدة لا يصير خارجا من الصلاة؛ لأن الفساد يطرأ عليه، ألا ترى أنه لو رأى ماء، وكان متيمما، أو طلعت عليه شمس، وهو في الصبح عندكم، أو أحدث ناسيا، أو تكلم ساهيا عندكم؛ لفسدت صلاته في هذا كله (٤)، أو في واحد منه، فدل على أنه لم يقض ما عليه، ولا تمت صلاته حقيقة، فلا يمتنع أن يقول: "فقد تمت

стр. 1902

صلاتك، وقضيت ما عليك إذا فعلت التسليم" بالدلائل التي تقدمت، أو يكون معناه: قد قاربت التمام، أو قضيت أكثر ما عليك، بالدلائل التي ذكرناها. وقد روي عن جابر بن سمرة قال: "كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ قلنا بأيدينا: السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، فقال النبي ﷺ : مالي أرى أيديكم كأنها أذناب خيل شمس، ألا يسكن أحدكم في الصلاة، ثم قال: ليسلم أحدكم على أخيه عن يمينه وعن شماله" (١). وهذا أمر منه يقتضي الوجوب. فإن قيل: (٣٣٨) فإن السلام مما يضاد الصلاة لو تخللها، وقد ينحل به منها، فكذلك ينبغي أن يكون جملة ما يضادها. قيل: هذا منقوض على أصلكم برؤية الماء وبطلوع الشمس؛ إذ هما يضادان الصلاة في خلالها، ولا يقع التحليل منها بهما. ثم نقول: إن السلام إذا أتى به؛ وقع التحليل عن تمام حتى لا يبقى بعده إحرام، كطواف الإفاضة -الذي تسمونه طواف الزيارة- إذا أتى به وقع التحليل، حتى يبقى بعده إحرام، ثم كان الطواف في نفسه فرضا؛ كذلك السلام. فإن قيل: لو كان [السلام] (٢) من الصلاة؛ لوجب على المأموم اتباعه

стр. 1903

فيه، فلما كان إذا فاته بعض صلاة الإمام لم يتبعه في السلام؛ دل على أنه ليس من الصلاة. قيل: هذا فاسد؛ وذلك أنه لما كان عليه اتباعه في المسنونات -عندنا وعندكم- التي هي من الصلاة، ثم سقوط اتباعه لإمامه فيها إذا كان قد فاته شيء من صلاته لا يدل على أنه ليس بمسنون في الصلاة؛ فكذلك لا يدل ترك اتباعه في السلام -إذا كان قد فاته شيء من الصلاة- على أنه ليس بمفروض فيها، وصح أنه إنما لم يتبعه لأنه لا يقدر على الإتيان بما عليه من الفائت إلا قبل السلام. فإن قيل: لما كان سجود السهو جعل قبل السلام؛ دل على أن السلام ليس من الصلاة؛ لأنه إنما جعل في آخرها. قيل: هذا أيضا ينقلب عليكم في المسنون؛ لأن كون السجود في آخر الصلاة لا يمنع أن يكون السلام مسنونا عندكم، وإن كانت السنن في أضعاف الصلاة وفي آخرها، فكذلك هذا. فإن قيل: لما كان السلام تحليل الصلاة، وكان لو سلم لخرج به منها، كالصوم جعل الأكل فيه موجبا للخروج عنه، فلو أكل لخرج عنه؛ فكذلك لو لم يأكل، ودخل عليه الليل؛ لخرج عنه كما لو أكل، فهكذا لو سلم لخرج منها، وإن لم يسلم، ولكن جلس قدر التشهد؛ كان بذلك خارجا من الصلاة كما لو سلم. قيل: ليس إذا قام الدليل في الصوم على ما ذكرتم ينبغي أن تحمل عليه

стр. 1904

الصلاة بغير دليل؛ لأن الليل ينافي الصوم كما ينافيه الأكل، ألا ترى أنه لم يبق من حكم الصيام ما يطرأ عليه الفساد، وجلوس قدر التشهد في الصلاة لا ينافي حكمها؛ لأنه موجود في التشهد الأول، وقد بقي منها ما يطرأ عليه الفساد كما ذكرناه لك في رؤية الماء للمتيمم، [و] (١) في طلوع الشمس عليه في الصبح، وفي الحدث ناسيا بعد رفعه لرأسه من السجود في أول جلوسه، أو بعد مضي جزء منه. ثم لو طرأ عليه النوم، فدخل الليل عليه وهو نائم؛ لخرج منه، ولو نام في الصلاة -بعد رفع رأسه من السجدة حتى مضى قدر التشهد-؛ لبطلت الصلاة. وأيضا فإنه يخرج من الصيام بدخول الليل وإن لم يقصد، ولا يخرج من الصلاة بعد التشهد عندكم حتى يقضيه، فكذلك حتى يسلم. وأيضا فقد اتفقنا في الصلاة أن التحريم لها متعين بنطق؛ فتحليلها مثله، وليس كذلك الصوم. ثم إننا نقلب عليهم هذا ونعكسه، فنقول: لما كانت الصلاة تحتاج في الدخول فيها إلى نطق يتعين؛ احتيج في الخروج منها إلى مثله (٢)، ألا ترى أن الصوم لما لم يجب في أوله نطق؛ لم يجب في آخره، فصار الصوم حجة لنا.

стр. 1905

فإن قيل: لما كان الحج يصح الخروج عنه بغير نطق؛ فكذلك الصلاة. قيل: هذا قياس ساذج لا على علة. على أن الحج يصح عند الدخول فيه بغير نطق، فكذلك يخرج منه بغير نطق. وعلى أصل أبي حنيفة أيضا يصح الدخول في الحج بأن ينوي ويقلد هديه وإن لم ينطق، فإن كانت التلبية عنده شرطا في صحة الإحرام؛ فقد قال بما حكيناه عنه (١). ثم إننا قد استدللنا بالحج وقلنا لما كان الدخول فيه بنوع شرعي، والخروج منه كذلك؛ استوى حكمه وحكم الصلاة في أنها يدخل فيها بنوع شرعي.، فكذلك الخروج منها. وقلنا أيضا: لا يجوز الخروج منها بما يفسدها إذا تخللها على وجه النسيان كالحج.

стр. 1906

ثم إننا نعكس فنقول: لما كانت الصلاة في أولها أيضا لا بد من نطق؛ وجب أن يكون آخرها كذلك، الدليل على ذلك: أن الحج لما صح الدخول فيه بغير نطق؛ لم يحتج في آخره إلى نطق. فإن قيل: فالنكاح لابد في أوله من نطق، ولا يحتاج في آخره إلى نطق؛ لأنه يخرج منه بأمور ليس فيها نطق. قيل: هذا لا يلزم من وجوه: أحدها (١): أن النطق ليس شرطا في الزوج ولا في الزوجة؛ لأن الولي يزوج المرأة والمولى عليه بغير نطق منها، والنطق أيضا فيه غير متعين، والنطق في الصلاة شرط على كل مصل، وهو أيضا [متعين] (٢) بلفظ مخصوص. فإن قيل: قد اتفقنا أنه لو سلم صحت صلاته، بعلة أنه قد جلس قدر التشهد، وكذلك إذا لم يسلم وجلس قدر التشهد. قيل: هذا ينتقض إذا لم يقصد الخروج منها؛ لأنه لا يخرج عندكم حتى يقصد الخروج. على أننا قد ذكرنا قياسات. ونقول أيضا قد اتفقنا أنه إذا لم يجلس؛ بطلت صلاته، كانت العلة أنه لم يخرج منها بسلام. ويكون قياسنا أولى لأنه يستند (٣٣٩) إلى ظاهر السنة، وقياسهم يبطله.

стр. 1907

فإن قيل: فإن السلام خطاب لحاضر؛ فأشبه التسليمة الثانية. قيل: ليس مع أنه خطاب لحاضر قد جعلتموه من مسنونات الصلاة، فلا ننكر أن يكون من فروضها، فلا يشبه التسليمة الثانية؛ لأنه يتحلل بأولى من الصلاة، ألا ترى أن الحج يتحلل منه التحلل التام بطواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة، ثم يقع بعده طواف الوداع، ولم يجب أن يكون حكم طواف الزيارة حكمه. فإن قيل: فإنه ذكر مفعول عقيب ركن، فأشبه ما يفعله بعد ركوعه وسجوده. قيل: هذا ينتقض على أصولنا بفاتحة الكتاب، هي بعد ركن هو القيام وتكبيرة الإحرام. فإن قيل: هو ذكر لو تعمد فعله وسط الصلاة؛ أفسدها، فوجب أن لا يكون من فروضها، دليله سائر أنواع الكلام. قيل: هذا فاسد بمن قصد الخروج في وسط الصلاة بما يضادها، وواجب الخروج به في آخرها فسقط ما ذكروه. وبالله التوفيق. * * * * مسألة (٣٧): اختلف الناس في ستر العورة (١)، فعندنا على وجهين:

стр. 1908

فبعض أصحابنا يقول: إن السترة من سنن الصلاة، وإليه ذهب إسماعيل القاضي (١)، وتبعه أبو الفرج المالكي (٢) بعد أن ذكر أنه يجيء على المذهب أن يكون فرضا لقول مالك ﵀ في الكفارة: "إن كساء المساكين وكانوا نساء بدرع "إن و خمار، وإن كانوا رجالا فثوب ثوب، وذلك أدنى ما تجزيء به الصلاة" (٣). فدل على أن الصلاة لا تجزيء إلا بذلك (٤).

стр. 1909

وكان شيخنا أبو بكر ﵁ يقول: "إن ستر العورة فرض في الجملة على الإنسان أن يسترها عن أعين المخلوقين في الصلاة، وغير الصلاة، والصلاة أكبر من غيرها (١). وعند أبي حنيفة والشافعي (٢) أنها من فروض الصلاة (٣). واختلفوا في حد العورة، وأنا أذكره بعد هذه المسألة. والدليل على أنها فرض في الجملة، وأن الصلاة لا تختص به دون ما قبلها، وأنه ليس من سنتها؛ أن الفرض بالاتفاق (٤) قد ثبت قبل الدخول في الصلاة فمن رام نفي ذلك في حال الصلاة فعليه الدليل. وأيضا فإن فرض الصلاة وسنتها التي تختص بها أنها تجب بوجوبها، وتزول بزوالها، كالطهارة، واستقبال القبلة، والنية لها، وما أشبه ذلك، فلو كان ستر العورة تختص به الصلاة؛ لما وجب إلا بوجوبها، وسقط بسقوطها، كفروضها وسننها، فلما كان ستر العورة عن أعين المخلوقين يجب قبل الصلاة، وفيها، وبعدها على طريقة واحدة؛ شابه الإيمان، وترك قذف

стр. 1910

المحصنات الذي إن لم يكن في الصلاة آكد منه في غيرها لم يكن دونه، ألا ترى أن الله تعالى أمر بالزيادة على ستر العورة عند الصلاة فقال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١) وأمر رسول الله ﷺ بالتجمل للجمعة، والأعياد، وصلاة الجماعات، بالزيادة على ما يستر به في غير ذلك، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض بغير خمار" (٢). فهو عموم في كل بالغ من النساء، حرة كانت أو أمة (٣)، إلا ما قام دليله. فإن قيل: فإنه تعالى لما ذكر الزينة عند كل مسجد؛ علمنا أنه يختص الصلاة، وكذلك قول الرسول ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض بغير خمار" (٤)، فقرن ذلك بالصلاة؛ علمنا أنه مما تختص به الصلاة. قيل: قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٥) فيه زيادة على ما يستر به عورته ليتجمل به بين يدي الله ، كما قيل في الخبر: "والله أحق

стр. 1911

من تجمل له" (١)، وكما يتجمل الإنسان في مواضع التجمل، فهذا يؤكد أمر الصلاة. وقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض بغير خمار (٢) أيضا تأكيد لأمر الصلاة، كما لو قال: "لا صلاة لمن لا إيمان له؛ لم يدل على أن الإيمان تختص به الصلاة دون ما قبلها، لأن الإيمان فرض قبل الصلاة، كما أن ستر العورة فرض قبل الصلاة، ألا تراه تعالى قال: ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ (٣). ويدل على هذا أيضا أنه لو ترك ستر العورة في الصلاة مع القدرة عليها استهانة؛ كانت صلاته باطلة (٤)؛ بعلة أنه مفروض عدل عنه لغير ضرورة، فكان بمنزلة من ترك القراءة المفروضة عليه لغير ضرورة، وبمنزلة من ترك الفروض اللازمة على الدوام، مثل الإيمان، وترك قذف المحصنات. فإن قيل: فما تقولون فيمن صلى في بيته وحده، حيث لا يراه مخلوق بغير سترة، مع القدرة على ذلك؟ فالذي ينبغي عندي أنه لا يجزئه (٥)؛ كما لو ترك الإيمان سرا، وقذف المحصنات في صلاته، لأن الله تعالى أولى أن

стр. 1912

يستتر له، وقد بينا أن أمر الصلاة أكد من غيرها. وكان إسماعيل يحتج بأنه يجوز له ستر عورته قبل الدخول في الصلاة بغير نية، وأنه لا يراد لنفسه، وإنما هي آلة يؤتى بها قبل الصلاة، فلو كانت فرضا؛ لما صح الإتيان بها بلا نية كالطهارة. فالجواب: أننا لا نقول: إن ذلك فرض لأجل الصلاة، وإنما هو فرض في الجملة، (٣٤٠) ويتأكد في الصلاة، وقد بينا أن كل فرض كان عليه قبل الصلاة وبعدها لم يزُل حكمه عنه في حال الصلاة (١). وأيضا فإن التوجه إلى القبلة مما تختص به الصلاة، وتجوز بغير نية، ولا يدل ذلك على سقوط فرضه مع القدرة. واحتج أيضا بأنه لو كان فرضا في الصلاة؛ لكان العريان لا يجوز له أن يصلي؛ لأن كل شيء من فروض الصلاة يجب الإتيان به مع القدرة عليه، أو ببدله مع عدمه، فإن عدمه يسقط الصلاة جملة، وليس اللباس كذلك. وقد أجبت عن ذلك بأننا لا نقول بأن سترة العورة يجب لأجل الصلاة، فلا معني لاعتباره بأفعال الصلاة، وبما يجب لأجلها كالوضوء الواقع إلى بدل، [و] (٢) كالقبلة، وغيرها مما تختص به الصلاة.

стр. 1913

وإنما قلنا: إنه فرض في الجملة، ويتأكد حكم الصلاة فيه. وأقول أنا: ثم مع هذا فليس كل شيء من فروض الصلاة يسقط إلى بدل مع الضرورة؛ لأن القراءة واجبة على المنفرد، وتسقط خلف الإمام عنه لا إلى بدل، وكذلك الأمي الذي لا يحسن القراءة ولا غيرها من التسبيح تصح صلاته من غير بدل، وكذلك الأخرس، وإذا كانت الصلاة نفسها قد تسقط في مواضع لا إلى بدل؛ فما فيها يجوز أن يسقط إلى غير بدل، وإلى بدل، ولا طائل فيما ذكر. وعلى أن إسماعيل وغيره يقولون: إن ستر العورة فرض في الجملة، ولا يمكنهم أن يقولوا ذلك فرضه في الصلاة. فإن قيل: فما تقولون فيه إذا اضطر إلى قذف محصنة، أو يلفظ بكلمة الكفر في الصلاة بأن يكره على ذلك، فيكون مضطرا كما يضطر إلى كشف عورته في الصلاة حتى يصلي عريانا؛ هل تصح صلاته؟ قيل: يحتمل أن تكون صلاته صحيحة؛ لأن الكلام لا ينافيها. ويجوز أن يخرَّج قول القاضي إسماعيل ﵇ ومن تابعه على أنه أراد بالسنة ما زاد على ستر العورة؛ حتى لا يكون فيه خلاف، ألا ترى إلى قول مالك ﵀ في الكفارة: إن كساء المساكين -وكانوا رجالا- قدرها درعا، وذلك أدنى ما تجزئ به الصلاة"، والدرع القميص، فالقميص زائد على ستر العورة؛ لأن العورة من أسفل السرة إلى ما دون الركبة. فإن قيل: فعلى أي شيء يحمل قول مالك: "إن الحرة إذا صلت بغير

стр. 1914

خمار أنها تعيد في الوقت" (١)، لو كان فرضا؛ لوجب أن تعيد في الوقت وغيره. قيل: أحمل قوله على أنه يعفى عن القليل منها؛ لاختلاف الناس في ذلك، ولم يقل مالك: إنها لو صلت مكشوفة السوأة أنها تعيد في الوقت، مع قدرتها على ستر ذلك. وإذا كان الناس قد اختلفوا في مقدار ما ينكشف منها؛ قلنا: تعيد في الوقت لتأتي بالصلاة في وقتها، على ما أخذ عليها بلا خلاف، فإذا خرج الوقت؛ قلنا: مضت الصلاة في وقتها بخلاف؛ أولى منها في غير وقتها بلا خلاف؛ لأن الوقت أقوى مراعاة، ألا تري أن المسايف يصلي في الوقت على ما يمكنه، فيترك القبلة، والركوع والسجود، ويومئ لمراعاة الوقت. ثم لو نص مالك على المصلي عريانا -مع القدرة على السترة- أنه يعيد في الوقت، ولا يعيد بعده؛ لم يمنع هذا من كون السترة فرضا، ألا ترى أن الصلاة في الدار المغصوبة، وبالثوب المغصوب، والوضوء بالماء المغصوب؛ فرض عليه أن لا يصلي في الدار المغصوبة، وأن لا يدخلها قبل الصلاة وبعدها، ثم لو صلى بجميع ذلك؛ لكان قد ترك الفرض وعصى، ويعيد الصلاة في الوقت، ولا تجب الإعادة بعد الوقت، وصلاته مجزئة وإن كان عاصيا في ذلك، وكذلك نقول في الموالاة في الوضوء -إذا نسيها حتى صلى، وقد بقي عليه عضو مفروض غسله-: إنه يغسله بعينه ويعيد الصلاة (٢)،

стр. 1915

وكذلك في التسمية على الذبيحة، فبعض الفروض إذا تركه تارك عمدا؛ أعاد في الوقت وغيره، وبعضها إذا تركه عمدا؛ أعاد في الوقت، وبعضها يختلف حكمه في العمد والنسيان، وبعضها يتفق، وإنما هو على حسب الأدلة في قوة بعضه، وانخفاض بعضه، ألا ترى أن نفس الصلاة قد اختلف الناس فيمن تركها عامدا حتى خرج وقتها، فقد قال بعضهم: إنها لا تعاد (١)، فلا ننكر ذلك أن يكون ذلك في وصف من أوصافها، فيحتمل هذا فيمن صلى عامدا في بيته، وحيث لا يراه الناس عريانا مع القدرة، وفيمن صلى أيضا والناس يرونه، وهذا على أضعف الأمور، وإنما الكلام في أن تارك ذلك مع القدرة يقضي، وتارك السنن متأولا لا يقضي، فينبغي أن يكون الكلام مبنيا على هذا. وبالله التوفيق. دليل في أصل المسألة: وهو ما رواه سلمة بن الأكوع، وذلك أنه قال: "يا رسول الله! إني أكون في الصيد وعلي قميص واحد، وتحضر الصلاة، فقال: زُرّه ولو بشوكة" (٢). فلو كان ستر العورة سنة وليس بواجب؛ لم يقل له ذلك، ولقال له: "ستر العورة ليس بواجب". وأيضا فقد روي "أن رجلا سأل النبي ﷺ : أيصلي أحدنا في الثوب

стр. 1916

الواحد؟ فقال: أوَ لكلكم ثوبان" (١). فأخبر أن الثوب الواحد لا بد منه، ولو لم يكن واجبا؛ لقال: "إن ذلك ليس بواجب، (٣٤١) فإن صليت عريانا؛ جاز، وفي ثوب واحد، وكيف شئت". وأيضا فإنه ﷺ قال لجرهد: "غط فخذك فإن الفخذ عورة" (٢). وأمره واجب، وهذا يدل على أن ستر العورة واجب في الجملة. وقد رد أصحاب الشافعي هذه المسألة علينا، وظنوا أنه مذهب مالك، وتكلموا على ما ذهب إليه إسماعيل، وقد بينت الطريقة فيه. والله الموفق للصواب. * * *

стр. 1917

فَصْل في حد العورة عندنا أن حد العورة ما بين السرة إلى الركبة، وليست السرة ولا نفس الركبة منها (١)، هذا في الرجل دون المرأة. وكذلك عند أبي حنيفة والشافعي (٢). غير أن أبا حنيفة يقول في المرأة: إن انكشف ربع (٣) ساقها أو يدها؛ جاز صلاتها.

стр. 1918

وليس لها عندنا ولا عند الشافعي حد محدود. وقال قوم: العورة نفس السبيلين، وهما السوءتان (١). والدليل على حد العورة حديث أبي أيوب أن النبي ﷺ -قال: "إذا زوج أحدكم عبده؛ فلا ينظر إلى ما بين سرته إلى ركبته، فإن ما بين السرة والركبة عورة" (٢). وأراد إذا بلغ حد التزويج، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ (٣). وروي أنه ﷺ قال: "غط فخذك فإن الفخذ عورة" في حديث حذيفة (٤).

стр. 1919

وعن علي عن النبي ﷺ مثله (١). وعن علي ﵁: "لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" (٢)، وعن أبي عبد الله العمري وأبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "ما أسفل من السرة من العورة، وما فوق الركبة من العورة" (٣). فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ (٤). وقال: ﴿لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ (٥). وقال: ﴿يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ (٦).

стр. 1920

وقال: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ (١). قيل: يقتضي ذلك وشيئا آخر معه بالدلائل التي ذكرناها. وأيضا فنقول: إن السبيلين وما يتصل بهما من الفخذين يقع عليهما اسم سوءة. فإن قيل: "فإن النبي ﷺ كان مكشوف الفخذ، فجاء أبو بكر وعمر فلم يغطها، ثم جاء عثمان ﵁ فغطاها، فقالت له عائشة ﵂: لم تغطه لأبي بكر وعمر، وجاء عثمان فغطيته؟ فقال ﷺ : إن عثمان رجل حيي، ألا أستحيي ممن تستحيي منه ملائكة السماء" (٢).

стр. 1921

فلو كان الفخذ عورة ما كشفه بحضرة أبي بكر وعمر. قيل: عن هذا جوابان: أحدها: أنه لم تكن نفس الفخذ مكشوفة (١)، ويحتمل أن يكون ما قاربه من الساق، فغطاه احتشاما من عثمان لموضع الصهر منه، فقال: إني خشيت أن لا يبلغ حاجته؛ لأنه رجل حيي. والجواب الثاني: أنه قد قيل: إن أبا بكر وعمر كانا إلى جنب النبي ﷺ ، وكانا بحيث لا يريان فخذه من الجانب الآخر، فلما دخل عثمان من حيث يراها؛ غطاها (٢). فإن قيل: أليس لتخصيص عثمان بقوله: "أستحيي منه" فائدة.

стр. 1922

قيل: بلى؛ معناه أنه أراد أن يبين لعثمان هذه المدحة فجعل هذا سببا، كما قال: "أقرأكم أبي، وأصدقكم لهجة أبو ذر، وأفرضكم زيد" (١). وأيضا فإن أردنا أن نستعمل خبرين؛ لم يكن بد أن ينقل أحدهما عن ظاهره، ومعنا نص أن الفخذ عورة. فإن قيل: فقصة موسي ﵇ "لما سار الحجر وقد ترك ثوبه عليه، وعدا عريانا" (٢)، ولعله غطى فرجه بيديه، وبقيت الفخذان مكشوفتين، فلو كانتا عورة؛ ما جاز له ذلك، ولا انتظر حتى يواريهما (٣). قيل: تلك آية أظهرها الله لموسى؛ لأنه قيل: إنه آدر (٤)، فتيقن كذبهم، وهذه ضرورة، ولو صلى بها جاز. فأما الكلام مع أبي حنيفة في التحديد، وكشف ربع فخذ الرجل، وربع ساق المرأة، وإن انكشف شيء من السبيلين -قل أو كثر-؛ بطلت الصلاة، واعتمد على أن أقل من الربع معفو عنه كما عفى عن قليل النجاسة، وكما حد في مسح الرأس الربع، وقد بينا قوله ﷺ : الجرهد: "فإن الفخذ

стр. 1923

"عورة" (١)، ولم يفرق بين القليل والكثير. وأيضا فإن من أصله أن التحديد والتقدير لا يؤخذ قياسا، وهذا منه. وعلى أنه لا ينفصل ممن قدره الثلث أو السدس بغير دليل. وقد قال سلمة بن الأكوع للنبي ﷺ : "إني أكون في الصيد وعلي القميص الواحد، فتحضر الصلاة، فقال: زره ولو بشوكة" (٢). ولم يحد حدا، فدل على ما قلناه. ويلزمهم أن يجيزوا كشف ربع السوءة، فلما اتفقنا أن قليل ذلك وكثيره سواء -لأنه عورة-؛ فكذلك الفخذ قد بينا أنه عورة، قليله وكثيره سواء. وما ذكروه من تحديد مسح الرأس؛ فإننا لا نحد فيه حدا. فإن قيل: فإن عمرو بن سلمة قد صلى بهم فقالت امرأة: "غطوا است قارئكم" (٣). فالجواب عنه من وجوه: أحدها: أنه معناه لا نجيز إمامة الصبي. وجواب آخر: يجوز أن تكون الريح كشفته فرأته المرأة، ومثل هذا لا يبطل صلاته. وجواب آخر: يجوز أن يكون عمرو فقيرا، فلم يجد أكثر من ذلك،

стр. 1924

وهذه حال ضرورة، يجوز للعريان أن يصلي إذا لم يجد. ويحتمل أن يكون ذلك ضربَ مثل، أي هو صغير لا يحسن أن يستر عورته، فكيف قدمتموه؟! ثم إن الإست لا يجوز كشفها عندكم، وهي التي انكشفت، (٣٤٢) فينبغي أن تجيزوا ذلك. وفي الخبر قال: "قدموني وكنت أصغرهم سنا ابن سبع سنين، وعلي بردة صغيرة، فكنت إذا سجدت؛ انكشفت عورتي، فقالت امرأة: واروا عنا عورة قارئكم، فاشتروا لي قميصا، فما فرحت بعد الإسلام بشيء فرحي به" (١). وفي بعض الأخبار: وعلي بردة موصولة، فيها فتق، فكنت إذا سجدت خرجت استي" (٢). وأيضا فإن ستر العورة واجب قبل الصلاة وفيها، وبعدها، فلا يجوز ترك شيء منها، فقد أشبهت شرائط الصلاة إذا كانت لا تصح إلا بها مع القدرة، فلا يجوز ترك شيء منها كغسل الوجه. وأيضا فإنه عضو يجب ستر أكثره، فلا يجوز أن يبدو ربعه، كالفرج. ونقول: إنه عضو من المرأة، يجب تغطيته في الإحرام بالحج، فلا يجوز كشف ربعه، ربعه، كالفرج. وبالله التوفيق. * * *

стр. 1925

* مسألة (٣٨): عند مالك ﵀ والشافعي أن المرأة الحرة كلها عورة، لا يجوز لها أن تكشف غير وجهها وكفيها (١). وقال أبو حنيفة ومحمد: إن انكشف من القدم الربع (٢)، ومن الرَّجل ربع فخذه؛ جاز، فأما الزيادة على ذلك؛ فلا. وإن انكشف من السوءتين مقدار الدرهم؛ جاز، ولا يجوز أكثر، وأبو يوسف يعتبر النصف (٣). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٤). قال العلماء: الوجه والكفان (٥). وروي في حديث عن النبي ﷺ أنه قال: "المرأة عورة إلا الوجه والكفين" (٦). وقد قال تعالى: ﴿زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٧)، وهذا يقتضي أخذ جميع الزينة في كل موضع من البدن إلا أن تقوم دلالة (٨).

стр. 1926

وقد اتفقنا أن المرأة تلبس الخف في الإحرام، فلو لم تكن عورة؛ لم يجز لها أن تلبس الخف، ألا ترى أنه لا يجوز لها في الإحرام أن تكشف ربع وجهها، ولا ربع يديها، ولا تغطي الربع أيضا وتكشف الباقي، فكذلك ربع قدمها. وأيضا فإن النبي ﷺ قال: "غط فخذك فإن الفخذ عورة" (١). ولم يفرق بين قليله وكثيره (٢). وأيضا فإنه موضع من عورة يمكنه ستره، فأشبه ما زاد على الربع (٣). وأيضا فإن المقادير لا يصح إثباتها عندهم قياسا، فكذلك في هذا الموضع، وليس عندهم نص. وأيضا فإن الجميع قد استوى حكمه في النظر، فوجب أن يستوي في حكم الصلاة مع العورة. فإن قيل: فإن قوله ﷺ : "الفخذ عورة" (٤)؛ المقصد منه بيان كونها

стр. 1927

عورة، وكونها عورة لا يقتضي فساد الصلاة بترك بعضها (١). قيل: هذا فاسد؛ لأنه ﷺ أمر بتغطية الفخذ كلها، وأمره واجب، ولا يخلو أن يكون قال ذلك لمن هو في صلاة أو غير صلاة، فإن كان في صلاة؛ فلم يرخص له في ترك النقص، وإن كان في غير صلاة؛ فقد بينا أن الفرض من ستر العورة في غير الصلاة لم يزل حكمه في حال الصلاة، إن لم يتأكد حكمه فليس ينقص، ألا ترى أن ما زاد على الربع هذا حكمه. فإن قيل: لا يصح القياس على الكثير منه؛ لأن ما يفسد الصلاة على وجهين: منه ما يختلف حكم قليله وكثيره، نحو المشي والعمل. ومنه ما يستوي، مثل: الكلام، والقهقهة. وإذا كان ذلك مختلفا؛ لم يجز أن يعتبر حكم قليله وكثيره في باب الفساد، ووجب الرجوع إلى دلائل أخر من غيره. قيل: فإذا انقسم ما يفسد الصلاة قسمين؛ فاعتبر أحد القسمين في قليله وكثيره في الإفساد، كالكلام، والقهقهة، والحدث، فلِم جعلت العورة من الحيز الآخر دون هذا الحيز؟! فإن قيل: لأن العريان يصلي إذا لم يجد ما يستره، ولم تجز الصلاة مع الحدث والقهقهة. قيل: هذا فاسد؛ لأننا نعلم أن الإنسان تجوز له في حال ما الصلاة إلى

стр. 1928

غير القبلة (١)، ولا يجوز له مع القدرة الانحراف عن بعضها، وتجوز لمن يحسن آية من القرآن أن يصلي، ولا يجوز له مع القدرة ترك ربع آية، وكذلك إذا لحق الإمام راكعا تسقط قراءة الآية والآيات على اختلافكم في ذلك، ومع القدرة لا يجوز له ترك الربع مما فرض عليه من القراءة، فسقط ما ذكرتموه. فإن قيل: فإن اعتباركم ذلك بتحريم النظر؛ لأن الريح لو هبت فكشفت ثوبه؛ لكان النظر محرما إلى عورته، وإن لم يفسد صلاته. قيل: هذا أيضا فاسد؛ لأن الريح لو كشفت جميع سوءته، ثم عاد الثوب فغطاها؛ لم تفسد الصلاة، فلا فرق بين الربع والكل، فينبغي أن يستوي مع العمد حكم قليلها وكثيرها (٢). ثم لو كشفت الريح ثوبه، فوقع ناظر الإنسان على سوءته فجأة؛ لم يكن ذلك محرما، كما لم يكن كشف الريح لثوبه محرما، وإنما يحرم النظر مع العمد، كما يحرم كشف الثوب عمدا، فقد استوى الحكم فيهما على ما ذكرناه. فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" (٣). ويقال: "إنها صلت بخمار"؛ وإن كان قد انكشف من رأسها ربعه.

стр. 1929

قيل: هذا حجة لنا؛ لأنه ﷺ نص على الخمار لأنه يستر جميع رأسها، فإذا تركت (٣٤٣) الربع؛ فلم تصل بخمار يستر جميع رأسها، ألا ترى أنه لو انكشف النصف وأكثر لقيل أيضا: إنها صلت بخمار، ولكن لا يقال: إنها صلت بخمار غطى رأسها، وإنما غطى بعضه. فإن قيل: فإن ستر العورة عندنا بمنزلة غسل النجاسة من البدن والثوب؛ لأننا فرقنا بين العورة المغلظة والتي خفف حكمها، فاعتبرنا في المغلظة مقدار الدرهم، ففي المخففة ما ذكرناه من الربع، كما فرقنا بين النجاسة المخففة والمغلظة، وقد ثبت أن قليل النجاسة لا يتعلق به حكم، فوجب أن يكون كذلك القليل من الكشف. قيل: هذا الاعتبار عندنا فاسد، وقد تكلمنا على اعتباركم مقدار الدرهم في النجاسة في كتاب الطهارة (١)، ولو كان هذا مما قد عفي عنه؛ لم يكن محدودا، ولكان المرجوع فيه إلى ما يغلب على الظن، كالعمل القليل في الصلاة. وأما تحديدكم بالربع؛ فلا تنفصلون ممن حدده بالثلث؛ لأن الثلث قد اعتبر في مواضع من الشرع، وجعل في حد القليل تارة، وفي حد الكثير أخرى. ولا تنفصلون من قول أبي يوسف وتحديده النصف، ولا ينفصل أبو يوسف من تحديدكم بالربع، ولا تنفصلون جميعا ممن حدد ذلك بالثلث، فينبغي أن يسقط التحديد. وبالله التوفيق. * * *

стр. 1930

* مسألة (٣٩): اختلف الناس في التسبيح في الركوع والسجود. فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: إنه ليس بواجب (١). وقال قوم: إن "سبحان ربي العظيم" واجب في عينه، حتى لو قال ذكرا من الأذكار غيره؛ لم يجزئه (٢). وقال قوم من أهل الظاهر: إنه واجب على الإطلاق، فمتى تركه ناسيا أو عامدا؛ لم يجزئه (٣).
следующие страницы →