← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وقد اتفقنا أن المرأة تلبس الخف في الإحرام، فلو لم تكن عورة؛ لم يجز لها أن تلبس الخف، ألا ترى أنه لا يجوز لها في الإحرام أن تكشف ربع وجهها، ولا ربع يديها، ولا تغطي الربع أيضا وتكشف الباقي، فكذلك ربع قدمها. وأيضا فإن النبي ﷺ قال: "غط فخذك فإن الفخذ عورة" (١). ولم يفرق بين قليله وكثيره (٢). وأيضا فإنه موضع من عورة يمكنه ستره، فأشبه ما زاد على الربع (٣). وأيضا فإن المقادير لا يصح إثباتها عندهم قياسا، فكذلك في هذا الموضع، وليس عندهم نص. وأيضا فإن الجميع قد استوى حكمه في النظر، فوجب أن يستوي في حكم الصلاة مع العورة. فإن قيل: فإن قوله ﷺ : "الفخذ عورة" (٤)؛ المقصد منه بيان كونها

стр. 1927

عورة، وكونها عورة لا يقتضي فساد الصلاة بترك بعضها (١). قيل: هذا فاسد؛ لأنه ﷺ أمر بتغطية الفخذ كلها، وأمره واجب، ولا يخلو أن يكون قال ذلك لمن هو في صلاة أو غير صلاة، فإن كان في صلاة؛ فلم يرخص له في ترك النقص، وإن كان في غير صلاة؛ فقد بينا أن الفرض من ستر العورة في غير الصلاة لم يزل حكمه في حال الصلاة، إن لم يتأكد حكمه فليس ينقص، ألا ترى أن ما زاد على الربع هذا حكمه. فإن قيل: لا يصح القياس على الكثير منه؛ لأن ما يفسد الصلاة على وجهين: منه ما يختلف حكم قليله وكثيره، نحو المشي والعمل. ومنه ما يستوي، مثل: الكلام، والقهقهة. وإذا كان ذلك مختلفا؛ لم يجز أن يعتبر حكم قليله وكثيره في باب الفساد، ووجب الرجوع إلى دلائل أخر من غيره. قيل: فإذا انقسم ما يفسد الصلاة قسمين؛ فاعتبر أحد القسمين في قليله وكثيره في الإفساد، كالكلام، والقهقهة، والحدث، فلِم جعلت العورة من الحيز الآخر دون هذا الحيز؟! فإن قيل: لأن العريان يصلي إذا لم يجد ما يستره، ولم تجز الصلاة مع الحدث والقهقهة. قيل: هذا فاسد؛ لأننا نعلم أن الإنسان تجوز له في حال ما الصلاة إلى

стр. 1928

غير القبلة (١)، ولا يجوز له مع القدرة الانحراف عن بعضها، وتجوز لمن يحسن آية من القرآن أن يصلي، ولا يجوز له مع القدرة ترك ربع آية، وكذلك إذا لحق الإمام راكعا تسقط قراءة الآية والآيات على اختلافكم في ذلك، ومع القدرة لا يجوز له ترك الربع مما فرض عليه من القراءة، فسقط ما ذكرتموه. فإن قيل: فإن اعتباركم ذلك بتحريم النظر؛ لأن الريح لو هبت فكشفت ثوبه؛ لكان النظر محرما إلى عورته، وإن لم يفسد صلاته. قيل: هذا أيضا فاسد؛ لأن الريح لو كشفت جميع سوءته، ثم عاد الثوب فغطاها؛ لم تفسد الصلاة، فلا فرق بين الربع والكل، فينبغي أن يستوي مع العمد حكم قليلها وكثيرها (٢). ثم لو كشفت الريح ثوبه، فوقع ناظر الإنسان على سوءته فجأة؛ لم يكن ذلك محرما، كما لم يكن كشف الريح لثوبه محرما، وإنما يحرم النظر مع العمد، كما يحرم كشف الثوب عمدا، فقد استوى الحكم فيهما على ما ذكرناه. فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" (٣). ويقال: "إنها صلت بخمار"؛ وإن كان قد انكشف من رأسها ربعه.

стр. 1929

قيل: هذا حجة لنا؛ لأنه ﷺ نص على الخمار لأنه يستر جميع رأسها، فإذا تركت (٣٤٣) الربع؛ فلم تصل بخمار يستر جميع رأسها، ألا ترى أنه لو انكشف النصف وأكثر لقيل أيضا: إنها صلت بخمار، ولكن لا يقال: إنها صلت بخمار غطى رأسها، وإنما غطى بعضه. فإن قيل: فإن ستر العورة عندنا بمنزلة غسل النجاسة من البدن والثوب؛ لأننا فرقنا بين العورة المغلظة والتي خفف حكمها، فاعتبرنا في المغلظة مقدار الدرهم، ففي المخففة ما ذكرناه من الربع، كما فرقنا بين النجاسة المخففة والمغلظة، وقد ثبت أن قليل النجاسة لا يتعلق به حكم، فوجب أن يكون كذلك القليل من الكشف. قيل: هذا الاعتبار عندنا فاسد، وقد تكلمنا على اعتباركم مقدار الدرهم في النجاسة في كتاب الطهارة (١)، ولو كان هذا مما قد عفي عنه؛ لم يكن محدودا، ولكان المرجوع فيه إلى ما يغلب على الظن، كالعمل القليل في الصلاة. وأما تحديدكم بالربع؛ فلا تنفصلون ممن حدده بالثلث؛ لأن الثلث قد اعتبر في مواضع من الشرع، وجعل في حد القليل تارة، وفي حد الكثير أخرى. ولا تنفصلون من قول أبي يوسف وتحديده النصف، ولا ينفصل أبو يوسف من تحديدكم بالربع، ولا تنفصلون جميعا ممن حدد ذلك بالثلث، فينبغي أن يسقط التحديد. وبالله التوفيق. * * *

стр. 1930

* مسألة (٣٩): اختلف الناس في التسبيح في الركوع والسجود. فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: إنه ليس بواجب (١). وقال قوم: إن "سبحان ربي العظيم" واجب في عينه، حتى لو قال ذكرا من الأذكار غيره؛ لم يجزئه (٢). وقال قوم من أهل الظاهر: إنه واجب على الإطلاق، فمتى تركه ناسيا أو عامدا؛ لم يجزئه (٣).

стр. 1931

والدليل لما عليه الجماعة قول الله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (١). فظاهر هذا يقتضي جواز ما سمي ركوعا وسجودا، فإيجاب ذكر معه يحتاج إلى دلالة. وأيضا قول النبي ﵇: "وإنما لامرئ ما نوى" (٢). فالمصلي إذا نوى الصلاة ولم يسبح؛ فله ما نواه. وأيضا قوله: "لا صلاة إلا بطهور" (٣). دليله: إذا تطهر وصلى فقد أجزأته. وكذلك قوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (٤)؛ يقتضي إما نفي [الإحرام] (٥)، أو الكمال، أو هما، فدل على أنه إذا صلى وقرأ؛ فقد أجزأته صلاته أو كملت. وأيضا تعليمه للناقص من صلاته بقوله: "افعل كذا، واركع حتى تطمئن" (٦). ولم يذكر له التسبيح مع تعليمه له ما تصح به الصلاة، وتبيينه المراد من واجبات الصلاة.

стр. 1932

فإن قيل: فقد أمسك عن ذكر السلام. قيل: الظاهر يقتضي وجوب القدر الذي عليه فقط؛ لولا أن الدلالة قامت على وجوب السلام. وأيضا فقد قال: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" (١). فلا يجب بعد هذا شيء إلا بدلالة. وأيضا قوله لابن مسعود: "فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك" (٢). ولم يذكر التسليم، وقد بينا أن التمام ضد النقصان، أو يكون الكمال؛ فلا يجب مع التمام شيء إلا بدلالة. وقد اتفقنا على أن ما عدا فاتحة الكتاب من القرآن في الصلاة ليس بواجب، المعنى فيه أنه ذكر في تضاعيف الصلاة ليس بمقدر، فهذا ذكر في خلالها ليس بمقدر، فهو غير واجب. وأيضا فإنه ذكر مفعول في خلال الصلاة من غير القرآن، فأشبه تكبيرات الركوع. وأيضا فإنه ذكر في حال الركوع، فأشبه التسبيحة الرابعة. ومنهم من يقول: إن تركه ناسيا؛ صحت صلاته (٣)، فنقول: هو ذكر لو تركه ناسيا؛ لم تفسد صلاته، فكذلك لو تركه عامدا؛ دليله تكبيرات

стр. 1933

الركوع (١)، وما زاد على فاتحة الكتاب. فإن قيل: فإن فعله ورد مورد البيان، وقد روى حذيفة أن رسول الله ﵇ كان إذا ركع قال: "سبحان ربي العظيم، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى" (٢). وقد قال أيضا: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣). قيل: أما قولكم: "إن فعله ورد مورد البيان"؛ فإن ذكره تعالى الركوع والسجود مفسر غير مفتقر إلى بيان، فلا يقع البيان فيما ليس بمجمل، فيحمل فعله على الاستحباب. وأما قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"؛ فنحن كما رأيناه يصلي، فنفعل الواجب كما فعله، ونفعل المسنون والمستحب كما فعله، ولم تقم دلالة أن التسبيح واجب. فإن قيل: فإن فعله واجب. قيل: التسبيح قول اختصه، وليس بفعل منه ولا أمر لنا، ولو كان ظاهره معكم؛ لجاز لنا أن نحمله على الاستحباب بدليل تعليمه للأعرابي الواجبات، ولم يكن التسبيح منها، وبالقياس الذي ذكرنا.

стр. 1934

فإن قيل: فقد قال ﵇: "أما الركوع فعظموا فيه الرب" (١). وهذا أمر ظاهره الوجوب. وروي في حديث عقبة بن عامر لما نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (٢) قال ﵇: اجعلوها في ركوعكم (٣). وهذا أمر ظاهره الوجوب. وروي أنه قال: إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه: "سبحان ربي العظيم" ثلاثا فقد تم ركوعه" (٤). وأيضا فإنه ذكر في ركن مقصود فأشبه القيام. قيل: لو سلمت الظواهر؛ لم يمتنع أن نخص بتعليمه الأعرابي واجبات الصلاة، وبالقياس. وأما القياس الذي ذكروه؛ (٣٤٤) فإنه ينتقض بالقيام من الركوع. وأيضا فإن ما زاد على فاتحة الكتاب غير واجب، وهو ذكر في ركن. وأيضا فإن ترك القراءة التي هي فاتحة الكتاب ناسيا؛ يفسد الصلاة،

стр. 1935

والتسبيح لو تركه ناسيا؛ لم تفسد صلاته. وأما الكلام مع من يعين التسبيح؛ فقد أبطله نفس وجوب التسبيح. ثم نقول: قال ﵇: "أما الركوع فعظموا الله فيه" (١). فلو قال القائل: "سبحان ربي الجليل، أو الكبير"، أو "القدير"؛ لكان معظما له تعالى. وقد روى أنه ﵇ كان يقول في ركوعه: "لك ركعت، وبك آمنت، وعليك توكلت" (٢)، وكلاما نحو هذا. فإذا ثبت هذا؛ فإن نفس التسبيح [ليس] (٣) بواجب، فتعيينه والعدول عنه إلى ما في معناه يجوز، وإن كنا نستحب تعيينه. وبالله التوفيق. * * * * مسألة (٤٠): المستحب عند مالك ﵀ والأوزاعي أن يضع المصلي يديه في الأرض إذا أهوى إلى السجود قبل ركبتيه (٤). وقد قال مالك في كتاب ابن عبد الحكم: "إنه يضع أيهما شاء قبل

стр. 1936

صاحبه فإنه واسع" (١). وقال أبو حنيفة والشافعي: يبدأ بركبتيه على الأرض (٢) قبل يديه (٣). والدليل لقولنا ما رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير" (٤). وفي حديث: "كما تبرك الإبل وليضع يديه قبل ركبتيه" (٥). وأيضا فإن ابن عمر كذا كان يفعل (٦)، وكان في جميع أموره يقتدي برسول الله ﵇، هذا مشهور من مذهبه حتى إنه كان يجدد الطهارة لكل صلاة (٧). وأيضا فإن عمل أهل المدينة على ذلك. فإن قيل: فقد روى وائل بن حجر: "كان النبي ﵇ إذا سجد وضع

стр. 1937

ركبتيه قبل يديه" (١). قيل: الجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن إسناد هذا الحديث لا يوازي حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. وجواب آخر: وهو أن الأمر من النبي ﷺ أقوى فعله؛ لأن أمره يتعداه ولا يدخل هو فيه، وفعله يخصه ولا يتعداه، ومعنا أمر منه، ومعكم حكاية فعله، فقولنا أولى. وأيضا فإن النبي ﵇ أمر بوضع اليدين قبل الركبتين، ونهى عن ضده فقال: "لا يبرك أحدكم كما تبرك الإبل" (٢). فاجتمع في خبرنا أنه أمر بشيء، ونهى عن ضده، ومنع أن يتشبه بالإبل، فلا يجوز [إلا] (٣) أن نقضي أن مثل هذه الحكاية فعل يخص النبي ﵇ ولا يتعداه، فيجوز أن يكون فعله لعلة كان يجدها في يده تمنعه من استقبال الأرض بيده؛ لأننا نعلم أن الإنسان إذا انحط على يده فإن ثقل حمله وقع على يديه.

стр. 1938

وأيضا فقد يفعل [الشيء] (١) ليعلمنا أنه يجوز فعله، فلا يسقط الأمر الذي تقدم منه، بل ينقل من الوجوب إلى الاستحباب، وهذا عندنا مستحب بدلالة فعله. وأيضا فإن العمل وقوة الإسناد قد صحب خبرنا. فإن قيل: فقد روى مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد قال: "كنا نضع اليدين قبل الركبتين فنهينا عنه، وأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين" (٢). وهذا نص ناسخ لخبركم؛ لأنهم كانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه. قيل: حديث سعد حكي فيه فعلهم ولا ندري أكانوا يفعلونه بشرع أو بغيره، فيجوز أن يكونوا فعلوه من قبل نفوسهم، ثم نهوا عنه من جهة الشريعة، ثم أمروا بعد ذلك أن لا يتشبهوا بالإبل، وأن يتركوا ذلك ويضعوا أيديهم قبل ركبهم، فيكون هذا هو الناسخ؛ لأن التشبيه قائم. وأيضا فقول سعد: "نهينا" ليس فيه صريح أن النبي ﵇ نهاهم (٣)، ومعنا صريح منها ﵇ أنه أمر بوضع اليدين قبل الركبتين، و [أن] (٤) لا يتشبه

стр. 1939

بالإبل، فهو أولى أن يقضى به على خبركم. على أننا نستعمل الخبرين؛ فيجوز هذا وهذا على طريق التخيير. فإن قيل: فإنه عضو يرفع قبل صاحبه فينبغي أن يوضع صاحبه قبله، ويريدون بهذا أن اليدين ترفعان من البدن قبل الركبتين، فينبغي أن توضع الركبتان على الأرض قبلهما، كما أن الوجه يرفع قبل اليدين وهما يوضعان قبله. قيل: عندنا أن الساجد إذا قام من السجدة الأخيرة من الركعة الأولى لا يجلس ثم يقوم (١)، ولكن تكون يداه على الأرض يعتمد عليها، وينهض من سجوده، فيرفع ركبتيه قبل يديه، فينبغي أن يضع يديه قبل ركبتين كالجبهة مع اليدين كما قلتم، وكذلك إذا نهض من التشهد الأول يعتمد على يديه للقيام، فيرفع ركبتيه قبل يديه فينبغي أن يضعهما قبل ركبتيه. فإن قيل: فإن الصلاة بني أمرها على السكون والتأني، ووجدنا الإنسان إذا أوقع أولا ركبتيه إلى الأرض؛ كان أهدأ من ابتدائه باليدين، لأن أقرب الأعضاء إلى الأرض هي الركبتان، (٣٤٥) فيضع [الركبتين] (٢)، ثم اليدين، لأنهما تليان الركبتين، فهذا أهدأ وأسكن. قيل: الذي هو أهدأ وأسكن هو أن ينحط على يديه ويبدأ بهما، ولأنهما عضوان قد خصا بشيء زائد على ما في الركبتين، ألا ترى أن السنة أن يضع إحداهما على الأخرى في قيامه (٣) وأن يبسطهما على فخذيه [في

стр. 1940

جلوسه] (١)، ويشير بسبابته في التشهد (٢)، فينبغي أن يقدما إلى السجود الذي هو غاية في الخشوع. فإن قيل: فإن حديث أبي هريرة قد روي عنه أنه قال عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كبروك البعير، وليضع ركبتيه قبل يديه" (٣). فقد نقل ما يضاد خبركم، فننظر أي الخبرين أولى من صاحبه، فخبرنا أولى؛ لأنه ﵇ قال: "لا يبركن كبروك الإبل أو الجمل"، فننظر أي شيء يضع على الأرض أولا، فلا نشك أنه يضع يديه، والنبي ﵇ قد نهى عن ذلك. قيل: النبي ﵇ إنما نهى أن يتشبه به في الصورة والهيئة، فلما كان قيام الجمل على أربع قوائم، فإذا برك انحط قبل طرح صدره إلى الأرض؛ فقيام الإنسان على رجليه كقيام الجمل على قوائمه الأربع، فإذا انحط الإنسان على ركبتيه - قبل طرح جملته -؛ فهو كما ينحط الجمل قبل طرح جملته إلى الأرض (٤).

стр. 1941

فلهذا قال ﵇: "وليضع يديه قبل ركبتيه" (١) حتى لا يشبه الجمل في الصورة (٢)، فصار خبرنا أولى. والله المنة. ووجه الرواية الأخرى أن نستعمل الخبرين على التخيير بين الفعلين. * * * * مسألة (٤١): عند مالك وأبي حنيفة أن الذي يرفع رأسه من السجدة الأخيرة من الركعة الأولى يقوم من سجوده، وكذلك من الثالثة (٣). وقال الشافعي (٤): يجلس جلسة خفيفة ثم ينهض (٥). والدليل لقولنا ما رواه وائل بن حجر: "أن النبي ﵇ كان إذا رفع رأسه

стр. 1942

من السجود استوي قائما" (١). وفعله على الوجوب. وقال أيضا: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢). ولو كان يجلس؛ لقيل: "كان إذا رفع رأسه جلس ثم قام". وأيضا فإنه علم الأعرابي فقال له: "اسجد حتى تطمئن جالسا، ثم قم (٣). ولم يقل: "ثم اجلس" (٤). وأيضا فلو كانت الجلسة مسنونة؛ لما خلت من ذكر مسنون كجلسة التشهد الأولى (٥).

стр. 1943

ولا يلزم على هذا القعدة بين السجدتين؛ لأن تلك واجبة للفصل بين السجدتين (١). فإن قيل: ففيها ذكر مسنون وهو مده التكبير إلى أن يستوي قائما. قيل: التكبير إنما هو لأحد الأمرين: إما لرفع الرأس من السجود، أو للقيام (٢). فإن كان للرفع من السجود وحده؛ فينبغي أن يكون للجلسة ذكر منفرد، كجلوس التشهد الأول، فإن التكبيرة للرفع، ثم يتعقبها جلوس فيه ذكر مسنون. وإن كانت التكبيرة للقيام إلى الثانية وحده؛ فينبغي أيضا أن يكون للجلوس ذكر منفرد. فإن كان التكبير للرفع من السجود والقيام جميعا؛ فلا ينبغي أن يفصل بينهما بجلوس، ألا ترى أن السجدة الأخيرة من الركعة الثانية لما كان التكبير للرفع منها؛ احتاج الجلوس بعدها إلى ذكر منفرد، واحتاج القيام إلى الثالثة إلى تكبير منفرد من أجل الجلسة بينهما، فصح قولنا. فإن قيل: فقد روي أن أبا حميد الساعدي قال: "رأيت رسول الله ﷺ

стр. 1944

فعل ذلك" (١). وكذلك روي عن مالك بن الحويرث أنه قال: "أريكم كيف رأيت رسول الله ﷺ يصلي، فقعد في الركعة الأولى حين رفع رأسه من السجدة الأخيرة" (٢). قيل: قد روينا أنه كان يستوي قائما، فيحتمل أن يكون لما بدن وحمل اللحم؛ فعل ما رويتم (٣)، وقد قيل هذا، وينفرد لنا تعليمه للأعرابي (٤). وأيضا فإن هذا زيادة عمل في الصلاة، فالمسنون تركه. فإن قيل: فإنه خروج من السجدة الأصلية في الصلاة؛ فوجب أن يكون إلى الجلسة كالسجدة الأولى.

стр. 1945

قيل: الجلسة بين السجدتين واجبة، وهذه عندكم مسنونة، فكيف يستوي لكم القياس. فإن قيل: فإنه قيام في الصلاة؛ فوجب أن يكون عن قعود كالقومة إلى الثالثة. قيل: قد بينا أن الجلسة التي للتشهد لها ذكر منفرد، وبينا حكمها، فلم يلزم ما ذكرتم وبالله التوفيق. * * * * مسألة (٤٢): عند مالك ﵀ أن المصلي إن سجد على أنفه دون جبهته؛ لم يجزئه مع القدرة (١). وبه قال الشافعي (٢). وقال أبو حنيفة: يجزئه، وهو أصح الروايتين عنه. وروى عنه أسد بن عمرو أنه لا يجوز. وهو قول أبي يوسف ومحمد (٣).

стр. 1946

والدليل لقول مالك ﵀؛ قول النبي ﵇: "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء، وقيل: سبعة أعظم، منها الجبهة" (١). وظاهر الأمر الوجوب. وروي عنه ﵇: أنه قال: "والسجود أن تضع جبهتك على الأرض" (٢). وأيضا قوله ﵇ لرباح: "مكن جبهتك من الأرض" (٣). وأمره بالتمكين واجب، فوضع الجبهة واجب. أنه قال لرجل: "ترّبْ جبهتك" (٤). وروى سعيد المقبري، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "السجود على الجبهة فرض وعلى الأنف سنة" (٥) (٣٤٦) وروى البراء بن عازب قال: "شكونا حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا إلى رسول الله ﷺ فلم يُشكنا" (٦).

стр. 1947

وأيضا قوله للأعرابي حين علمه واجبات الصلاة: "مكن جبهتك وأنفك من الأرض" (١). وقال في آخره: "فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك" (٢). فجعله من شرط تمام صلاته إذا فعل ذلك، ودلالته إذا لم يفعل ذلك لم تتم صلاته. وروي: "أنه ﵇ سجد على جبهته" (٣). وفعله واجب، فكيف وقد خرج مخرج البيان لحكم الصلاة. وقد قال أيضا مع هذا: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٤). فإن قيل: فقد روي أنه ﵇ قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء" (٥). فذكر الوجه فيها، والوجه يقع على الجبهة والأنف، فإذا جاز الاقتصار على الجبهة دون الأنف؛ جاز على الأنف دون الجبهة، [لأنه] (٦) إذا سجد على أنفه؛ قيل: قد سجد على وجهه، كما إذا اقتصر على جبهته. قيل: ذكره للجبهة في أخبارنا أخص، فهو يقضي على، فهو يقضي على خبر الوجه.

стр. 1948

وأما الاقتصار على الجبهة؛ فقد اتفقنا على أنها مرادة، واختلفنا في الأنف، فنحن على موضع الإجماع حتى يقوم دليل الخلاف. فإن قيل: فالأنف من الجبهة لأن عظمهما واحد. قيل: هذا خطأ؛ الأنف عضو على حياله، ألا ترى أنه قد روي في بعض الأخبار: "مكن جبهتك وأنفك من الأرض" (١). فلو كانا واحدا؛ لم يفرد كل واحد منهما بالذكر. فإن قيل: فقد جمع النبي ﵇ بينهما فقال: "مكن جبهتك وأنفك من الأرض" (٢)، فكان حكمهما واحدا. قيل: الظاهر كذلك، فقامت دلالة الاتفاق أن الاقتصار على الجبهة يجوز، واختلفنا في الاقتصار على الأنف، وكان ظاهر الخبر يقتضي الجمع بينهما، وقامت دلالة الاتفاق على جواز الاقتصار على الجبهة، ولم تقم دلالة على جواز الاقتصار على الأنف دون الجبهة. فإن قيل: قد اتفقنا على أنه يجوز الاقتصار على أنفه إذا عجز عن السجود على جبهته، فلولا أن حكمهما واحد؛ ما جاز الاقتصار على الأنف في حال العذر. قيل: لا يجوز عندنا في حال العذر السجود على الأنف، بل يومي إيماء، ولو قلنا على مذهب أشهب: إنه يسجد على أنفه في حال العذر؛ لم

стр. 1949

يلزمنا أيضا؛ لأن حال العذر تخالف حال القدرة، ألا ترى أنه لو عجز عن الجبهة والأنف؛ لوجب أن يومي، ومع القدرة لا يجوز (١). فإن قيل: فإننا نقيس الأنف على الجبهة، فيجوز الاقتصار على الأنف كما يجوز الاقتصار على الجبهة مع القدرة؛ بعلة أنه عضو من الوجه يتعلق به حكم السجود. أو نقول: لأنه لو سجد [عليه] (٢) مفردا؛ لقيل: إنه قد سجد على جبهته. قيل: هذا ينتقض؛ لأنه لو اقتصر على خده وذقنه دون جبهته وأنفه؛ لم يجز، وهو عضو من الوجه يتعلق به حكم السجود على وجه التبع عندنا كالأنف، ويسقط الجميع مع العجز عن الجبهة، ولو سجد عليه؛ لقيل في الإطلاق: سجد على وجهه. فإن قيل: لا يقال: سجد على وجهه. قيل: وكذلك على أنفه لا يقال حقيقة: سجد على وجهه. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٣)، واسم السجود ينطلق عليه إذا سجد على أنفه، كما ينطلق عليه إذا سجد على جبهته (٤)، ألا ترى

стр. 1950

أن الركوع مأخوذ من الميل، والسجود مأخوذ من الإلصاق. قيل: الظاهر كما قلتم؛ لولا أن الدلالة قامت على وجوب السجود على الجبهة، فإذا وجب ذلك؛ لم يجز الاقتصار عنها إلا بدلالة. وعلى أن أكثر الفقهاء يمنعون من التعلق بهذا الظاهر، ويقولون: إن هذا اسم لغوي كالصلاة التي هي الدعاء، ثم يقلب إلى أسماء الشرع بالأوصاف التي فيها. ولكنني لست أقول: إنها منقولة، بل أقول: إنها أقرت وزيد عليها أوصاف (١)، والركوع فيه ميل، وزيد عليه أوصاف، والسجود فيه إلصاق،

стр. 1951

وزيد فيه تمكن الجبهة، بالدلالة التي ذكرناها، فلا يجوز الاقتصار عليها بغير دليل. فإن قيل: فإن السجود فرض يتعلق بعضو، والفروض المتعلقة بالأعضاء لا تنتقل إلى غيرها في حال العجز، يدل على ذلك أن من قطعت يداه؛ لم ينتقل فرض طهارتهما إلى العضد، وكذلك من ذهبت رجله لم ينتقل فرضها إلى الساق، وفي انتقال فرض السجود من الجبهة إلى الأنف في حال العذر يدل على أن حكمهما واحد، كما يدل على أن حكم بعض الجبهة حكم كلها. قيل: قد ثبت أنه لا ينتقل إلى الأنف مع العجز، فسقط هذا، ولو جعلناه منتقلا إلى الأنف؛ لكان كالإيماء الذي هو بدل، وقد وجب البدل هاهنا ولم يجب في سقوط العضو من الطهارة - على الوجه الذي ذكروه - بدل، بل اقتصر فيه على ما بقي من الأعضاء، ولم يقتصر من السجود على الركوع في حالة العجز. فإن قيل: فإن السجود على الأنف لا يخلو أن يكون إما على وجه التبع للجبهة، أو على وجه البدل، ولا يجوز أن يكون تابعا له؛ لأنه لو كان كذلك؛ لصار العجز عن السجود على الجبهة يوجب (٣٤٧) سقوطه عما هو تابع له كما يدل الاتباع. ولا يجوز أن يكون بدلا عنه؛ لامتناع الجمع بين البدل والمبدل في

стр. 1952

حالة واحدة، فعلمنا بهذا أن حكم السجود يتعلق بهما وإن كان فعله على أحدهما أولى. قيل: الأنف تبع للجبهة عندنا، يسقط معها في حال العجز كسائر التوابع، فلم يلزم ما ذكرتموه. ثم نقول: وأي شيء الذي يمنع أن يصير التابع في حال العجز بدلا من المتبوع؛ لأن العقل لا يحيله، ولا الشرع يمنعه، ألا ترى أن الإيماء تبع للركوع والسجود، ثم يسقط الركوع والسجود في حال العجز، فيصير الإيماء - بعد أن كان تبعا - بدلا واجبا، فسقط ما ذكروه. فإن قيل: فإن الإيماء هو الركوع أو بعضه، فليس بتبع. قيل: هذا غلط؛ لأنه لا يجوز الاقتصار عليه مع القدرة، ولو ترك بعض جبهته وبعض أنفه في السجود مع القدرة؛ لصح، فعلمت أن الإيماء تبع لا أصل. فإن قيل: فإن السجود فرض يتعلق بالوجه يوجب أن لا يختص بالجبهة، دليله الوضوء والتيمم. قيل: هذا خطأ؛ لأنه لو تعلق بالوجه؛ لوجب أن لا يجوز الاقتصار على بعضه كما لم يجز في الوضوء والتيمم، وقد وافقت على جواز الاقتصار على الجبهة دون الأنف، ويجوز عندك الاقتصار على الأنف دون الجبهة. فإن قيل: فإن الأنف يسجد عليه على وجه، فجاز الاقتصار عليه كالجبهة. قيل: فبإزائه قياس آخر؛ وهو أننا اتفقنا أنه لا يجوز على ذقنه أو وجناته؛

стр. 1953

بعلة أنه ترك السجود على جبهته مع القدرة. ثم قياسنا أولى؛ لأنه يستند إلى نصوص الأخبار، ولأن الحظر والإباحة إذا اجتمعا؛ كان الحظر أولى (١)، وقياسنا يحظر الاقتصار على الأنف، وقياسهم يبيحه، وقياسنا ينقل الاسم اللغوي أو يزيد عليه، بخلاف ذلك. ولنا أن نقول: إن إجماع أهل كل عصر حجة، ووجدنا عصر التابعين على قولين: منهم من أوجب السجود على الجبهة والأنف، وهو قول عكرمة وسعيد بن جبير (٢). ومنهم من جوز الاقتصار على الجبهة، وهو قول الحسن وعطاء والنخعي (٣). فمن جوز الاقتصار على الأنف؛ خرج من إجماعهم (٤)، ..........

стр. 1954

فسقط قوله (١). وبالله التوفيق. فَصْل وأوجب قوم من أصحاب الحديث السجود على الجبهة والأنف جميعا على طريقة واحدة (٢). واحتجوا بما روي عن النبي ﵇ أنه حين علم الأعرابي قال له: "مكن جبهتك وأنفك من الأرض" (٣). وقال: "فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك" (٤).

стр. 1955

فدليله: إذا اقتصر على أحدهما؛ فإن صلاته لم تتم، وصريحه أن الحكم قد تعلق بهما جميعا. وفي خبر آخر عنه ﵇ أنه قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء" (١)، فذكر منها الوجه (٢)، فلا يختص بالجبهة دون الأنف (٣). ومن القياس بعلة أنه عضو قد ذكر في السجود فأشبه الجبهة. والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٤)، والركوع الميل، والسجود الإلصاق بالأرض، سواء كان بصدره، أو بوجهه، وقد قامت دلالة الإجماع على وجوبه على الجبهة، ولم تقم الدلالة على وجوبه على الأنف. وأيضا فإنه روي أن النبي ﵇ نص على الجبهة بقوله لرباح: "مكن جبهتك من الأرض" (٥). وفي خبر الأعرابي: "مكن جبهتك من الأرض" (٦).

стр. 1956

فصريحه أن الحكم تعلق بالجبهة، ودليله أن لا يمكّن غير الجبهة. وأيضا ما رويناه عنه ﵇ أنه قال: "السجود على الجبهة فرض وعلى الأنف سنة" (١). وهذا نص في مسألة الخلاف. وروي عنه أنه قال: "والسجود أن تضع جبهتك من الأرض" (٢). فأعلمنا أن السجود المراد هو هذا دون غيره. وأيضا قوله: "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء" (٣)، فذكر منها الجبهة، فلا يتعلق الحكم بغيرها إلا بدليل، لأن الأمر بالجبهة واجب دون غيرها. وحديث البراء "شكونا حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا" (٤). فلو كان الأنف يجب عليه السجود؛ للحقه الحر أكثر من الجبهة فكانوا يذكرونه. والجواب عن حديث الأعرابي فيه: "مكن جبهتك وأنفك من الأرض" (٥) حمله على الاستحباب في الأنف؛ بدلالة اقتصاره في الأخبار الأخر على الجبهة، وأن دليل ذلك يقتضي سقوط الحكم عن غير الجبهة، حتى يجمع بين الدليل في نفي الوجوب وبين الصريح في الأنف على وجه الندب.

стр. 1957

على أن الخبر عن أبي هريرة عنه ﵇ نص في موضع الخلاف؛ لأنه قال: "السجود على الجبهة فرض وعلى الأنف سنة" (١)، فزال الإشكال، ويكون قوله: "فقد تمت صلاتك" (٢) محمولا على الكمال. والجواب عن الحديث الذي قيل فيه: أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء منها الوجه" (٣)، فهو عموم في الوجه، والنص قد فصل فقال: "السجود على الجبهة فرض وعلى الأنف سنة"، وهذا بيان يزيل الإشكال. وأيضا فإن دليل الخطاب من قوله "مكن جبهتك من الأرض" (٤) ينفي الوجوب عن غير الجبهة، فالدليل أخص من العموم في الوجه، (٣٤٨) فهو قاض عليه. وأيضا قوله ﵇: "والسجود بأن تضع جبهتك على الأرض" (٥). ففسر ما أريد من الوجه. والجواب عن القياس؛ فهو أن القياس يسقط مع النص، وقد ذكرنا أنه ﵇ قال: "السجود على الجبهة فرض وعلى الأنف سنة" (٦). وأيضا فإننا نعارض بقياس آخر فنقول: اتفقنا أنه لا يجب عليه أن يجمع بين الجبهة وغير الأنف من الوجه؛ بعلة أنه غير جبهته؛ فكذلك الأنف.

стр. 1958

فَصْل عند أبي حنيفة أن السجود إذا تعذر على الجبهة، وجب على الأنف (١). وبه قال أشهب. وقال مالك: يومئ ولا يسجد على أنفه (٢). وقد بينا في الكلام عليه أن الجبهة هي الأصل، وأن الأنف تابع، وأن المتبوع إذا سقط؛ سقط معه توابعه. وأيضا فإن هذا إنما يثبت على أصولهم؛ لأن الأنف عندهم بمنزلة الجبهة، فإذا سقط أن يكون بمنزلة الجبهة؛ لم يجب عند تعذر السجود على الجبهة العدول إلى الأنف، بل بدل الجبهة الإيماء، كما أنه لو تعذر السجود على الجبهة والأنف جميعا؛ وجب الرجوع إلى الإيماء. ولو ثبت لهم أن الأنف بمنزلة الجبهة لما سقط السجود على الأنف بتعذره على الجبهة، كما أن اليدين عزيمة في السجود بمنزلة الرجلين، فبتعذر أحدهما لا يسقط حكم الآخر، ولكنه قد بينا أن السجود على الأنف ليس بعزيمة كالجبهة، وأنه تابع، فتعذر السجود على الجبهة يوجب الرجوع إلى

стр. 1959

البدل الذي هو الإيماء. وبالله التوفيق. وقول أشهب: "إنه يسجد على الأنف إذا تعذر السجود على الجبهة"؛ فقد تبين أنه إنما [أجازه إذا] (١) تعذر ذلك، ولم يوجبه. قال: لأنه يزيد على الإيماء، فيلحق أنفه بالأرض. * * * * مسألة (٤٣): عند مالك ﵀ يجوز السجود على كور العمامة (٢). قال ابن حبيب ما خف من طاقاتها (٣). وبه قال أبو حنيفة (٤). وقال الشافعي: لا يجوز (٥). الدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٦)، والركوع الميل، والسجود الإلصاق بالأرض، وهو يسمى ساجدا، سواء كان على عمامة أو غيرها. وأيضا قوله ﵇: "وإنما لامرئ ما نوى" (٧).

стр. 1960

وهذا قد نوى أن تكون له صلاة. وأيضا قوله: "لا صلاة إلا بطهور" (١). و"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٢). وما أشبه هذه الظواهر. وأيضا قوله ﵇ للأعرابي: "حتى تطمئن ساجدا" (٣). ولم يقل: بحائل، أو بغير حائل، فلو كان يختلف؛ لبين له. وأيضا فإنه روي: "أنه ﵇ سجد على كور العمامة" (٤). وأفعاله ممتثلة إلا أن تقوم دلالة، فهو يفعل الشيء تارة لنعلم الجواز، وتارة للوجوب، وتارة للندب، فقد سقط الوجوب والندب، فدل أنه أعلمنا الجواز.

стр. 1961

وأيضا فإن وجود الحائل لا يخرجه أن يكون ساجدا على العضو، الدليل على ذلك اليدان (١)، وأن لو سجد على حصير أو بساط، أو نزع عمامته فتركها على الأرض وسجد عليها. ولأن الغرض من السجود التخشع والتذلل بكون العضو على الأرض، فلو لم يجز إلا بمباشرة العضو؛ لم يجز إلا بمباشرة الأرض، لأن الوجه ذكر، والأرض ذكرت، فلما كان اسم السجود يتناوله بمباشرة الأرض وبحائل؛ لم يفترق الحكم في ذلك؛ لأن معنى الخشوع والتذلل في تمكين العضو على الأرض قد حصل. وأيضا فإن وجود الحائل لو كان يمنع من جوازه؛ لوجب أن يستوي حكم الإيصال بالعضو، أو انفصاله منه، ألا تري أنه في الرجلين قد استوى حكم الحائل المتصل بها، والمنفصل عنها. وأيضا فإنه حائل بين الجبهة والأرض بثوب؛ فأشبه الثوب على الأرض. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٢)، وقد نقلنا عنه من جهة اللغة إلى الشرع. قيل: ما نقلنا عنه، فالحكم به يتعلق، وبزيادات دلت عليها الدلالة، وتلك الزيادات لا تخرجه عن الاسم الموضوع له (٣). فإن قيل: فإن قوله ﵇: "مكن جبهتك من الأرض" (٤) يتناول الجبهة

стр. 1962

حقيقة، وتمكن العمامة ليس هو الجبهة. قيل: ولا التمكن من حائل على الأرض تمكن من نفس الأرض، فعلمت أن المطلوب هو الخشوع وطرح العضو على الأرض، سواء كان الحائل على الأرض، أو على الجبهة. على أن الاسم لا يمتنع من الانطلاق عليه، وأنه قد سجد على الأرض وإن كانت عليه عمامة. على أن الذي يسبق إلى الأفهام من قول القائل: ["ضع جبهتك على الأرض"، و"وضع جبهته على الأرض"، وأنه أراد مباشرة الأرض من غير حائل أكثر مما يفعل من مباشرة الجبهة بغير حائل] (١)، فإذا لم يمنع الحائل الذي على الأرض؛ لم يمنع الحائل الذي على الجبهة. فبان بهذا أن الغرض الاعتماد على الأرض بحائل أو بغير حائل، كالأرض لما كانت [مقصورة] (٢) [بالاعتماد] (٣) (٣٤٩) عليها؛ جاز بحائل وبغير حائل. وكذلك الكلام على قوله ﵇: "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء أو أعظم" (٤) الغرض تمكن ذلك، والاعتماد به على الأرض على ما بيناه بالاسم، فيتناوله على حد ما يتناوله بغير حائل، فهو عموم فيه سواء كان بحائل أو بغيره. فإن قيل: فقد روى البراء قال: "شكونا حر الرمضاء في وجوهنا وأكفنا

стр. 1963

إلى رسول الله ﷺ فلم يشكنا" (١). قيل: إنهم لم يسألوا عن السجود على كور العمامة، ولو سألوه؛ لأجابهم، وإنما شكوا ذلك لأجل الوقت وحرارته، وقيل لهم: لن تؤخروا الصلاة عن ذلك الوقت، فلم يشكهم، ثم أذن لهم بعد ذلك فقال: "أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم" (٢). ويحتمل أيضا قولهم: "فلم يشكنا" أي لم يحوجنا إلى الشكوى بعد ذلك، بل أذن لهم في الحائل الذي يصد حر الرمضاء عن وجوههم وأكفهم. فإن قاسوه على الخد بعلة أنه موضع لو حصلت فيه نجاسة؛ لم تجز صلاته معها. قيل: الخد ليس محلا للسجود. على أنه ينتقض بالرجلين؛ لأنه يسجد عليهما بالحائل وإن كان لا يجوز مع النجاسة فيهما. وعلى أن الأرض محل للسجود، ولو كان عليها نجاسة؛ لم يجز له السجود عليها، وهو يسجد عليها مع الحائل. على أنا قد ذكرنا قياسا يعارض هذا، فنرجحه ببعض ما تقدم من الاستدلال والاعتبار. وأيضا فإن قياسهم ينتقض بالعصابة إذا كانت على جراحة بجبهته، فإنه يجوز السجود عليها، هي حائل متصل به، ولو كانت هناك نجاسة؛ لم يجز.

стр. 1964

فإن قيل: لما لم يقم مسح العمامة مقام مسح الرأس؛ وجب أن يكون كذلك السجود. قيل: هذا قياس ساذج لا على علة. على أن الغرض في مسح الرأس النظافة والوضاءة، ألا ترى أنه سقط في التيمم لأنه [لا يقصد به] (١) النظافة، والغرض في السجود الخضوع والتذلل بكون العضو على الأرض، فهو يحصل بحائل وغيره، كما أنه يسجد على الأرض بحائل عليها وبغيره. وعلى أن اعتبارهم يفسد بالرجلين؛ لأنه يسجد بهما في اللفافة، والمسح عليهما لا يجزئ. فإن قيل: نهى النبي ﷺ عن السجود على كور العمامة (٢). قيل: يحتمل أن تكون عمامة عظيمة تمنع أنفه أن يصل إلى الأرض، وهو يجوز صرفه إلى الكراهة ببعض ما ذكرناه. ولنا أن نستدل بقول النبي ﵇: "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء، وأن لا أكف شعرا ولا ثوبا" (٣). والعمامة من الثياب، فهو عموم، سواء كان الثوب على الجبهة أو على غيرها. ونقول أيضا لما كانت الجبهة محلا للسجود؛ جاز أن تكون مكشوفة

стр. 1965

وغير مكشوفة، كالرجلين. حكم السجود على كور العمامة فإن قيل: فإننا لو جوزنا السجود على كور العمامة على حصير؛ لجوزنا الجمع بين بدلين: أحدهما: الحصير الذي هو بدل الأرض. والآخر: العمامة الذي هو بدل الجبهة. ولا يصح في شريعة الجمع بين بدلين في موضع ما، ألا ترى أن التيمم هو بدل الماء، ومسح الخفين بدل من الرجلين، فلا يجوز الجمع بينهما، كذلك هاهنا. قيل: هذا ساقط؛ لأننا لا نقول: إن الحصير بدل من الأرض، ولا العمامة بدل من الجبهة، بل نقول: إنه مخير إن شاء باشر بجبهته الأرض نفسها، وإن شاء بحائل على جبهته وعلى الأرض، وليس التيمم بدلا كما ذكرتم. أما المسح على الخفين؛ فهو أيضا مخير فيه إن شاء مسح، وإن شاء غسل، كالسجود فيهما، وهذا كما نقول في القدمين: إنه مخير إن شاء سجد عليهما بحائل وغير حائل، فلم يلزم ما ذكروه، وبالله التوفيق. فإن قيل: فإننا نستعمل الخبر الذي رويتموه من سجوده على كور العمامة على الضرورة والعذر الذي يمنعه من كشف جبهته. قيل: قد استعملنا كما استعملتم، ومعنا فضل الترجيح بما قدمناه. فإن قيل: فإن القدمين لما جاز المسح على الخفين دونهما؛ جاز السجود على الخفين، وليس كذلك في الجبهة.
следующие страницы →