وأيضا فإن وجود الحائل لا يخرجه أن يكون ساجدا على العضو، الدليل على ذلك اليدان (١)، وأن لو سجد على حصير أو بساط، أو نزع عمامته فتركها على الأرض وسجد عليها.
ولأن الغرض من السجود التخشع والتذلل بكون العضو على الأرض، فلو لم يجز إلا بمباشرة العضو؛ لم يجز إلا بمباشرة الأرض، لأن الوجه ذكر، والأرض ذكرت، فلما كان اسم السجود يتناوله بمباشرة الأرض وبحائل؛ لم يفترق الحكم في ذلك؛ لأن معنى الخشوع والتذلل في تمكين العضو على الأرض قد حصل.
وأيضا فإن وجود الحائل لو كان يمنع من جوازه؛ لوجب أن يستوي حكم الإيصال بالعضو، أو انفصاله منه، ألا تري أنه في الرجلين قد استوى حكم الحائل المتصل بها، والمنفصل عنها.
وأيضا فإنه حائل بين الجبهة والأرض بثوب؛ فأشبه الثوب على الأرض.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٢)، وقد نقلنا عنه من جهة اللغة إلى الشرع.
قيل: ما نقلنا عنه، فالحكم به يتعلق، وبزيادات دلت عليها الدلالة، وتلك الزيادات لا تخرجه عن الاسم الموضوع له (٣).
فإن قيل: فإن قوله ﵇: "مكن جبهتك من الأرض" (٤) يتناول الجبهة
стр. 1962
حقيقة، وتمكن العمامة ليس هو الجبهة.
قيل: ولا التمكن من حائل على الأرض تمكن من نفس الأرض، فعلمت أن المطلوب هو الخشوع وطرح العضو على الأرض، سواء كان الحائل على الأرض، أو على الجبهة.
على أن الاسم لا يمتنع من الانطلاق عليه، وأنه قد سجد على الأرض وإن كانت عليه عمامة.
على أن الذي يسبق إلى الأفهام من قول القائل: ["ضع جبهتك على الأرض"، و"وضع جبهته على الأرض"، وأنه أراد مباشرة الأرض من غير حائل أكثر مما يفعل من مباشرة الجبهة بغير حائل] (١)، فإذا لم يمنع الحائل الذي على الأرض؛ لم يمنع الحائل الذي على الجبهة.
فبان بهذا أن الغرض الاعتماد على الأرض بحائل أو بغير حائل، كالأرض لما كانت [مقصورة] (٢) [بالاعتماد] (٣)(٣٤٩) عليها؛ جاز بحائل وبغير حائل.
وكذلك الكلام على قوله ﵇: "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء أو أعظم" (٤) الغرض تمكن ذلك، والاعتماد به على الأرض على ما بيناه بالاسم، فيتناوله على حد ما يتناوله بغير حائل، فهو عموم فيه سواء كان بحائل أو بغيره.
فإن قيل: فقد روى البراء قال: "شكونا حر الرمضاء في وجوهنا وأكفنا
стр. 1963
إلى رسول الله ﷺ فلم يشكنا" (١).
قيل: إنهم لم يسألوا عن السجود على كور العمامة، ولو سألوه؛ لأجابهم، وإنما شكوا ذلك لأجل الوقت وحرارته، وقيل لهم: لن تؤخروا الصلاة عن ذلك الوقت، فلم يشكهم، ثم أذن لهم بعد ذلك فقال: "أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم" (٢).
ويحتمل أيضا قولهم: "فلم يشكنا" أي لم يحوجنا إلى الشكوى بعد ذلك، بل أذن لهم في الحائل الذي يصد حر الرمضاء عن وجوههم وأكفهم.
فإن قاسوه على الخد بعلة أنه موضع لو حصلت فيه نجاسة؛ لم تجز صلاته معها.
قيل: الخد ليس محلا للسجود.
على أنه ينتقض بالرجلين؛ لأنه يسجد عليهما بالحائل وإن كان لا يجوز مع النجاسة فيهما.
وعلى أن الأرض محل للسجود، ولو كان عليها نجاسة؛ لم يجز له السجود عليها، وهو يسجد عليها مع الحائل.
على أنا قد ذكرنا قياسا يعارض هذا، فنرجحه ببعض ما تقدم من الاستدلال والاعتبار.
وأيضا فإن قياسهم ينتقض بالعصابة إذا كانت على جراحة بجبهته، فإنه يجوز السجود عليها، هي حائل متصل به، ولو كانت هناك نجاسة؛ لم يجز.
стр. 1964
فإن قيل: لما لم يقم مسح العمامة مقام مسح الرأس؛ وجب أن يكون كذلك السجود.
قيل: هذا قياس ساذج لا على علة.
على أن الغرض في مسح الرأس النظافة والوضاءة، ألا ترى أنه سقط في التيمم لأنه [لا يقصد به] (١) النظافة، والغرض في السجود الخضوع والتذلل بكون العضو على الأرض، فهو يحصل بحائل وغيره، كما أنه يسجد على الأرض بحائل عليها وبغيره.
وعلى أن اعتبارهم يفسد بالرجلين؛ لأنه يسجد بهما في اللفافة، والمسح عليهما لا يجزئ.
فإن قيل: نهى النبي ﷺ عن السجود على كور العمامة (٢).
قيل: يحتمل أن تكون عمامة عظيمة تمنع أنفه أن يصل إلى الأرض، وهو يجوز صرفه إلى الكراهة ببعض ما ذكرناه.
ولنا أن نستدل بقول النبي ﵇: "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء، وأن لا أكف شعرا ولا ثوبا" (٣).
والعمامة من الثياب، فهو عموم، سواء كان الثوب على الجبهة أو على غيرها.
ونقول أيضا لما كانت الجبهة محلا للسجود؛ جاز أن تكون مكشوفة
стр. 1965
وغير مكشوفة، كالرجلين.
حكم السجود على كور العمامة
فإن قيل: فإننا لو جوزنا السجود على كور العمامة على حصير؛ لجوزنا الجمع بين بدلين:
أحدهما: الحصير الذي هو بدل الأرض.
والآخر: العمامة الذي هو بدل الجبهة.
ولا يصح في شريعة الجمع بين بدلين في موضع ما، ألا ترى أن التيمم هو بدل الماء، ومسح الخفين بدل من الرجلين، فلا يجوز الجمع بينهما، كذلك هاهنا.
قيل: هذا ساقط؛ لأننا لا نقول: إن الحصير بدل من الأرض، ولا العمامة بدل من الجبهة، بل نقول: إنه مخير إن شاء باشر بجبهته الأرض نفسها، وإن شاء بحائل على جبهته وعلى الأرض، وليس التيمم بدلا كما ذكرتم. أما المسح على الخفين؛ فهو أيضا مخير فيه إن شاء مسح، وإن شاء غسل، كالسجود فيهما، وهذا كما نقول في القدمين: إنه مخير إن شاء سجد عليهما بحائل وغير حائل، فلم يلزم ما ذكروه، وبالله التوفيق.
فإن قيل: فإننا نستعمل الخبر الذي رويتموه من سجوده على كور العمامة على الضرورة والعذر الذي يمنعه من كشف جبهته.
قيل: قد استعملنا كما استعملتم، ومعنا فضل الترجيح بما قدمناه.
فإن قيل: فإن القدمين لما جاز المسح على الخفين دونهما؛ جاز السجود على الخفين، وليس كذلك في الجبهة.
стр. 1966
قيل: قد بينا الفرق بين الطهارة والسجود، على أنه فاسد أيضا؛ لأنه لو اقتصر على مسح أسفل الخف في الطهارة؛ لم يجزئه، وهو يسجد على صدور قدميه اللذين تحت أصابعه، فسقط هذا أيضا، وبالله التوفيق.
ونقول أيضا: كل حائل جاز السجود عليه منفصلا، جاز السجود عليه متصلا دليله الركبتان والقدمان.
فإن قاسوه على الخد؛ فهو حجتنا؛ لأنه لا يسجد عليه بحائل منفصل، ولا يجوز متصلا، فينبغي أن تكون الجبهة لما جاز مع الانفصال؛ جاز مع الاتصال.
* * *
* مسألة (٤٤):
أجمع فقهاء الأمصار: مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والثوري، أن التشهد الأول في الركعة الثانية ليس بفرض (١).
وحكي عن الليث بن سعد، وأبي ثور، وإسحاق بن راهويه، وقد حكي أيضا عن أحمد بن حنبل: (٣٠٠) أن ذلك (واجب) (٢).
الدلالة على أنه غير واجب؛ أن الوجوب يحتاج إلى دلالة من الشرع، ولم نجد دلالة تدل على وجوبه.
وأيضا ما روي عن عبد الله بن بحينة "أن النبي ﵇ صلى ركعتين فقام إلى الثالثة ولم يجلس للتشهد، فلما تم أربعا؛ سجد سجدتي السهو قبل السلام" (٣).
стр. 1967
فلو كان التشهد واجبا؛ لأعاد الصلاة، ولم ينب منابه سجود السهو؛ لأنه لا ينوب عن المفروض، ألا ترى أنه لو نسي تكبيرة الإحرام أو ركعة؛ لم [ينب] (١) عنه سجود السهو، فثبت بهذا أنه غير واجب.
وأيضا فقد روي أنه لما قام إلى الثالثة؛ سبح به فلم يرجع إلى التشهد (٢)، ولو كان واجبا؛ لرجع.
فإن قيل: فإنما لم يرجع لأنه كان عنده أنه كان على يقين من أمره.
قيل: هذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن ﵎ لا يتركه والنسيان والتمادي فيه؛ لأنه يُشرِّع، ومن المحال أن لا يذكر أو يُذَكّر.
وأيضا فقد سجد سجود السهو، ولا يسجد من كان على يقين، فسقط هذا، ألا ترى أنه لما قام إلى خامسة سبحوا خلفه، فعاد وتشهد (٣).
وقد روى ابن مسعود قال: "لما علمنا رسول الله ﷺ الصلاة وعلمنا
стр. 1968
التشهد فذكر التشهد الأخير، وقال: إذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك" (١).
ونحن نعلم أن من عليه فرض فلم يتم صلاته حقيقة ولا مقاربة.
وأيضا فقد اتفقنا أنه لو نسيه؛ لم تبطل صلاته، فلو كان واجبا؛ لم يفترق حكم العمد والنسيان كسائر فروض الصلاة.
ويجوز قياسا فنقول: إنه ذكر في الصلاة لو تركه ناسيا صحت صلاته، فوجب أن يكون غير فرض؛ دليله تكبيرات الركوع والسجود والتسبيحات.
ونقتصر مع أصحاب أحمد - إن صح الخلاف - على تكبيرات الركوع والسجود؛ فإنه يوجب التسبيح.
فإن قيل: إن النبي ﷺ تشهد في الركعتين الأولين، وأفعاله على الوجوب، ولأنه خرج مخرج بيان الصلاة، وقد قال أيضا "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢).
قيل: إن النبي ﷺ كان يفعل ويبين الواجبات والمسنونات، فيحمل ذلك على أنه مسنون ببعض ما ذكرناه.
فإن قاسوه على التشهد الثاني؛ فهو عندنا أيضا مسنون فلا يلزم.
فإن قيل: فإنه ذكر في جلوس فرض فأعقبه التسبيح.
قيل: هو منتقض بالجلوس بين السجدتين إن كانوا يقولون إن فيه ذكرا، وإلا قيل: التسليم لو تركه ناسيا؛ بطلت الصلاة على وجه، وليس كذلك التشهد، أو يعارض بالقياس الذي ذكرناه. وبالله التوفيق.
стр. 1969
* مسألة (٤٥):
السجود على الركبتين وأطراف القدمين - على ما تقرر في نفسي من مذهب مالك رحمة الله - سنة (١)، ولم نجده هكذا منصوصا، غير أن مذهبنا يدل عليه.
وبذلك قال أبو حنيفة (٢) والشافعي في أحد قوليه (٣).
والدليل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٤).
وظاهره يفيد ما يسمى به ساجدا سواء وضع ركبتيه على الأرض أو لا.
وأيضا بما روى من خبر رفاعة بن مالك أن النبي ﵇ قال: "لا تتم صلاة أحدكم" في الخبر الطويل، ثم قال: "وحتى يمكن جبهته من الأرض" (٥).
فخص الجبهة ولم يذكر غيرها، فدل أن الحكم تعلق بالجبهة دون غيرها.
стр. 1970
وأيضا فقد ذكر الله تعالى السجود في مواضع لم يذكر فيه غير الوجه، فقال: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ (١).
وقال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (٢).
وقال النبي ﵇: "سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره" (٣).
فلم يذكر غير الوجه.
وكذلك علم النبي ﵇ الأعرابي فقال له: "مكن جبهتك من الأرض" (٤).
ولم يذكر له ركبتيه ولا رجليه، ولم يعلق الحكم بغير الجبهة، فلو كان غيرها واجبا؛ لبين له كما بين غيره من الواجبات.
وأيضا فلو كان حكم السجود متعلقا بذلك؛ لكان مع العجز عنه ينتقل إلى الإيماء كالرأس، فلما كان مع العجز يقع الإيماء بالرأس حسب، ولا يومي بالركبتين والقدمين؛ علمنا أن الحكم تعلق بالوجه حسب، لأنه انتقل مع العجز إلى الإيماء بالرأس دون غيره.
وأيضا فإن السجود ركن منفرد عن الركوع؛ فوجب أن لا يتعلق حكمه بالركبتين، كما لم يتعلق حكم الركوع بالوجه، وتعلق بالركبتين دونه، ألا ترى أن الركوع أيضا لما كان واجبا؛ لم يلزم فيه وضع اليدين على الركبتين، وكما أن القيام ركن يتعلق حكمه بالرجلين دون الركبتين واليدين؛ فكذلك
стр. 1971
وجب أن يتعلق حكم السجود بالوجه دون الركبتين، والقدمين، واليدين.
فإن قيل: فقد قال ﵇: "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء وهي الوجه واليدان، والركبتان، والقدمان" (١).
قيل: إنه لا يمتنع أن يؤمر بفعل الشيء ويكون بعضه مفروضا وبعضه مسنونا، ولا يكون وجوب بعضه دالا على وجوب الثاني إلا بدلالة (٣٥١) تجمع بين ذلك.
فإن قيل: فإن الظاهر من الأمر يقتضي وجوب الكل.
قيل: قد خصصناه بما ذكرناه.
فإن قيل: فإنها أعضاء قد تعلق بها السجود في الشريعة فأشبهت الوجه.
قيل: لو كان حكمها حكم الوجه؛ لانتقل الإيماء إليها عند العجز كما ينتقل إلى الوجه.
فإن قيل: فالسجود على الأنف عندكم بمنزلة اليدين والركبتين، والإيماء بالرأس ينوب عنه، فكذلك ينوب عن غيره.
قيل: قد بينا أن الأنف تابع للجبهة، لا يكاد في السجود ولا في الإيماء أن ينفك عنها، فالسجود على الجبهة هو الفرض، والأنف تابع لها، فإذا عجز عن الجبهة؛ سقط التابع معها، فإذا حصل الإيماء؛ ناب عن الجبهة، والأنف تابع، واليدان والركبتان أعضاء منفردة تنفك من الجبهة، وينفك بعضها من بعض.
وما ذكرناه أولى؛ لأنه زيادة حكم في التخيير بين فعله وجواز تركه،
стр. 1972
ويفيد حكما زائدا في الشرع، ويوافق ظواهر القرآن، وما ذكرناه من الاعتبار.
وبالله التوفيق.
* * *
* مسألة (٤٦):
عند مالك ﵀ والشافعي وغيرهما (١) - سوى أبي حنيفة - أن القراءة بالفارسية لا تجوز، ولا تصلح بها الصلاة (٢).
وقد قال أبو يوسف ومحمد: لا تجزئه إن كان يحسن العربية، وإن كان لا يحسن؛ أجزأه (٣).
ومن أصحاب أبي حنيفة من يقول: إن أبا حنيفة سئل عن قراءة القرآن بالفارسية فقال: "إن كان يسمى قرآنا؛ أجزأه"، ولم يبين قوله هل يسمى قرآنا أم لا.
فعلى هذا القول يسقط الكلام في المسألة.
стр. 1973
قال بعضهم: والقطع من مذهبه أن [المقروء] (١) يسمى قرآنا وإن كان بلغة أخرى (٢).
ومنهم من قال: إن النبي أجازه في مواضع مخصوصة، نحو ما روي عن ابن مسعود في ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ (٣) أنه قرأه: "الفاجر" (٤).
قال: والذي يقتضيه ظاهر كلامه جواز قراءته بأي لغة كانت، من عربية أو غيرها، مثل نقل اللفظ إلى ما ينبئ عن المعنى من غير أن يغادر منه شيئا، وإن أتى بما لا ينبئ عنه اللفظ - نحو السلام مكان الحمد -؛ لم يجزئه (٥).
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٦).
فأخبرنا جل ثناءه أنه أنزله قرآنا عربيا، والمنزل شيء واحد، وذلك الشيء عربي يبطل أن يكون القرآن الأعجمي منزلا، فكيف وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ (٧)، فنفى جعله أعجميا، فعلم من هذا أن القرآن العربي هو المنزل.
فإن قيل: فقد سماه قرآنا أعجميا، والكناية إليه راجعة، فدل على أن
стр. 1974
القرآن الأعجمي يسمى قرآنا.
قيل: قد نفى أن يكون جعله قرآنا أعجميا، فانتفى جعله أعجميا، وانتفى اسم الأعجمي وذكر أنه أنزله عربيا؛ فصار ما عدا العربي غير منزل ولا مجعول، لأن القرآن العربي ليس هو القرآن الأعجمي.
وأيضا فإنه تعالى حلاه بهذه التحلية، ووصفه بها، والموصوف بهذه الصفة هو اللفظ ليس المعنى.
وإذا كان كذلك؛ ثبت أن القرآن لفظ عربي، ووجوبه في الأعجمي محال، فكذلك قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١) فانتفى أن يكون بلسان العجم، ولذلك قال تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (٢).
فأخبرنا تعالى أن هذا اللسان العربي المبين غير ذلك اللسان في باب الإعجاز، لولا هذا لم تكن فيه فائدة؛ لأن العرب كانت تقول: إن محمدا يتلقى القرآن من كلام ابن الحضرمي (٣)، فكذبهم الله بقوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾، ثم قال في آخر الآية من قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، أي إنا أنزلناه بلسانكم حتى إنكم إذا علمتموه وتدبرتموه ولم تقدروا على مثله؛ عقلتم ما جاءكم به الرسول فآمنتم، فبين بهذا أن اللفظ مع المعاني هو المعجز، ألا تراه قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ
стр. 1975
آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ (١) من سهولته على ألسنتهم وأنه طبعهم، فلما قال: ﴿بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (٢) عجزوا.
وأيضا فإن المأتي به من الفارسية لا يخلو أن يكون نفس المنزل من القرآن، أو مثله، أو غيره، فيبطل أن يكون مثله لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٣).
فمن زعم أنه يأتي بمثله؛ فقد كذب، وعلم ذلك ضرورة، وعصى الله تعالى في خبره، وتعرض لسخطه، فبقي أن يكون غيره، ومن قرأ غير القرآن - مع القدرة عليه -؛ لم تجزئه صلاته.
ثم يقال لهم: خبرونا إذا قرأ فاتحة الكتاب بالفارسية هل تسمى فاتحة الكتاب؟ أو تفسير فاتحة الكتاب"؟
فإن قالوا: تسمى تفسير فاتحة الكتاب؛ سلموا المسألة، وقيل لهم: قال النبي ﵇: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٤)، و"كل ركعة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فإنك لم تصلها" (٥).
وجميع ما نذكره في فاتحة الكتاب يذكر هاهنا، ولم يقل ﵇ بتفسير فاتحة الكتاب، ولأنه لو قرأ تفسيرها بالعربية في الصلاة؛ لم يجزئ، فتفسيرها
стр. 1976
(٣٥٢) بالفارسية أولى أن لا يجوز.
فإن قالوا: تسمى فاتحة.
قيل: هذا خطأ، الدليل على ذلك أن رجلا لو استأجر معلما يعلم ابنه فاتحة الكتاب فعلمه تفسيرها بالفارسية؛ أنه لا يستحق الأجرة، وكذلك لو علمه تفسيرها بالعربية؛ لم يستحق الأجرة، فبالفارسية أولى.
فإن قيل: لسنا نقول: إنه إذا عبره بلغة أخرى أن ذلك تفسير، بل هو بلفظ آخر، والتفسير غير ذلك.
قيل: محال أن يكون هو هو، وكيف يكون زيد عمرا، وكيف يكون كلام عربي هو كلام أعجمي، فإن أردتم أن معناه معناه؛ فقد قلنا: إن المعنى تفسير، وبينا أن المقصود مع المعنى اللفظ المعجز.
وأيضا فلو حلف حالف أن لا يقرأ فاتحة الكتاب، فقرأ تفسيرها أو معانيها؛ لم يحنث.
مع أننا قد بينا أن إطلاق فاتحة الكتاب لا يقع إلا على لفظ العربي.
فإن قيل: اختلاف العبارة لا يخرجها أن تكون قرآنا، كاختلاف لفظ القراءات.
قيل: لو سلمنا لك أنه إذا قرأها بالأعجمية سميت قرآنا؛ لم نسلم أنها قرآن مطلق، بل كما نقول: قرآن بالفارسية، والقرآن بالفارسية ليس هو القرآن بالعربية، فإذا أطلق ذكر القرآن؛ لم ينصرف إلا إلى العربي (١)، ألا تري أنه
стр. 1977
تعالى قال عن نبيه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ فلا يسمى القرآن مطلقا إلا للعربي، وكذلك فاتحة الكتاب إلا للعربي.
وأما اختلاف القراءات؛ فكلها عربية، أنزل القرآن عليها، والقراءة بالأعجمية لم تنزل، ثم خص القرآن بسبعة أحرف (٢) عربية دون سائر اللغات.
وأيضا فإننا نقول: اختلف الناس في إعجاز القرآن ما هو؟ فقالت طائفة: إعجازه الخبر عما غاب.
وقالت طائفة: إعجازه النظم والتأليف مع المعاني التي فيه (٣).
وليس [يتنافى] (٤) أن يكون الإعجاز بهما (٥)، والأشبه أن يكون الإعجاز بالنظم والتأليف على المعاني التي فيه، لأن الإخبار قد يقع من كل أحد، ألا ترى أن رجلا لو قص علينا قصص كسرى وقيصر؛ لكان قد أخبرنا عما غاب عنا، ولم يكن معجزا، فعلمنا أن الإعجاز هو النظم والتأليف في اللفظ المنتظم على المعاني.
وأيضا فإن مسيلمة الكذاب لم يعارضه بأخبار، وإنما عارض بكلام
стр. 1978
منظوم، فالنظم مراد لا المعنى، ومن قرأ بالفارسية؛ فقد أبطل النظم لا محالة كمن فسره بالعربية، وكذلك لو أنشدها بالفارسية، والذي أخذ عليه أن يقرأ معجزا لا غير معجز، وإنما صار للقرآن على غيره مزية بالنظم والتأليف، فإذا زال ذلك؛ صار كسائر الكلام الذي ليس بمعجز.
وأيضا فإن دلالة نبينا ﵇ هي إعجاز القرآن ونظمه، وكل دلالة لنبي من الأنبياء ﵇ انقرضت بموته، وإنما يرد إلينا خبرها، ودلالة نبينا ﵇ معنا، بين أظهرنا إلى من القيامة، وليس ما أُخبر عنه كما يُعايَن، ألا ترى أنه ﵇ قال: "ليس الخبر كالمعاينة" (١).
فلو جازت القراءة بالفارسية؛ أدى إلى بطلان بقاء دلالة نبينا ﵇ بين أظهرنا، وصار تفسيره بالفارسية كالخبر عنه.
وقد أبطلنا أن تكون قراءته بالفارسية بنفسه على ما أنزل عليه، وإنما خص ﵇ بهذه المعجزة لأن الله تعالى أرسل كل نبي بمعجزة في معنى ما تكون عليه أمته، فموسى إلى السحرة، وعيسى إلى الطب، وصالح إلى قوم كان لهم حيوان يشرب الماء الكثير، فبعث صالحا بناقة شربت مياههم كلها، وحلبت لهم من اللبن ما يرويهم كلهم، وأرسل نبينا ﵇ إلى العرب الفصحاء، أصحاب النظم والنثر، والطويل والقصير، والقوافي والرجز، وحسن تصاريف الكلام، ومعانيه الذي هو صناعتهم وطبعهم، فكانت معجزته عليهم أنه أتى بهذا اللفظ المنظوم المؤلف، فعجزوا عنه مع سهولته على ألسنتهم، فقالوا:
стр. 1979
﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا﴾ (١) فلم يستطيعوا أن يأتوا بسورة من مثله.
[فقال] (٢) قوم: هو معجز بسورة.
وقال قوم: إن آية واحدة معجزة.
واختلفوا هل عجزوا عن ذلك وكانوا يقدرون على الإتيان بمثله، فمنهم من ذهب إلى أنه لم يكن في قدرهم بوجه.
ومنهم من ذهب إلى أنهم كانوا يقدرون فمنعهم الله تعالى منه (٣).
ومنعهم أيضا معجز؛ لأنه لا يقدر على منعهم غيره، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ (٤)، ونحن نعلم أنهم يقدرون على التمني، ولكن الله منعهم؛ لأنهم لو تمنوا لماتوا (٥).
стр. 1980
وأيضا فإن عمدة هذا الباب ما دللنا عليه من أن فاتحة الكتاب لا ينوب عنها شيء في الصلاة مع القدرة على قراءتها، كما أننا تعبدنا بالسجود على الجبهة، ونحن نعلم أن السجود على الخد أبلغ في الخضوع، فلم يجز أن نتعدى ما تعبدنا به من الواجب إلى غيره، فكذلك لا نقيم مقام فاتحة الكتاب بالعربية قراءتها بالفارسية؛ (٣٥٣) لأنها عبارة عن معانيها لا هي.
وما تذكرونه أن في القرآن ألفاظا أعجمية وغير عربي مثل قوله ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ (١)، ﴿مَقَالِيدُ﴾ (٢)، وغير ذلك، فإن ذلك عندنا عربي وافق لغة العجم، فصاروا أتباعا للعرب فيه (٣).
وما يذكرونه من أن الله تعالى حكى من قول الأنبياء ﵇ الذي بلسانهم بلسان عربي في القرآن؛ يقول نوح: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ (٤)، وأن نوحا قال هذا بلسانه.
قالوا: فكذلك يجوز أن نحكي نحن القرآن بلسانهم.
стр. 1981
فإننا نقول: إنهم ما نطقوا بما حكي عنهم إلا كما ذكر في القرآن.
ثم لو قلنا ما ذكروه؛ لم يلزمنا أن نحكي نحن القرآن بلغة أخرى؛ لأنه يجوز أن يحكي الله تعالى معنى ما قالوه بلسان العرب، ثم تعبدنا نحن بتلاوته على ما أنزله، فلا يجوز أن نتعداه، وقد بينا أنه تعبدنا بقراءته عربيا.
وما يذكرونه من قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (١)، فأنذر به سائر الناس، فإن الإنذار لهم إنما يكون بما يفعلونه من لسانهم، فيقرأه أهل كل لغة بلسانهم، حتى يقع لهم الإنذار اتباعا لهم، كما كانت العامة أتباعا للسحرة في زمان موسى، وأتباعا للطب في زمان عيسى.
وأيضا فيحتمل أن يكون قوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي أعلمكم بما أنزل علي من القرآن من كان منكم عربيا قرأه بلسانه، ومن كان أعجميا تعاطى تعليمه بلسان العرب، لأن الإنذار الإعلام، فيصح أن يقال: إنهم أعلموا أنه ﵇ قد جاء بقرآن عربي له معان، وفيه حكم وأخبار عما كان ويكون، إذا تعلمتموه علمتم أن مثله لا يكون كذبا، وهذا يصح، ويقدرون أن يتعلموه، ويكون في إخبارهم بصفته أيضا إنذار لهم، لأنه لو قيل للعرب أيضا: قد أنزل الله تعالى على العجم كتابا بألسنتهم، قد عجزوا أن يأتوا بسورة مثله، مع معرفتهم بلغتهم، وتواتر ذلك على العرب حتى علموه ضرورة؛ لكان فيه إنذار لهم إذا قيل لهم: [إنه] (٢) قد تعبدكم بكيت وكيت، وفيه إخبار عما كان ويكون، فتعلموا تلك اللغة إن كنتم تريدون تفهمونه، وإن كان الخبر
стр. 1982
قد حصل لكم به ضرورة، وهم يقدرون على تعليمه بلغة العجم؛ لكان هذا صحيحا سائغا، وهو ذا ترى الأعجمي القح يتعلم القرآن بلسان العرب على ما أنزل الله يتعلمه، فإن أشكل عليه شيء من معانيه؛ فسر له بلسانه، فسقط تعلقهم بما يذكرونه.
وأيضا فإن الله تعالى قال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١).
ومثل القرآن أن يكون على صفته، ونظمه، ومعانيه، ولم يخص معانيه دون لفظه، لأن معانيه ليست مثله من جميع الوجوه.
على أن المعجز منه ما [نسجت] (٢) به المعاني من اللفظ المنظوم المؤلف، الذي يخرج عن البحر والرجز والقوافي التي قد عرفتها العرب واعتادتها، وإلا فهم يتصرفون في المعاني أحسن تصرف، كما أن الشعراء تتصرف في المعاني، والذي يتميز به بعضهم من بعض حسن النظم والتأليف الذي قد كسي المعاني به، فتستحسن معانيه بنظمه وتأليفه.
وأيضا فقد روي "أن عمر بن الخطاب ﵁ سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما قرأها هو، فتلبب (٣) به، وجاء إلى الرسول ﷺ فقال له: اقرأ، فقرأ، فقال: هكذا أنزلت، ثم أمر عمر فقرأ، فقال: هكذا
стр. 1983
أنزلت، ثم قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف، فاقرؤوا ما تيسر منه" (١).
فإذا كان عمر ﵁ يسمع رجلا عربيا غير شيئا من القرآن بلغة العرب فبلغ معه ما بلغ، فلا الرجل قال: إن لي أن أغير عن القرآن بعبارة أخرى، ولا النبي ﵇ قال له ذلك.
ولو كان أيضا يجوز؛ لما ذهب على عمر ﵁، ثم امتحن النبي ﵇ قراءتهما على ما أنزلت، فقال: "هكذا أنزلت" (٢).
فكيف يجوز أن يقرأه الأعجمي بلسانه، وإذا لم يجز أن يقرأه العربي على غير ما أنزل - وهو أعرف بمعناه -؛ فكيف يجوز أن يقرأه أعجمي بلسانه، مع قلة معرفته بمعانيه، وهو غير ما أنزل.
ثم قول النبي ﵇: "أنزل على سبعة أحرف" (٣). ولم يقل لهم: إنها أحرف العجم والعرب، ولا أنها لغات مختلفة وخص ذلك بسبعة أحرف (٤)، فلو جاز أن يعبر عنه بكل لغة؛ لكانت لغات وحروفا لا تحصى، وإذا لم ينزل إلا على سبعة أحرف؛ لم يجز أن يتعدى إلى غيرها.
وأيضا فإن الذي ذكرناه هو إجماع الصحابة؛ لأن عثمان ﵁ وعنهم
стр. 1984
جمعهم فاجتمعوا على مصحف واحد بلسان العرب الذي أنزل (١)، وحصروا ألفاظه حتى لا يتغير منها شيء، فلو جاز أن يقرأ بسائر اللغات؛ لم يكن لجمعهم على مصحف واحد ليشمل على لغة واحدة معنى.
ولأنه إذا منع العرب العاربة التي أنزل القرآن بلسانها من تغيير شيء من ألفاظه؛ (٣٥٤) كان منع العجم من تغيير جميعه أولى؛ وإلا بطلت الفائدة.
فإن قيل: فإنما جمعهم على ذلك لئلا يزاد فيه أو ينقص منه، فيتطرق الملحدون إلى ذلك وإلى تغيير معانيه.
قيل: الجواب عن ذلك من وجوه:
أحدها: أن الله تعالى قد حرسه من هذا وحفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢)، وما حفظه الله تعالى لا يجوز هذا عليه.
وجواب آخر: وهو أن الزيادة لا [تتقبل قرآنا] (٣) دون أن يتواتر عليها، والتواتر محروس.
وجواب آخر: أن هذا حجة عليهم؛ لأنه إذا حرسه عثمان من زيادة إما في لفظ وإما في معنى؛ فحراسته من تغيير جميع ألفاظه أولى؛ لأن تغيير لفظه فيه أسهل من إسقاط لألفاظه كلها، وإدخال ألفاظ أخر لعلها تزيد على ما أسقط من ألفاظه.
وجواب آخر: وهو أننا نقول لهم: إن عثمان ﵁ والصحابة ﵃ حرسوه
стр. 1985
من جميع ذلك؛ من تغير لفظ، وزيادة معنى، أو نقصانهما جميعا.
فإن قيل: فقد رأينا القراء اختلفوا؛ فبعضهم ينقص حرفا مما في المصحف، وبعضهم يزيد.
قيل: قد قيل: إن ذلك إنما وقع في المصاحف من اختلاف الخطوط، ولست أقول هذا، ولكني أقول: كل هذا كتب على أصل وضعه عثمان بن عفان والصحابة ﵃، فجوزوا في بعضها نقصان حرف، وفي بعضها زيادة حرف، لتعلموا أن الجميع صحيح، وأنه منزل، ولم يجعلوه في المصاحف كلها على شيء واحد لئلا يسقطوا الآخر الذي قرئ به، لأن كل واحد من القراء يقول: ما قرأت حرفا إلا بأثر.
وأيضا فإننا نقول: إن الله تعالى نزل القرآن معجزا، وإعجازه إما أن يكون بالرسم وما هو عليه من النظم، أو يكون معجزا بما تضمنه من المعاني والأحكام.
فإن كان إعجازه بالنظم والتأليف؛ فهو قولنا، وإن كان إعجازه لما تضمنه من الأحكام والإخبار عما كان؛ فليس هذا بمعجز على ما تقدم ذكرنا له، وأنه لا [يؤخذ الخبر لعلة] (١) إلا في بعض سورة، والأحكام أيضا كسائر كتب الله تعالى المنزلة تتضمن الأحكام والأوامر والنواهي، فثبت أن إعجازه في نظمه وتأليفه، ولهذا تحداهم الله بسورة، ولم يعين فيقول: فاتوا بسورة فيها مثل الخبر عما كان، وفيها حكم من الأحكام، فقال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ أَي سورة كانت، لأنهم لا يقدرون على مثل نظمه وتأليفه.
стр. 1986
وأيضا فما رواه بن أبي أوفى قال: "جاء رجل إلى النبي ﵇ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا، فعلمني ما يجزئني، فقال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (١).
والرجل عربي، فلو كانت الترجمة جائزة (٢)؛ لما كان السائل يخبر عن عجزه، ولا نقله النبي ﷺ إلى التسبيح، وكان يقول له: غيره بعبارة أخرى على لسانك، وعلى أي وجه أمكنك.
وأيضا فإنه روي أن النبي ﵇ قال: "إن فضل كلام الله تعالى على كلام المخلوقين كفضله على سائر خلقه" (٣).
والكلام هو العبارة المتضمنة للمعاني، ولم يقل: إن فضل معنى كلام الله، فلا يجوز العدول عن كلامه.
فإن قيل: فإنه إذا قرأه الأعجمي فهو كلام الله، كما إذا قرأه العربي فهو كلام الله.
قيل: هذا غلط؛ لأن كلام الله تعالى هو الذي أنزله على لفظه، هذا حقيقته، كما أن كلام زيد عبارة عن ألفاظه، ألا ترى أنه لو قال له قائل: احك لنا كلام زيد، وقد تكلم بالعربية فعبر عنه بالفارسية؛ لم يكن حاكيا لكلامه، وإنما حكى معانيه.
стр. 1987
وأيضا فإن أنيسا أخا أبي ذر الغفاري ﵄ وكان أحد الفصحاء البلغاء - قال: "عرضت كلام الله تعالى ووضعته على السجع، والشعر، والنظم، والنثر، فلم يوافق من طرق العرب" (١).
فلم يكن القوم يتدافعون إعجازه في نظمه وتأليفه، ثم مع هذا فإننا وجدنا الصحابة لما اختلفوا في ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ و ﴿التَّابُوتُ﴾ هل يكتبان بالهاء أو بالتاء؛ فردوا كتابتهما إلى ما عليه لغة قريش؛ لأن القرآن نزل بلغتهم (٢).
فإذا كانت الصحابة سلمت هذا الحرف حتى لم يكتبوه بلغة غير لغة قريش؛ فلو جازت ترجمة القرآن بالفارسية؛ لم يتشددوا هذا التشديد، ويمنعوا من كتاب حرف على غير لغتهم.
وأيضا فإن المأخوذ علينا من القرآن لا يخلو من أحد معان: إما أن يكون لفظه دون معناه، أو معناه دون لفظه، أو هما، فيبطل أن يكون المراد منه لفظه دون معناه بالاتفاق؛ لأنه لو كتبنا معنى من المعاني غير معانيه لفظا من ألفاظ القرآن؛ لم يجزئه.
ويبطل أن يكون المراد منه معناه دون لفظه؛ لأنه لو أتى بدل ﴿لَا رَيْبَ
стр. 1988
فِيهِ﴾ (١) "لا شك فيه"، وبدل قوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (٢)، "ورب (٣٥٥) التين والزيتون"، وما أشبه؛ ذلك؛ لم يجز، فعلم أن المراد [كلاهما] (٣).
وعلى أنه لو أتى بلفظ القرآن ومعناه على جهتهما، ولكنه زاد فيه ضمة أو فتحة حتى يخرجه عن رسمه، ويدخله في جد الشعر ونظمه؛ لم يجز، مثل أن يقول: "أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدع اليتيما"، وكذلك "ويخزهم وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنينا"، فإذا كان اللفظ والمعنى موجودين في هذا الموضع، - ومع ذلك لم يجز -؛ فالموضع الذي يكون اللفظ فيه معدوما أولى أن لا يجوز.
وأيضا فإنه روي أن [الوليد بن المغيرة] (٤) المخزومي رئيس قومه جاء فقال لبعض أصحاب النبي ﵇: اقرؤوا علي شيئا من القرآن، فقرؤوا عليه، فقال: ليس هذا من كلام الآدميين، وليس بشعر، فمضى أبو لهب إليه فقال له: إنك تقول كذا، فقال: نعم، ليس ذلك من كلام الآدميين ولا بشعر، وكان [الوليد] (٥) أشعر قومه، وأشهر العرب وأفصحهم، وأعرفهم بأشعار المتقدمين، فقال له أبو لهب: قل قولا آخر؛ لأن العرب قبلت قول [الوليد] (٦)، فقال: أي شيء أقول وليس ذلك بكلام الآدميين؟ فقال: هو سحر، فقال الوليد: لعله، فأنزل الله تعالى هذه الآية في الوليد: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ
стр. 1989
مَالًا مَمْدُودًا﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ (١) قال: وكان له أربعة آلاف دينار وعشرة بنين" (٢).
فإذا كانت العرب عجزت عن هذه الصفة من النظم والتأليف - لا عن معنى الخبر بأن له مالا وبنين؛ لأن هذا يعلم مشاهدة ويعلمه من يعرفه -؛ علم أن المعجز منه لفظه وتأليفه.
وأيضا فإن القراءة ركن في الصلاة، وأركان الصلاة من القيام، والركوع، والسجود والقعود؛ لا يجوز العدول عنها مع القدرة عليها والتمكن منها، فكذلك القراءة لا يجوز تعديها وتبديلها مع التمكن منها والقدرة عليها كسائر الأركان، وكما لو تركها أصلا.
وأيضا فإنه لا معنى للاجتهاد مع القدرة على المنصوص عليه (٣).
فإن قيل: فأنتم أيضا لا تجوزونه مع العجز، أعني القراءة بالفارسية.
قيل: إذا بطل قراءتها مع القدرة على العربية؛ بطل مع العجز، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول شعرا مع القدرة على القراءة، كذلك لا يجوز مع العجز أيضا.
стр. 1990
وأيضا فإنه إذا قرأ بالفارسية؛ فقد عدل عن صفة القرآن المنزل مع القدرة عليه، فأشبه من أتى بالمعنى دون اللفظ.
وأيضا فإنه أتى بالصلاة بذكر غير معجز جنسه، فلم تصح صلاته مع القدرة عليه، دليله لو أتى ببدل القراءة بسائر الأركان.
وأيضا فإنه قد عبر عبارة عن القرآن وصيغته مع القدرة عليه، فلم تجزئه صلاته كما لو أتى بشعر.
والنبي ﵇ قرأ بفاتحة الكتاب بلسانه، وامتثال فعله واجب، وقد قال مع هذا: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١).
وأيضا "فإن الوليد بن عتبة (٢) لما سئل عن القرآن قال: قد سمعت شعر الشعراء، وخطب الخطباء، وكلام الكهنة، وما هذا منه في شيء، وما هو إلا سحر". فلم يعجزوا إلا عن نظمه وتأليفه، وإلا فالمعاني غير متعذرة عليهم.
فإن قيل: فإن تعبيره بعبارة أخرى - إذا أتى بمعانيه على نظمها - لا يخرجه أن يكون قرأ القرآن كما قرأ ابن مسعود بدل ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ "الفاجر".
قيل: أما هذه القراءة عن ابن مسعود؛ فطريقها خبر الواحد ولا يقبل، فقراءته المشهورة المنقولة تواترا لفظا ورواية هي قراءة عاصم.
وعلى أن ابن مسعود لما تعذرت التلاوة على القارئ عليه في الأثيم قال له: اقرأ الفاجر؛ لينبهه على المعنى، فيعود إلى اللفظ، لأنه خالف
стр. 1991
المصحف، وهذا كما روي عنه أنه قال: "ليست المعوذتان من القرآن" (١).
وهذا غلط، وقد خرجنا قوله على ما نحمله لو صح عنه، وبيناه في مسألة بسم الله الرحمن الرحيم.
وعلى أنه لو صح ما ذكرتموه عن ابن مسعود؛ لكان كلامنا معه مثل كلامنا معكم.
فإن قيل: التحدي لم يقع باللفظ، وإنما وقع بالمعاني وانتظامها، ألا ترى أن العجم لو أتوا بمثل معانيه ونظمها بلغتهم؛ لسقط حكم الإعجاز للقرآن ألا يأتوا بمثله على صيغته، ونظمه، ومعانيه.
ثم قولهم: "إنهم لو أتوا بمثل معانيه ونظمها بلغتهم لسقط الإعجاز"؛ محال؛ لأنهم لا يقدرون على نظم معانيه إلا بهذه الصيغة، لأن هذه الصيغة واللفظ المنتظم من المعاني أيضا، ولا تكون المعاني على نظمها إلا بهذه الصيغة، فسقط ما ذكروه.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٢) إلى أن قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (٣)، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ (٤) ولا تكون في صحفهم وزبرهم إلا بلسانهم (٥).
قيل: قد أجمعنا نحن وأنتم أن هذا القرآن ليس في صحف إبراهيم
стр. 1992
وموسى ولا أحد، فلا بد من التأويل، فمعناه أن ذكر القرآن وذكر النبي ﵇ في كتبهم (١)، ألا ترى إلى ما حكاه تعالى (٣٥٦) عن عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٢)، وكذلك قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣)، فهذا الذي هو في صحف إبراهيم، وموسى، وعيسى، وفي زبر الأولين.
وأيضا فيحتمل أن يكون أراد تعالى معنى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٤) إلى آخر الآية في الصحف الأولى مع إحكامه.
ثم لو قلنا: إن هذا القدر مذكور في الصحف الأولى بهذا اللفظ والصيغة؛ لم يمتنع ذلك، كما قلناه فيما حكاه عنهم في القرآن، وأنهم ما قالوه إلا بهذا اللفظ.
على أنه ﵇ قد قال: "أنزلت علي سورة لم تنزل على نبي قبلي، وهي فاتحة الكتاب" (٥).
стр. 1993
وقد قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ (١) أي في معناه وذكره وأحكامه، والمعجز منه منه أنه بلسان عربي مبين، لا يقدرون على مثل تأليفه ونظمه.
ثم إننا نقول: إن الله تعالى تحدى العرب العاربة الذين هم بالفصاحة معروفون، وبالبلاغة موصوفون، الذين يفصلون بين الحقيقة والمجاز، والبسط والإيجاز والاتساع، والاستعارة والإيماء، والإشارة والحذف والترخيم، والإمالة والتفخيم، وخفيف الهمزة وثقيلها، وقصير المدة وطويلها، الذين يرضعون الكلام نظما ونثرا، وخطبا وشعرا، وموزونا وسجعا، كل ذلك إلفا وطبعا، فإذا عجز مَن هذه صورته ومحله ورتبته عن إتيان المثل والترجمة؛ فالأعجمي والنبطي اللذان لا يفصحان عن أنفسهما ما يضمرانه، ولا يبينان ما يريدانه ويقصدانه، باللغة التي نشؤوا عليها ونسبوا إليها، فأولى أن يعجزوا عن ذلك.
فإن قيل: فإننا نبني الكلام في المسألة على جواز تكبيرة الإحرام بالفارسية مع القدرة على العربية، فإذا سلم لنا ذلك؛ فلا قول إلا قولنا.
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ فجعله مصليا بعد ذكر اسم الله تعالى، وهذا يتناول كل لغة من لغة العرب وغيرها.
قيل: لا يجوز عندنا أن يكبر بالفارسية وهو قادر على العربية، فأما احتجاجكم بقوله: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ لا ينصرف إلى تكبيرة الإحرام؛ لأننا قد بينا أنها من الصلاة، وهاهنا قال: ﴿فَصَلَّى﴾ بعد الذكر، فدل على أن الذكر
стр. 1994
ليس هو الإحرام (١)، فيجوز أن يكون أراد ذكر الله بقلبه إذا نوى وقصد، ويجوز أن ينصرف إلى إقامة الصلاة؛ لأن فيها ذكر الله تعالى.
ثم لو سلمنا أن المقصود ذكر الله في الصلاة؛ لكان محمولا على ما بينه النبي ﵇ للأعرابي، وبقوله: الله أكبر (٢)، وبقوله: "إذا قال الإمام الله أكبر، فقولوا الله أكبر" (٣).
وبقوله: "لا تجزئ عبدا صلاته حتى يضع الوضوء مواضعه إلى أن قال: ويقول: الله أكبر" (٤).
وقوله: "لا يقبل الله صلاة امرئ وذكر قوله الله أكبر"، في حديث رفاعة بن مالك (٥).
[فنص] (٦) ﵇ على اللفظ دون غيره، وأمره واجب، مع أنه أخبرنا أن الله تعالى لا يقبلها إلا بهذا اللفظ.
فإن قيل: فإن الإيمان يصح أن يقع بالعربية والفارسية.
قيل: الإيمان يقع بالاعتقاد دون اللفظ، فلهذا جوز اللفظ بالشهادتين بكل لغة، لأن المقصود منه يحصل، وأصله التصديق بالشريعة، والتكبير فهو
стр. 1995
مقصود في نفسه، تعبدنا بأن نأتي به على لفظه مع القدرة عليه (١).
فإن قيل: فأنتم تجوزونه بالفارسية إذا لم يقدر على العربية، فينبغي أن لا يفترق الحكم.
قيل: إنما أجزنا ذلك للضرورة، وليس ما جاز مع الضرورة يجوز مع القدرة، لو كان كذلك؛ لجاز التيمم مع قدرة استعمال الماء، ولجاز ترك الصلاة مع القدرة؛ لأنها قد تسقط مع العذر.
فإن قيل: فأجيزوا القراءة بالفارسية إذا لم يحسن العربية كما أجزتم التكبير.
قيل: الفرق بينهما أنه إذا قرأ بالفارسية؛ أسقط المعجز الذي هو النظم والتأليف في اللفظ، وفي التكبير يسقط اللفظ المتعبد به لا من جهة الإعجاز.
فإن قيل: فإن الآية الواحدة ليست بمعجزة، فأجيزوا له أن يقرأها بالفارسية، فهي كالتكبير.
قيل: إن قلنا: إن الآية ليست بمعجزة؛ فإنها من جنس المعجز، والتكبيرة من جنس الكلام الذي ليس بمعجز.
فإن قيل: فقد قال ﵇: "تحريمها التكبير" (٢)، وهو يحصل بكل لغة.
стр. 1996
قيل: هذا محمول على ما بينه ﵇ بقوله: "ويقول: الله أكبر" (١).
فتقديره: تحريمها التكبير الذي لفظه الله أكبر.
فإن قيل: فإنه ذكر مفعول على جهة التعظيم الله تعالى، فأشبه التكبير بالعربية.
قيل: هذا قياس يسقطه النص، فلا نقبله.
ثم نقول: إنه على أصلنا من الصلاة، وركن من أركانها، فينبغي أن يكون (٣٥٧) العدول عنه مع القدرة عليه لا يجوز كسائر أركانها.
فإن قيل: فإن الإيمان والتلفظ بالشهادتين قد جعلا شرطا في صحة جميع العبادات، والتكبير شرط في صحة الصلاة وحدها، فإذا كان ما هو شرط في صحة جميع العبادات يجوز بلغة العجم؛ فلأن يجوز ما هو شرط في صحة عبادة واحدة أولى.
قيل: قد قلنا إن اعتقاد الإيمان شرط في صحة جميع العبادات، فلم يتعين اللفظ فيه؛ لأن هذا منكسر؛ لأن جميع أركان الصلاة شرط في صحتها وحدها، فلا يجوز العدول عنها مع القدرة عليها.
فإن قيل: فإن قوله: ﵇: "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع [الوضوء] (٢) مواضعه، ويقول: الله أكبر" (٣)، قد قال فيه: "وما تنقصه فإنما
стр. 1997
تنقصه من صلاتك" (١).
فهذا يدل على صحة الصلاة؛ لأنه لم يقل: فإنك تبطل به صلاتك، فعلمنا أنه أراد التعظيم، وهو يحصل بأي لغة كانت.
قيل: حقيقة النقصان يقتضي فساد الصلاة، فلا فرق بين أن يقول له: وما تنقصه فإن النقصان تبطل به صلاتك، وبين قوله: فإنما تنقصه صلاتك.
فإن قيل: فإن قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ فيه إضمار، ومعناه من بلغه، أو "من بلغه القرآن" (٢).
ومن بلغه الشيء؛ فإنما يبلغه بأن يصل إليه ويعرف ما فيه، وأما إذا لم يعرف فلا يقال بلغه، ونحن نعلم أن العجم وغيرهم من أهل اللغات لا يعرفون القرآن، وإنما يعرفونه إذا فسر لهم بلسانهم، فثبت أنهم إذا عرفوه بالتفسير؛ فقد بلغهم القرآن، وصار ذلك قرآنا.
قيل: أما ما ذكرت من الإضمار؛ فيحتمل أن يعود إلى النبي ﵇، فيكون تقديره: "لأنذركم به ومن بلغه خبري وأني قد ظهرت"، وقد يكون إنذار من بحضرته بأن يعلمهم ما نزل عليه من القرآن، ويتلوه عليهم، ومن غاب عنه من العرب كذلك، وأما العجم فيكون إنذارهم بأن يعلموا أن هذا النبي الذي قد ظهر قد أتى بشيء يسمى قرآنا، وهو كلام منظوم مؤلف، بلغة العرب الذين عادتهم ذلك، وأنه قد أبهرهم وأعجزهم، فتعلَّموه أنتم أيضا من لسانكم حتى تعلموه وتعرفوه وتقفوا على معانيه، فأنتم إذا تعلَّمتموه فهمتموه،
стр. 1998
وعلمتم أن العرب الذين هم أعرف منكم به إذا عجزوا عنه كنتم أنتم عنه أعجز، وأنتم قادرون على [تعلمه] (١) كما تتعلمون عند نشئكم بعد صغركم كلامكم بلغتكم، وكما تتعلمون ما في التوراة والإنجيل بلغتكم وأنتم قادرون على ذلك، فإذا بلغهم هذا تواترا؛ ففيه أقوى الإنذار لهم به، ولو فسر لهم معانيه بألسنتهم لم يكن ذلك قرآنا، بل يكون تفسيرا للقرآن، وتفسير القرآن ليس هو القرآن. وبالله التوفيق.
* * *
* مسألة (٤٧):
عند مالك ﵀ والشافعي أن المصلي يدعو في صلاته بما شاء، سواء كان مما يوجد في القرآن أم لا، حتى لو قال: اللهم ارزقني ألف دينار، وغير ذلك مما يدعو الناس به؛ جاز (٢).
وقال أبو حنيفة: لا يدعو إلا بما يوجد في القرآن من الأدعية (٣).
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٤) فهو عام.
وأيضا ما روي عن رسول الله ﷺ : "إن صلاتنا لا يصلح فيها شيء من
стр. 1999
كلام الآدميين، إنما هو التسبيح والدعاء" (١).
وروي أنه "كان إذا مر بآية رحمة في صلاته شكر، وإذا مر بآية عذاب استعاذ" (٢).
وروي أنه ﵇: "كان يقرأ في صلاته: "أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى"، ويقول: بلى، بلى" (٣).
وروي أنه: "كان يقول بين التكبير والقراءة: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما نقيت الثوب الأبيض من الوسخ، اللهم اغسلني بالماء والثلج والبرد" (٤).
وروي عنه أنه قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء" (٥).
وقال: "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء، فقمن أن يستجاب لكم" (٦).
وهو عام في كل دعاء إلا أن تقوم دلالة.
وقد ثبت أنه ﵇ قال في الصلاة: "اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة،
стр. 2000
والمستضعفين من المؤمنين، واشدد وطأتك على مضر" (١).
وقد كان يدعوا في سجوده فيقول: "اللهم إني أعوذ بعفوك من عقابك، وبرضاك من سخطك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما وصفت نفسك، وفوق وصف الواصفين" (٢).
وغير ذلك من الأدعية مما يطول ذكره.
وأيضا فإنه ﵇ "نهى عن القراءة في الركوع والسجود" (٣)، وقد سن في ذلك التسبيح والدعاء، فلو كان الدعاء لا يجوز إلا بما في القرآن؛ لكان القرآن في السجود جائزا، وقد منع منه ﵇.
وقد قال عروة: "إني لأدعو في صلاتي حتى بشعير حماري، وملح بيتي، وكل ذلك".
وكان ابن عمر يدعو في صلاته بحوائج الدنيا.
وأيضا فإن هذا دعاء يستحق عليه أجرا (٣٥٨) وثوابا لو أتى به خارج الصلاة، وعند قراءة القرآن لا يتضمن خطاب الناس، فوجب أن يستحب في الصلاة لسجود التلاوة.
أو نقول: هذا ذكر الله تعالى لا على وجه مخاطبة أحد لا يمنع إتيانه في الصلاة التي يجوز القرآن فيها، فأشبه الدعاء الذي في القرآن.