← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

قيل: هذا محمول على ما بينه ﵇ بقوله: "ويقول: الله أكبر" (١). فتقديره: تحريمها التكبير الذي لفظه الله أكبر. فإن قيل: فإنه ذكر مفعول على جهة التعظيم الله تعالى، فأشبه التكبير بالعربية. قيل: هذا قياس يسقطه النص، فلا نقبله. ثم نقول: إنه على أصلنا من الصلاة، وركن من أركانها، فينبغي أن يكون (٣٥٧) العدول عنه مع القدرة عليه لا يجوز كسائر أركانها. فإن قيل: فإن الإيمان والتلفظ بالشهادتين قد جعلا شرطا في صحة جميع العبادات، والتكبير شرط في صحة الصلاة وحدها، فإذا كان ما هو شرط في صحة جميع العبادات يجوز بلغة العجم؛ فلأن يجوز ما هو شرط في صحة عبادة واحدة أولى. قيل: قد قلنا إن اعتقاد الإيمان شرط في صحة جميع العبادات، فلم يتعين اللفظ فيه؛ لأن هذا منكسر؛ لأن جميع أركان الصلاة شرط في صحتها وحدها، فلا يجوز العدول عنها مع القدرة عليها. فإن قيل: فإن قوله: ﵇: "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع [الوضوء] (٢) مواضعه، ويقول: الله أكبر" (٣)، قد قال فيه: "وما تنقصه فإنما

стр. 1997

تنقصه من صلاتك" (١). فهذا يدل على صحة الصلاة؛ لأنه لم يقل: فإنك تبطل به صلاتك، فعلمنا أنه أراد التعظيم، وهو يحصل بأي لغة كانت. قيل: حقيقة النقصان يقتضي فساد الصلاة، فلا فرق بين أن يقول له: وما تنقصه فإن النقصان تبطل به صلاتك، وبين قوله: فإنما تنقصه صلاتك. فإن قيل: فإن قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ فيه إضمار، ومعناه من بلغه، أو "من بلغه القرآن" (٢). ومن بلغه الشيء؛ فإنما يبلغه بأن يصل إليه ويعرف ما فيه، وأما إذا لم يعرف فلا يقال بلغه، ونحن نعلم أن العجم وغيرهم من أهل اللغات لا يعرفون القرآن، وإنما يعرفونه إذا فسر لهم بلسانهم، فثبت أنهم إذا عرفوه بالتفسير؛ فقد بلغهم القرآن، وصار ذلك قرآنا. قيل: أما ما ذكرت من الإضمار؛ فيحتمل أن يعود إلى النبي ﵇، فيكون تقديره: "لأنذركم به ومن بلغه خبري وأني قد ظهرت"، وقد يكون إنذار من بحضرته بأن يعلمهم ما نزل عليه من القرآن، ويتلوه عليهم، ومن غاب عنه من العرب كذلك، وأما العجم فيكون إنذارهم بأن يعلموا أن هذا النبي الذي قد ظهر قد أتى بشيء يسمى قرآنا، وهو كلام منظوم مؤلف، بلغة العرب الذين عادتهم ذلك، وأنه قد أبهرهم وأعجزهم، فتعلَّموه أنتم أيضا من لسانكم حتى تعلموه وتعرفوه وتقفوا على معانيه، فأنتم إذا تعلَّمتموه فهمتموه،

стр. 1998

وعلمتم أن العرب الذين هم أعرف منكم به إذا عجزوا عنه كنتم أنتم عنه أعجز، وأنتم قادرون على [تعلمه] (١) كما تتعلمون عند نشئكم بعد صغركم كلامكم بلغتكم، وكما تتعلمون ما في التوراة والإنجيل بلغتكم وأنتم قادرون على ذلك، فإذا بلغهم هذا تواترا؛ ففيه أقوى الإنذار لهم به، ولو فسر لهم معانيه بألسنتهم لم يكن ذلك قرآنا، بل يكون تفسيرا للقرآن، وتفسير القرآن ليس هو القرآن. وبالله التوفيق. * * * * مسألة (٤٧): عند مالك ﵀ والشافعي أن المصلي يدعو في صلاته بما شاء، سواء كان مما يوجد في القرآن أم لا، حتى لو قال: اللهم ارزقني ألف دينار، وغير ذلك مما يدعو الناس به؛ جاز (٢). وقال أبو حنيفة: لا يدعو إلا بما يوجد في القرآن من الأدعية (٣). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٤) فهو عام. وأيضا ما روي عن رسول الله ﷺ : "إن صلاتنا لا يصلح فيها شيء من

стр. 1999

كلام الآدميين، إنما هو التسبيح والدعاء" (١). وروي أنه "كان إذا مر بآية رحمة في صلاته شكر، وإذا مر بآية عذاب استعاذ" (٢). وروي أنه ﵇: "كان يقرأ في صلاته: "أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى"، ويقول: بلى، بلى" (٣). وروي أنه: "كان يقول بين التكبير والقراءة: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما نقيت الثوب الأبيض من الوسخ، اللهم اغسلني بالماء والثلج والبرد" (٤). وروي عنه أنه قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء" (٥). وقال: "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء، فقمن أن يستجاب لكم" (٦). وهو عام في كل دعاء إلا أن تقوم دلالة. وقد ثبت أنه ﵇ قال في الصلاة: "اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة،

стр. 2000

والمستضعفين من المؤمنين، واشدد وطأتك على مضر" (١). وقد كان يدعوا في سجوده فيقول: "اللهم إني أعوذ بعفوك من عقابك، وبرضاك من سخطك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما وصفت نفسك، وفوق وصف الواصفين" (٢). وغير ذلك من الأدعية مما يطول ذكره. وأيضا فإنه ﵇ "نهى عن القراءة في الركوع والسجود" (٣)، وقد سن في ذلك التسبيح والدعاء، فلو كان الدعاء لا يجوز إلا بما في القرآن؛ لكان القرآن في السجود جائزا، وقد منع منه ﵇. وقد قال عروة: "إني لأدعو في صلاتي حتى بشعير حماري، وملح بيتي، وكل ذلك". وكان ابن عمر يدعو في صلاته بحوائج الدنيا. وأيضا فإن هذا دعاء يستحق عليه أجرا (٣٥٨) وثوابا لو أتى به خارج الصلاة، وعند قراءة القرآن لا يتضمن خطاب الناس، فوجب أن يستحب في الصلاة لسجود التلاوة. أو نقول: هذا ذكر الله تعالى لا على وجه مخاطبة أحد لا يمنع إتيانه في الصلاة التي يجوز القرآن فيها، فأشبه الدعاء الذي في القرآن.

стр. 2001

فإن قيل: فقد روي في خبر معاوية بن الحكم أنه لما شمت العاطس في صلاته قال ﵇: "إن صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي تسبيح وقراءة القرآن" (١). فقوله: "لا يصلح فيها شيء من كلام الناس"؛ لا يخلو من أن يريد به جنس الكلام، أو ما يخاطب الناس بينهم به في العادة، ولا يجوز أن يريد الأول؛ لأن ما جميع يرد في الصلاة من الأذكار هو من جنس كلام الناس، فبقي أن يكون المراد ما يتخاطبون به في العادة، وهذا يمنع فعل الدعاء بهذا الجنس. قيل: ليس هذا من كلام الآدميين المعهود؛ لأن كلام الآدميين المخاطبة المعروفة فيما بينهم، فأما هذا؛ فليس من كلام الآدميين فيما بينهم في شيء، وإنما هو ذكر ودعاء، وهو مرتب في الخبر على قوله ﵇: "إنما هي ذكر وتسبيح وقراءة القرآن" (٢)، ومحمول على ما يتخاطب الناس بينهم بالدلائل التي ذكرناها. فإن قيل: فإن معاوية بن الحكم لما شمت العاطس قال: "يرحمك الله" على وجه المخاطبة، خرج نهيه ﵇ على ذلك وإن كان دعاء في نفسه، فبان أن ما وقع على وجه ما يتخاطب به الناس منهي عنه في حال الصلاة. قيل: هذا وشبهه نحن لا نجيزه، وهو أن يوجه دعاء إلى إنسان يخاطبه به في الصلاة، وكأنه جواب لإنسان على شيء كان منه، فأما أن يدعو لنفسه

стр. 2002

ولغيره ابتداء، من غير مقابلة لإنسان، وأن يخاطبه به حتى يقتضي منه جوابا عليه؛ فلا (١)، فصار قوله: "لا يصلح فيها شيء من خطاب الناس" (٢) متوجها إلى هذا، أي لا يخاطب الناس في الصلاة. وقوله: "إنما هي ذكر ودعاء"؛ مصروف إلى الدعاء الذي لا يخاطب به الناس، فبان بذلك صحة قولنا. فإن قيل: فإن أذكار الصلاة تنفصل من غيرها لوقوعها على وجه لا يتخاطب به في العادة، ألا ترى أنه لو خاطب غيره فقال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٣) فسدت صلاته، وكذلك لو قال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ (٤). وإذا كان كذلك؛ وجب أن يجعل ما هو من جنسه مؤثرا في الصلاة. قيل: هذا يلزمكم مثله في أدعية القرآن لو صرفها في الصلاة إلى خطاب مخاطب له؛ لم يصح، وفسدت صلاته، ولو دعا بها مبتدئا لا مخاطبة لمخاطب؛ لجاز، وكذلك ما نقوله نحن من الدعاء بما ليس في القرآن. على أن التسبيح في الصلاة إشارة إلى إنسان لا يفسد الصلاة، فلو قرأ القرآن أشار به إلى إنسان؛ لم تفسد صلاته، إلا أن يكثر فيقصد به الحديث الطويل فلا يجوز.

стр. 2003

فإن قاسوه على كلام الآدميين بينهم في العلامات بعلة أنه لا يشبه أذكار القرآن؛ قلنا: هذا يسقط النص الذي ذكرناه من دعاء النبي ﵇ بما دعا به مما ليس في القرآن. على أننا نعارضهم بالقياس الذي ذكرناه على أذكار القرآن، وانفردت لنا الظواهر من القرآن، وقول النبي ﵇ وفعله. فإن قيل: فإنه معنى استقل بهذا النوع من الدعاء زالت [به] (١) هيئة الصلاة، ألا تري أنه لا يشبه شيئا من أذكار الصلاة، وما أزال هيئتها من جميع الخطاب؛ فإنه يؤثر فيها، دليله الأكل والمشي والشرب. قيل: ليس فيما اخترناه إخراج الصلاة عن هيئتها، وإنما يخرجها عن هيئتها بأن يأتي به في موضع النهي، كما لو أتى به بدل القراءة، وبدل تكبيرة الافتتاح، أو السلام، مثل ما لو أتى بالدعاء الذي في القرآن في هذه المواضع، وكما لو ترك فاتحة الكتاب في القيام وقرأها في السجود، فأما أن يأتي بالدعاء في مواضع الدعاء الذي في القرآن؛ فإنه لا يخرجها عن هيئتها، ولو لزم هذا للزم في الدعاء الذي يوجد في القرآن، فنقول: لو تشاغل به في الصلاة؛ لأخرجها عن هيئتها، فلما لم يلزمكم ذلك؛ لم يلزمنا ما ذكرتموه. فإن قيل: فقد روى ابن مسعود عن النبي ﵇ أنه قال: "إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا تتكلموا في الصلاة" (٢).

стр. 2004

وكذلك خبر زيد بن أرقم: "فأمرنا بالسكوت" (١). قيل: أما خبر ابن مسعود عنه ﵇، فإنه محمول على ما يختص الكلام، واسم الدعاء مخصوص بالدعاء، ألا ترى أننا نفرق بين قول القائل: "قد تكلم في الصلاة"، وبين قوله: "قد دعا في الصلاة". يقوي هذا أن القوم كانوا يتكلمون في صلاتهم ويتحدثون، ويأمرون وينهون، فنهوا عن ذلك، فأما الدعاء فلم يُنهوا عنه. وقد ذكرنا ما يدل عليه. (٢٥٩) و [عن] (٢) علي رضوان الله عليه أنه كان يقنت في صلاته (٣). وعن ابن الزبير أنه كان يدعو للزبير (٤). وانضاف قول هؤلاء إلى قول ابن عمر وعروة (٥). فدل على أنه يجري مجرى الإجماع مع ما ذكرناه عن النبي ﵇. وأيضا فإنه دعاء بينه وبين نفسه لا مقابلة لمخاطب ولا مواجهة، مندوب إليه خارج الصلاة، فكذلك في حال الصلاة، أصله الدعاء بمثل ما في القرآن. فإن قيل: فإن قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ محمول على ما

стр. 2005

في القرآن بالدلائل التي ذكرناها. قيل: هو عموم، والدلائل التي ذكرتموها لم تصح. فإن قيل: فإن قول النبي ﵇: "وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء" (١)؛ مصروف إلى ما ذكر في الأخبار الآخر، وهو قوله حين نزل قول الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فقال: "اجعلوها في سجودكم" (٢). قيل: اسم التسبيح بالتسبيح أخص منه بالدعاء؛ لأنه يفرق بين قول القائل: "سبح فلان"، وبين قوله "دعا"، فليس يتنافى أن يقول: "سبحوا وادعوا" بدليل قوله: "فاجتهدوا فيه بالدعاء" (٣). وعلى أننا قد بينا أنه ﵇ كان يدعو بغير التسبيح. ثم قوله: "اجتهدوا [فيه] (٤) بالدعاء" لا يحمل على مقدر وهو قوله: "سبحان ربي الأعلى". فإن قيل: فإن خبر أبي هريرة الذي قال فيه: "أنه ﵇ كان يدعو في سجوده أو في صلاته فيقول: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي" (٥) وما أشبهه، فإن هذا يشبه ما في القرآن؛ لأنه ليس فيه تسمية أحد ولا مواجهته فيجوز.

стр. 2006

قيل: فقد ثبت وسمى الوليد بن الوليد وغيرهم من المستضعفين، وذكر مضرة (١). فإن قيل: فإن هذا يحتمل أن يكون في حال إباحة الكلام، ثم حظر بقوله: "لا تتكلموا في الصلاة" (٢). قيل: قد قلنا: إن اسم الكلام بالكلام أخص منه بالدعاء، واسم بالدعاء أخص منه بالكلام. وعلى أننا أيضا نخصه فنقول: لا تتكلموا بسائر الكلام الذي يجري بين الناس في غير الصلاة، وتكلموا في الصلاة بما يجري هذا المجرى من الدعاء على الوجه الذي أجزناه، وهذا أولى من حمله على التسبيح. فإن قيل: فإن خبر علي ﵁ محمول على أنه فعله عقيب الصلاة، فقال الراوي: "في صلاته". قيل: لا ينبغي أن يُغلّط الراوي من غير حاجة بنا إلى ذلك؛ لأننا لا نحمل أمر الراوي [إلا] (٣) على الصحة والراوي قال: "كان يفعل ذلك في صلاته"، ولم يسلم لكم دليل تجعلون هذا [خطأ] (٤) عليه فسقط. وكذلك إن أجابوا في حديث عروة وابن عمر. فإن قيل: فإن خبر أبي الدرداء و "أنه كان يدعو في صلاته لسبعين

стр. 2007

نفسا" (١)؛ فيحتمل أن يكون لم يسمهم، فيكون كدعائه لجماعة المسلمين، وهذا يجوز. قيل: الظاهر من قوله أنه كان يسميهم، لأنه ليس يقال في العرف: اللهم "اغفر لسبعين نفسا" ولا يذكر أسماءهم، وإن كان الله تعالى يعلمهم، غير أن الظاهر أن القائل إذا قال: "فلان دعا في صلاته لمائة نفس" لم يسبق إلى الأفهام من ظاهر كلامه أنه لم يسمهم (٢). وكذلك إن قالوا: إن ابن الزبير دعا للزبير ولم يسمه؛ فإنه لا يجوز أن يعلم الراوي الغيب أنه قال يدعو للزبير، فكيف يعلم أنه كان يدعو للزبير من غير أن يقول ابن الزبير: "اللهم ارحم والدي" أو "ارحم الزبير" (٣). وتجويزهم أن يدعو لجماعة المسلمين ولبعضهم عموما من غير تسمية؛ يلزمهم، وتجوز تسمية جماعة من المسلمين لا فرق بين ذلك إلا من جهة اختصار اللفظ، ألا ترى أنه يجوز أن يصلي على جماعة الأنبياء في الصلاة، ويجوز أن يسمي نبينا ﷺ من بينهم أو غيره من الأنبياء، وثبت أنه لا فرق بين التسمية بالاسم الأخص وبين الاسم الأعم، وبالله التوفيق. ولنا أيضا حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: "إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا، فعلمني ما يجزئني، فقال:

стр. 2008

قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: يا رسول الله! هذا الله، [فما لي؟] (١) قال: قل: "اللهم ارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني"، فلما قام قال هكذا بيده، فقال رسول الله ﵇: أما هذا فقد ملأ يده من الخير" (٢). وأيضا نقول: إنه خطاب الله، وابتهال إليه دون الآدميين، فأشبه ألفاظ القرآن. وأيضا فإن اعتبار الأصول تشهد لما قلناه، وذلك أننا وجدنا الدعاء من جنس الصلاة، بل هو الصلاة، والصلاة هو، إلا أن أحدهما لغوي، والآخر شرعي، فإذا ثبت ذلك؛ وجب أن يكون تحقيق الآية التي فيها الرحمة والعذاب بالسؤال والتعوذ سنة، كما أن السجود لما كان من جنس الصلاة كان تحقيق الآية بالسجدة عند تلاوتها. وبالله التوفيق. (٣٦٠) * * * * مسألة (٤٨): عند مالك ﵀ أن القراءة واجبة (٣) على الإمام والمنفرد في كل ركعة (٤).

стр. 2009

وبه قال الشافعي، والشافعي يقول ذلك في المأموم أيضا (١). وقال أبو حنيفة: القراءة واجبة في ركعتين من الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء الآخرة، وليست واجبة في باقيها (٢). والدليل لقولنا قول النبي ﵇ ﷺ : "كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، - وفي حديث بفاتحة الكتاب - فإنك لم تصلها إلا وراء إمام" (٣). وكذا روي عن أبي سعيد قال: قال النبي ﵇ ﵇: لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في الفريضة وغيرها" (٤). وروي عن أبي سعيد قال: "علمنا رسول الله ﷺ حكم الصلاة وأمرنا بالقراءة في كل ركعة" (٥). وظاهر أمره على الوجوب. وعن أبي قتادة "أن النبي ﵇ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة، وكان يقرأ في الركعتين الأخرتين بأم القرآن" (٦). وهذا يدل على توقيف منه ﵇؛ لأن صلاة الظهر مما تخفى القراءة

стр. 2010

فيها، فلا تعلم إلا أن يعلمهم النبي ﵇ ذلك، فلو لم يعلمهم ذلك؛ لما علموه حقيقة، وظاهر هذا الوجوب؛ لأنه بيان كبيان غيره من أحكام الصلاة مما هو واجب كالركوع والسجود، لأن القراءة واجبة في الصلاة. وكذلك تعليمه ﵇ للأعرابي حين قال له: "اقرأ بفاتحة الكتاب". وفي خبر آخر: "اقرأ بما تيسر واجعل هذا في كل ركعة" (١). وإنما علمه الواجبات؛ لأنه قال له: "ارجع فصل فإنك لم تصل"، وعلمه ما يكون به مصليا. وأيضا فإنها ركعة من مكتوبة فأشبهت الأوليين. وأيضا فإن القيام في الثالثة والرابعة قيام مفروض مع القدرة، يليه ركوع، فوجب أن تكون القراءة فيهما واجبة، دليله الركعتان الأوليان. وأيضا فإن التطوع عندهم بالنهار أربع ركعات، وهم يوجبون القراءة في جميعه، فالفرض أولى. ويجوز أن نحرر من هاهنا قياسا فنقول: هي صلاة من شرطها الطهارة، فيها ركوع؛ فوجب أن تكون القراءة في جميع ركعاتها، دليله التطوع. أو بعلة أنها صلاة فيها ركوع، تنتقض بتعمد الحدث، فأشبهت التطوع. ونقول أيضا إن جميع ركعاتها سواء في الطهارة واستقبال القبلة، فكذلك في القراءة.

стр. 2011

[فإن قيل:] (١) فإن حديث جابر الأول موقوف على جابر. قيل: قد وصل عن النبي ﵇. فإن قيل: فحديث أبي سعيد الثاني لا دلالة فيه؛ لأنه كرر السورة مع فاتحة الكتاب، وهي غير واجبة، فصار المراد بقوله: "لا صلاة" نفي الكمال في السورة مع فاتحة الكتاب، فينبغي أن يكون المراد به نفي الجواز فيما عداها؛ لامتناع أن يراد بلفظة واحدة الكمال والجواز، ونحن نقول: إنها جائزة بالقراءة في كل ركعة، وجائزة بتركها في ركعتين. قيل: قد تكلمنا في هذا فيما تقدم (٢)، وقلنا: إن النفي يصح أن يتناول الإجزاء والكمال، فلو قال: "لا صلاة كاملة ولا مجزئة أيضا"؛ لصح، ونحن نقول بالعموم في المعاني (٣). وعلى أننا حكينا عن أبي سعيد (٣٦١) قال: "علمنا النبي ﷺ أحكام الصلاة وأمرنا بالقراءة في كل ركعة" (٤). فإن قيل: فإن خبر أبي قتادة الذي روى فيه "أنه ﵇ كان يقرأ في الأوليين بالحمد وسورة، وفي الأخريين بالحمد وحدها" (٥)؛ فهو حكاية فعل لا يتضمن الوجوب، ولا يجوز أن يكون فعله ورد مورد البيان؛ لأن ما يقتضي

стр. 2012

وجوب القراءة - وهو قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (١) - مفسَّر لا يحتاج إلى بيان. قيل: أفعاله على الوجوب حتى تقوم دلالة. وعلى أننا قلنا: لم يحك أبو قتادة هذا وأنه في صلاة الظهر إلا بتوقيف من النبي ﷺ قولا، لأن القراءة تخفى في الظهر، فلا يعلم الذكر الذي فيها حقيقة إلا من القول (٢). وقلنا أيضا إنه يكون بيانا لحكم الصلاة، فبين مقدار القراءة فيها، ومواضعها، كما بين الركوع والسجود وغير ذلك. وقد تكلمنا على قوله "بما تيسر" بما فيه بلاغ. فإن قيل: فإن خبر الأعرابي يحتمل أن يكون المراد الركعتين الأوليين من كل صلاة، ويحتمل أن يكون أراد التطوع لأنه فعلها منفردا. وعلى أنه قد قال: "وما تنقصه فإنما تنقصه من صلاتك" (٣)، فظاهره يفيد أنه متى ترك القراءة في بعض الركعات التي علمه القراءة فيها؛ أجزأته صلاته، ألا أنه تري سماها صلاة مع وجود النقصان، وهذا لا يكون إلا مع بقاء الأصل، وأما مع فساده فلا يوصف بالنقصان (٤).

стр. 2013

قيل: ما ذكرتموه خطأ؛ لأنه لو كان بين الركعتين الأوليين وغيرها فرق؛ لبينه، ولنقل ذلك كما نقل نفس الخبر، وكذلك لو افترق الحكم في الفرض والنفل؛ لبينه؛ لأن الرجل كان جاهلا بصلاته، ومن كان جاهلا بالتطوع حتى يحتاج إلى بيان؛ فهو بالفرض أجهل، وهو بالبيان له أحوج. وقوله: "وما نقصته فإنما تنقصه من صلاتك" (١)؛ فإنما أراد إعلامه أن النقصان لا يجزئ، ألا أن تري الخبر قيل فيه: "أن رجلا نقص من صلاته فقال ﵇: ارجع فصل فإنك لم تصل" (٢)، فأعلمه أن النقصان ليس بصلاة، ونحن نقول: صلاة فاسدة، وصلاة صحيحة، فليس التسمية دليلا على الجواز. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾، فإذا قرأ في الركعتين؛ فقد فعل ما تيسر. قيل: قد بينا حكم هذه الآية: فينبغي أن تستوفي جميع ما تيسر في كل ركعة لا بعضه، ولو ثبت ما قلتم؛ لم يمتنع أن تقوم دلالة تبين ذلك في كل ركعة، وقد ذكرنا أدلة. فإن استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (٣)، وظاهره يقتضي جواز الصلاة بوجود القراءة في كل جزء منها إلا ما خصته الدلالة. قيل: قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أراد به القراءة في صلاة الفجر لا في

стр. 2014

بعضها، وكذلك يقولون: إنها واجبة في ركعتي الصبح، فلا دلالة في هذا على صلاة الظهر. فإن قيل: فقد روى الحارث عن علي أنه قال: "يسبح في الأخريين" (١). وكذا روي عن علي وعبد الله أنهما قالا: "اقرأ في الأوليين، وسبح في الأخريين" (٢). وعن ابن عباس: "القراءة فيهما تسبيح". وعن عائشة أنها كانت تقرأ في الأخريين بأم القرآن (٣)، لأنها دعاء، وهذا إجماع لا يعرف له مخالف. قيل: الحارث عن علي ضعيف، ويحتمل أن يكون أراد التسبيح بعد قراءة أم القرآن فاتحة الكتاب، وكذلك قوله وقول عبد الله، ويكون بمعنى قولهم: "اقرأ في الأوليين السورة التي بعد فاتحة الكتاب". وقول ابن عباس: "القراءة فيهما تسبيح"؛ أراد قراءة فاتحة الكتاب فيهما أولى من التسبيح، أو يقوم مقام التسبيح، لأنه ذكر القراءة فيهما، ولم يقل: التسبيح فيهما قراءة.

стр. 2015

وقراءة عائشة فيهما بأم القرآن لأنها دعاء؛ حجة لنا، لأجل هذا تعينت في الصلاة. وعلى أنه لو ثبت هذا مذهبا لهؤلاء من غير احتمال؛ لعارضه ما روي عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأبي قتادة، وغيرهم. وقول أبي سعيد: "وأمرنا أن نقرأ في كل ركعة" (١). وقول رسول الله ﷺ في حديث جابر: "كل ركعة لم تقرأ فيها بأم القرآن فإنك لم تصلها" (٢)؛ أولى من قول غيره. فإن قيل: فإن فعل من ذكرتم لا يدل على الوجوب. قيل: إذا رووا شيئا عن النبي ﵇ يدل على الوجوب، ورأيناهم قد فعلوه؛ دل على الوجوب. وعلى أنه إذا لم يدل فعل هؤلاء على الوجوب لم يدل فعل من ذكرتم على الجواز؛ لأن القوم يفعلون الشيء تارة على الجواز، وتارة على الوجوب، كما فعل النبي ﵇، وإذا جاز [أن يقتدى بهم في الجواز؛ جاز] (٣) أن يقتدى بهم في الوجوب. فإن قيل: فقد روي عن النبي ﵇ أنه قال: "لا صلاة إلا بقراءة" (٤).

стр. 2016

وقال: "لا صلاة إلا بقراءة ولو بفاتحة الكتاب" (١). وهذا يدل على القراءة في جزء منها. قيل: هذا حجة لنا؛ لأنه إذا نفى الصلاة اسما وحكما؛ انتفى كل جزء منها إذا لم تكن فيه قراءة، فدليله أنها وكل جزء منها إذا [قرئ] (٢) (٣٦٢). فإن قيل: فقد روى عبد الرحمن بن الحرث أنه جلس إلى رهط من أصحاب النبي ﷺ فتذاكروا الصلاة، فقالوا: لا صلاة إلا بقراءة ولو بفاتحة الكتاب، قال: خالد قلت لعبد الرحمن بن الحرث: هل تسمي منهم أحدا؟ قال: نعم؛ خوات بن جبير" (٣). قيل: هذا لا ينفي إجماعهم على ما قلناه، ولا هو صريح في خلافهم؛ لأنه يحتمل أن يكون المراد الرد على من يقول: إن الصلاة تجوز بغير قراءة أصلا، ثم قالوا: ولو بفاتحة الكتاب، فلا يسقط تعيينهم فاتحة الكتاب بأمر يحتمل مطابقة ما هم عليه. وقد قال عمر: "لا تجوز صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها" (٤). وقال أبو هريرة: "تجزئ فاتحة الكتاب" (٥).

стр. 2017

فدليله أن لا يجزئ غيرها. وعن ابن عمر: "إني لأستحيي من رب هذا البيت أن لا أقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وما تيسر" (١). وعن عمران بن حصين أنه قال: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وآيتين فصاعدا" (٢). وعن أبي سعيد: "في كل ركعة قراءة فاتحة الكتاب فما زاد" (٣). كل هؤلاء ذكروا فاتحة الكتاب لم يختلفوا فيها، وإنما اختلفت أقوالهم فيما زاد عليها، فصح إجماعهم على وجوبها، وبالله التوفيق. ونرجح استدلالاتنا وقياسنا واستعمالنا الأخبار بالاحتياط للصلاة، وأن تسقط عن الذمة بيقين. وقد روي عن عبادة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجزئ عن أم القرآن غير أم القرآن، وتجزئ أم القرآن عن غيرها" (٤). والقراءة ركن من أركان الصلاة، فينبغي أن تتعين كالركوع. وبالله التوفيق. (٣٦٣) * * *

стр. 2018

* مسألة (٤٩): ويجوز عند مالك والشافعي (١) صلاة الرجل إلى جنبه امرأة، وهما في صلاة واحدة، والاختيار أن لا تقف إلى جنبه (٢). وعند أبي حنيفة أن صلاة الرجل تبطل (٣)، وصلاة المرأة صحيحة. والدليل لقولنا الظاهر من قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٤) إلى آخر الآية، وهذا قد فعل ما أمر به، فينبغي أن تجوز صلاته. وقال النبي ﵇: "لا صلاة إلا بطهور" (٥)، وهذا قد تطهر. وقال: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٦). وأيضا فإنه علم الأعرابي كيف الصلاة، وقد فعل ما وقع التعليم به. وأيضا قوله: "لا تجزئ عبدا صلاته حتى يضع الوضوء مواضعه، ثم ذكر الصلاة" (٧).

стр. 2019

فدل أنه إذا فعل ذلك؛ فصلاته مجزئة إلا أن يقوم دليل. وأيضا فإنه قال: "فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" (١). وأيضا فإنه ﵇ قال: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (٢). وهذا قد أحرم وسلم، ومن زعم أن صلاته فسدت؛ فعليه الدليل. وأيضا فقد قال ﵇: "لا يقطع صلاة المسلم شيء" (٣). فهو عام حتى يقوم الدليل. وقال أيضا: "لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، ما لم يحدث، والحدث أن يفسو أو يضرط" (٤). وأيضا فإن المرأة قد وقعت في مقام مأموم، فلا تفسد صلاة الإمام، كالرجل إذا وقف إلى جانبه. وأيضا فإن من عقد الصلاة بشرائطها لم تفسد عليه لمخالفة المأموم في الموقف، كما لو وقف الرجل عن يسار الإمام. فإن قيل: فقد قال ﵇: "أخروهن من حيث أخرهن الله" (٥).

стр. 2020

وأمر الرجل بتأخير المرأة، فنهى عن القيام إلى جنبها، والنهي يدل على الفساد؛ لأنه ترك فرضا من فرائض الصلاة (١). قيل: إن الأمر بالتأخير يدل على أنه لازم لهما جميعا، فلو كان تركها في التأخير لا يفسد صلاتها؛ كذلك تركه أن يتقدم عليها أو يؤخرها لا يفسد صلاته. والذي يدل أيضا على أنها مندوبة إلى التأخير قوله ﵇: "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها" (٢). فصار الرجل مندوبا إلى التقدم، والمرأة مندوبة إلى التأخير، فلما كانت مخالفتها لا تفسد صلاتها؛ فكذلك مخالفته لا تفسد صلاته. ثم نقول: لا موقف إلا ويصلح أن يكون موقفا للإمام والمأموم، وهو الذي تختلف عليه المواقف، واستحال أن يكون موقفه يفسد الصلاة، ألا ترى أن الأمي (٣) والمرأة من صلى خلفهما من القراء والرجال؛ لم تفسد

стр. 2021

صلاتهما، وإن فسدت صلاة من خلفهما، لأن الموقف موقف لهما، وإنما كان كذلك لأن الإمام هو المتبع، والمأموم تابع، فلا موقف يقف فيه المتبَع إلا وهو موقفه، لأنه هو الذي تعين على المأموم اتباعه، فلم يجز أن يفسد صلاته لأجل الموقف. ثم إن النهي توجه إلى المرأة [أيضا] (١)، فقال ﵇: "لا تصل المرأة إلى جنب الرجل، ولا الرجل إلى جنب المرأة" (٢). فلو كان أحدهما تفسد صلاته بالمخالفة؛ لكانت المرأة أولى بذلك؛ لأن الصلاة صلاة الإمام، وهو إمامها، كما تفسد صلاة القارئ خلف الأمي، فلما صحت صلاتها؛ وجب أن تصح صلاته، وتصير هي بمنزلة الأمي خلف القارئ أن صلاتهما جميعا صحيحتان. فإن قيل: إن جانب الإمام لا يكون محلا لوقوفها، فإذا وقفت فيه؛ فسدت صلاته، كما أن قدام الإمام لا يكون موقفا للمأموم، فإذا وقف فيه؛ فسدت صلاته. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن المأموم إذا صلى قدام الإمام لم تفسد صلاته عندنا.

стр. 2022

وجواب آخر: وهو أنه على هذا الحساب ينبغي أن تبطل صلاة المرأة دون الرجل؛ لأنها وقفت في غير محلها، كما فسدت صلاة المأموم قدام الإمام؛ لأنه وقف في غير محله، فلما قلتم: إن صلاة المرأة صحيحة؛ كانت صلاة الرجل أولى أن تصح؛ لأنه وقف في محله، وهي وقفت في غير محلها. على أننا نقول: إن جانب الرجل محل لوقوف المرأة، ولكنا نكره ذلك. فإن قيل: النهي تعلق بالرجل، وإن كانت المرأة منهية عن القيام إلى جنبه فإن النهي لم يتعلق بها، وإنما تعلق بالرجل، ألا ترى أنها منعت حتى لا تفسد على الرجل صلاته. يدلك على ذلك أن المرأة يجوز لها أن تصلي خلف الرجل، وإن كان كونها خلفنا يحاذي [ما يخاف منه] (١) من الوقوف إلى جانبه، ألا ترى أنها ترى منه في حال كونها خلفه ما لا ترى في حال قيامها لجنبه، وكذلك الرجل، إلا أنه اختص بالنهي دون المرأة، فعلمنا أن الرجل منع لمعنى في نفس صلاته، فاستوى قيامه بجنبها وتأخيرها، والمرأة منعت لمعنى في غير صلاتها، وهذا لأنها تؤثر في صلاة الرجل، والنهي متى تعلق بمعنى في نفس الصلاة؛ تضمن فسادها، مثل الصلاة بغير طهارة، وإذا كان متعلقا بمعنى في غير الصلاة؛ لم يتضمن فسادها مثل الصلاة في الدار المغصوبة، ولبس الثوب المغصوب. قيل: هذا قد بينا أن النهي تعلق بهما جميعا. فأما ما ذكرتموه من أن النهي تعلق عليها لأنها تؤثر في صلاة (٣٦٤)

стр. 2023

الرجل؛ فهو أيضا منع لأنه يؤثر في صلاتها إذا أثرت في صلاته - من أجل خوف اشتغال والفتنة بها - أثر في صلاتها إذا صلى إلى جنبها، لأن الذي يخاف من المرأة أكثر مما يخاف من الرجل، لأن الشهوة خلقت عشرة أجزاء؛ تسعة في النساء، كذلك روي عنه ﵇ (١)، فاشتغال قلبها بكون الرجل إلى جنبها أكثر من اشتغال قلب الرجل بكونها إلى جانبه. وأما قولهم: "إن المرأة تصلي خلف الرجل، وأنه أغلظ من وقوفها إلى جانبه؛ لأنها ترى منه ما لا تراه إذا كانت بجنبه، فكذلك الرجل"؛ فغلط، وقوف كل واحد إلى جنب صاحبه أغلظ؛ لأن مقاربة الاجتماع أشد في الشهوة وأبلغ منها مع التباعد، فهو إذا وقفت بجنبه أو وقف بجنبها، وإن كان لا يرى كل واحد من صاحبه ما يراه إذا كان خلفه أغلظ، فإن للجنبين والملاصقة له ما ليس للافتراق، فكل واحد منهما منهي لا يؤثر في صلاة صاحبه، فإذا لم تفسد صلاتها إلى جنبه؛ لم تفسد صلاته، فصار كل واحد منهما منهيا عن ذلك لأجل صاحبه لا لمعنى فيه، فأشبه المصلي في الدار المغصوبة، والثوب المغصوب على ما تضمنتموه، ثم مع هذا المعنى فالنهي موجود فيهما إذا كانا في صلاتين؛ لأن ما يخاف على الرجل من كونها إلى جانبه مثل ما يخاف عليه إذا كانا في صلاة واحدة لا فرق بينهما، فإذا لم

стр. 2024

يؤثر كونها إلى جانبه في صلاته وإن كانا في صلاتين؛ كذلك لا يؤثر في صلاته، وإن كانا في صلاة واحدة، وكذلك وقوفها بجنبه في صلاة الجنازة ما يلحقهما من شغل القلب كل واحد منهما بصاحبه، وهما في صلاة واحدة، ولا تفسد صلاة الرجل إلى جنبها فيها، فاستوى الحكم في سائر الصلوات، وصرف النهى إلى الكراهية. فإن قيل: الرجل لا يجوز أن يصلي وراءها، وهي تصلي وراءه، فعلمنا أن النهي تعلق عليه دونها. قيل: إن أردت أنه لا يجوز أن يصلي وراءها ابتداء بها؛ فهذا لا يلزم؛ لأنها في نفسها لا يصح أن تكون إمامة (١)، كما لو وقف إلى جنبها وجعلها إمامة له، وأما إن صلى وهي قدامه - وهو يصلي لنفسه -؛ فإنه مكروه، وصلاته جائزة، والكراهية فيه أنه يرى عجزها وما تدعوه نفسه إليه منها، فيشتغل قلبه كما تدعوه نفسه إلى مستقبلها، وليس كذلك هي إذا وقفت خلفه، لأنه لا أرب لها في ظهره، ولا يمتنع أن يفترق الحكم لهذا المعنى الذي بيناه. وقد روى ابن عباس أن امرأة دخلت المسجد وكانت جميلة، فوقفت في الصف الأول، فمن الناس من تقدم حتى لا يقع بصره عليها، ومنهم من يلاحظها ببصره، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ (٢)، ولم يأمرهم بإعادة الصلاة.

стр. 2025

وأيضا فإن وجود المخالفة في الموقف المسنون إلى موقف غيره من المصلين لا يقدح في صحة الصلاة، الذي يدل على ذلك الإمام يقف في الصف مع المأموم. وأيضا فإن الخطأ في الوقوف خلف الإمام لا يبطل الصلاة، دليله إذا وقف المأموم عن يسار الإمام (١). ولنا أن نقيسه عليها إذا صلت إلى جانبه في صلاة الجنازة أن صلاته صحيحة، بمعنى أنه صلى إلى جنبها غير مؤتم بها (٢). ولهذا المعنى أيضا نقيس المسألة عليها إذا صلت إلى جنبه وهي في صلاة أخرى. فإن قيل: فإن قوله ﵇: "لا يقطع الصلاة شيء" (٣)؛ اعتقاد العموم فيه في حال وروده؛ لأن الأمة قد فهمت أنه لم يرد له نسخ سائر ما يؤثر في الصلاة، فكأنه قال بعض الأشياء، فنحتاج في تفصيل ما أريد إلى دلالة، ولأنه قال: "فادرؤوا ما استطعتم" (٤)، فبين أن المراد باللفظ الأول المرور

стр. 2026

بين يدي المصلي، وهذا الأمر معقول من الخبر، فمدعي العموم فيه مخطئ؛ لأن اللفظ غير مستقل بنفسه (١). قيل: هذا خطأ؛ بل نجعل قوله ﵇: "لا يقطع الصلاة شيء" (٢) عموما كقوله: "لا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" (٣). فنفى ما سوى ذلك نفيا عاما إلا ما قام عليه دلالة. فكذلك قوله: "لا يقطع الصلاة شيء" (٤) نفي عام إلا ما قام دليله. وقوله: إنه غير مستقل بنفسه؛ خطأ، وهذا كما يقولون لنا في السارق والسارقة: إنه غير مستقل بنفسه، وهو عندنا مستقل. فأما قوله ﵇ في الخبر: "فادرؤوا ما استطعتم" (٥)، فإنه لا [يؤثر] (٦) في العموم، فكأنه قال: "لا يقطع الصلاة شيء، فادرؤوا ما استطعتم ما يقطع الصلاة"، وهذا لو صرح به؛ لصح. ثم لو كان ينصرف إلى المرور بين يدي المصلي؛ لم يمتنع حمل أول الخبر على عمومه، وآخره على الخصوص. ولو قال: "لا يقطع الصلاة شيء من وقوف المرأة بجنب المرأة، ومن

стр. 2027

مرورها بين يديه، فادفعوا المرور"؛ لصح ذلك، فهذا تقديره. فإن قيل: فإن خبر ابن عباس لم يذكر فيه أن النبي ﵇ نوى دخول المرأة في إمامتها، فلم يؤثر في صلاته. وعلى أن ابن عباس لم يقل: (٣٦٥) إنه بقي إلى جانبها منهم إنسان، وذكر أنهم تقدموا وتأخروا، [والملاحظة] (١) لا تكون من خلفها، وإنما تكون من موضع تمكن فيه الملاحظة. قيل: أما قولكم: "إن النبي ﵇ الله لم ينو أن يكون إماما لها؛ فهذا مما لا يحتاج إليه، وهذه مسألة خلاف نحن نذكرها بعد هذا إن شاء الله. ولم يحتج بأن النبي ﵇ فسدت صلاته لأنه قدامها وقدام الصف، وإنما الكلام على من حصل إلى جانبها في صلاة واحدة. وقولكم: إن ابن عباس لم يذكر أنه بقي بجنبها إنسان؛ بل قد ذكر؛ لأنه قال: "منهم من تقدم، ومنهم من تأخر، وهذا للتبعيض، فلابد أن تبقى منهم بقية، وإلا كان يقول: فمنهم من تقدم، وتأخر الباقون، أو منهم من تأخر، وتقدم الباقون، فلما قال منهم في الفريقين؛ دل على أن الباقين إلى جنبها. وقوله: "منهم من تأخر"؛ فهو ضد التقدم، فإن كان أراد بقوله: "تأخر" أي تباعد من جانبها؛ فإن التقدم ضده، فكأنه تقدم إلى جانبها، فلا معنى لما قالوه.

стр. 2028

والملاحظة تقع من خلف إلى ما يشتغل القلب منه، فإن الجمال ليس هو في الوجه حسب، بل فيه وفي المؤخر. على أن هذا لو كان يختلف؛ لَبُين في الآية، أو بينه ﵇. فإن قيل: فإن قياسكم له على الإمام إذا وقف وسط القوم المعنى فيه أنه مقام يجوز له أن يقوم فيه في حال، وهو أن يكونوا عراة، أو يكونوا نساء. قيل: لا يجوز لهم أن يصلي بهم والجميع عراة عندنا، بل يصلون أفرادا، وإذا كانوا نساء؛ قام قدامهن، وقمن خلفه (١). فإن قيل: قياسكم على الجنازة لا يصح؛ لأنها صلاة ليست في الحقيقة، وإنما دعاء (٢). قيل: هي صلاة تحتاج إلى طهارة، وتكبيرة الإحرام، والتسليم سنة مؤكدة، ومن الناس من قال: فرض على الكفاية، فالقياس عليه صحيح. وبالله التوفيق. * * * * مسألة (٥٠): عند مالك وأبي حنيفة والشافعي أنه لا يقطع صلاة المصلي مرور الحائض، والحمار، والكلب الأسود بين يديه (٣).

стр. 2029

وزعم قوم أن ذلك يقطع صلاته، وأنها تفسد (١). وهو قول ابن عباس، وأنس، والحسن (٢). والدليل لقولنا (٣) قوله ﵇: "فلا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا" (٤). وأيضا فقد عقده الصلاة، فمن زعم أنها انقطعت عليه، أو فسدت بجواز هؤلاء بين يديه؛ فعليه الدليل. وأيضا ما رواه أبو سعيد وأبو أمامة عن النبي ﵇ أنه قال: "لا يقطع صلاة المسلم شيء، وادرؤوا ما استطعتم" (٥).

стр. 2030

وكذلك روى سالم عن أبيه أن النبي ﵇ وأبا بكر وعمر قالوا: "لا يقطع صلاة المسلم شيء، وادرؤوا ما ستطعتم" (١). وكذلك روي عنه ﵇ أنه قال: إذا مر أحد بين يدي أحدكم وهو في الصلاة؛ فليدرأه ما استطاع، فإن أبي فليقاتله فإنه شيطان" (٢). ولم يأمره بإعادة الصلاة. وأيضا فقد قال: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٣). وهذا قد صلى وقرأ. وأيضا فإنه قال: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" (٤)، وهذا قد فعل. وأيضا فإنه قال: "لا تجزئ عبدا صلاته حتى يضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر ويقرأ" (٥).

стр. 2031

ولم يقل: "وأن لا يجوز قدامه شيء". وأيضا فإن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة" (١). ولم تقل: "وأنا طاهر غير حائض"، فلو كانت الحال تختلف؛ لبينت، وهذا أبلغ من المرور بين يديه. وأيضا فإن ابن عباس ﵀ نزل عن الحمارة وتركها ترتع بين يدي الصف، ورسول الله ﵇ يصلي" (٢). ولم يذكر أنهم أعادوا الصلاة (٣). وقد قال الفضل بن العباس: "أمنّا رسول الله ﷺ ومعنا العباس، وهو يصلي في الصحراء، وليس بين يديه شيء يستره، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه، فما بالى بذلك" (٤). وأيضا فقد روى عمر بن عبد العزيز عن أنس بن مالك "أن رسول الله ﷺ بالناس، فمر بين أيديهم حمار، فقال عباس بن أبي ربيعة: سبحان الله! فلما سلم رسول الله ﵇ قال: من المسبح آنفا: سبحان الله وبحمده؟ فقال: أنا يا رسول الله، إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة. فقال: لا يقطع

стр. 2032

الصلاة شيء" (١). وقد روى أبو هريرة عن النبي ﵇ ﷺ قال: "لا يقطع صلاة المرء امرأة، ولا كلب، ولا حمار وادرأ ما بين يديك ما استطعت" (٢). وروى ابن عباس أن النبي ﵇ ﷺ قال: "الهر لا تقطع الصلاة لأنها من متاع البيت" (٣). والذي روي من الأخبار في فساد الصلاة بمرور هذه الأشياء يحتمل أن يكون على جهة التغليظ، كما أن "من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه" (٤). ويحتمل أن يكون على ترك الفضيلة. وأيضا فإن المرور من هؤلاء حصل من جهتهن، وفعل الغير لا يؤثر في صلاة غيره؛ دليله أكله وشربه وكلامه. وأيضا فلو أثر مرور المرأة في صلاة غيرها؛ لأثر مرور (٣٦٦) الرجل في صلاتها، لأن ما يؤثر في الصلاة لا تختلف فيه حال الرجال والنساء. * * *

стр. 2033

* مسألة (٥١): قال مالك ﵀: ومن غلبه الحدث وهو في الصلاة؛ بطلت عليه صلاته، ويستأنف الوضوء والصلاة ولا يبني (١). وبه قال الشافعي في الجديد (٢). وعند أبي حنيفة أنه يتطهر ويبني (٣). وبه قال الشافعي في القديم (٤). والدليل لقولنا قوله ﵇: "لا صلاة إلا بطهور" (٥). وهذا في حال انصرافه من الصلاة لما أحدث إما أن يكون مصليا وغير مصل، فبطل أن يكون مصليا لقوله: "لا صلاة إلا بطهور"، وهذا غير متطهر، وإذا ثبت أنه غير مصل؛ فقد قال ﵇: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" (٦)، وهذا قد خرج من تحريمها، كما لو تعمد الحدث، فوجب أن يبتدئ في تحريمه. وأيضا قوله ﵇: "مفتاح الصلاة الطهور" (٧).

стр. 2034

فلا يجوز أن يوجد الطهور ولا يكون مفتاحا لها، وهذا إذا انصرف وتطهر؛ حصل طهوره مفتاحا للصلاة، فدل على أنه يستأنفها. وأيضا فإنه قال ﵇: "إن الشيطان يأتي أحدكم فينقره بين إليتيه، فيقول: أحدثت أحدثت، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا" (١). وهذا قد سمع وشم وانصرف، والانصراف هو الكلي الذي يخرج به من الصلاة بعد حقيقته، ومن انصرف هذا الانصراف؛ وجب عليه أن يستأنف الصلاة. وأيضا فإن الله تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية فجعل فعل الصلاة عقيب الفراغ من الوضوء، والصلاة إنما تكون بابتدائها. وأيضا فإننا نقول: كل حدث منع من ابتداء الصلاة منع من البناء عليها، يدل على ذلك إذا تعمد الحدث لما كان ممنوعا من ابتداء الصلاة؛ منع من البناء، كذلك إذا سبقه الحدث. وأيضا فإن كل شيء ينقض الطهارة فحدوثه ابتداء في الصلاة يوجب الإعادة والاستئناف، يدل على ذلك لو سبقه المني في الصلاة لاستأنف، كذلك غيره من الأحداث. أو نقول: قد اتفقنا على أنه ممنوع من المضي فيها من أجل الحدث، فوجب أن يمنع من البناء عليها كما لو تعمد الحدث.

стр. 2035

فإن قيل: فقد روى إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن عروة، عن عائشة، أن النبي ﵇ قال: من قاء في صلاته أو رعف فليتوضأ، وليبن على ما مضى من صلاته؛ ما لم يتكلم" (١). قيل: هذا خبر ضعيف؛ لأن راويه إسماعيل بن عياش؛ وقد طعن أصحاب الحديث فيه. وأيضا فإن الرعاف ليس بحدث عندنا، ونحن يجوز أن يبني فيه على وجه، وهذا بني على أصولهم؛ لأن ذلك حدث عندهم، وقد تقدم الكلام عليهم في ذلك في كتاب الطهارة (٢). فإن كانوا مسؤولين؛ صح لهم الاستدلال به على أصولهم، وإن كانوا [سائلين] (٣)، فجوابهم ما ذكرته. فإن قيل: فإنه إذا سلم لنا أن هذين ينصرفان ويبنيان؛ فلا قول إلا قولنا. قيل: ليس الأمر كذلك؛ لأن الراعف عندنا على وجه يبني، ولو كان منه حدث لم يبن لأن الرعاف عندنا لا ينافي حكم الطهارة، والحدث ينافيها، ألا ترى أنه في غير الصلاة لو تعمد الرعاف لم تنتقض طهارته كما لو بدره، والحدث على الوجهين ينفي حكم الطهارة، ألا ترى أنكم لم تفرقوا بين تعمد
следующие страницы →