ولم يقل: "وأن لا يجوز قدامه شيء".
وأيضا فإن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة" (١).
ولم تقل: "وأنا طاهر غير حائض"، فلو كانت الحال تختلف؛ لبينت، وهذا أبلغ من المرور بين يديه.
وأيضا فإن ابن عباس ﵀ نزل عن الحمارة وتركها ترتع بين يدي الصف، ورسول الله ﵇ يصلي" (٢).
ولم يذكر أنهم أعادوا الصلاة (٣).
وقد قال الفضل بن العباس: "أمنّا رسول الله ﷺ ومعنا العباس، وهو يصلي في الصحراء، وليس بين يديه شيء يستره، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه، فما بالى بذلك" (٤).
وأيضا فقد روى عمر بن عبد العزيز عن أنس بن مالك "أن رسول الله ﷺ بالناس، فمر بين أيديهم حمار، فقال عباس بن أبي ربيعة: سبحان الله! فلما سلم رسول الله ﵇ قال: من المسبح آنفا: سبحان الله وبحمده؟ فقال: أنا يا رسول الله، إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة. فقال: لا يقطع
стр. 2032
الصلاة شيء" (١).
وقد روى أبو هريرة عن النبي ﵇ ﷺ قال: "لا يقطع صلاة المرء امرأة، ولا كلب، ولا حمار وادرأ ما بين يديك ما استطعت" (٢).
وروى ابن عباس أن النبي ﵇ ﷺ قال: "الهر لا تقطع الصلاة لأنها من متاع البيت" (٣).
والذي روي من الأخبار في فساد الصلاة بمرور هذه الأشياء يحتمل أن يكون على جهة التغليظ، كما أن "من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه" (٤).
ويحتمل أن يكون على ترك الفضيلة.
وأيضا فإن المرور من هؤلاء حصل من جهتهن، وفعل الغير لا يؤثر في صلاة غيره؛ دليله أكله وشربه وكلامه.
وأيضا فلو أثر مرور المرأة في صلاة غيرها؛ لأثر مرور (٣٦٦) الرجل في صلاتها، لأن ما يؤثر في الصلاة لا تختلف فيه حال الرجال والنساء.
* * *
стр. 2033
* مسألة (٥١):
قال مالك ﵀: ومن غلبه الحدث وهو في الصلاة؛ بطلت عليه صلاته، ويستأنف الوضوء والصلاة ولا يبني (١).
وبه قال الشافعي في الجديد (٢).
وعند أبي حنيفة أنه يتطهر ويبني (٣).
وبه قال الشافعي في القديم (٤).
والدليل لقولنا قوله ﵇: "لا صلاة إلا بطهور" (٥).
وهذا في حال انصرافه من الصلاة لما أحدث إما أن يكون مصليا وغير مصل، فبطل أن يكون مصليا لقوله: "لا صلاة إلا بطهور"، وهذا غير متطهر، وإذا ثبت أنه غير مصل؛ فقد قال ﵇: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" (٦)، وهذا قد خرج من تحريمها، كما لو تعمد الحدث، فوجب أن يبتدئ في تحريمه.
وأيضا قوله ﵇: "مفتاح الصلاة الطهور" (٧).
стр. 2034
فلا يجوز أن يوجد الطهور ولا يكون مفتاحا لها، وهذا إذا انصرف وتطهر؛ حصل طهوره مفتاحا للصلاة، فدل على أنه يستأنفها.
وأيضا فإنه قال ﵇: "إن الشيطان يأتي أحدكم فينقره بين إليتيه، فيقول: أحدثت أحدثت، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا" (١).
وهذا قد سمع وشم وانصرف، والانصراف هو الكلي الذي يخرج به من الصلاة بعد حقيقته، ومن انصرف هذا الانصراف؛ وجب عليه أن يستأنف الصلاة.
وأيضا فإن الله تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية فجعل فعل الصلاة عقيب الفراغ من الوضوء، والصلاة إنما تكون بابتدائها.
وأيضا فإننا نقول: كل حدث منع من ابتداء الصلاة منع من البناء عليها، يدل على ذلك إذا تعمد الحدث لما كان ممنوعا من ابتداء الصلاة؛ منع من البناء، كذلك إذا سبقه الحدث.
وأيضا فإن كل شيء ينقض الطهارة فحدوثه ابتداء في الصلاة يوجب الإعادة والاستئناف، يدل على ذلك لو سبقه المني في الصلاة لاستأنف، كذلك غيره من الأحداث.
أو نقول: قد اتفقنا على أنه ممنوع من المضي فيها من أجل الحدث، فوجب أن يمنع من البناء عليها كما لو تعمد الحدث.
стр. 2035
فإن قيل: فقد روى إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن عروة، عن عائشة، أن النبي ﵇ قال: من قاء في صلاته أو رعف فليتوضأ، وليبن على ما مضى من صلاته؛ ما لم يتكلم" (١).
قيل: هذا خبر ضعيف؛ لأن راويه إسماعيل بن عياش؛ وقد طعن أصحاب الحديث فيه.
وأيضا فإن الرعاف ليس بحدث عندنا، ونحن يجوز أن يبني فيه على وجه، وهذا بني على أصولهم؛ لأن ذلك حدث عندهم، وقد تقدم الكلام عليهم في ذلك في كتاب الطهارة (٢).
فإن كانوا مسؤولين؛ صح لهم الاستدلال به على أصولهم، وإن كانوا [سائلين] (٣)، فجوابهم ما ذكرته.
فإن قيل: فإنه إذا سلم لنا أن هذين ينصرفان ويبنيان؛ فلا قول إلا قولنا.
قيل: ليس الأمر كذلك؛ لأن الراعف عندنا على وجه يبني، ولو كان منه حدث لم يبن لأن الرعاف عندنا لا ينافي حكم الطهارة، والحدث ينافيها، ألا ترى أنه في غير الصلاة لو تعمد الرعاف لم تنتقض طهارته كما لو بدره، والحدث على الوجهين ينفي حكم الطهارة، ألا ترى أنكم لم تفرقوا بين تعمد
стр. 2036
الحدث وبين سبقه في نقض الطهارة، وفرقتم بين تعمد القيء والرعاف وبين غلبته في الصلاة، وفرقتم أيضا بين الأحداث في الصلاة فقلتم: إذا غلبه المني؛ اغتسل واستأنف، وإذا غلبه غير ذلك من الحدث الأصغر؛ بنى على صلاته، ففرقنا نحن بين الحدث وبين ما ليس بحدث إذا أحدث في الصلاة في موضع ما، والنكتة التي ينبغي أن تراعى أن كل منصرف من الصلاة مول وجهه عن القبلة للانصراف؛ فإنه يستأنف الصلاة إذا عاد إليها، سواء كان لحدث أو غيره، إلا ما استحسنه مالك من بناء الراعف إذا كان قد عقد ركعة بسجدتيها، اتباعا لمن مضى (١).
وعلى أن [الحديث] (٢) مع ضعفه يحتمل أن يكون معنى قوله: "وليبن على صلاته" أي ليستأنف، وكذلك يقال: فلان بنى داره، أي استأنف بناءها.
فإن قيل: كيف يصح هذا وفي الخبر: فليبن علي ما صلى ما لم يتكلم" (٣).
قيل: قد يصح أن يقال: يستأنف الصلاة على صلاته التي فسدت، كما لو قال: تزوجت على امرأتي، واشتريت جارية على جاريتي، فكذلك يقول: استأنفت صلاة على صلاتي.
ومعنى قوله: "ما لم يتكلم"؛ في هذه الصلاة التي يستأنفها.
هذا التأويل قد ذكره بعض أصحابنا والناس ممن يوافقنا، ولكنه عندي
стр. 2037
متعسف، غير أنه يجوز أن يحمل على هذا بالدلائل التي ذكرناها.
ولكن الأقوى هنا أن يقال: يحتمل قوله: "فليتوضأ" أي يغسل الدم ويبني، فيكون الوضوء اللغوي هو المقصود في هذا الموضع (١)، فنحمله على رجل رعف في ثوبه وهو في الصلاة، فجاء إنسان فغسل ما (٣٦٧) أصاب منه الدم وهو في صلاته، فإنه يبني على صلاته، وكذلك لو قاء فأصاب ثوبه أو شيئا من جسده فيجعل الخبر محمولا عليه إذا كانت هذه صفته بالدلائل المتقدمة، لأن القيء والرعاف ليسا بحدث عندنا على ما بيناه.
فإن قيل: فإن الحدث الواقع في الصلاة من غير اختيار لا يضاد الصلاة؛ كحدث المستحاضة.
قيل: هذا عندنا ليس بحدث، ولا الاستحاضة حدث (٢).
وعلى أن المستحاضة حجة لنا؛ لأنها لا تخرج من الصلاة، وتمضي عليها ولا تمنع من ابتدائها، وهذا الراعف عندكم يخرج ويبني، ولا يجوز أن يدخل الصلاة وذلك به، فكذلك لما لم يصح ابتداء الصلاة مع وجوده؛ لم يصح المضي ولا البناء.
على أن ما ذكرتموه منتقض برؤية الماء؛ لأنه عندكم حدث ولا يبني، وهو طارئ عليه في الصلاة بغير اختياره (٣).
وعلى أننا نقول: إن من سبقه الحدث في الصلاة قد وجد منه حدث
стр. 2038
في الصلاة، وأوجب الوضوء فيها، فدل أنه يقطعها كحدث العمد.
فإن قيل: فإنكم قد فرقتم بين الكلام في الصلاة ناسيا وبينه عامدا، فهو عندكم يبني في النسيان، ويستأنف في العمد، فكذلك نفرق نحن بين من سبقه الحدث، وبين من تعمده.
قيل: هذا قياس ساذج.
على أن الكلام عندنا لا ينافي الصلاة، ويجوز عندنا إن تكلم فيها عامدا على وجه [الحدث ينافيها] (١)، وإن كانت السنة قد فرقت بينهما (٢)، ولم تجعل لتأثير الحدثين فرق من جهة الشريعة، وقد اتفقنا على أن حدث العمد ينافيها، فكذلك مع النسيان.
فإن قيل: فإن الإنسان إذا عرض له الحدث فليس بصنع منه، فهو كسائر ما يعرض له من الأعذار كالكلام ناسيا وغير ذلك.
قيل: ليس كل عذر لا تبطل معه الصلاة؛ لأنه لو رأى داره تحترق، أو صبيا يغرق، أو دابته تهلك؛ لقطع الصلاة لأجل ذلك، وهذا عذر، ومع هذا فعليه الإعادة ولا يبني، فكذلك هذا.
فإن قيل: رأيناه إذا غلبه الحدث؛ لم تبطل على المأمومين صلاتهم، فلو كانت صلاة الإمام قد بطلت بالحدث الغالب؛ لبطلت على المأمومين.
стр. 2039
وأيضا فإنه إذا سبقه الحدث؛ جاز له أن يستخلف، فلو كان حكم الصلاة قد بطل؛ لما جاز له أن يستخلف في صلاة باطلة.
قيل: هذا بعينه ينقلب عليكم، فمن تعمد الحدث أليس من قولكم أنه يستخلف وتصح صلاة المأمومين، فعلمنا أن طريقهما مختلف، وعندنا أن الإمام لو تعمد الحدث لبطلت صلاته وصلاة المأمومين؛ لأنه فسق بذلك لا من أجل الحدث؛ لأن صلاتهم لم تفسد بحدثه، لأنه لو نسي ففرغ من الصلاة وهو محدث؛ لم تبطل صلاتهم.
وهذه مسألة خلاف بيننا وبين جماعة من الفقهاء، ووفاق معكم.
فإن قيل: فإن هذا إجماع الصحابة ﵃، وذلك أنه روي عن أبي بكر وعمر، وعلي، وابن مسعود وابن عمر وسلمان جواز البناء (١).
وعن عمر أنه توضأ من الرعاف وبنى، وذلك بحضرة الصحابة من غير خلاف.
قيل: لا يمنع أن يكون في المسألة خلاف، على أن الذي حكيتموه عن هؤلاء لم يذكروا حدثا معينا يتفق على أنه حدث، وحكيتم عن عمر أنه بنى على الرعاف، وهو مذهبنا على ما بيناه، فيجوز أن يكون قول الباقين أنه يبني على الرعاف.
وقد قلنا: إن الرعاف لا ينفي الطهارة، وإنما ينافيها الحدث.
وعلى أنه لو صح عندهم أن يبني في حدث متفق عليه؛ لم يمتنع أن
стр. 2040
يتأول لما تأولنا به قول النبي ﵇.
وعلى أن المسور بن مخرمة - وهو صحابي - قال: "إنه يستأنف" (١)، فقد حصل الخلاف (٢).
فإن قيل: فإن المسور صحب النبي ﵇ في صباه، وقيل: إنه [لم] (٣) يرو عنه شيئا.
قيل: إن ابن عباس ﵁ صحب النبي ﵇ في صباه، وقد روى المسور بن مخرمة عن النبي ﵇ (٤)، ولا يمنع أن يسمع الصبيان من النبي ﵇ ما يقول، ثم يروونه في كبرهم (٥).
فإذا قيل: فإنه قد روى عن النبي ﵇، وقيل: إنه لم يرو؛ فكان قول أنه من زعم روى عنه أولى؛ لأن الآخر ينفي، فكأنه يقول: لا أعلم، لأنه لا يجوز أن يقطع على أنه لا يسمع من النبي ﵇ شيئا (٦).
فإن قيل: فإن هذا [حدث] (٧) حصل في خلال الصلاة من غير فعله، فوجب أن لا ينافي بقاء حكم الصلاة دليله حدث الاستحاضة.
стр. 2041
قيل: قد تقدم قولنا أن الاستحاضة ليست حدثا، وأنها لا تمنع من ابتداء الدخول في الصلاة ولا من المضي فيها، والحدث يمنع من الابتداء، ويمنع من المضي، فلما كان ما يغاير الابتداء منع من البقاء عليها كتعمد الحدث، فحصل من هذا معارضة في الأصل ورد إلى أصل آخر وهو حدث العمد، ولا يلزمنا نحن إذا رأى في ثوبه نجاسة في الصلاة؛ لأننا نقول: إنه ليس بحدث، فإذا انصرف لإزالته؛ استأنف (٣٦٨) الصلاة ولم يبن.
فإن قيل: فإن النوم يمنع من ابتداء الدخول في الصلاة، ولا يمنع من المضي فيها إذا طرأ في خلالها.
قيل: النوم ليس بحدث، وإنما هو سبب، فإن منعناه ابتداء الصلاة؛ فإنما نمنعه لأنه لا تحصل منه النية وتكبيرة الإحرام، وإن طرأ في خلالها؛ فإنما تبطل على وجه، ولا تبطل على وجه؛ إن نام راكعا أو ساجدا؛ بطلت، وإن كان جالسا؛ لم تبطل إلا أن يطول (١)، وليس هذا من باب الأحداث في شيء.
فإن قيل: إن تقسيمكم حاله وأنه لا يخلو أن يكون في صلاة أو غير صلاة؛ فعندنا قسم آخر، وهو أنه في حكم الصلاة وإن كان غير فاعل لها، ألا ترى أن الجالس في الصلاة - وهو نائم - في حكم الصلاة وإن كان غير فاعل لها.
قيل: هذا غلط؛ الجالس في الصلاة إذا نام ليس من الفعل؛ لأن الجلوس من فعل الصلاة، فلم يخرج عنه، فإن طال نومه حتى يتجاوز فعل الصلاة؛ بطلت، والمحدث مع انصرافه لا يحصل منه فعل الصلاة، لأن الانصراف
стр. 2042
عنها ضدها، وليس عمدتنا هذا، وإنما قلنا: إذا أحدث هل هو في صلاة مع حدثه الذي ينافيها أو في غير صلاة، فأي شيء الجالس النائم مما نحن فيه، ذلك غير محدث فهو في صلاة على الوجه الذي بيناه.
فإن قيل: فإن قول النبي ﵇: "إن الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين إليتيه وهو في الصلاة، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا" (١)؛ لا يفيد بطلان الصلاة، بل يدل على جوازها؛ لأن تقدير الكلام لا ينصرفن عن صلاته، وهذا يفيد وجود صلاة يقع الانصراف عنها بترك المضي عليها مع الحدث (٢).
قيل: دليل قوله: "لا ينصرفن حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا" (٣)، أي ينصرف إذا وجد ذلك، فالانصراف عنها هو تركها كما يقال: انصرف عن كذا، أو انصرف عني؛ أي اتركني، وتارك الشيء بمعنى لا يعود إليه، وأنتم لا تقولون: إنه يتركها لأنه يبني عليها، وهذا ضد الترك، وبالله التوفيق.
* * *
* مسألة (٥٢):
قال مالك ﵀: من تكلم في صلاته ناسيا؛ لم تفسد صلاته (٤).
стр. 2043
وبه قال الشافعي (١).
وقال أبو حنيفة تفسد صلاته (٢).
والدليل لقولنا أن الصلاة قد صح عقدها بالدخول فيها، فمن زعم أنها قد فسدت بالكلام فيها ناسيا؛ فعليه الدليل.
وأيضا فإنه ﵇ قال: "فلا ينصر فن حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا" (٣).
فإن قيل: فهذا قد سمع صوت كلامه.
قيل: إن النبي ﵇ إنما قال: "إن الشيطان يأتي أحدكم ينقر بين إليتيه، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" (٤)، فأراد صوت الريح.
وقال في خبر آخر: "لا ينصرفن حتى يحدث، والحدث أن يضرط أو يفسو " (٥).
وأيضا فإنه ﵇ قال: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" (٦).
ولم يرد أن وجوده ارتفع، وإنما أراد حكمه، وهو مصروف إلى الحكم الشرعي، ولا يصرف إلى ارتفاع المأثم؛ لأن ذلك يعلم من طريق العقل، فينبغي أن يحمل كلامه ﵇ على ما لا يعرف إلا من جهته، ولا يمتنع أيضا
стр. 2044
حمله على الأمرين جميعا: رفع الحكم والمأثم.
وقال أيضا: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (١).
وهذا قد صلى وقرأ فثبتت له صلاة.
وقال أيضا: "لا صلاة إلا بطهور" (٢).
وهذا قد تطهر وصلى.
وقال أيضا: "لا تجزئ عبدا صلاته حتى يضع الوضوء مواضعه، ثم قال: ويكبر ويقرأ" (٣) وبين حال الصلاة، ولم يقل: إلا أن يتكلم ناسيا.
وبين لابن مسعود الصلاة إلى أن قال له: "فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك" (٤). ولم يقل له: "إلا أن يتكلم ناسيا".
فهذه الظواهر كلها تدل على صحة الصلاة إلا أن تقوم دلالة.
وأيضا فقد روى أبو هريرة قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي، فسلم من اثنتين حتى خرج سَرَعان (٥) الناس، فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال: لم تقصر ولم أنس، فقال ذو اليدين: قد كان ذلك، فالتفت رسول الله ﵇ إلى أبي بكر وعمر ﵄، قال:
стр. 2045
أهو كما قال؟ فقالا: نعم".
وفي خبر: "قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فقام فبنى" (١).
وقد علمنا أن الصلاة لم تقصر، وأنه قد فعل ذلك ناسيا، فحصل كلامه في خبر نسيان الصلاة، فلو كان الكلام يفسدها؛ لابتدأ ولم يبن.
فإن قيل: فقد تكلم أبو بكر وعمر أيضا عامدين فلم تفسد صلاتهما.
قيل: هكذا مذهبنا؛ لأنهما تكلما لمصلحة الصلاة، ونحن نذكر المسألة بعد.
فإن قيل: فقد قال ﵇: فقد قال: "كل ذلك لم يكن" (٢)، فنفى الكل، فدل أن الخبر ليس له أصل.
قيل: النبي ﵇ نفى أن يكون القصر والنسيان جميعا (٣)، وأراد أن
стр. 2046
أحدهما كان هو النسيان.
فإن قيل: فإن الخبر ضعيف، قال الزهري: سألت عندنا من فلم يعرفه.
وأيضا فإن ذا الشمالين [عمير بن نضلة] (١)(٣٦٩) قتل يوم بدر، وقصة سهو النبي ﵇ متأخر، فبطل الخبر.
قيل: ما ذكرتموه عن الزهري؛ لا يلزم؛ لأن هاهنا من قد عرفه، فهو أولى ممن لم يعرفه.
فأما ما ذكرتم من حديث ذي الشمالين وأنه قتل يوم بدر كما ذكروا؛ فذو الشمالين اسمه الخرباق (٢)، عاش إلى زمن معاوية، وقُبر بذات الخشب، وهو من بني زهرة وهذا مما يقال: إن الزهري أخطأ فيه (٣).
стр. 2047
وقد رواه أبو هريرة وهو متأخر الإسلام (١).
وأيضا فإن معاوية بن الحكم تكلم في الصلاة حتى رمقه الناس بأبصارهم، فلما فرغ من الصلاة؛ دعاه النبي ﵇ فقال له ما قال، ولم يأمره بإعادة (٢).
وأيضا ما روي أن النبي ﵇ قال في الصلاة: "تلك الغرانيق العلى" (٣).
стр. 2048
وقد اختلفت الناس في ذلك، فقال قوم: إن النبي ﵇ لم يتلفظ بذلك، وأنه صاح به الشيطان، فقدر المشركون أن النبي ﵇ ﷺ قاله، ومن الناس من قال: إن النبي ﵇ قاله، وقد يجوز أن يعترض عليه ذلك، غير أنه لا يُقَر عليه، ألا ترى إلى قوله ﵇: "إنما أنسى لأسُن" (١).
وكان في هذا دلالة على صدقه عند المشركين في الوحي؛ لأنه لو كان قال من عنده لم يرجع عنه، فلما بين الله تعالى أنه إلقاء من قبل الشيطان، وأنه نسخه؛، دل على صدقه عندهم.
وقيل هذا أيضا لما سحر النبي ﷺ على هيئة السحر، وأراد الله تعالى أن يعلم الناس أنه ليس بساحر، إذ لو كان ساحرا لاجتنب السحر، فموضع الدلالة من هذا الخبر أن النبي ﵇ تكلم بذلك وبنى على صلاته.
وأيضا فقد قال: "وإنما لامرئ ما نوى" (٢).
والناسي قد نوى أن تكون له صلاة.
وأيضا فإن كل شيء جنسه لا يضاد الصلاة؛ فإن إثباته على سبيل السهو حد العلة لا يقطع الصلاة كالسلام.
стр. 2049
أو نقول: هو جنس نطق عامده لغير مصلحة الصلاة فيفسدها، فالقليل في سهوه لا يقطع ولا يفسد كالسلام.
أو نقول: اتفقنا أنه لو سلم ناسيا لم تبطل صلاته، فكذا إذا تكلم بغير السلام، والمعنى الجامع بينهما أنه حصل منه كلام يسير ناسيا، لو تعمده الغير مصلحة؛ لبطلت صلاته.
ونقول أيضا: كل معنى لا يفسد الصلاة إذا وقع بعد قدر التشهد وقبل السلام؛ لم يفسد الصلاة إذا وقع كالالتفات.
فإن قيل: فإن بين السلام والكلام فصلا، وهو أن السلام من جنس الصلاة في غير هذا [وليس] (١) كذلك الكلام.
قيل: إن أردتم أن السلام من جنس الصلاة في غير هذا الموضع فنعم، فمتى أتى في موضعه؛ لم يضر، وإن أردتم أنه من جنس الصلاة في موضع غير موضعه؛ فلا نسلم ذلك، ألا ترى أنه لو سلم عامدا في غير موضعه لبطلت صلاته، فلو كان ذلك في غير موضعه من جنس الصلاة لم تبطل صلاته.
وأيضا فقد قلتم فيمن قدم [الحلاق] (٢) قبل وقته في الحج فإن عليه الفدية، وكذلك من لبس الثياب قبل وقتها فعليه الفدية، ولم تفرقوا بين اللباس والحلاق، وإن كان الحلاق من جنس النسك، واللباس ليس من جنسه.
وأيضا فإنه قد اتفقنا أنه لو أراد القراءة في الصلاة فبدره الكلام؛ أن
стр. 2050
صلاته لا تبطل، والعلة فيه أنه تكلم في صلاة ناسيا.
وقد قالوا: إنه لا فرق بين أن يبدره أو ينسى فإنها تبطل، فيعدل عن هذا القياس.
وأيضا فقد قالوا: من سلم من اثنتين واستدبر القبلة ناسيا ثم ذكر؛ فإنه يعود فيبني، وقد فرض عليه التوجه إلى القبلة في جميع صلاته مع القدرة، كما فرض عليه الإمساك عن الكلام فما جاز في أحدهما؛ جاز في الآخر من النسيان.
فإن قيل: فقد قال النبي ﵇: "إن صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين" (١)، وحقيقته خبر [يمنع] (٢) وجود صلاة يصح فيها الكلام (٣)، يدل عليه أن الأمة قد فهمت بهذا الخبر بطلان الصلاة بكلام العمد، فعلمنا أن المراد بطلان صلاته، بالكلام فصار ذلك كالمنطوق به، فلا يختلف عمده وسهوه، وهذا اعتبار صحيح.
على أن أصلنا أن الإجماع متى حصل وله أصل في الشرع؛ حمل على أنه صادر عنه.
فالجواب أن هذا الخبر ورد على سبب؛ وذلك أن معاوية بن الحكم شمت إنسانا في صلاته، فقال رسول ﷺ : "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" (٤)، فيجب أن يقتصر به على سببه، ألا ترى أنه تكلم
стр. 2051
في صلاته جاهلا بتحريم الكلام حتى رمقه الناس بأبصارهم، فدعاه النبي ﵇ فعرفه تحريم الكلام ولم يبطل صلاته ولا أمره بالإعادة، فصار مخصوصا بذلك، فلا يجوز أن يتعدى به هذا إن جعلناه جاهلا، لأنه لو كان (٣٧٠) في وقتنا هذا إنسان جهل التحريم؛ لأمرناه بالإعادة، فالكلام على هذا خرج، وإن جعلناه ناسيا؛ فيجوز أن يظن النبي ﵇ أنه فعل ذلك عامدا فقال ما قال، ثم عرف منه أنه نسي أنه في صلاة فلم يأمره بالإعادة، وخرج كلامه ﵇ على ما ظنه من معاوية، وأنه تكلم عامدا.
وعلى أننا نقول أيضا: إن قوله ﵇: "لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" (١) وليس كل ما لا يصلح في الشيء [يفسده] (٢)، ألا ترى أن الالتفات لا يصلح في الصلاة ولا يفسدها، وكذلك السلام في غير موضعه.
أنه وما ذكروه من خبر ينفي وجود صلاة يصح فيها الكلام؛ فإن هذا خطأ؛ لأننا نجد صلاة يصح فيها وجود الكلام، وهو ما بيناه من صلاة النبي ﵇ ووجود السلام في الصلاة ناسيا.
وإذا صح ذلك؛ بطل أن يكون الحديث معناه الخبر الذي لا يقع بخلاف مخبره.
وقولهم: إن الأمة عقلت من الخبر الذي لا يقع [بخلاف مخبره] (٣) أن الكلام العمد لا يصلح في الصلاة، [فلما] (٤) عقلت أن الكلام العمد لا يصلح؛
стр. 2052
[فينبغي] (١) أن يكون السهو محمولا عليه.
[قيل] (٢): إذا عقلت أن المراد العمد؛ عقلت أن النسيان بخلافه؛ إذ لو أريد الأمران جميعا [لعقلتهما] (٣) منه، فصار ما عقله من العمد كالمنطوق به، ولو نطق به صريحا؛ لفهمت الأمة أن النسيان بخلافه.
وعلى أن العبادة طريقها الأمر والنهي، ولم يرد هذا مورد الخبر الذي لا [يوجد] (٤) بخلاف مخبره مثل الخبر عما كان، وإنما لفظه لفظ الخبر، ومعناه النهي، فكأنه قال: "لا تتكلموا في الصلاة"، وقد بينه في الخبر الآخر الذي قال فيه: "إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة" (٥)، وهذا لا يتوجه إلى الناسي، وإنما يتوجه إلى العمد، ولو توجه النهي إلى الناسي؛ لتوجه إليه الأمر، ولو ثبت أنه عموم في العمد والنسيان؛ الخصه فعل النبي ﵇ في قصة ذي اليدين (٦).
فإن قيل: فإن فعل النبي ﷺ فعلة واحدة وقضية، وقوله لابن مسعود شرع.
قيل: فإن فعل النبي ﵇ يختص به العموم، لأن البيان يقع به كما يقع بنطقه، ولو ثبت العموم أيضا (٧)؛ لخصصناه بالقياس الذي ذكرناه.
стр. 2053
وأيضا فإن هذا الخبر فيه خصوص من وجه وهو ركن الصلاة، وعموم في العمد والسهو.
وقوله: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" (١)؛ خاص في النسيان، وعام في الكلام وغيره، وعام في الصلاة وغيرها، فحصل في خبركم عموم وخصوص، وفي خبرنا مثله، فتقابلا، وانفرد لنا استصحاب الحال، وأن عقد الصلاة صحيح، وغير، وغير ذلك مما ذكرناه
فإن قيل: فقد روى جابر أن النبي ﵇ قال: "الكلام ينقض الصلاة" (٢).
وفي خبر آخر: "من تكلم في صلاته فقد انتقضت صلاته" (٣).
فهذا عام في السهو والعمد.
قيل: هذا لفظه لفظ خبر، وقد بينا أن من بدره الكلام وقد أراد أن يقرأ؛ فإن صلاته لا تنتقض كما لو نسي، ولكني ذكرته لأن أصحابنا والناس قد ألزموهم إياه، ولو ثبت العموم فيه؛ لكان مخصوصا بما ذكرناه من فعله ﵇ وبالقياس.
فإن قيل: فإن جنس كلام الآدميين على وجه العمد يفسد الصلاة، فوجب أن يستوي حكم عمده وسهوه، دليله الحدث.
стр. 2054
قيل: هذا غلط علينا؛ لأن الكلام العمد على وجه لا يفسد الصلاة عندنا، فليس جنسه مما يفسد، وأما الحدث فإنه ينفي حكم الطهارة التي لا تصح الصلاة إلا بكمالها، والكمال عندنا لا ينافي الصلاة.
وعلى أنكم قد فرقتم في الحدث بين من تعمد وبين من غلبه، وبين من تعمد الكلام في الصلاة، وبين من بدره على ما يحكى عندكم (١)، فكان ينبغي أن يستوي حكم العمد والغلبة كما استوى عندكم حكم العمد والنسيان، بل النسيان أبين في العذر؛ لأنه لا يتوجه إليه الأمر والنهي، والتثبت وترك المبادرة يمكن الأمر به والنهي عنه، ويستويان جميعا؛ لأن الغلبة فيهما جميعا من حيث لا يمكن الاحتراز منه.
وعلى أنه منتقض بالسلام ناسيا.
فإن قيل: فإن جنس السلام عامدا لا يفسد الصلاة، ما لم يقصد به القطع، ألا ترى أن سلامه في التشهد يحصل على وجه العمد ولا يفسد الصلاة (٢).
قيل: وكذلك جنس كلام الآدميين لا يفسد على ما بيناه، ثم إنكم تجوزون له إذا جلس قدر التشهد أن يخرج من الصلاة بكلام الآدميين عامدا (٣)، ولا تفسد الصلاة كما لا تفسد إذا خرج بالتسليم، فعلم بهذا أن جنس الكلام لا يفسد الصلاة كما لا يفسد إذا خرج بالتسليم، فينبغي أن يستوي حكم النسيان في الكلام [والسلام] (٤).
стр. 2055
فإن قاسوه على العامد بعلة أنه من جنس ما يتخاطب به الناس.
قيل: ينتقض على أصولنا؛ لأن الكلام عامدا لمصلحة الصلاة لا يفسدها.
فإن اجترؤوا وأرادوا الكلام الذي لغير مصلحة؛ قلنا: ذلك منهي (٣٧١) مخالف، والناسي ليس كذلك.
على أنه ينتقض بالسلام [بدءا] (١) لأنه من جنس ما يتخاطب به الناس.
وعلى أننا قد قسناه على السلام إذا نسي.
ومعنا فضل الترجيح بمن نسي فقدم السجود على الركوع، أو القعود على القيام؛ فإن صلاته لا تبطل، ولو قام إلى خامسة؛ لم تبطل الصلاة إذا كان ناسيا، ولو كان عامدا؛ لبطلت، ويجتمع ما يفترق الحكم فيه بين النسيان والعمد في الصلاة.
فإن قيل: فإن كلام الناسي متى كثر؛ أفسد الصلاة، وكل كلام كان كثيره يفسد الصلاة فإن قليله كذلك، دليله كلام العامد لغير مصلحة.
قيل: هذا يفسد بالعمل الكثير في الصلاة، وقليله على وجه النسيان لا يفسد، وينتقض بالصلاة ناسيا.
فإن قيل: فإن العمل اليسير مع العمد عفي عنه.
قيل: فهذا إطلاق ما ورد أن العمل اليسير الذي يمكن الاحتراز منه، وقد عفي عنه مع العمد واليسير من الكلام مع النسيان لا [يعفى] (٢) عنه،
стр. 2056
وهو لا يمكن الاحتراز منه.
وعلى أن الكلام اليسير عامدا لمصلحة قد عفي عنه، عنه، فعمده وسهوه سواء.
فإن قاسوه على الأكل والشرب في الصلاة وأن سهوه كعمده.
قيل: لا تفسد الصلاة عندنا إذا أكل أو شرب ناسيا.
فإن قيل: السلام ليس من جنس الأذكار المفسدة للصلاة، ألا ترى أنه مسنون فيها، وإنما يؤثر فيها متى تعمد، قطعها فيصير بمنزلة أن يقصد إلى قطعها بالمشي والعمل الكثير.
قيل: هو عندنا مفروض فيها، ولكن هو مسنون عندكم في موضعه لا في غير موضعه، ألا ترى أنه لو تعمد إيقاعه في ركعتين؛ لأفسد، كما لو تعمد ما ليس مسنونا من الكثير لأفسد، فقد استوى حكمه وحكم الكلام الذي ليس بمسنون، كما استوى الخروج بهما جميعا عندكم من الصلاة بعد قدر التشهد.
فإن قيل: فإن من قذف غيره في صلاته ناسيا لا يخلو من أن تفسد صلاته أو لا تفسد، فإن كانت صلاته قد فسدت؛ قسنا عليه غيره؛ بعلة أن كل واحد منهما كلام من غير جنس الأذكار التي في الصلاة.
وإن قلتم: لا تفسد صلاته؛ قلنا لكم: إن القذف لغير [] (١) المصلي ويخرجه عن أجزائه، فأشبه الأكل والشرب، ألا ترى أن كل من سمعه يفحش في صلاته لم يصفه أنه في الصلاة.
стр. 2057
قيل: أما ما ذكرتموه من القذف؛ فإن قلنا: إنه إذا بدرت منه الكلمة لم تفسد إذا كان ناسيا؛ سقط الإلزام، وإن قلنا إنها تفسد؛ فالفرق بينهما أن القذف محظور في الصلاة وغيرها، فشدد فيه في باب الصلاة حتى استوى عمده وسهوه كالحدث، وأن جنسه لا يجوز مع العمد في الصلاة على وجه، والكلام ليس كذلك؛ لأن عمده يجوز على وجه، وهو غير محظور في غير الصلاة.
وإن قلنا: إن لفظ القذف ولفظ الكفر ناسيا يفسد الصلاة؛ فينبغي أن يفسد الاعتلال فيقال: جنس الكلام المباح مع العمد في غير الصلاة.
فإن قيل: فإن قوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" (١) فيه إضمار الحكم أو المأثم، ولا يجوز أن يراد الأمران جميعا؛ لأنه لا لفظ لهما يعمهما، وإنما يدعى العموم في الألفاظ دون المعاني، والمراد أحد المعنيين وهو المأثم.
ثم لا يمتنع أن يقصد رفع المأثم فنستفيد من جهة الشرع؛ لأنه لو لحقه الخطأ والنسيان بتفريط منه لجاز أن يؤخذ به، وقد كان من تقدم يؤخذون بذلك، فعفي لأمة نبينا ﷺ عنه، فقد حصلت عنه، فقد حصلت به الفائدة من جهة الشرع.
قيل: أما قولكم: إنه لا يدعى العموم في المعاني؛ فهذا محال، نحن نقول بالعموم في المعاني كما نقول به في الألفاظ (٢).
стр. 2058
ثم إن قوله ﵇: "رفع عن أمتي" (١) تقديره: رفع عنهم حكم الخطأ والنسيان، لم يقل: حكم من الخطأ والنسيان، ولكنه أضاف الحكم إليهما، فإنما يتوجه هذا إلى جنس الحكم، لا يخص بعضه من بعض، كما لو قلت: قد رفعت عنك ضرب زيد، أو كلام زيد؛ لتوجه ذلك إلى جنس ضربه وكلامه لا إلى بعضه، فإذا كان المراد جنس الحكم؛ دخل تحته الحكمان جميعا، ولم يختص به أحدهما دون صاحبه.
وأما قولهم: "إن قوما كانوا قبل هذه الأمة يؤاخذون بالنسيان"؛ فلا يعرف هذا.
وقولهم: "إنه لو أخطأ بتفريط أو نسي كذلك لكان مؤاخذا بهما"؛ فهذا إنما يؤاخذ بالتفريط لا بالنسيان؛ لأن التفريط سبب الخطأ والنسيان، والتفريط لا يكون إلا عن عمد.
فإن قيل: فإن خبر ذي اليدين يحتمل أن يكون كان حين إباحة الكلام، ويحتمل أن يكون في حال حظره، وإذا احتمل الأمران جميعا؛ لم يكن أحدهما أولى من صاحبه فسقط، لأن المعارضة قد حصلت.
قيل: هذا يلزمك مثله في أن يكون النبي ﵇ (٣٧٢) ﵇ خبر لما سلم من اثنتين ناسيا (٢)، لأن هذا لو كان حين إباحة الكلام فسلم؛ لكان حكم العمد والنسيان في السلام سواء، فينبغي أن تفسد صلاة من سلم ناسيا، كما لو تكلم ناسيا، لأن النبي ﵇ ما فعل الأمرين جميعا سلم وتكلم.
стр. 2059
وعلى أن خبر ذي اليدين رواه أبو هريرة، وإنما صحب النبي ﵇ أربع سنين، والكلام منع منه بمكة فيما يقال (١)، وكذلك جاء ابن مسعود من أرض الحبشة إلى النبي ﵇ وهو يصلي بمكة فسلم عليه فلم يرد عليه، وقال له بعد الصلاة: "إن الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة" (٢).
فإن قيل: فإن الإباحة وقعت دفعة ثانية.
قيل: هذا لا يقبل إلا بنقل.
стр. 2060
فإن قيل: فإن زيد بن أرقم أسلم بالمدينة، وقال: "كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ " (١).
وكذلك أبو سعيد الخدري أصغر سنا من زيد بن أرقم، وقد روى حكم الكلام وتكرار الإباحة والحظر فيه، كما روي في المتعة قلت إنها أحلت، ثم حظرت، ثم أحلت، ثم حرمت (٢).
قيل: أما قول زيد وأبي سعيد: كنا نتكلم فنزل قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فيحتمل أن يكونا قالا ذلك وأخبرا أنهم كانوا يتكلمون في الجاهلية في صلاتهم التي كانوا يصلونها، فلما أسلما نزل: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ " (٣).
على أنه لو لم يكن لخبر ذي اليدين أصل؛ لكانت الأدلة التي ذكرناها كافية في المسألة.
فإن قيل: فإن الردة لو حصلت منه في الصلاة على وجه النسيان؛ لبطلت كالعمد فيجيء من هذا أحد شيئين: إما نقص اعتلالكم إن قلتم إنها تبطل، أو تقولوا: إن الصلاة لا تبطل، فتجيزونها مع ما هو شر من الحدث، ولأن الحدث ينافي الطهارة فعمده كسهوه والردة تنفي الطهارة وسائر العبادات فهي أغلظ، فسهوها أولى أن يعتبر من سهو الحدث.
قيل: لفظه بالردة ناسيا لا يكون ردة حتى يحصل الاعتقاد الذي يكون
стр. 2061
به مرتدا، وبه يكون مسلما، واللفظ به ناسيا لا يحصل به، مرتدا، وهو كسائر النظر الذي لا يعتبر، لأنه لو أكره على لفظة الكفر وهو في الصلاة؛ لم تبطل صلاته مع اعتقاده الإيمان، ولو أكره على أن يحدث؛ لانتقضت طهارته وصلاته، لأن الحدث ضد الطهارة حقيقة وليس التلفظ بالكلام ضد الطهارة، وإنما هو لو حصل منه مع القصد؛ لنقص أصلا يجر إلى فساد الطهارة، والحدث ينقض نفس الطهارة، وقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١)، والمؤاخذة تكون بالحكم والمأثم جميعا، فكأنه قال: "ارفع عنا المؤاخذة"، وهذا للجنس على ما بيناه في قوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" (٢).
* * *
* مسألة (٥٣):
عند مالك ﵀ أن الكلام في الصلاة عامدا لمصلحتها لا يفسدها، مثل أن يقول لإمامه: بقيت عليك ركعة، أو يسأله الإمام عن شيء تركه فيجيب (٣).
وقال أبو حنيفة والشافعي: إن الصلاة تبطل (٤).
وقال الأوزاعي: إنه إن تكلم لفرض يجب عليه؛ لم تفسد صلاته، وإن كان لغير ذلك؛ بطلت، والفرض عليه رد السلام، ومثل أن يرى أعمى يريد
стр. 2062
أن يقع في بئر فينهاه، فإن ذلك فرض عليه، فلا تبطل به صلاته (١).
والدليل لقولنا أن الصلاة قد صح عقدها قبل الكلام، فمن زعم أنها قد فسدت بالكلام لمصلحتها؛ فعليه الدليل.
وأيضا فقد حصل الاتفاق على أن الكلام كان مباحا في الصلاة، فلا يحرم منه شيء إلا بما وقع عليه الاتفاق، ونحن مختلفون في هذا الكلام هل أفسد أم لا.
فإن قيل: فقد روى جابر عن النبي ﵇ أنه قال: "الكلام ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء" (٢).
ولم يفرق بين الكلام العمد لمصلحة أو غيرها.
وروي شعيب بن زريق أن أبا سفيان حدثهم عن جابر أن النبي ﵇ قال: "من تكلم في صلاته انتقضت عليه صلاته" (٣)، ولم يفرق.
قيل: هذا عموم يخص بحديث ذي اليدين؛ رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ صلى فانصرف من اثنتين، فانصرف سَرْعان الناس، فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: كل ذلك لم يكن، فلما قال ذو اليدين له ذلك؛ علم النبي ﵇ أنها لم تقصر، وأن النسيان قد حصل، فابتدأ عامدا فسأل أبا بكر وعمر ﵄، وقد علما أن النسيان قد وقع، وأنها لم تقصر بقوله ﵇: "كل ذلك لم يكن"، فأجاباه عامدين فقالا: "قد كان بعض
стр. 2063
ذلك"، فبنى على صلاته (١).
والبيان والتخصيص يقع بفعله كما يقع بقوله، فعلم أن قوله "الكلام ينقض الصلاة" (٢)، و "من تكلم انتقضت صلاته" (٣) مخصوصين بهذا.
فإن قيل: إن الكلام على الخبر من وجوه:
أحدهما: أن الزهري أنكر هذا الحديث (٣٧٣) وقال: سألت عنه من عندنا فلم يعرفه.
ووجه آخر: وهو أن النبي ﵇ قال: "كل ذلك لم يكن"، فنفى الكل، ومن نفى الجميع؛ فقد نفى كل واحد منهما لا محالة، وقد كان بعض ذلك، فدل أن الحديث باطل؛ لأن النبي ﵇ لا يجوز أن ينفي شيئا قد كان، ولو أراد أن الأمرين لم يكونا وأن أحدهما كائن - وهو يحقق أن القصر لم يكن -؛ فقد تحقق أن النسيان قد كان، فلا معنى لسؤاله لأبي بكر وعمر ﵄ عن ذلك، وكلامه عامدا في شيء قد علمه، ويلزمه فيه أيضا ما يلزم من يتكلم عامدا في شيء قد علمه.
وأيضا فإنه يجوز أن يكون ذلك في وقت إباحة الكلام؛ لأنه لا تاريخ محكم ذلك، وإذا حملناه على ذلك، وحملتموه أنتم على وقت قد حظر فيه الكلام؛ فقد تعارض الاحتمالان، فسقطا، وسلم لنا قوله: "الكلام ينقض الصلاة" (٤)،
стр. 2064
و "من تكلم انتقضت عليه صلاته" (١).
قالوا: وقد قيل: إن هذا حديث ذي الشمالين وهو مات ببدر، وأبو هريرة متأخر الإسلام (٢).
قيل: أما قولكم: إن الزهري ذكر الحديث، وقال: ذو الشمالين مات ببدر؛ فهذا مما يعد من خطأ الزهري؛ لأنه ظن أن ذا اليدين هو ذو الشمالين، وليس كذلك، لأن ذا الشمالين عمير بن نضلة مات ببدر، وذو اليدين اسمه الخرباق عاش إلى زمن معاوية ﵁، فالحديث معروف مشهور.
أما قولكم: "إن النبي ﵇ ﷺ قال: "كل ذلك لم يكن" (٣)، فنفى الجميع، وأنه إن أراد نفي أحدهما - وهو القصر -، فإنه يعلم أن النسيان قد حصل فلا يجوز كلامه فيعلم أن هذا كان في وقت إباحة الكلام"؛ فإننا نقول: فإن النبي ﵇ قطع أن الأمرين لم يجتمعا (٤)، لأنه علم أن القصر لم يحصل، وهو شاك في النسيان، فلهذا سأل، وهو سائغ أن يسأل إنسان عن أمرين يقطع أن أحدهما لم يكن وهو شاك في الآخر، فيقول: إن الأمرين لم يكونا، أي لم يجتمعا، فإني أقطع أن أحدهما لم يكن، وأنا شاك في الآخر، ولو صرح ﵇ بهذا؛ لكان صحيحا، فقد تكلم وهو يحاور حضور النسيان، وكلامه عامدا لا محالة تكلما عامدين، والنبي ﷺ يعلم ذلك منهما، فبنى وبنوا معه،
стр. 2065
ولم يقل لهما: "استأنفا فإنكما تكلمتما وأنتما قد علمتما النسيان مني لا محالة كما علمه ذو اليدين، وإنما تكلمت بمسألتي إياكما وأنا شاك في ذلك"، فعلمنا أن الكلام على هذا الوجه لا يفسد الصلاة.
وأما حملكم إياه على وقت إباحة الكلام؛ فقد تقدم كلامنا على هذا؛ لأن خبر ذي اليدين بالمدينة، وحظر الكلام بمكة لما جاء ابن مسعود من أرض الحبشة (١)، - وهو ﵇ في الصلاة - فسلم عليه، فلم يرد عليه، فلما سلم قال: "إن الله يحدث من أمره ما يشاء، ومما أحدث ألا تتكلموا في الصلاة" (٢).
فإن قالوا: فقد كان حظر الكلام ثم أبيح ثم حظر، فيجوز أن يكون هذا في الإباحة الثانية.
قيل: إذا ورد الخبر، وكان الحظر قد تقدم وعرفناه؛ لم يجز أن نحمله على النسخ بالجواز، مع إمكان استعماله وحمله على فائدة نستفيدها من جهته.
وعلى أن الكلام مباح إذا كان لمصلحة الصلاة، ومحظور إذا كان لغير ذلك، وهذا حكم زائد مستفاد يزيد على استعمالكم، فلا ينبغي أن نسقطه بالمحتمل.
ثم إن حملكم إياه على وقت إباحة الكلام لا يفيدنا شيئا، فسقط.
فإن قيل: فقد روي أن السرعان خرجوا يقولون: قد قصرت الصلاة،
стр. 2066
ولم يتكلموا لمصلحة الصلاة، وبنوا ولم ينقل أنهم أعادوا، فدل أنهم تكلموا في حال إباحة الكلام.
قيل: أولئك حديثهم حديث ذي اليدين تكلموا وعندهم أن الصلاة قصرت، وأنهم في غير صلاة.
فإن قيل: فقد قال ﵇: "صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين" (١).
وهذا ينفي صحة الصلاة مع وجود الكلام أيّ كلام كان، إلا أن تقوم دلالة.
قيل: قد بينا قبل هذا أنه ليس كل ما لا يصلح يفسد؛ لأن الالتفات والسلام من اثنتين ناسيا لا يصلح فيها ولا يفسدها.
وعلى أنه لو قال: إنه لا يصلح ويفسد؛ جاز أن يخص بما ذكرناه من حديث ذي اليدين، فيكون تقديره: إنه لا يصح ويفسد إذا كان لغير مصلحة، فأما إذا كان لمصلحة الصلاة؛ فإنه يصلح ولا يفسد.
فإن قيل: فإن النبي ﵇ تكلم وهو يظن أنه خارج الصلاة، فكلامه في حال نسيانه، وأبو بكر وعمر وإن كانا عامدين فإنه واجب عليهما أن يجيبا النبي ﵇ فهو مخصوص بذلك، كما لو سألهما عن غير ذلك لوجب عليهما أن يجيباه.
قيل: قد بينا أن النبي ﵇ (٣٧٤) قبل مسألة أبي بكر وعمر قد حصل له كلام ذي اليدين، فقد نبهه على أمر كان عنده أنه كان يجوز أن يكون، فلو
стр. 2067
كان على ما يذكرون؛ لكان يسبح ويشير إليهما، لأنه قد نبه على النسيان الجائز عنده أن يحدث، فصار كلامه في هذه الحال بخلافه لو لم ينبه عليه، فلا محالة أنه تكلم عامدا.
وأما وجوب جواب أبي بكر وعمر ﵄ له ﷺ ، فلا نمتنع منه، فنستفيد به وجوب جواب المأمومين لإمامهم إذا سألهم عن مثل هذا، وهذا أولى من أن نقصره على أمر واحد.
فإن قيل: فليس معكم أنه ﵇ لم يعد الصلاة، فيجوز أن يكون أعاد.
قيل: لو أعاد؛ لنقل ذلك كما نقل أنه بنى، ولو أراد الإعادة؛ لم يبن على صلاته.
فإن قيل: يجوز أن يكون أبو بكر وعمر ﵄ أشارا إلى النبي ﵇ إشارة، وقد روي مثل هذا (١).
قيل: قد روي الكلام مفسرا، ولا يمتنع أن يكونا أشارا وتكلما، والإشارة تحصل كثيرا مع الكلام، فلا يجوز إسقاط ما تحصل به الفوائد بهذه الترفيقات.
فإن قيل: فإن ذا اليدين تكلم وعنده أن الصلاة قد تمت، فهو في حكم الساهي.
قيل: أما قوله للنبي: ﵇ أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فيجوز أن يكون
стр. 2068
كما قلتم، ولكنه قال له بعد أن قال: "كل ذلك لم يكن": "قد كان بعض ذلك يا رسول الله"، وهذا بعد أن علم أن النسيان حاصل، وأن القصر لم يكن.
فإن قيل: فإن النبي ﵇ لما سلم عليه ابن مسعود لم يجبه، فلو جاز الكلام؛ لأجابه ﷺ (١).
قيل: لم يجبه لأن السلام عليه لم يتعلق عليه لمصلحة الصلاة، وكذلك خبر معاوية بن الحكم، فإنه شمت عاطسا في الصلاة، فقال له ﵇: "إن صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين" (٢)؛ لأن تشميت العاطس ليس من مصلحة الصلاة في شيء.
فإن قيل: إن أبا بكر ﵁ لما قدمه النبي ﷺ يصلي بالناس، ثم خرج ﵇ وأبو بكر في الصلاة صفق الناس، فقال لهم النبي ﵇: "من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" (٣).
فلو كان الكلام يجوز؛ لتكلموا، ولأعلمهم ﵇ أنه في مثل هذا جائز.
قيل: ليس هذا مما يتعلق بمصلحة الصلاة؛ لأنها صحيحة سواء خرج ﵇ أو لم يخرج، وعندنا أن أبا بكر كان الإمام للناس مع خروج النبي ﵇، وقيل: إن النبي ﵇ كان إماما لأبي بكر، وأبو بكر إماما للناس (٤)، وليس هذا مثل أن يترك الإمام من صلاته شيئا فلا تصح صلاتهم، فيجب عليهم أن
стр. 2069
يعلموا الإمام، أو يجيبوه إذا سألهم.
فإن قيل: فإن زيد بن أرقم قال: "كنا نتكلم خلف رسول الله ﵇ إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت" (١).
قالوا: وكذلك خبر عائشة ﵂ في: من قاء في صلاته أو رعف أن يبني على صلاته، ما لم يتكلم" (٢).
ولم يفرق بين الكلامين.
قيل: هذا كله مخصوص - كسائر الأخبار المتقدمة - بما ذكرنا من حديث ذي اليدين.
فإن قيل: فإنه من جنس كلام الآدميين فأشبه الكلام لغير مصلحة.
قيل: هذا ينتقض إذا سلم من اثنتين ناسيا، وينتقض على أصولنا بالكلام ناسيا.
وأيضا فإننا نعارض في علة الأصل ونقول: الكلام لغير مصلحة الصلاة لا حاجة له، لأن صلاته تتم بلا كلام، والكلام للمصلحة به حاجة إليه؛ لأن صلاته لو مضت على ما هي عليه لفسدت.
وعلى أننا نعارض بأصل آخر فنقول: اتفقنا أنه يجوز له أن يسلم في آخر صلاته؛ لأنه كلام يؤتى به لمصلحة الصلاة، فكل كلام يؤتى به للمصلحة جاز.
فإن قيل: فإن له مندوحة عن هذا النوع من الكلام بالتسبيح، فأشبه من
стр. 2070
لم يرد به إصلاح صلاته.
قيل: إن فهم عنه بالتسبيح؛ فلا يتكلم، وإن لم يفهم عنه؛ فما له عنه مندوحة، كما أنه إذا استغنى بالإشارة عن التسبيح يسبح يفهم للإمام إذا شك في صلاته بعد السلام، وقد ترك شيئا إذا سبح بهم ولزمه مسألتهم عن شيء بالتسبيح، وكيف يفهمونه هم - لو ترك شيئا - بالتسبيح، فعلمتم أن الوضع الذي نقوله لا مندوحة عنه.
على أننا قد عارضنا بقياس آخر.
وأيضا فإننا نقول: إنه يقصد بما يفعل تنبيه الإمام على إصلاح صلاته بكلام جنسه على وجه لا ينافي حكم الصلاة، فأشبه التسبيح به.
فإن قيل: فيجب على هذا أن لو مشى إلى إمامه - وكان أطروشا - حتى يعلمه ما دخل عليه في الصلاة أن لا تفسد صلاته، وكذلك لو دفع سبُعا عن إمامه أن لا تفسد صلاته، لأن هذا من مصلحتها.
قيل: الأمر كما قلتم عندنا أنه إن كان الإمام قريبا؛ مشى إليه وأعلمه بما نزل به، ولم (٣٧٥) تفسد صلاته، وكذلك لمن أمكنه أن يدفع عنه السبع في عمل قليل لم تفسد صلاته، لأنه يجوز عندنا أن يقتل المصلي الحية والعقرب (١)، وصلاته صحيحة، فسقط ما ظننتم أنه يلزمنا.
فإن قيل: فإن مثل هذا يلزمكم فيمن سبقه الحدث أن تجوزوا له أن