ولم يتكلموا لمصلحة الصلاة، وبنوا ولم ينقل أنهم أعادوا، فدل أنهم تكلموا في حال إباحة الكلام.
قيل: أولئك حديثهم حديث ذي اليدين تكلموا وعندهم أن الصلاة قصرت، وأنهم في غير صلاة.
فإن قيل: فقد قال ﵇: "صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين" (١).
وهذا ينفي صحة الصلاة مع وجود الكلام أيّ كلام كان، إلا أن تقوم دلالة.
قيل: قد بينا قبل هذا أنه ليس كل ما لا يصلح يفسد؛ لأن الالتفات والسلام من اثنتين ناسيا لا يصلح فيها ولا يفسدها.
وعلى أنه لو قال: إنه لا يصلح ويفسد؛ جاز أن يخص بما ذكرناه من حديث ذي اليدين، فيكون تقديره: إنه لا يصح ويفسد إذا كان لغير مصلحة، فأما إذا كان لمصلحة الصلاة؛ فإنه يصلح ولا يفسد.
فإن قيل: فإن النبي ﵇ تكلم وهو يظن أنه خارج الصلاة، فكلامه في حال نسيانه، وأبو بكر وعمر وإن كانا عامدين فإنه واجب عليهما أن يجيبا النبي ﵇ فهو مخصوص بذلك، كما لو سألهما عن غير ذلك لوجب عليهما أن يجيباه.
قيل: قد بينا أن النبي ﵇ (٣٧٤) قبل مسألة أبي بكر وعمر قد حصل له كلام ذي اليدين، فقد نبهه على أمر كان عنده أنه كان يجوز أن يكون، فلو
стр. 2067
كان على ما يذكرون؛ لكان يسبح ويشير إليهما، لأنه قد نبه على النسيان الجائز عنده أن يحدث، فصار كلامه في هذه الحال بخلافه لو لم ينبه عليه، فلا محالة أنه تكلم عامدا.
وأما وجوب جواب أبي بكر وعمر ﵄ له ﷺ ، فلا نمتنع منه، فنستفيد به وجوب جواب المأمومين لإمامهم إذا سألهم عن مثل هذا، وهذا أولى من أن نقصره على أمر واحد.
فإن قيل: فليس معكم أنه ﵇ لم يعد الصلاة، فيجوز أن يكون أعاد.
قيل: لو أعاد؛ لنقل ذلك كما نقل أنه بنى، ولو أراد الإعادة؛ لم يبن على صلاته.
فإن قيل: يجوز أن يكون أبو بكر وعمر ﵄ أشارا إلى النبي ﵇ إشارة، وقد روي مثل هذا (١).
قيل: قد روي الكلام مفسرا، ولا يمتنع أن يكونا أشارا وتكلما، والإشارة تحصل كثيرا مع الكلام، فلا يجوز إسقاط ما تحصل به الفوائد بهذه الترفيقات.
فإن قيل: فإن ذا اليدين تكلم وعنده أن الصلاة قد تمت، فهو في حكم الساهي.
قيل: أما قوله للنبي: ﵇ أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فيجوز أن يكون
стр. 2068
كما قلتم، ولكنه قال له بعد أن قال: "كل ذلك لم يكن": "قد كان بعض ذلك يا رسول الله"، وهذا بعد أن علم أن النسيان حاصل، وأن القصر لم يكن.
فإن قيل: فإن النبي ﵇ لما سلم عليه ابن مسعود لم يجبه، فلو جاز الكلام؛ لأجابه ﷺ (١).
قيل: لم يجبه لأن السلام عليه لم يتعلق عليه لمصلحة الصلاة، وكذلك خبر معاوية بن الحكم، فإنه شمت عاطسا في الصلاة، فقال له ﵇: "إن صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين" (٢)؛ لأن تشميت العاطس ليس من مصلحة الصلاة في شيء.
فإن قيل: إن أبا بكر ﵁ لما قدمه النبي ﷺ يصلي بالناس، ثم خرج ﵇ وأبو بكر في الصلاة صفق الناس، فقال لهم النبي ﵇: "من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" (٣).
فلو كان الكلام يجوز؛ لتكلموا، ولأعلمهم ﵇ أنه في مثل هذا جائز.
قيل: ليس هذا مما يتعلق بمصلحة الصلاة؛ لأنها صحيحة سواء خرج ﵇ أو لم يخرج، وعندنا أن أبا بكر كان الإمام للناس مع خروج النبي ﵇، وقيل: إن النبي ﵇ كان إماما لأبي بكر، وأبو بكر إماما للناس (٤)، وليس هذا مثل أن يترك الإمام من صلاته شيئا فلا تصح صلاتهم، فيجب عليهم أن
стр. 2069
يعلموا الإمام، أو يجيبوه إذا سألهم.
فإن قيل: فإن زيد بن أرقم قال: "كنا نتكلم خلف رسول الله ﵇ إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت" (١).
قالوا: وكذلك خبر عائشة ﵂ في: من قاء في صلاته أو رعف أن يبني على صلاته، ما لم يتكلم" (٢).
ولم يفرق بين الكلامين.
قيل: هذا كله مخصوص - كسائر الأخبار المتقدمة - بما ذكرنا من حديث ذي اليدين.
فإن قيل: فإنه من جنس كلام الآدميين فأشبه الكلام لغير مصلحة.
قيل: هذا ينتقض إذا سلم من اثنتين ناسيا، وينتقض على أصولنا بالكلام ناسيا.
وأيضا فإننا نعارض في علة الأصل ونقول: الكلام لغير مصلحة الصلاة لا حاجة له، لأن صلاته تتم بلا كلام، والكلام للمصلحة به حاجة إليه؛ لأن صلاته لو مضت على ما هي عليه لفسدت.
وعلى أننا نعارض بأصل آخر فنقول: اتفقنا أنه يجوز له أن يسلم في آخر صلاته؛ لأنه كلام يؤتى به لمصلحة الصلاة، فكل كلام يؤتى به للمصلحة جاز.
فإن قيل: فإن له مندوحة عن هذا النوع من الكلام بالتسبيح، فأشبه من
стр. 2070
لم يرد به إصلاح صلاته.
قيل: إن فهم عنه بالتسبيح؛ فلا يتكلم، وإن لم يفهم عنه؛ فما له عنه مندوحة، كما أنه إذا استغنى بالإشارة عن التسبيح يسبح يفهم للإمام إذا شك في صلاته بعد السلام، وقد ترك شيئا إذا سبح بهم ولزمه مسألتهم عن شيء بالتسبيح، وكيف يفهمونه هم - لو ترك شيئا - بالتسبيح، فعلمتم أن الوضع الذي نقوله لا مندوحة عنه.
على أننا قد عارضنا بقياس آخر.
وأيضا فإننا نقول: إنه يقصد بما يفعل تنبيه الإمام على إصلاح صلاته بكلام جنسه على وجه لا ينافي حكم الصلاة، فأشبه التسبيح به.
فإن قيل: فيجب على هذا أن لو مشى إلى إمامه - وكان أطروشا - حتى يعلمه ما دخل عليه في الصلاة أن لا تفسد صلاته، وكذلك لو دفع سبُعا عن إمامه أن لا تفسد صلاته، لأن هذا من مصلحتها.
قيل: الأمر كما قلتم عندنا أنه إن كان الإمام قريبا؛ مشى إليه وأعلمه بما نزل به، ولم (٣٧٥) تفسد صلاته، وكذلك لمن أمكنه أن يدفع عنه السبع في عمل قليل لم تفسد صلاته، لأنه يجوز عندنا أن يقتل المصلي الحية والعقرب (١)، وصلاته صحيحة، فسقط ما ظننتم أنه يلزمنا.
فإن قيل: فإن مثل هذا يلزمكم فيمن سبقه الحدث أن تجوزوا له أن
стр. 2071
يمشي وتجزئه الطهارة، لأنه لإصلاح صلاته فعل ذلك.
قيل: الحدث ينفي الطهارة فانتقضت الصلاة بكون الحدث، سواء مشى أو قام، فسقط هذا. وبالله التوفيق.
* * *
* مسألة (٥٤):
قال مالك ﵀: ومن فاته شيء من صلاة الإمام؛ فإنه يقضي مثل ما فاته، وهذا يدل أن الذي أدرك آخر صلاته، وأنه يقضي أولها (١).
وقد روي عنه أن الذي أدرك أول صلاته (٢).
стр. 2072
وبهذا قال الشافعي (١).
وقال أبو حنيفة مثل القول الأول، وهو قول أبي يوسف (٢).
وقال محمد: الذي يقضيه آخر صلاته، والذي أدرك أولها، مثل الرواية الأخرى عن مالك ومثل الشافعي (٣).
والدليل للرواية الأخرى التي يقول فيها: إن الذي أدرك آخرها: ما روي أن النبي ﵇ قال: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا" (٤).
والذي فاتنا هو أول صلاة الإمام فأمر بقضائه.
فإن قيل: ظاهر الخبر يفيد قضاء الفائت، فأما كونه أول صلاته أو آخرها؛ فلا دلالة عليه في اللفظ.
قيل: إن الأمر بقضاء الشيء إنما يقتضي فعله على الوجه الذي كان، ألا ترى أنه متى أمر بقضاء الظهر والفجر تضمن اللفظ قضاءهما على الوجه الذي فات بسائر صفاته، وما يتعلق به من مسنوناته، فكذلك الفائت في هذا الموضع؛ لما كان أول صلاته؛ تضمن اللفظ قضاءه على الصفة التي كانت عليه.
فإن قيل: فإن القضاء المذكور يفيد الأداء؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ
стр. 2073
الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (١) معناه إذا أديت (٢).
قيل: إن قوله: "ما أدركتم فصلوا" قد أفاد الأداء، أي: فأدوا، فيجب أن يستفاد بقوله: "وما فاتكم فاقضوا" معنى آخر حتى يحصل الفرق بين الوضعين بفائدة أخرى، لأن القضاء أريد به في هذا الموضع الفائت، وقضاؤه يقع على الصفة التي كان عليها، فصار كأنه قال: أدوا الفائت على الصفة التي كان عليها، وليس كذلك قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾؛ لأنه يقتضي صلاة موجودة غير فائتة.
وعلى أن الفوات [لو] (٣) لم يكن مذكورا في الخبر؛ كان القضاء يقتضي الظاهر أمرا مقيدا بجميع صفاته، وإن كان يجوز أن يراد به غيره.
فإن قيل: فإن الفائت آخر صلاته، فكأنه قال: ما فاتك أن تفعله مع إمامك فاقضه.
قيل: قوله: "ما أدركتم"؛ يريد به صلاة الإمام، كذلك قال في أول الخبر: "إذا أتيتم الصلاة فأتوها بالسكينة والوقار"، ومراده صلاة الجماعة، ثم قال: "فما أدركتم فصلوا" يعني: من صلاة الإمام، فكذلك قوله: "وما فاتكم" فيه إضمار، فالظاهر وقوعه مما تقدم من صلاته، فكأنه قال: ما فاتكم من صلاة الإمام فاقضوه، هذا موضوع كلام العرب.
فإن قيل: فقد روي: "وما فاتكم فأتموا"، والتمام إنما يكون للأول.
стр. 2074
قيل: الإتمام يفيد أن يفعل الباقي من الصلاة تاما غير ناقص، ولا يفيد معنى آخر الصلاة ولا أولها يدل على ذلك أن من ترك شيئا من أول ركعة قيل: إنه لم يتم صلاته، فلو كان هذا اللفظ يختص بآخر صلاته؛ لم يجز استعمال هذا الاسم متى كان المتروك من آخرها، وكذلك يقال للشيء الذي قد استؤنف: "أتمم هذا، أي لا توقعه ناقصا، ولا تترك منه شيئا، وقولهم للشيء إذا فعل بعضه: أتممه؛ فإنما يراد فعل آخره؛ لِعِلمنا أنه لا يريد إعادة ما قد فرغ مما قد وقع، ويكون المراد به أيضا التمام الذي هو ضد النقصان، وتقديره لا تتركه ناقصا.
ولنا أيضا قوله ﵇: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (١)، والائتمام به أن يفعل كفعله، فإذا كان الذي يفعله آخر صلاته؛ كان الائتمام به أن يفعله كفعله.
وكذلك قال معاذ للنبي ﵇: ما كنت لأجدك على حال إلا اتبعتك عليها، فقال النبي ﵇: "سن لكم معاذ سنة فاتبعوها" (٢).
فأمر ﵇ بمتابعة الإمام، ولا يكون متابعا للإمام إلا أن يكون فعله مثل فعله وعلى صفته، وإذا كان الإمام يصلي آخر صلاته والمأموم أول صلاته؛ فليس بمتبع للإمام.
وفي الخبر أيضا: "فلا تختلفوا عليه" (٣).
وأشد الاختلاف أن يكون المأموم يصلي أول صلاته والإمام آخرها.
стр. 2075
وكذلك روي أن النبي ﵇ قال: "من وجد الإمام على حال فليصنع كما يصنع" (١).
وكلام النبي ﵇ خرج على ما كانوا يفعلونه من تقدمة الفائت على ما أدركوه، فإنهم كانوا يجعلون أول صلاة الإمام (٣٧٦) أول صلاة أنفسهم، فلما أمروا بتركه،، وأن يعدلوا عنه إلى اتباع الإمام؛ لم يقتض هذا إلا ترك الطلب لأول صلاته، ومتابعته فيما يفعله، ولهذا قال: "لا تختلفوا عليه" (٢).
وفي حديث: "لا تختلفوا على أئمتكم"، وهذا يقتضي أن لا يخالفوا من جميع الجهات، وما فاته من صلاة الإمام سبيله أن [يقضيه] (٣) منفردا، فلا يجوز أن يقتدي فيه بغيره ألا تري أنه لو اقتدى بإمام آخر فيه؛ فسدت صلاته، فلو كان ما يفعله مع الإمام أول صلاته؛ لكان قد اقتدى به فيما حكمه أن يقضيه منفردا، وهذا فاسد، ولأن ما يفعله مع الإمام لو كان أول صلاته؛ لاستحال أن يكون قاضيا لما فاته، ألا ترى أن ما يصليه في موضعه غير فائت.
وأيضا فإن ما أدركه لما كان آخر صلاة الإمام؛ وجب أن تكون آخر صلاته، دليله إذا أدرك أول صلاة الإمام فإنه أول صلاته.
يدل أيضا على ما قلناه؛ أن الذي يدركه لو كان أول صلاته؛ لم تجب متابعته له فيما لا يعتد به من سجود ونحوه، ألا ترى أن أول الصلاة يلزمه
стр. 2076
عندكم أن يأتي بالتوجه ثم بالركوع، فلما تبعه على ما أدركه وترك ما يلزمه؛ علمنا أنه يأتي بصلاته على ترتيب تحريمة الإمام، فلما كان آخر صلاته؛ كان عليه أن يأتي به في موضعه على ما أوجبته تحريمته.
وأيضا فإن دخوله في تحريمة الإمام يقتضي فعل الصلاة على الوجه الذي يقتضيه تحريمته، ألا تري أنه يأتي بالقعود في الموضع الذي يأتي به الإمام، وكذلك التشهد فلما كانت تحريمته توجب أن يكون ما بقي آخر صلاته؛ وجب أن يكون كذلك في المؤتم به حين دخل في تحريمته، يدلك عليه أنه لو أدرك أول صلاته، فنوى أن يكون فعله آخر صلاته؛ لم يتعلق بنيته حكم، فبان أن الحكم يتعلق بموجب تحريمة الإمام.
وأيضا فإن المسبوق لو قدمه الإمام فاستخلفه؛ لبنى على صلاة الإمام، فلو كان ما يصليه أول صلاته؛ لم يبن علي ترتيب صلاة الإمام، ألا ترى أن من نام خلف الإمام أو غفل حتى صلى الإمام بعض صلاته؛ قضى ما فاته من صلاته، ولم يبنها على ترتيب الإمام.
ولا معنى لقول من يقول: إنه في معنى من يصلي خلف الإمام؛ بدلالة أنه لو سلم في الموضع الذي سلم فيه إمامه؛ لبطلت صلاته، ولكنه لا يصح في ذلك الموضع، فنقول: إن المتقدم لا يصير في معنى المؤتم، بدلالة وجوب القراءة عليه، ولزوم سجدتي التشهد على المؤتمين بسهوه، فصارت حالته بمنزلة حالة المنفرد، فلو لم يكن ما يفعله آخر صلاته؛ لكان يأتي بها على الوجه الذي يفعله في حال انفراده من القضاء بعد فراغ إمامه، فدل أنه قائم مقام الإمام الأول إلا أنه لا يسلم؛ لأن سلامه يصادف وسط صلاته فيفسدها.
стр. 2077
ثم يقوي ما نقوله أنه يقضي بالحمد وسورة، أعنى المؤتم، فلو كان الذي أدرك أول صلاته والذي يقضي آخرها؛ لم يحتج إلى السورة.
فإن قيل: هو على قولين، كما نقول إن كل ركعة من الصلاة يقرأ فيها بالحمد وسورة.
قيل: ليس الأمر عندنا كذلك
فإن قيل: فقد قال ﵇: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (١).
فجعل علامة أولها التكبير، وآخرها التحليل.
وكذلك روي عن علي ﵇ نحو ما قلناه من غير خلاف عنه (٢).
قيل: قوله ﵇: "تحريمها التكبير" (٣) لا يدل على بيان حكم الأول من الآخر، لأنه بين أن التحريم يقع للصلاة بالتكبير، وهذا عبارة عن جملتها، فليس فيه تفصيل موضع الخلاف، ولأن ما يفعله أول صلاته من جهة الابتداء بالفعل، والتكبير تحريم له، وكذلك الدخول يحصل دخولا في أولها؛ لأنه يمتنع أن يدخل في آخر فعله قبل أوله، وخلافنا وقع في الحكم الذي يقع بأول الصلاة وآخرها من القراءة وغيرها متى حصل قضاءه بعد فراغ الإمام أو غير ذلك، وهذا لا يقتضيه الخبر.
وما ذكروه عن علي رضوان الله عليه؛ فلا تعرف حقيقته، ولو ثبت؛
стр. 2078
لكان قول واحد من الصحابة لم يبين فيعلم هل له مخالف فيه أم لا، فلا يكون حجة إلا على هذا الوجه.
فإن قيل: لو كان ما أدرك هو آخر صلاته؛ لكان تكبيره في أوله مسنونا كسائر التكبيرات التي للركوع والسجود، وإن كان لا يعتد بها للإحرام، فلما أجمعوا على أنها تكبيرة الإحرام التي هي فرضه؛ دل على أن ذلك أول صلاته، إذ لو لم تكن أول صلاته؛ لما جاز أن يعتد بها في غير موضعها.
قيل: هذا فاسد لا يلزم؛ لأن الدخول بتكبيرة الإحرام يقع في أول صلاته، ثم ما يتبع فيه الإمام يكون آخر صلاته كما هو آخر صلاة الإمام، وهذا غير ممتنع، كما أنه لو لحق الإمام في السجدتين كان ما يلي تكبيره معتد به من صلاته.
ثم لم يمتنع أن يكون تكبيره واجبا كما لو ابتدأ به منفردا، فلأن يكون تكبيره - مع كونه آخر صلاته وهو يعتد به - أولى أن يكون واجبا.
فإن قيل: إذا أدركه (٣٧٧) في السجود أو التشهد؛ لم يعتد به بإجماع، وتكبيرة الإحرام يعتد بها بالإجماع، فدل أن ذلك أول صلاته.
قيل: هذا لا يلزم؛ لأنه لم يعتد بالسجود والتشهد إذا أدركه فيه لأنه لا يصح الاحتساب به إلا بعد الركعة، ألا ترى أنه إذا لحقه في أول الركعة؛ احتسبت بالسجود والتشهد.
وعلى أن مثل هذا [يلزمك] (١)؛ لأنه لو كان أول صلاته لما ولي تكبيرة
стр. 2079
الإحرام السجود؛ لأنه في غير موضعه، ولكان يلزمك أيضا أن تعتد به وإن لم يكن ركع قبله، ولما لم يلزمك هذا لما ذكرناه، وأن ذلك للضرورة في إدراك الإمام على ما هو عليه؛ لم يلزمنا ما ذكرته.
فإن قيل: فإن المأموم لو أدرك الإمام في أول الركعة الأخيرة وتشهد معه؛ لم يعتد بالتشهد معه وقد أدرك الركعة من أولها، ألا ترى أنك تقول: إنه يتشهد في الركعة الأخيرة التي يقضيها، فعلم بهذا أن الذي أدركه أول صلاته.
قيل: هذا لا يلزم؛ لأنني إن قلت إنه يحتسب به، وأن قعوده في الركعة الأخيرة التي يقضيها إنما هو للسلام؛ لم يبق معكم شيء، وإن قلت: إنه لا يعتد به؛ فإن سنة السلام أن يكون بعد التشهد فلما لم يقدر على السلام فيما أدرك؛ لم يعتد بهذا التشهد حتى يأتي به في المكان الذي يسلم فيه، وهذا كما تقول: إنه يكبر تكبيرة الإحرام إذا أدركه ساجدا ولا يعتد بالسجود؛ لأنه لا يكون إلا عقيب ركوع، فلم يعتد به لأنه في غير موضعه، فكذلك ما قلناه نحن، ومثل هذا ما قلناه نحن وهم: إنه إذا أدركه في الثانية من المغرب أنه يجلس معه ولا يعتد بهذا الجلوس، وإن كانوا يقولون: هذا أول صلاته، ونحن نقول: هو آخرها.
فإن قيل: فإن السلام يلزمكم؛ لأنه لو كان الذي أدرك هو آخر صلاته لوجب أن يسلم؛ لأن السلام هذا موضعه، فلما قلتم: لا يسلم حتى يفرغ؛ علمنا أن السلام وقع في آخر الصلاة لا في أولها.
قيل: هذه دعوى، وليس السلام منها قائما يجري مجرى آخر صلاته من جهة الحكم، وإنما يتعلق بفراغه من صلاته، ألا ترى أن المأموم متى
стр. 2080
استخلفه الإمام؛ بنى على صلاة الإمام، ولا يسلم حتى يفرغ من تمام فرضه، وكان ينبغي على حسابكم أن يسلم قبل فراغه كما كان سنة الإمام، فعلم أن السلام يتعلق بفراغه من أفعال الصلاة، ولو قلنا إن السلام متعلق بآخر الصلاة؛ لم يلزمنا شيء؛ لأنه يتعلق بآخر صلاته من جهة الفعل، وهذا لم يحصل له بعد فعل الركعتين، وخلافنا وقع في الحكم دون ما كان من جهة المشاهدة.
فإن قيل: فإن ترتيب الصلاة لا يتغير بمتابعة الإمام، دليل ذلك الإجماع على أنه لا يقدم سجودا على ركوع.
قيل: هو باطل بما ذكرناه من صلاة المغرب أنه يقعد عقب كل ركعة فيترك ترتيب الثانية على الأولى بفعل الجلسة لأجل المتابعة، فكذلك المسبوق إذا استخلفه الإمام يعتبر ترتيب صلاته، وكذلك إذا أدرك دون ركعة من صلاة إمامه، وأما تقديم السجود على الركوع؛ فلا يتغير في حال تقديم [] (١) ثم لم يدل أنه لا تتغير الأحكام التي اختلفنا فيها، ولأن المعنى الذي لأجله تغير حكم صلاته وجب اتباعه للإمام فيما يفعله، وقد علمنا أنه يفعله آخر صلاته، وتقدم السجود على الركوع لا يفعله الإمام، فلا يلزم المأموم متابعته، فصار حكمه بما لا يلزمه فيه المتابعة حكم المنفرد.
فإن قيل: فإنه يمتنع أن يقدم آخر صلاته على أولها.
قيل: إن أردتم امتناعه من جهة العقل؛ فهو فاسد؛ لأن أحدا لم يرده من جهة العقل، فإنما ردوه من جهة الشرع.
وإن قلوا من جهة الشرع؛ فهو موضع الخلاف، ولأن النائم خلف
стр. 2081
الإمام إذا استيقظ بعدما فاته شيء من صلاته كان فاعلا لآخر صلاته قبل أولها، وكذلك إذا قدمه الإمام.
فإن قيل: فإنه إذا لم يقدم آخر صلاته قبل أولها في حال انفراده؛ فكذلك في حال اتباعه للإمام.
قيل: هذا يسقط بما ذكرناه إذا أدركه فيما دون ركعة، وبما ذكرناه من استخلافه إياه، ولا يجوز ذلك له في حال انفراده.
فإن قيل: فإنه فعل يلي تكبيرة الإحرام؛ فوجب أن تكون أول صلاته، دليله المنفرد.
قيل: نعارضك بمثل هذا فنقول: لما كان ما يفعله يحصل عقيبه تسليم الإمام؛ وجب أن يكون آخر صلاته، دليله من أدرك أول صلاة الإمام.
ولما كان ما أدركه يليه تشهد الإمام في آخر صلاته؛ وجب أن يكون آخر صلاته هو أيضا.
وأيضا فإن العلة هي أنه إذا أدرك أول صلاة الإمام أنه أول صلاته هو، فكذلك [كان] (١) إذا أدرك آخر صلاته وجب أن يكون آخر صلاة المأموم، كما استويا في الأول.
ويبطل أيضا ما قالوه إذا أدرك الإمام في السجدتين أن الفعل يلي التحريمة (٣٧٨) [] (٢) الثالثة من المغرب أنه يقعد عقيب الركعة الأولى
стр. 2082
التي يقضيها، فلو كانتا [] (١) يكن له أن يقعد بينهما، وجوابهم أن القعدة الأولى يقعدها على وجه المتابعة للإمام، والثانية يفعلها لأن هذه الركعة [] في الفعل، فيلزمك أن يأتي عقيبها قعدة، ثم مثل هذا يلزمهم لو كانت الركعة الثاثة التي يلحقه فيها [] لم يلزمه أن يقعد فيها معه، فعلمنا أن ذلك كله لأجل اتباع الإمام.
كمل السفر الأول من عيون الأدلة على مذهب مالك بن أنس، إملاء الشيخ الفقيه أبي الحسن علي بن أحمد البغدادي المالكي ﵀. ويتلوه في أول الثاني مسألة: عند مالك ﵀ والشافعي أن سجود القرآن سنة، والحمد رب العالمين على يدي الفقير لربه المستغفر من ذنبه محمد بن عبد الله بن محمد، وكان الفراغ منه في شهر صفر سنة اثني عشرة وستمائة، فرحم الله كاتبه وكاسبه وقارئه ومؤلفه ومن دعا لهم بالرحمة والمغفرة، آمين آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأزواجه وذرياته وسلم تسليما (٢).
* * *
стр. 2083
[كتاب الجهاد]
стр. 2084
كتاب الجهاد (١)
مسألة (٢)(١):
لا يستحق القاتلُ سلبَ (٣) قتيله من الكفار إلا أن يرى الإمام ذلك بحضرة القتال، فينادي به، أو يجعله مخصوصا لإنسان إذا كان ذلك جهده (٤).
وبه قال أبو حنيفة (٥).
وقال الشافعي يستحق ما يقع عليه اسم سلب من دابته وسلاحه وثيابه،
стр. 2085
ينفرد به ويأخذه من رأس الغنيمة (١)، سواء قتله مقبلًا أو مدبرا بعد أن تكون الحرب قائمة (٢).
[والمعروف للشافعي: أن القاتل لا يستحق السلب إلا إذا قتله مقبلا] (٣).
والدليل لقولنا قوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٤).
فأضاف الغنيمة إلى الغانمين بقوله: ﴿غَنِمْتُم﴾، ثم أخرج من الجملة الخمس لمن ذكره، وهذا خطاب لجماعتهم، وكل واحد منهم، فعم الغنيمة ولم يخص منها سلبا من غيره فخمس الجميع الله ورسوله، وأربعة أخماس للغانمين بظاهر الآية وعمومها إلا أن تقوم دلالة.
стр. 2086
وأيضا قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (١).
والسلب مما غنموه وإن كان الواحد منهم اختص بأخذه، [ألا ترى أن الذي لم يَقتل إذا غنم معهم شيئًا؛ كان بينهم فكل واحد منهم يأكل مما غنمه صاحبه؛ لأنهم يتعاونون عليه جميعًا، فالكل لهم (١) [. . .] (٢).
ويدل على ذلك ما رواه أنس بن مالك "أن البراء بن [مالك] (٣) لما غزا الزارة (٤)؛ خرج دُهِقان (٥) الزارة فقال: رجل ورجل، فبرز إليه البراء، فاختلفا بسيفيهما، ثم اعتنقا فتوركه البراء، فقعد على كبده، ثم أخذ السيف فذبحه، وأخذ سلاحه ومنطقته (٦)، وأتى به عمر بن الخطاب ﵁ فنفله السلاح، وقوّم المنطقة بثلاثين ألفا، فخمسها وقال: إنه مال" (٧).
فمنه دليلان:
стр. 2087
أحدهما: أنه لو استحق ذلك؛ لم يكن بالسلاح أولى منه بالمنطقة.
والدليل الآخَر: قول أنس: "فنفله السلاح"، ولو كان يستحقه بالقتل؛ لم يكن عمر منفلا له، فدل على أنه لا يستحق شيئًا منه إلا بأن ينفله الإمام، ويرى رأيه فيه، وهذا كان من عمر ﵀ بحضرة الصحابة الذين قد غزوا مع رسول الله ﷺ ، ومع أبي بكر رضوان الله عليه، ومحال أن يذهب عليهم أن السلب يستحقه القاتل والبراء هو الذي قَتل؛ فلا يقول هؤلاء ولا واحد منهم: إن السلب كله يستحق القاتل، فليس لك أن تحبس بعضه وتنفل بعضه، وليس لك أن تنفل ولا تخمس؛ فإن الله تعالى ورسوله ﵇ قد جعلا جميع ذلك مستحقا للقاتل.
وقد روي أن حبيب بن مسلمة قتل قتيلا وأخذ سلبه، فأراد أبو عبيدة أن يخمسه، فقال حبيب: لا تحرمني رزقا رزقنيه الله، فإن رسول الله ﷺ جعل السلب للقاتل، فقال له معاذ مهلا يا حبيب! فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه" (١).
ففي هذا بيان واضح، وذلك أن حبيبا لما قتل القتيل؛ أخذ السلب، واحتج بأن رسول الله ﷺ جعل ذلك له، فلم يُبطل معاذ قوله إلا بما [سمعه من رسول الله ﵇، فدل على أنه ليس] (٢) كل قاتل يستحقه، وإنما
стр. 2088
استحقه قوم جعل النَّبِيّ ﵇ لهم ذلك بقوله: "من قتل قتيلا فله سلبه" (١)، وحقيقة هذا أنه لمن قد قَتل؛ لأنَّهُ فعل ماض، وليس هو لكل من يقتل في المستأنف؛ لأنَّهُ لو أراد ذلك؛ لكان يقول: "من قتل قتيلا ومن يقتل قتيلا؛ فله سلبه"، فحقيقة قوله: "من قتل" لما مضى وإن كان قد يراد به المستقبل، إلا أن الحقيقة أنه للماضي، فكأنه ﵇ جعل ذلك لمن حصل منه القتل في ذلك الوقت لرأي رآه، ونستفيد منه أن الإمام إذا أراد ذلك؛ فعله، مع أن معاذا ذكر ما رواه عن النَّبِيّ ﵇ في وقت التنازع عند استحقاق السلب، فلم ينازعه فيه أحد بعدما ذكره، ولم ينصروا ما قاله حبيب من استعمال ظاهر الحديث.
وأيضا فقد روي أن معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو قتلا أبا جهل، فأعطى رسول الله سلبه لمعاذ بن عمرو بعد أن تنازعا، فنظر سيفيهما والدم فيهما فقال: "كلاكما قتله" (٢).
فلو كان السلب مستحقا بالقتل؛ لكان يجعله بينهما جميعًا؛ لأنهما اشتركا
стр. 2089
في قتله، فلما خص به أحدهما؛ علم أنه غير مستحق إلا بعطية الإمام (١).
وأيضا فقد روي أن عوف بن مالك الأشجعي قال: "خرجت مع زيد بن حارثة فوافقني رجل مَدَدي (٢) من أهل اليمن، وما معه إلا سيفه، [فنحر رجل من المسلمين جزور (٣)، فسأله المددي طائفة من جلده، فأعطاه إياه، فاتخذه كهيئة الدرق (٤)، ومضينا، فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له أشقر (٥)، عليه سرج مُذْهب (٦) وسلاح مُذْهب، فجعل الرومي يُغري (٧) بالمسلمين] (٨)، [فقعد له المددي تحت صخرة] (٩)، ثم خرج وراءه، فعرقب (١٠) فرسه، فخر، فعلاه بسيفه، وقتله، وأخذ سلبه وحازه، وفتح الله تعالى على
стр. 2090
المسلمين، فبعث خالد إليه فأخذ السلب منه، قال عوف فأتيته فقلت: يا خالد! أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل، قال: بلى، ولكنني استكثرته، فقلت: لتردنه عليه، (٣) فأبى أن يرد، قال عوف: فاجتمعنا عند النَّبِيّ ﵇ فقصصت عليه قصة المددي، وما فعله خالد، فقال ﵇: يا خالد! ما حملك على هذا؟ قال يا رسول الله! استكثرته، فقال رده عليه، قال عوف: فقلت يا خالد! ألم أوف لك، فقال ﵇: وما ذاك؟ فأخبرته، فغضب ﷺ وقال: يا خالد! لا ترده عليه، ثم قال: هل أنتم تاركون لي أمرائي، لكم صِفوة أمرهم، وعليكهم كدره" (١).
فصح بهذا أن السلب لم يكن مستحقا كسائر الحقوق، وإنما هو كعطية الوالي؛ لأنَّهُ لو كان مستحقا؛ لم يمنعه منه لأجل كلام عوف بن مالك، كما لا يمنع من سائر الأملاك والحقوق، والاعتراض إنما كان (٢) من عوف، ولم يكن من المددي فيعاقب عليه، مع أن النَّبِيّ ﷺ لا يمنع الحقوق بالعقوبة.
وقد روي أن إياس بن سلمة بن الأكوع روى عن أبيه: "أن عينا (٣) للمشركين أتى النَّبِيّ ﵇ وهو في سفر، فجلس عند أصحابه ثم انسلّ، فقال
стр. 2091
النَّبِيّ ﵇: اطلبوه فاقتلوه فسبقتهم إليه فقتلته، وأخذت سلبه، فنفلني إياه" (١).
فصح أنه أخذه بالتنفيل من النَّبِيّ ﵇ لا بالاستحقاق قبل ذلك؛ لأنَّهُ لو كان مستحقا؛ لم يفتقر إلى تنفيله ﵇.
وقد روي أنه ﵇ قال: "ما أحد أحق بشيء من المغنم يأخذه أحدكم، فليس هو أحق به من أخيه" (٢).
وهذا عموم في كل مغنم، سلبا كان أو غيره.
وأيضا فإنه مال أخذ من كافر في الغنيمة مع العسكر؛ فوجب أن لا يستحقه إلا بعطية الإمام، دليله غير السلب.
وأيضا فإنه مال كافر أخذه والعسكر ردء (٣) له؛ فوجب أن يكون
стр. 2092
للجماعة؛ كالسرية مع العسكر لما كانوا ردءا للسرية؛ كان ما تأخذه السرية بين جميعهم.
ونقول: (٤) [] (١) فكل من لا يستحق العين والورق، وهذا لم يستحق السلب إلا بعطية الإمام؛ لأن عطايا الإمام عندنا من الخمس (٢).
وأيضا فلو كان السلب مستحقا بالقتل للقاتل؛ لكان إذا وجد المقتول وعليه سلبه يكون دينا على صاحبه كاللقطة، حتَّى يعرف خبره ما كان يصير إليه، ويتصدق به عنه، أو يجعل لجميع المسلمين؛ لأنَّهُ مال ميت لا يعرف هو ولا وارثه، مع علمنا بأن القتيل لا بد له من قاتل، فلما لم يكن كاللقطة وكان مقسوما بين الغانمين؛ فإنه لا يفترق فيه حكم الإقبال والإدبار؛ كالدية والكفارة وغير ذلك، فلما قالوا: "إنه لو قتله مدبرا؛ لم يستحق سلبه"؛ علم أنه لا يستحقه إذا قتله مقبلا.
أو نقول: هو مال مأخوذ من مشرك بمعونة الجيش تحريضا على القتل، فإذا رأى الإمام أن يشترك فيه الغانمون كسائر الغنائم؛ كان كذلك، دليله السرايا إذا أخرجت من العساكر فغنمت؛ فإن غنائمها بينهم وبين الجيش.
وأيضا فلما كانت الغنيمة كلها لا يتوصل إليه إلا بالتعاون، وكونِ كل واحد منهم ردءا لصاحبه؛ لم يفترق الحكم في السلب ولا غيره؛ إذ لو اختص
стр. 2093
المباشر بالسلب وبان به من غيره؛ لكان كل ما يحوز من المقتول كالسلب؛ لأنَّهُ باشر بالقتل، فلما لم يكن كذلك؛ فكذلك السلب بينه وبين الغانمين بحق الاعتبار.
ونقول أيضًا: السلب عين من الأعيان؛ فوجب أن لا يستحقه القاتل دون الإمام، أصله سائر أعيان الغنائم، ولما كانت السرية لا تستحق التنفيل في البداءة والرجعة إلا بإذن الإمام؛ فكذلك السلب؛ لأن جماعة (٥) الغانمين ردء وعون في ذلك.
فإن قيل: فقد روى أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال يوم [حنين] (١): "من قتل قتيلا فله سلبه"، قال: فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا، فأعطاه النَّبِيّ ﵇ أسلابهم" (٢).
وروي [عوف] (٣) بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد "أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس" (٤).
قيل: هذان الخبران لا حجة علينا فيهما؛ لأن الخبر الذي رواه أنس أنه قال يوم [حنين]: "من قتل كافرا؛ [فله سلبه] " (٥)، فهذا قاله ﵇ لمن حصل منه القتل في تلك الغزاة، ولم يجعله لكل من يقتل في المستأنف، فهذا حجة
стр. 2094
لنا، وهو أن الإمام إذا جعل للقاتل السلب؛ صار بجعل الإمام له مستحقا، والنبي ﵇ إذا قال في وقت من الأوقات في حال قد جرت: "من فعل كذا وكذا فله كذا"، فكانت تلك الحال قد حصل فيها ذلك الفعل؛ لم يدلُّ بظاهره على أنه يكون قوله لكل من يحصل منه مثل ذلك الفعل إلا بدلالة، وليس هو بمنزلة ما يبتدئه فيجعله شرعا كقوله: "من باع نخلا قد أبرت" (١)، و "من باع عبدا وله مال" (٢).
وقتل أبي طلحة عشرين رجلا كان في الوقعة قبل أن يقول ﵇ ذلك، فلما قال؛ أخذ أبو طلحة السلب، ولم يقل ﵇ هذا القول إلا بعد حصول الوقعة والغنيمة.
وأيضا فإن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٣) متقدم على يوم [حنين] (٤)، فلا يخلو أن يكون قوله ﵇ ناسخا للآية، أو مخصصا لها، فبطل أن يكون ناسخا؛ لأن النسخ لا يثبت بهذه الطريقة، سيما والاستعمال ممكن.
ويبطل أن يكو مخصصا؛ لأن التَّخْصِيص بيان، والبيان عندنا لا يتأخر، مع أن البيان إنما يكون للمجمل (٥)، فأما ما هو مفسر (٦)؛ فلا يحتاج إلى بيان.
стр. 2095
[كذلك قد كانت قبل حنين مغانم كثيرة لم يقل فيها هذا القول] (٦) [] (١) حتَّى كان يوم [حنين] (٢).
وعلى أنه لو كان عمومًا؛ لجاز أن يحمل على كل قاتل إذا رآه الإمام أو نادى به، بدليل القرآن أو غيره مما ذكرناه.
وأيضا فإن عطايا الإمام عندنا من الخمس، فإن ثبت لنا أن السلب يكون من الخمس؛ صح قولنا، ونحن نبينه فيما بعد (٣).
وخبر عوف بن مالك وخالد بن الوليد "أنه ﵇ قضى بالسلب اللقاتل" (٤)؛ لفظه لفظ فعل، وهذا يقتضي فعلة واحدة لقتل مخصوص.
وعلى أننا قد ذكرنا قصة عوف مع خالد، فلو كان مستحقا عنده بالخبر؛ لم يكن لخالد أن يخالفه، ولم يكن النَّبِيّ ﵇ يمنع المددي منه، فلما خمس خالد ذلك، وقال النَّبِيّ ﵇ لخالد: "لا ترده عليه"؛ ثبت أنه غير مستحق إلا على الوجه الذي نقوله، ولو لم يثبت عمومه؛ لكان منزلته منزلة قوله: "من قتل قتيلا فله سلبه" (٥)، فنخصه بالدلائل كما خصصناه.
فإن قيل: فقد روى أبو قتادة قال: "لما كان يوم حنين كان المشركون حوله، فرأيت رجلا من المشركين وقد علا على رجل من المسلمين، فاستدرت
стр. 2096
من ورائه، وضربت حبل عاتقه (١) بالسيف، قال: فتركه وأقبل علي، وضمني ضمة وجدت منها رائحة الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، قال: فلحقت عمر بن الخطاب فقلت: ما بال الناس؟ فقال: أمر الله، ثم اجتمع الناس وقعد رسول الله ﷺ يقول: من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه، قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم قعدت، وقال ﵇ ثانيًا، فقمت وقلت: من يشهد لي؟ ثم قعدت، وقال ﵇ ثالثًا، فقمت وقلت من يشهد لي؟ فقال ﵇: ما لك يا أبا قتادة تقوم وتقعد؟ قال: فقصصت عليه القصة، فقال [رجل: صدق يا رسول الله! وسلب ذلك القتيل عندي، فأرضِه يا رسول الله، فقال أبو بكر الصديق ﵁: (٧) لا ها الله إذا (٢)، لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ﷺ يعطيك سلبه، فقال النَّبِيّ ﷺ : صدق، فأعطاه، فبعث بالدرع،] (٣) فابتعت مخرفا (٤) به في بني سلِمة (٥)، فإنه لأول مال
стр. 2097
تأثلته (١) في الإسلام" (٢).
فأعطى النَّبِيّ ﵇ أبا قتادة سلب قتيله، فدل على ما ذكرناه.
قيل: هذا حجة لنا، وذلك أن أبا قتادة لم يتعرض لذلك حتَّى سمع النَّبِيّ ﵇ قال ذلك، فدل على أنه ﵇ ابتدأ بذلك من غير أن يكون مستحقا قبل قوله، وقد كان قبل ذلك غزوات كثيرة وغنائم لم يقل فيها ذلك، ولا اتخذ أحد سلبا فيها حتَّى هذا اليوم، وهذا [القول] (٣).
ويجوز أن يكون جعل السلب في هذه الغزاة لمن حصل منه القتل فيها، ولم يجعله مؤبدا لكل قاتل؛ إذ لو أراد ذلك؛ لبينه بما لا يحتمل حتَّى يزول الإشكال.
وأيضا فقد يجوز أن يكون قد شرط ذلك فيكون مستحقا بالشرط من الإمام.
فإن قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنه لو كان قد شرط ذلك [فيما قيل] (٤)؛ لكان أبو قتادة لما قتل؛ أخذ السلب، أو أشهد على القتل، فلما لم يفعل أحدهما حتَّى سمع النَّبِيّ ﵇ يقول ذلك ويطلب الشهادة؛ عُلم أنه لم يكن تقدم شرط (٥).
стр. 2098
قيل: فهذا ينقلب عليك؛ لأنَّهُ لو كان مستحقا قبل هذا الوقت؛ لكان أبو قتادة قد فعل أحد الأمرين اللذين ذكرتموهما.
وعلى أن النَّبِيّ ﵇ شرط البينة، ثم أعطاه السلب بلا بينة، فعلم أنه لم يعطه لأنَّهُ استحقه بالقتل (١).
فإن قيل: إنه لم يعطه إلا بالبينة، وذلك أن الرجل قال: صدق يا رسول الله! وسلب القتيل عندي، فصدقه أبو بكر ﵀[إذ قال: لا ها الله إذا، تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ﷺ يعطيك سلبه] (٢)، (٨) فحصل شاهدان له.
وأيضا فإن كل من في يده شيء؛ فإقراره [به لغيره] (٣) يقوم مقام البينة، فلما قال الرجل: "صدق يا رسول الله! سلب القتيل عندي"؛ كان هذا كما لو شهد به.
стр. 2099
قيل: إن أصل الغنائم للغانمين، فإذا أخرجه ﵇ عنهم بالبينة؛ فالبينة لا تكون بالمحتمل، فأما إقرار الرجل بأن السلب في يده وتصديقه أبا قتادة؛ فليس بشهادة (١)؛ لأنَّهُ ليس بمعروف، ولا عرفت عدالته، ولا أخرجه بلفظ الشهادة، وأبو بكر ﵀ لم يكن عنده في ذلك شيء، ولا شهد بشيء، وإنما سمع إقرار الرجل فقال ما قاله على الظاهر.
وقولهم: "إن من كان في يده شيء فإقراره يقوم مقام البينة" (٢)؛ فإننا نقول: إنما هذا في شيء يخصه ويخص المدعي، فأما في سلب هو من جملة الغنيمة التي يستحقها الغانمون؛ فلا يقبل إقراره عليهم، بل ينفذ إقراره في مقدار ما يخصه من الغنيمة دون غيره.
فإن قيل: يجوز أن يكون أحلفه مع شهادة الرجل، وأعطاه السلب بشاهد ويمين.
قيل: لم تحصل شهادة بشيء؛ لأن الشهادة لها صفة، ثم لو أحلفه مع الشهادة؛ لنقل ذلك، فلما لم يكن من هذا شيء؛ صار السلب لأبي قتادة بدفع النَّبِيّ ﵇ ذلك إليه، لا باستحقاق مقدم.
فإن قيل: فإنه ﵇ علق الحكم بالقتل.
стр. 2100
قيل: حصول القتل في قصة أبي قتادة لم يثبت أنه هو قتله، فصار استحقاقه بجعل النَّبِيّ ﵇ له ذلك، وفي غير قصة أبي قتادة من قوله: "من قتل قتيلا فله سلبه" (١)؛ تعلق الحكم بالقتل مع قوله ﵇ ذلك، وقوله يدلُّ على جعله ذلك في الوقت الذي [انتهت فيه الوقعة.
فإن قيل:] (٢) قد اتفقنا أن الفارس يستحق سهمه، وكذلك (٩) الراجل من غير شرط الإمام، كذلك القاتل يجب أن يستحق السلب [من غير شرط] (٣) الإمام؛ بعلة أنه مال مأخوذ من الغنيمة بسبب لا يفتقر إلى اجتهاد الإمام، فوجب أن لا يفتقر الاستحقاق به إلى شرط الإمام، أصله: سهم الفارس.
قالوا: ومعنى قولنا "الاستحقاق به"؛ نعني بذلك السبب.
ومعنى قولنا: "سبب لا يفتقر إلى اجتهاد الإمام"؛ هو أن القتل لا يفتقر إلى اجتهاد الإمام، كما أن دخوله دار الحرب فارسا لا يفتقر إلى شرط الإمام له أن يدخل فارسا أو راجلا، كما له أن يتقدم فيقتل المشرك، وكما له أن لا يتقدم، عكسه النفل (٤)؛ لما افتقر سببه إلى اجتهاد الإمام؛ افتقر الاستحقاق به إلى شرط الإمام؛ لأن تقديم السرية لا بد أن تكون من جهة الإمام، لا يجوز بغير الإمام أن تقدم سرية وتؤخر أخرى.
قيل: أما السهم الزائد؛ فإنما هو لأجل الفرس وما يلزم عليه من المؤنة
стр. 2101
لعلفه وليخدمه، ولعمري إن كون الفرس لا يتعلق بشرط الإمام، ولكنه مع القدرة عليه من شرط الجهاد، فإن لم يكن له فرس وتعين عليه القتال والحضور؛ كان له سهمه؛ لأن هذا مبلغ قدرته، فكذلك القتل إن تمكن منه فهو فرضه، سواء كان راجلا أو فارسا، فلا يزاد على ما جعل له، إن كان فارسا؛ فله سهمان لفرسه، وسهم له من أجل المؤنة، وإن كان راجلا؛ فله سهمه لا يزاد عليه؛ لأن قدرة الراجل والفارس على القتل ذلك تكليفه، لأن الله تعالى خاطب الجميع فقال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ (١)، كما قال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢)، ثم مع هذا فقد شركه مع لم يقاتل ولم يَقتل، وهو الذي يحضر الوقعة، فكذلك يشترك من قتل ومن لم يقتل في السلب، وكذلك (١٠) [يزاد الفارس] (٣) لأجل فرسه.
على أننا قد ذكرنا قياسا يعارض قياسهم، ويرجح عليه بأن القاتل لا يصل إلى قتل من قتله إلا بالمعاونة، وكونهم ردءا له كالسرية.
فإن قيل: فإنه مسلم غرر بنفسه فقتل مشركا ممتنعا في حال القتال؛ فوجب أن يستحق سلبه، دليله إذا شرطه الإمام.
قيل: إن الإمام إذا نادى بذلك؛ فإن السلب يكون مما لا يستحقه الغانمون، وإنما يكون من الخمس الذي جعل إليه صرفه على وجه الاجتهاد، ولا يجوز له الاجتهاد في إعطاء بعضهم ما يستحقه الباقون.
стр. 2102
على أن قياسنا أولى؛ لما ذكرناه من استناده إلى ظاهر القرآن، وإلى سائر مال المقتول سوى سلبه، وإلى غنيمة السرية، ولأنه يؤدي إلى شيئين:
أحدهما: أن لا يغرر بدمه لأجل العوض وهو السلب، فإن حرص على القتل؛ كان مخلصا الله تعالى، وكان ثوابه أعظم.
والثاني: أن المنفعة العامة أولى من المنفعة الخاصة، فكون السلب لجميع الغانمين أولى منه للواحد.
ولا يلزم على هذا السهم الزائد للفارس؛ لما ذكرناه من كثرة المؤنة، فليس المقصد به تخصيصه في نفسه، ألا أنه تري لو لم يكن له فرس؛ لم يُزد شيء.
فإن قيل: فإنها عطية مقدرة لا تتغير؛ فوجب أن لا يفتقر استحقاقها إلى شرط الإمام، أصله سهم الراجل.
وأيضا فإننا وجدنا أمر الغنيمة مبنيا على تقديم الأقوى فالأقوى، وأن كل من كانت نكايته في العدو أكثر؛ كان سهمه أوفر، الدلالة على هذا هو أن الرجل البالغ لما كانت نكايته في العدو أبلغ من نكاية الصبيان والنساء؛ أسهم له وأرضخ (١) لهم، ونكاية الفارس لما كانت أكثر من نكاية الراجل؛ كان سهمه أوفر؛ لأنَّهُ يأخذ ثلاثة أسهم، كذلك القاتل نكايته أكثر وأعظم في العدو؛ فوجب أن يكون (١١) سهمه أوفر.
قيل: هذا منكسر؛ لأن الراجل الذي يقاتل يأخذ كما يأخذ من حاصر،
стр. 2103
والراجلان أيضًا يتفاضلان في النكاية ولا يتفاضلان في النفل، فقد تختلف النكايات ولا يقع تفاضل في العطاء، ألا ترى أن بعض الفرسان تكون هيبته وشجاعته ونكايته أعظم من غيره وإن لم يَقتل، ومع هذا فلا يتفاضلون في السهام.
وعلى أن القتل في نفسه نكاية، وقد اختلف حكمه إذا قتل مقبلا أو مدبرا.
وعلى أننا نعلم أن السرية قد أبلغت في النكاية بخلاف العسكر الذي لم يلحقها، ومع هذا لم تنفرد السرية بالغنيمة.
فإن قيل: فإنه قتل مشركا مقبلا في المعترك؛ فوجب أن يستحق سلبه، كما لو دخل دار الحرب فقتل بها رجلا (١).
قيل: إن صفة علة الأصل لا توجد في الفرع؛ لأنَّهُ إذا دخل وحده دار الحرب وقتل؛ فليس في معترك، فإن أرادوا معتركه في نفسه؛ انتقض بالسرية.
وعلى أن الذي يدخل وحده دار الحرب وليس وراءه عسكر؛ فإنه لم يَقتل بمعاونة أحد، فهو كالسرية إذا خرجت لنفسها من بلد بلا عسكر يتبعها، فما غنمت؛ فلها، فكذلك الراجل وحده له ما أخذه من سلب وغيره.
وعلى أن هذا يؤخذ منه خمس ما يحصل له؛ فيجب أن يخمس السلب في مسألتنا.
وعلى أن القياس الذي ذكرناه على السرية أولى.
стр. 2104
وعلى أننا نجعل هذا الأصل أصلا لنا، فنقول: هو مال مشرك في مكان المعركة؛ فوجب أن لا يختص بالسلب القاتل إذا لم يأذن الإمام بذلك، أصله إذا قتله مدبرا (١).
ونرجح قياسنا بأنه لو كان السلب مستحقا بالقتل؛ لم يختلف الحكم بين قتله مقبلًا أو مدبرا.
فإن قيل: فإنما نوجب السلب للقاتل إذا كانت الحرب قائمة، فلا فرق بين أن يقتله مقبلًا أو مدبرا.
قيل: (١٢) هذا [ينقلب] (٢) عليكم؛ لأن القتل نكاية في العدو وإتلاف نفس، فلا فرق بين أن تكون الحرب قائمة، أو قد وضعت أوزارها، فلما فرقتم بين الحالين؛ علمنا أنه لا يستحق بنفس القتل.
وعلى أن المراهق عندنا إذا أطاق القتال وقاتل؛ أسهم له، ولا يرضخ عندنا للصبيان والنساء (٣).
فإن قيل: احتجاجكم بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤) عليه سؤالان (٥):
أحدهما: هو أن السلب لم يغنمه الغانمون، وإنما غنمه القاتل، فلم
стр. 2105
يكن السلب مضافا إلى الغانمين، والدلالة عليه قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، ولا خلاف بيننا أن السلب لا يخمس.
والسؤال الثاني: أن الآية عامة في السلب وغيره، فخصصناها بقول ﵇: "من قتل قتيلا فله سلبه" (١).
قيل: أما السؤال الأول؛ فغلط؛ لأن قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) خطاب للجماعة، ولكل واحد منهم بلا خلاف ألا ترى أن ما غنمه القاتل غير السلب؛ فإنه يخمس، ويكون بينه وبين الغانمين، وكذلك فكل ما غنمه كل واحد من الغانمين غير السلب يكون بينه وبين سائر العسكر الذي معه، فالسلب غنيمة للقاتل كالعين والورق والعروض، فالجميع غنيمة للغانمين، وإن كان قد غنمه واحد منهم.
وقولكم: "السلب لا يخمس"، غلط؛ لأنَّهُ محسوب من الخمس عندنا، فهو في جملة الغنائم مخمس، ويعوض الغانمون عن باقيه بالمحاسبة بالخمس.
وأما السؤال الثاني عن عموم الآية وتخصيصها؛ فإننا نقول: إن خصصتموها بالخبر؛ فقد تكلمنا عليه، وإنما الوقت الذي قال النَّبِيّ ﵇ ذلك فيه معروف، ولم يقل ذلك قبل حنين، فهو مما أخر عن نزول الآية، والبيان عندنا لا يتأخر.
وعلى أن قوله: "من قتل قتيلا فله سلبه" (٣)؛ معناه عندنا من الخمس،