← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

لعلفه وليخدمه، ولعمري إن كون الفرس لا يتعلق بشرط الإمام، ولكنه مع القدرة عليه من شرط الجهاد، فإن لم يكن له فرس وتعين عليه القتال والحضور؛ كان له سهمه؛ لأن هذا مبلغ قدرته، فكذلك القتل إن تمكن منه فهو فرضه، سواء كان راجلا أو فارسا، فلا يزاد على ما جعل له، إن كان فارسا؛ فله سهمان لفرسه، وسهم له من أجل المؤنة، وإن كان راجلا؛ فله سهمه لا يزاد عليه؛ لأن قدرة الراجل والفارس على القتل ذلك تكليفه، لأن الله تعالى خاطب الجميع فقال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ (١)، كما قال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢)، ثم مع هذا فقد شركه مع لم يقاتل ولم يَقتل، وهو الذي يحضر الوقعة، فكذلك يشترك من قتل ومن لم يقتل في السلب، وكذلك (١٠) [يزاد الفارس] (٣) لأجل فرسه. على أننا قد ذكرنا قياسا يعارض قياسهم، ويرجح عليه بأن القاتل لا يصل إلى قتل من قتله إلا بالمعاونة، وكونهم ردءا له كالسرية. فإن قيل: فإنه مسلم غرر بنفسه فقتل مشركا ممتنعا في حال القتال؛ فوجب أن يستحق سلبه، دليله إذا شرطه الإمام. قيل: إن الإمام إذا نادى بذلك؛ فإن السلب يكون مما لا يستحقه الغانمون، وإنما يكون من الخمس الذي جعل إليه صرفه على وجه الاجتهاد، ولا يجوز له الاجتهاد في إعطاء بعضهم ما يستحقه الباقون.

стр. 2102

على أن قياسنا أولى؛ لما ذكرناه من استناده إلى ظاهر القرآن، وإلى سائر مال المقتول سوى سلبه، وإلى غنيمة السرية، ولأنه يؤدي إلى شيئين: أحدهما: أن لا يغرر بدمه لأجل العوض وهو السلب، فإن حرص على القتل؛ كان مخلصا الله تعالى، وكان ثوابه أعظم. والثاني: أن المنفعة العامة أولى من المنفعة الخاصة، فكون السلب لجميع الغانمين أولى منه للواحد. ولا يلزم على هذا السهم الزائد للفارس؛ لما ذكرناه من كثرة المؤنة، فليس المقصد به تخصيصه في نفسه، ألا أنه تري لو لم يكن له فرس؛ لم يُزد شيء. فإن قيل: فإنها عطية مقدرة لا تتغير؛ فوجب أن لا يفتقر استحقاقها إلى شرط الإمام، أصله سهم الراجل. وأيضا فإننا وجدنا أمر الغنيمة مبنيا على تقديم الأقوى فالأقوى، وأن كل من كانت نكايته في العدو أكثر؛ كان سهمه أوفر، الدلالة على هذا هو أن الرجل البالغ لما كانت نكايته في العدو أبلغ من نكاية الصبيان والنساء؛ أسهم له وأرضخ (١) لهم، ونكاية الفارس لما كانت أكثر من نكاية الراجل؛ كان سهمه أوفر؛ لأنَّهُ يأخذ ثلاثة أسهم، كذلك القاتل نكايته أكثر وأعظم في العدو؛ فوجب أن يكون (١١) سهمه أوفر. قيل: هذا منكسر؛ لأن الراجل الذي يقاتل يأخذ كما يأخذ من حاصر،

стр. 2103

والراجلان أيضًا يتفاضلان في النكاية ولا يتفاضلان في النفل، فقد تختلف النكايات ولا يقع تفاضل في العطاء، ألا ترى أن بعض الفرسان تكون هيبته وشجاعته ونكايته أعظم من غيره وإن لم يَقتل، ومع هذا فلا يتفاضلون في السهام. وعلى أن القتل في نفسه نكاية، وقد اختلف حكمه إذا قتل مقبلا أو مدبرا. وعلى أننا نعلم أن السرية قد أبلغت في النكاية بخلاف العسكر الذي لم يلحقها، ومع هذا لم تنفرد السرية بالغنيمة. فإن قيل: فإنه قتل مشركا مقبلا في المعترك؛ فوجب أن يستحق سلبه، كما لو دخل دار الحرب فقتل بها رجلا (١). قيل: إن صفة علة الأصل لا توجد في الفرع؛ لأنَّهُ إذا دخل وحده دار الحرب وقتل؛ فليس في معترك، فإن أرادوا معتركه في نفسه؛ انتقض بالسرية. وعلى أن الذي يدخل وحده دار الحرب وليس وراءه عسكر؛ فإنه لم يَقتل بمعاونة أحد، فهو كالسرية إذا خرجت لنفسها من بلد بلا عسكر يتبعها، فما غنمت؛ فلها، فكذلك الراجل وحده له ما أخذه من سلب وغيره. وعلى أن هذا يؤخذ منه خمس ما يحصل له؛ فيجب أن يخمس السلب في مسألتنا. وعلى أن القياس الذي ذكرناه على السرية أولى.

стр. 2104

وعلى أننا نجعل هذا الأصل أصلا لنا، فنقول: هو مال مشرك في مكان المعركة؛ فوجب أن لا يختص بالسلب القاتل إذا لم يأذن الإمام بذلك، أصله إذا قتله مدبرا (١). ونرجح قياسنا بأنه لو كان السلب مستحقا بالقتل؛ لم يختلف الحكم بين قتله مقبلًا أو مدبرا. فإن قيل: فإنما نوجب السلب للقاتل إذا كانت الحرب قائمة، فلا فرق بين أن يقتله مقبلًا أو مدبرا. قيل: (١٢) هذا [ينقلب] (٢) عليكم؛ لأن القتل نكاية في العدو وإتلاف نفس، فلا فرق بين أن تكون الحرب قائمة، أو قد وضعت أوزارها، فلما فرقتم بين الحالين؛ علمنا أنه لا يستحق بنفس القتل. وعلى أن المراهق عندنا إذا أطاق القتال وقاتل؛ أسهم له، ولا يرضخ عندنا للصبيان والنساء (٣). فإن قيل: احتجاجكم بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤) عليه سؤالان (٥): أحدهما: هو أن السلب لم يغنمه الغانمون، وإنما غنمه القاتل، فلم

стр. 2105

يكن السلب مضافا إلى الغانمين، والدلالة عليه قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، ولا خلاف بيننا أن السلب لا يخمس. والسؤال الثاني: أن الآية عامة في السلب وغيره، فخصصناها بقول ﵇: "من قتل قتيلا فله سلبه" (١). قيل: أما السؤال الأول؛ فغلط؛ لأن قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) خطاب للجماعة، ولكل واحد منهم بلا خلاف ألا ترى أن ما غنمه القاتل غير السلب؛ فإنه يخمس، ويكون بينه وبين الغانمين، وكذلك فكل ما غنمه كل واحد من الغانمين غير السلب يكون بينه وبين سائر العسكر الذي معه، فالسلب غنيمة للقاتل كالعين والورق والعروض، فالجميع غنيمة للغانمين، وإن كان قد غنمه واحد منهم. وقولكم: "السلب لا يخمس"، غلط؛ لأنَّهُ محسوب من الخمس عندنا، فهو في جملة الغنائم مخمس، ويعوض الغانمون عن باقيه بالمحاسبة بالخمس. وأما السؤال الثاني عن عموم الآية وتخصيصها؛ فإننا نقول: إن خصصتموها بالخبر؛ فقد تكلمنا عليه، وإنما الوقت الذي قال النَّبِيّ ﵇ ذلك فيه معروف، ولم يقل ذلك قبل حنين، فهو مما أخر عن نزول الآية، والبيان عندنا لا يتأخر. وعلى أن قوله: "من قتل قتيلا فله سلبه" (٣)؛ معناه عندنا من الخمس،

стр. 2106

لا من مال الغانمين (١٣) إذا رأى ذلك مصلحة، فلم يستمر الحكم على ما تقولون فنجعله [مخصوصا على] (١) الوجه الذي رمتموه. وإن خصصتم الآية بقياس؛ فقد ذكرنا ما يعارضه ويرجح عليه. فإن قيل: قوله ﵇: "ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه" (٢)؛ عنه جوابان: أحدهما: أنه ﵇ إمام الأئمة، وقد طابت به نفسه. والثاني: أنه عام في السلب وغيره، فخصصنا منه السلب بما ذكرناه (٣). قيل: أما قولكم: "إنه ﵇ إمام الأئمة وقد طابت به نفسه"؛ فإننا نحتاج إلى أن ننظر أي وقت طابت به نفسه، هل كان في وقت من الأوقات، وهو في الغزاة التي قال فيها ما قال، وقد بينا أنه قال ذلك بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وحصلت الغنائم، ولم يثبت بدليل قاطع أنه أراد كل من يقتل في المستأنف. وأيضا فإن اسم النَّبِيّ ﵇ بالنبوة أخص منه بالإمام، فلم يعقل من قوله: "ما طابت به نفسه إمامه" (٤)؛ ما طابت به نفس نبيه، وإنما عنى الأئمة الذين يكونون بعده، أو يكون عمومًا فيه وفي كل إمام يأتي، ألا ترى أن الأئمة بعده قد اختلفوا في هذه المسألة، فإن طابت نفس أحدهم لشيء؛ جاز، وإن لم

стр. 2107

تطب نفس الآخَر؛ لم يكن للمرء ذلك الشيء؛ لأن نفس إمامه لم تطب. وعلى أننا إنما نعلم طيب نفس الإمام بشيء نعلمه، فإن نادى بذلك أو شرطه أو أذن فيه؛ علمنا طيب نفسه به، فكان السلب للقاتل على هذا الوجه. وأما الثاني من قولكم: "إنه عام في السلب وغيره فخصصتم السلب"؛ فإننا نقول: إن التَّخْصِيص لم يثبت لكم؛ لأننا قد عارضناكم فيه بما قد تقدم. فإن قيل: فإن حديث معاذ بن عمرو ومعاذ بن عفراء إنما أعطى السلب بن عمرو لأنَّهُ كان قد أثخنه (١)، ومعاذ بن عفراء أجاز عليه (٢)، وعندنا إذا أثخنه أحدهما (١٤) بالضرب والآخر ذبحه؛ كان السلب للمثخن لا للذابح. قيل: هذا غلط؛ لأنهما تنازعا فلم يقل هذا: أنا أثخنته وأنت أجزت عليه، فأخذ النبي ﵇ سيفيهما، فنظر إلى الدم عليهما، ثم خص بالسلب أحدهما، وكل واحد منهما قال: أنا قتلته. فإن قيل: فإن حديث عوف بن مالك وخالد من أقوى حجة لنا في المسأل من طريق الظاهر، وذلك أن خالدا أخذ السلب فقال له عوف: "أما علمت أن رسول الله ﷺ جعل السلب للقاتل؟ قال: نعم" (٣).

стр. 2108

فاتفقا على أنه مستحق للقاتل، ثم اعتذر خالد وقال: لكنني استكثرته، لما اجتمعا عند النَّبِيّ ﵇ وأخبره عوف بالقصة؛ استفهم خالدا وقال: ما حملك على هذا؟ يعني مخالفة ما جعلته أنا للقاتل، ثم قال: رده عليه، فأمره بالرد، فدل على أنه مستحق، وقوله بعد ذلك لخالد: "لا ترده عليه" على وجه التغليظ لاعتراض عوف وتقريعه خالدا على ما فعل، ألا ترى أن النَّبِيّ ﵇ قال: "هل أنتم تاركون لي أمرائي" (١)؛ أي فيكون معناه: لا ترده في الحال ورده في الثاني، أو لا ترده أصلا ليرتدع من يعترض على الأمير فيما يراه. قيل: هذا من أدل دليل على صحة قولنا (٢)، وذلك أن خالدا لا يجوز له منع حق قد رجب لإنسان لأنَّهُ يستكثره، وهذا بمنزلة ما لو قال: إنني قد استكثرت للفارس ثلاثة أسهم فأنا أنقصه منه، فإن هذا لو فعله؛ لم يقبل منه بعذر ولا غيره ولكنه فهم من جعل النَّبِيّ ﵇ السلب للقاتل إذا كان ذلك على صفة كان مصلحة يؤدي إليه الاجتهاد، لولا هذا لا يجوز له ما فعل، كما لا يجوز له أن ينقص الفارس. وقول النَّبِيّ ﷺ : "رد عليه"؛ لأنَّهُ رأى أن ذلك مصلحة، فلما تبين له أن ذلك مفسدة؛ منعه منه؛ (١٥) لأن الاجتهاد إليه في ذلك، ولو كان مستحقا للمددي؛ لم يعاقبه باعتراض غيره؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣)، ولكنه لما كان الاجتهاد إليه في إعطاء السلب تارة ومنعه أخرى؛ منع منه، ألا ترى أنه لو اعترض خالد في أسهم الفارس؛ كان مخطئا لا يجوز

стр. 2109

أن يُقَر عليه، ولا يكون النَّبِيّ ﵇ باعتراض عوف مانعا للمددي في أسهمه الثلاثة لو كان فارسا قد أخذ ثلاثة أسهم، فلما منعه من السلب باعتراض عوف؛ علم أنه لم يكن مستحقاله إلا بعطية النَّبِيّ ﵇. وبالله التوفيق. * * * * مسألة (٢): في الدعوة: قال مالك: أما من قربت دارهم منا؛ فلا يُدعَوا؛ لعلمهم بالدعوة، وليلتمس غِرَّتهم (١) ومن بعدت داره وخيف أن لا يكونوا كهؤلاء (٢)؛ فالدعوة أقطع للشك (٣). قال: وأما القبط (٤)، فلا يقاتَلوا ولا يبيَّتوا حتَّى يُدعوا (٥)، بخلاف الروم، ولم ير بلوغ الدعوة غرة فيهم (٦)، كذلك قال في الفرازنة صنف من

стр. 2110

الحبش (١). وقال أبو حنيفة: إن بلغتهم الدعوة؛ فحسن أن يدعوهم الإمام إلى الإسلام أو أداء الجزية قبل القتال، وإذا لم تبلغهم الدعوة؛ فلا ينبغي للإمام أن يبتدئهم بالقتال (٢). وقال الشافعي: لا أعلم أحدا من المشركين لم تبلغهم الدعوة اليوم، إلا أن يكون خلف الذين يقاتلونا قوم من المشركين خلف الخزر (٣) والترك (٤) لم تبلغهم الدعوة، فلا يقاتلوا حتَّى يُدعوا إلى الإيمان (٥)، فإن قتل منهم أحد قبل ذلك؛ فعلى عاقلة (٦) القاتل الدية (٧).

стр. 2111

وقال أبو حنيفة: لا شيء عليه (١). قال القاضي ﵀: ولست أعرف لمالك ﵁ نصا في هذه المسألة، والذي عندي أنه لا شيء فيه كما يقول [أبو حنيفة] (٢). والدليل لذلك براءة ذمته وذمة العاقلة من شيء حتَّى يقوم دليل. وأيضا قول النَّبِيّ (١٦) ﵇: لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه" (٣). وقوله: "ليس في المال حق سوى الزكاة" (٤) وأيضا فإن الله تعالى قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ﴾ (٥). وأيضا قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٦). وسائر الآي التي ذكر فيها قتال المشركين تنفي وجوب الضمان على قاتل المشرك؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يأمر ويوجب قتلهم ومع هذا يلزم فيه الضمان. وأيضا فإن السبب في إباحة دمائهم موجود، وهو إقامته على الكفر والمحاربة، وعدم العهد والأمان (٧)، وهذا معنى لا يوجب ضمانا، يبين ذلك

стр. 2112

إذا قتله بعدما بلغته الدعوة. ويبينه أيضًا؛ أن الذمي لا يُقتل وإن كان مقيما على كفره لعدم المحاربة منه، والحربي الذي بلغته الدعوة لا ضمان على قاتله لوجود المحاربة من جهته مع إقامته على الكفر، فتبين أن السبب الموجب لسقوط الضمان عن القاتل ما ذكرناه. وعلى أن من أصلنا أن المسلم إذا اختار المقام بدار الحرب مع القدرة على الخروج ثم قتل خطأ؛ لم يكن فيه دية (١)، فالكافر منهم أولى أن لا تجب فيه دية. وأيضا فإنه لا أمان له ولا إيمان؛ فوجب أن لا يكون على قاتله دية، دليله من بلغته الدعوة. وأيضا فليس فيه أكثر من كوننا ممنوعين من قتله، وهذا المعنى لا يوجب الضمان، دليله نساء المشركين وصبيانهم، وقد منعنا من قتلهم (٢)، ثم لا ضمان فيهم. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (٣). قيل: السلطان هو المغالي في الشيء؛ لأنَّهُ فسره بقوله ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (٤)، وقد اتفقنا على سقوط القود (٥) هاهنا.

стр. 2113

وعلى أن "مَن" خبر لمجمل يحتاج إلى بيان، فنقف فيه حتَّى ننظر أيش المراد منه. وأيضا فإنه من الأسماء المشتركة؛ لأن السلطان يُعبَّر (١٧) به عن معان مختلفة (١)، وما كان مشتركا؛ لا يصح التعلق فيه بالعموم، ووجب الرجوع إلى ما أجمعوا على المراد به وهو القود، لقوله: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (٢)، وقد اتفقنا على سقوط القود هاهنا، فدل على أنه لم يدخل في هذه الآية. فإن قيل: فقد قال ﵇: "من قُتل له قتيل؛ فأهله بين خيارين: إن أحبوا قتَلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية" (٣). قيل: هذا لا يلزم؛ لأن الخبر يفيد القتل إن أحبوا، وهذا لا يتناول مسألتنا؛ لأنَّهُ لا قود لهم إن أحبوا، فلم يتناوله الخبر، وإنما هو فيمن يستحق في قتله القود فيجوز لهم العدول عنه إلى الدية، وهذا ساقط في مسألتنا بالاتفاق. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذَّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٤).

стр. 2114

قيل: هذا إخبار عما يفعله تعالى في الآخرة من العذاب، وليس يتعلق هذا بضمان دية؛ لأننا قد بينا لكم حكم النساء والصبيان الذين لا يعقلون الدعوة إذا قُتلوا لم تلزمهم دية. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ (١). قيل: هذا لا يفيد حكم قتل المسلم الكافر، وإنما ذكر تعالى ما طريقه الانتقام من جهته، فلا تعلق لهذا بضمان الدية. على أن هذا ورد في قوم قد جاءتهم الرسل، وهو في الآية (٢). فإن قيل: فإنه ذكر بالغ محقون الدم؛ فجاز أن يكون على قاتله الضمان، أصله المسلم. قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أن المسلم إذا اختار المقام بدار الحرب؛ لم يجب في قتله دية على ما نقول (٣)، فقد انتقض على أصلنا. وجواب آخر: وهو أننا لا نقول: إنه محقون الدم على الإطلاق، وليس كل من نهينا عن قتله يكون محقون الدم حتَّى يجب في قتله الضمان، ألا ترى أن الرهبان، والشيخ الفاني، والنساء والولدان (١٨) قد منعنا من قتلهم (٤)،

стр. 2115

ثم لا ضمان على قاتلهم. وجواب آخر: وهو أن المسلم محقون بحرمته، فالنساء من المسلمين والصبيان في ذلك على واحدة، والكافر لا حرمة له (١). فإن قيل: قولكم: "إنه لا إيمان له ولا أمان"؛ لا نسلمه؛ لأنَّهُ إذا لم تبلغه الدعوة؛ فهو مسلم، لأن اليهود من قوم موسى إذا كانوا متمسكين بشريعته؛ فكلهم عندنا مسلمون من أهل الجنة، الدلالة عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (٢). فإذا كان مسلما؛ فلا خلاف بين المسلمين أنه لا ينتقل عن حكم الإسلام إلا بعد أن يعلم نسخها، فهو على حكم الإسلام (٣). قيل: إنما أردنا أنه لا إيمان له أي لا تصديق له بنبينا، ولم يحصل منه إيمان به، ألا ترى أنه لا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٤). وإذا لم يتناوله اسم مؤمن؛ فلا إيمان له، وكيف يكونون مسلمين بحق الإطلاق وقد خبّر الله تعالى أنهم يحرفون الكلم، وأنهم يعرفون النَّبِيّ ﵇ ويجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، فإن بان لنا أن أحدا ممن لم

стр. 2116

تبلغه الدعوة قال: إن في كتابنا أن نبيا يظهر وينسخ شريعتنا، ونحن به مؤمنون إذا ظهر وبلغتنا دعوته، مصدقون له؛ نظرنا في قتله، وأوجبنا الدية، فأما إذا لم يظهر لنا ذلك وهم يجدون صفة نبينا ﵇ في كتابهم، ويعلمون أنه سيبعث، وهم يعتقدون خلافه وتكذيبه، وأن لا ينتقلوا عن شريعتهم؛ فسواء بلغتهم الدعوة أو لا، وقد خبر الله عنهم فقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ (١). وقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢). فسبيل من لم تبلغه (١٩) الدعوة منهم إن كان قبل مصدقا؛ أن يظهر ذلك ويعرف به، فإن لم تبلغه؛ نظرنا حينئذ في قتله، وإنما تجب الدعوة لجواز أن يرجعوا عما هم عليه إلى الإسلام، [لا لأن] (٣) نعرفهم أن شريعتهم منسوخة بنبينا ﵇، فإنهم قد علموه ووجدوه مذكورا في كتبهم، كما ذكر الله تعالى عنهم ذلك، فهم محجوجون بكتبهم قبل أن يُدعوا إلى الإسلام. فإن قيل: المعنى في الحربي أنه مفرط معاند، فلهذا لم يكن قتله مضمونا، وليس كذلك من لم تبلغه الدعوة؛ لأنَّهُ غير مفرط؛ لأن الدعوة لم تبلغه، ولم يعلم بالإسلام، فجاز أن يكون مضمونا. قيل: قد قلنا فيما تقدم: الحربي وإن كان مفرطا؛ فصبيانهم ليسوا بمفرطين، وليس في قتلهم دية.

стр. 2117

على أننا قد ذكرنا أن أحبار اليهود وعلماءهم لم يظهر منهم ولا نقل عنهم التصديق بنبينا، وأنه سيبعث فيؤمنون به، مع علمهم به، ووجودهم صفته ﵇ في كتبهم، وقد ذكر الله تعالى عنهم أنهم يعاندون ويكذبون. فإن قيل: فلم فرق مالك بينهم فقال: يقاتل من بلغته الدعوة، ولا يقاتل من لم تبلغه حتَّى يُدعوا. قيل: هو مستحب فيمن بلغته الدعوة أيضًا أن يُدعوا رجاء أن يسلموا، ومن لم تبلغه الدعوة؛ فيدعوا لجواز أن يكون فيهم جاهل يسأل عن البرهان، فيترك تقليد من قد اتبعه من أحبارهم، فإن الله تعالى خبر عنهم فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (١). فهم مقلدون لآبائهم وعلمائهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، فلا يوجب قتلهم ضمانا. فإن قيل: فإن النساء والصبيان إنما لم تكن في قتلهم دية؛ لأنَّهُ لم يُمنع من قتلهم لحرمة أنفسهم، وإنما منع لكي لا تنقص الغنيمة، (٢٠) [فلا يكون] (٢) مضمونا، وليس كذلك من لم تبلغه الدعوة؛ لأنَّهُ منع من قتله لحرمة نفسه لأنَّهُ لم تبلغه الدعوة، وهو غير مفرط، فجاز أن يكون مضمونا. قيل: هذا باطل؛ لأن الرهبان والشيخ الفاني قد حصل المنع من قتلهم لا لكي لا تنقص الغنيمة. وعلى أنه لم يمنع من قتل من لم تبلغه الدعوة لحرمة نفسه لما ذكرنا؛

стр. 2118

لأنَّهُ لا حرمة لهم؛ لأنهم إما أن يكونوا عالمين بشريعتنا على ما يجدونه في كتبهم؛ فهم يكتمون ذلك، ويقلدون أحبارهم ورهبانهم، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (١)، فلا حرمة لهم (٢). والله أعلم. فإن قيل: فقد كان يجوز أن يرجع عن دينه إذا دعي. قيل: وكذلك من بلغته الدعوة ثم قتلناه ولم نستأنف له دعوة؛ قد كان يجوز أن يرجع لو استأنفنا دعوته، وكذلك الصبيان قد كان يجوز أن يبلغوا فيؤمنوا، ومع هذا لا دية في قتلهم قبل البلوغ. وبالله التوفيق. * * * * مسألة (٣): قال: وتقسم الغنيمة في دار الحرب، ويكره تأخيرها إذا لم يكن هناك عذر (٣). وبه قال الشافعي (٤). وقال أبو حنيفة: لا تقسم حتَّى تصير في دار الإسلام (٥)، فإن قسمت

стр. 2119

في دار الحرب؛ مضت كحكم الحاكم لا ينقض (١). واحتجوا بأن رسول الله ﷺ قسم غنائم بدر بالمدينة، فلو جازت قسمتها في دار الحرب؛ لقسمها، ولم يكن لتأخيرها إلى رجوعه معنى (٢). وأيضا فقد روي عن عبد الله بن [جحش والعلاء الحضرمي] (٣) "أنهما قاتلا المشركين، وحملا الغنيمة إلى رسول الله بالمدينة، فقسمها بينهم" (٤). فلو كانت القسمة جائزة في دار الحرب؛ لأخبرهما بذلك، ألا ترى أن تأخيرهما القسمة إلى وقت [رجوعهما إلى النَّبِيّ] (٥) ﵇ يدلُّ على امتناعهما (٢١) من قسمها قبل ذلك، فلو كانت القسمة جائزة قبله؛ لبينه ﵇ لهما. والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٦). فأضاف الغنيمة إلى الغانمين، وجعل لهم أربعة أخماسها، فينبغي أن يقسم ذلك بينهم حيث غنموا.

стр. 2120

وأيضا ما روي أن رسول الله ﷺ قسم غنائم بدر بشعب من شعاب الصفراء (١)، وهو قريب من بدر، وبدر والصفراء جميعًا كانتا دار شرك؛ لأن ذلك بعيد من المدينة. فإن قيل: فإن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ [يدلُّ] (٢) على أنهم ملكوا بنفس الغنيمة. قيل: نحن نوافقكم على ذلك ونقول: إن ملكهم غير مستقر (٣)، إلا أنهم قد ملكوا أن يملكوا بحصول الغنيمة، فصار لهم في ذلك حق المطالبة بالقسمة ليتقرر ملكهم، فيحوز كل واحد منهم ما يصير له، فيتصرف فيه كما يكون لهم ذلك في سائر حقوقهم. فإن قيل: فقد روينا نحن أنه قسم غنائم بدر بالمدينة. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن هذه فعلة واحدة، لا يجوز أن يدعى فيها العموم، فيحتمل أن يكون ﵇ أخرها إلى المدينة لعذر رأى المصلحة في ذلك، وبمثل هذا لا يترك الأصل الذي ذكرناه. والجواب الآخَر: أننا قد روينا أنه قسمها بشعب من شعاب الصفراء، وهو قريب من بدر، بعيد من المدينة، ورويتم ما ذكرتموه، فالرواية التي

стр. 2121

يساعدها الأصل من قسم ما يتعلق به حقوق الغانمين؛ أولى من تأخيره، فيصير خبرنا أولى لهذا الوجه، ولأنه زائد. ويقوي هذا ما روى الأوزاعي أن رسول الله ﷺ لم يقسم غنيمة قط إلا في دار الشرك، فمنها غنيمة بني المصطلق قسمها على مياههم، وقسم غنيمة هوازن في دارهم، وقسم غنائم خيبر وهم مشركون ويهود، ولم يكن بها مسلم غير (٢٢) النَّبِيّ ﵇ وعسكره (١). [] (٢) قال الأوزاعي: [إن عمل] الناس من لدن النَّبِيّ ﵇ إلى زمن عمر وعثمان، والخلفاء كلهم وجيوشهم تلحق بالكفار من الروم والترك في البر والبحر، لم يقسموا غنيمة قط إلا حيث غنموها (٣). وهذا معروف عند أهل السير والمغازي أنه ﵇ ما أسرى سرية فغنمت إلا وقسموا الغنيمة حيث غنموا، وهذا وإن كان مرسلا - أعني حديث الأوزاعي -؛ فإننا وهم نقول بالمراسيل. فإن قيل: أما قسم رسول الله ﷺ غنيمة بني المصطلق في مياههم وهوازن في دارهم؛ لأنّها كانت دار إسلام، والدليل على أنها كانت دار إسلام أن

стр. 2122

النَّبِيّ ﵇ بعث الوليد بن عقبة مصدِّقا (١) إليهم (٢)، فعلم أنهم كانوا مسلمين. قيل: هذا كلام لا يتحمل؛ لأنَّهُ إنما قسم ما غنمه منهم، وما غنمه منهم لم يكونوا مسلمين وقت الغنيمة، فإن كانوا أسلموا قبل أن تقسم الغنيمة ثم أرسل إليهم بعد ذلك مصدقا؛ فإن هذا غلط؛ لأن النَّبِيّ ﵇ غنم بني المصطلق سنة خمس (٣)، وهم أسلموا سنة عشر، وإنما بعث الوليد بن عقة سنة عشر بعد الفتح بخمس سنين، فسقط ما ذكروه. وعلى أنهم وإن كانوا مسلمين؛ فإن من حولهم كانوا كفارا كلهم. وأيضا فإن القياس يدلُّ على صحة قولنا، وهو أن كل موضع إذا قسمت الغنيمة فيه مضت ولم تبطل؛ فإنه يجوز فيه القسمة ولا تكره، دليله دار الإسلام. ونقول أيضًا: كل موضع جازت فيه قسمة الثياب إذا احتيج إليه؛ جاز فيه قسمة غير الثياب، أصله دار الإسلام. أو نقول: كل غنيمة صح قسمتها في دار الإسلام؛ جاز قسمتها في دار الحرب، دليله الثياب.

стр. 2123

وما روي من حديث عبد الله بن [جحش (٢٣) والعلاء الحضرمي] (١) وحمل الغنيمة إلى رسول الله ﷺ حتَّى قسمها بينهم؛ فلا دلالة فيه؛ لأنهما شريكان ومعهما النَّبِيّ ﵇ يأخذ الخمس، فلم يجز لهما القسمة دون أن يأخذ النَّبِيّ ﵇ الخمس، ولو لم يكن فيه خمس؛ لجاز أن يكونا تشاحا وتشاجرا، فلم يكن بد من قاسم يحكم بينهما ويلزمهما الواجب، وهي فعلة واحدة تحتمل ما تحتمله. فإن قيل: فإن هذه المسألة مبنية على أصلنا أن الحق في القسمة يثبت لجماعة المسلمين بالحيازة إلى دار الإسلام، ولا يُملك حتَّى تقع فيها القسمة، فإذا كان كذلك؛ لم ينبغ للإمام قسمتها بينهم قبل ثبوت حقهم في الغنيمة؛ لأنَّهُ لو مات أحد من الجند وقد حصلت الغنيمة قبل أن يحوز بدار الإسلام؛ لم يكن لورثته شيء منها، ولو مات بعد إحرازها؛ انتقل نصيبه إلى ورثته، وكذلك نقول: إذا لحقهم جيش آخر قبل إخراجها إلى دار الإسلام؛ شركوهم فيها (٢)، وإذا كان كذلك؛ لم ينبغ للإمام قسمتها. قيل: ما ذكرتموه من أصلكم؛ فإننا نقول: إن الغانمين قد تعلق لهم حق بالغنائم، ولكنه ملك غير مستقر، ثم ينتقل إلى ورثتهم إذا ماتوا قبل القسم، كالشفعة (٣)، سواء كانت الغنيمة في دار الحرب، أو حصلت في دار الإسلام، وهذا مثل ما تقولون في الثياب إنها تقسم في دار الحرب، فإن كانوا لم يملكوا شيئًا إلا بالحيازة إلى دار الإسلام؛ فالثياب بهذه المنزلة؛ لأنّها من الغنائم،

стр. 2124

فما يقولونه في الثياب؛ نقول مثله في غيرها. وما ذكروه من لحوق جيش آخر بعد الغنيمة؛ فإنه لا شيء لهم فيها عندنا، وهي للغانمين الذين شهدوا الوقعة دونهم. وعلى أن هذا يلزمهم؛ إذ القسمة في دار الحرب كان ينبغي أن يبطلوها؛ لأنّها قسمت قبل حيازتها بدار الإسلام، فكأنه قسم بينهم ما لا حق لهم (٢٤) فيه. فإن قيل: هي مسألة يسوغ فيها الاجتهاد، فإذا قسمها الإمام أو من يقوم مقامه في دار الحرب؛ مضى حكمه ولم ينقض. قيل: فإذا كان الاجتهاد سابقا فيها - وقد ذكرنا ما ذكرناه من الدلائل والقياس على أصل في الغنيمة وهو الثياب -؛ فالاجتهاد الذي يؤدي إلى الجمع بين سائر أنواع الغنائم ويصحح مضي القسمة إذا حصلت؛ أولى من اجتهاد غيره. فإن قيل: فإن النَّبِيّ ﵇ إنما قسم غنائم خيبر لأنّها لما فتحت؛ صارت من دار الإسلام، فلذلك قسمها بها؛ لأنهم إذا صاروا مقهورين وغلبة الإمام عليهم؛ صار ذلك الموضع من دار الإسلام. قيل: فإذا كان الأمر على ما ذكرتم؛ فالمسألة إذن محال، ولا معنى لتأخير القسمة؛ لأن كل موضع يغنم وتقع الغلبة وينهزم عنه الكفار؛ فإنما يكون ذلك بغلبة من المسلمين، فالموضع الذي تحصل فيه الغنيمة قد صار من دار الإسلام على هذا الحساب، فلا معنى لقولكم: تؤخر القسمة إلى دار

стр. 2125

الإسلام؛ لأن المكان الذي حصلت الغنيمة فيه وأخذت بغلبة وقهر قد حصل من دار الإسلام، فسقط الكلام في المسألة. فإن قيل: قد اتفقنا على جواز أكل الغانمين من الطعام الذي غنموه في دار الحرب ما داموا فيها، وحظر ذلك عليهم بعد الإخراج منها، فلو كانوا قد استحقوا القسمة فيه؛ لمنعوا من الطعام كما منعوا منه بعد إخراجه إلى دار الإسلام، ألا ترى أن المال المشترك بين الجماعة لا يجوز لأحدهم تناوله إلا برضا من الجماعة، ولو تناوله؛ للزمه ضمانه، وفي اتفاقهم على أن لا ضمان في الطعام متى انتفع به الواحد من جملة الغانمين (١)؛ دلالة على ما ذكرناه. قيل: هذا ينقلب عليكم فيقال: لو لم يتعلق لهم حق في الغنيمة؛ لكان لكل واحد منهم التصرف (٢٥) في الغنيمة كيف شاء، ويجوز [] (٢) بينهم فلما كنتَ تفرِّق بين الطعام وغيره، وتُجوِّز قسمة الثياب بينهم؛ دل على أن الطعام مخصوص لحاجتهم إليه، ولأنه لو منعوا منه حتَّى تقسم الغنيمة؛ لحقتهم المشقة والضرر، فصار ذلك مصلحة لجماعتهم، فكل من احتاج إليه أكل منه، ولأن الطعام أمره قريب، وربما تركوه وخرجوا ولم يأخذوه في الغنيمة. على أن هذا يلزمهم في قسم الثياب. فإن قيل: فإن المواضع التي يحصلون فيها من دار الحرب لا تصير من دار الإسلام بحصول الجيش فيها، ولو ثبت حقهم في الغنيمة قبل الحيازة

стр. 2126

إلى دار الإسلام؛ لوجب أن يثبت حقهم في النفقة التي غلبوا عليها، وإن لم تحصل حيازة فيها، وفي اتفاقهم أن تلك النفقة لا تكون في دار الإسلام دلالة على أن ما لم تحصل فيه حيازة؛ لم يثبت حق الغانمين فيه. قيل: إن الأرض لا تصير للغانمين عندنا وإن فتحوها عنوة، والأرض إذا ملكت؛ كانت وقفًا على سائر مصالح المسلمين (١)، وهي مخالفة للغنيمة،

стр. 2127

فلم يلزمنا نحن هذا، وإنما يلزم أصحاب الشافعي. فأما ما سوي الأرض؛ فإنه غنيمة، ويتعلق حقهم فيها حين يغنمون وإن لم يكن ملكهم مستقرا عليها إلا بعد القسمة، غير أن لهم حق المطالبة بالقسمة حتَّى تتعين حقوقهم وتستقر، وإنما هي واقفة على أخذ الإمام الخمس، وهذا هو القسم. وإنما استحببنا أيضًا قسمتها في دار الحرب؛ لأنَّهُ ربما استضر الجيش بسَوقها، فإذا صار لكل إنسان منها شيء؛ حفظه كما يسهل عليه [وحامي] (١) عنه إن طرأت حادثة، وفي قسمتها في دار الحرب أيضًا حظ لهم؛ لأن كل واحد يسهل عليه أن يرضخ منها، وفي دار الإسلام يصير لها الثمن العالي، فربما شحوا [بإخراجها] (٢) (٢٦). فَصْل والغنيمة لا يستقر ملك الغانمين عليها بنفس الغنيمة (٣). وبه قال أبو حنيفة (٤). وقال الشافعي: يملكون بنفس الغنيمة (٥).

стр. 2128

واحتجوا بقول الله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (١). فأضاف الغنيمة إليهم إضافة الملك. والجواب عنه؛ أنه ليس معنى "غنمتم" ملكتم، وإنما الغنيمة عبارة عما أخذ من الكفار، ثم يتعلق لهم فيها حق وهو أنهم قد ملكوا أن يملكوا. والدليل على أنهم لا يملكون بنفس الغنيمة؛ هو أنهم لو كانوا مالكين؛ لكان كل من له في الغنيمة أب أو ولد ممن يعتق عليه إذا ملكه يجب أن ينعتق عليه بنفس الغنيمة، [ويحاسب] (٢) به من قسمه، وكان يجب أيضًا لمن تأخرت القسمة في العين [] (٣) قسمت أن يكون حول الزكاة على الغانمين من يوم غنموا، وفي اتفاقهم على أنه لا ينعتق عليهم من يلزمهم عتقه إلا بعد القسمة، ولا يكون حول الزكاة إلا من يوم حاز نصيبه بالقسمة؛ دلالة على أنه لم يملك بنفس الغنيمة. وأيضا فقد "نهى النَّبِيّ ﵇ عن بيع الغنائم قبل أن تقسم" (٤).

стр. 2129

فهو عام في كل غنيمة، سواء كانت بين جماعة محصورين أو غير محصورين، فلو كانوا مالكين بنفس الغنيمة؛ لكان بمنزلة مال بين شركاء لا يمتنع جواز بيع بعضهم نصيبهم منه. وأيضا فإن مال الحربي على حكم الإباحة وإن كانت له عليه شبهة ملك، يدلُّ على ذلك أن من أتلفه على الحربي؛ لم يتعلق عليه ضمان بإتلافه، ولكل أحد من الناس حق الأخذ منه كسائر المباحات، وإذا كان كذلك؛ لم يملك إلا بالقسم، دليله الصيد وسائر الأشياء المباحات لا تملك إلا بالحيازة والقبض. وأيضا فلو كان حق الغانمين (٢٧) [] (١) الغنيمة أن يكون حول الزكاة من ذلك اليوم، وإن وطئ جارية من المغنم قبل القسم؛ لم يحد (٢). فإن قيل: فلو لم يملكوا بنفس الغنيمة؛ [لما جاز لهم الأخذ من الطعام] (٣) وإن لم يحتج إليه. قيل: الذي يمنع من ذلك هو وجود السبب الذي يتعلق به حقهم في الثاني وهو دخولهم دار الحرب على وجه القتل، وأخذ أموالهم على وجه الغلبة، وإذا كان هذا السبب موجودا؛ لم يجز له الانتفاع بماله منه، وليس

стр. 2130

كذلك الطعام؛ لأنَّهُ لا بد له من الانتفاع به، فأبيح ذلك له مع وجود السبب لحاجته إليه. فإن قيل: إن الملك لو لم يحصل بالغلبة؛ لم تحصل قسمة الإمام قبل الإحراز. قيل: إنما جازت القسمة لأنَّهُ قد تعلق لهم حق، ولكن لا يتقرر ملكهم إلا بالأخذ، ألا ترى أن الشفيع له المطالبة حتَّى يحكم له الحاكم، فحينئذ يتقرر ملكه على ما فيه الشفعة (١). وبالله التوفيق. * * * * مَسْألة (٤): ومن دخل دار الحرب وحده متلصصا فغنم؛ أُخذ منه الخمس، ولم يفصل مالك بين من دخلها بإذن الإمام أو غير إذنه (٢). وبه قال الشافعي (٣). ومن أصحابه من قال: إن دخلها بغير إذن الإمام؛ لم يخمس (٤).

стр. 2131

وقال أبو حنيفة: لا خمس فيه حتَّى تكون جماعة لهم منعة. وقال أبو يوسف: إذا كانوا تسعة؛ ففيه الخمس (١). والدليل على أنه يخمس سواء كانت جماعة ممتنعة أو غير ممتنعة؛ قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٢). فأوجب الخمس في الغنيمة (٣)، وهو خطاب يقتضي الجماعة وكل واحد منهم عمومًا، فسواء غنم الواحد أو غنمت الجماعة؛ ففي كل غنيمة الخمس إلا أن تقوم (٢٨) [] (٤) غنمه الجماعة دون الواحد، والخطاب إذا تضمن الجماعة؛ كان عاما إلا أن تقوم دلالة. قيل: إذا خاطب الله الجماعة بخطاب يقتضي [العموم] (٥)؛ كان كل واحد منهم مخاطبا به كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٦) و ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٧). ولو لم يتضمن الخطاب كل واحد في نفسه؛ لم يتضمن دخوله في الجماعة.

стр. 2132

فإن قيل: الواحد المفرد لا يتقوى بغيره، وإذا كان في جملة الجماعة؛ يقوى بهم. قيل: إذا كان وحده ولم يتقو بغيره؛ حصلت أربعة أخماس ما غنم له وحده، قليلة كانت أو كثيرة، وهذا لا يمنع أخذ الخمس منه وترك الباقي له، ألا ترى أنه إذا وجد ركازا (١) - وهو دفن الجاهلية -؛ وجب فيه الخمس، والباقي له، فتعلق الخمس بالغنيمة لا يختص بالواحد دون الجماعة، ولا بالجماعة دون الواحد. وأيضا فإنه مال مأخوذ بحق من يد مشرك بقهر (٢)، فوجب أن يكون مخموسا، دليله إذا كانت جماعة (٣)، أو كان بإذن الإمام (٤). فإن قيل: فإن الإمام لم يتضمن نصرة هذا الواحد، ولا أذن له في دخول دار الحرب، فمتى أخذ شيئًا؛ فقد حصل أخذه وحده من غير ظهر الإمام، فوجب أن لا يخمس، مثل أن يأخذ سائر الأشياء المباحة، فلا يتعلق بها وجوب الخمس.

стр. 2133

قيل: هذا أولى بأخذ الخمس منه، فأما الأشياء المباحة؛ فإن كان مثل الطعام وغيره مما أبيح للغانمين؛ فلا فرق فيه بين الواحد والجماعة. على أن الخمس للوجوه التي ذكرها الله تعالى إنما هي على وجه المواساة لهم، كما جعل لهم مواساة في الزكاة، فلا فرق بين أن يغنم (١) الواحد والجماعة، كمن له نصاب، وكمن وجد ركازا. فإن قيل: قد اتفقنا على أن الجيش متى غنم (٢٩) [] (٢). قيل: إذا لم يشركهم باقي المسلمين في أربعة أخماس ما غنموه لما ذكرتم؛ فكذلك لا يشركون الواحد في أربعة أخماسه، ولا يمنع هذا أخذ الخمس منه كما لا يمنع أخذ الخمس مما غنمه الجماعة وإن لم يشركهم غيرهم فيه، وهذا ينبغي أن يفصل، فإن كان هذا خرج من العسكر ودخل متلصصا؛ أخذ منه الخمس، وشركه باقي العسكر في الباقي كالسرية، وليس عصيانه للإمام وتلصصه مما ينبغي أن لا يشركه أهل الخمس وباقي العسكر؛ لأنَّهُ إذا دخل متلصصا؛ فإنما يدخل متقويا بالعسكر، وبهم وصل إلى ما يريد، فإن كان خرج من بلده وحده ودخل دار الحرب متلصصا؛ فإنه ينفرد بأربعة أخماس ما أخذه، ولا يمنع ذلك أخذ الخمس منه على الوجه الذي ذكرناه. فإن قيل: فإن حق الخمس ثبت في الأموال التي وصلت من أيدي الكفار إلى المسلمين على وجه التعاون والتظاهر، يدلك عليه أن [الركاز] (٣)

стр. 2134

لما تعلق به الخمس؛ فإنه يتعلق لوصوله إلى المسلمين بمعاونة الجماعة، وما أخذ من دار الحرب من الركاز؛ فلا خمس فيه؛ لأنَّهُ لم يصل إلى المسلمين بمعاونة الجماعة، وكذلك الفيء لم يصل بمعاونة الجماعة، وإنما هو حق يوضع عليهم على وجه الصلح برضاهم، أو بأن يؤخذ منهم كرها بعد الغلبة على رقابهم لم يتعلق به خمس، فبان بهذا أن الحق يتعلق بما أخذ من أيدي أهل الشرك على وجه التعاون والغلبة، وهذا المعنى لا يوجد فيما إذا دخل دار الحرب وحده (٣٠). قيل: [] (١) فما أخذه الواحد والركاز هذه صورته من وجده أخذ منه الخمس، فلا فرق بينه في دار الحرب وغيرها، وأما الفيء (٢)؛ فجملته للمسلمين، فهو كالخمس عندنا. على أنه ليس في خروج الواحد أكثر من التغرير بنفسه والتعريض للقتل، وهذا معنى قد أبيح له، يدلُّ على ذلك ما روي أن رجلا سأل النَّبِيّ ﷺ فقال: "أرأيت إن قتلت صابرا محتسبا ما لي؟ فقال: لك الجنة" (٣). وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (٤).

стр. 2135

وهذا لا يمنع من أخذ الخمس مما غنمه، ويكون له الباقي. فإن قيل: فإن الخروج على هذا الوجه ممنوع منه، يدلك عليه ما روي أن النَّبِيّ ﵇ قال: "لا يدخل الجنة عاص، يعني عاصى الأمير" (١). ومن دخل دار الحرب بغير إذن أمير الجيش؛ فهو عاص له. وأيضا فإن الواحد متى دخل وحده بغير إذن الإمام؛ لم يؤمن أن يظفر به، فيخبر بأمور المسلمين، فيعود ذلك إلى ضررهم، وليس كذلك إذا دخله بإذن الإمام؛ لأن له أن يعرضه لتعريفه أخبار المسلمين متى بانت في ذلك مصلحة. قيل: ليس يمتنع من هذا لأنَّهُ يكون عاصيا للإمام، وإنما هو لشدة تغريره بنفسه، وإنما يكون عاصيا للأمير إذا كان معه ونهاه عما فيه مفسدة، فأما رجل يقوى إيمانه على أن يغتال الكفار، ويضعفهم بأخذ ما في أيديهم، ويقتلهم إن تمكن من ذلك، ويغلب على ظنه أنه يسلم؛ فهذا مطيع ليس بعاص. وما ذكروه من أنه لا يؤمن أن يظفر به؛ فهذا موجود في السرية، وفي للقتال، ويحمل نفسه على ما لا يحملها غيره، ثم لا يؤمن فيمن دخلها وحده بإذن الإمام. وبالله (٣١) التوفيق. * * *

стр. 2136

* مَسْألة (٥): قال: والذين يستحقون الغنيمة هم الذين شهدوا الوقعة، وجاءوا قبل حصول الغنيمة، فكل من جاء قبل تقضي الحرب وقبل [حيازة الغنيمة] (١)؛ شارك في الغنيمة، [وكل من جاء بعد تقضي الحرب وحيازة الغنيمة] (٢)؛ فلا يستحق من الغنيمة شيئًا، سواء كانت الغنيمة في دار الحرب، أو نقلت إلى دار الإسلام (٣). هذا مذهبنا ومذهب الشافعي، والليث وبن سعد، والأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور (٤). وهو مذهب أبي بكر وعمر (٥). وقال أبو حنيفة: إذا لحقهم المدد بعد تقضي الحرب [وإحازة] (٦) الغنيمة؛ شاركوهم في الغنيمة إذا كانت بعدُ في دار الحرب ولم تقسم، فإن خرجت من دار الحرب إلى دار الإسلام ثم جاءهم مدد؛ لم يشاركوهم فيها (٧).

стр. 2137

ولنا في المسألة الكتاب، والسنة، وما يجري مجرى الإجماع، وما يوجبه القياس. فأما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (١). فأضاف الغنيمة إلى الغانمين، وهم الذين غنموا، ومن لم يحضر الوقعة؛ لم يغنم، ولا دخل في جملة من غنم، وإذا تقضت الحرب وحصلت الغنيمة؛ فمن حضرها؛ يقال: إنه غنم، ومن جاء بعدها وقد حيزت الغنيمة؛ لا يقال: إنه غنم شيئًا، فلا يشارك الغانمَ من لم يغنم إلا بدلالة. وأما السنة؛ فما رواه أبو هريرة "أن رسول الله ﷺ بعث أبان بن سعد بن العاصي في سرية قِبل نجد، فرجع وقد فتح النَّبِيّ ﵇ خيبر، فسأله أبان أن يقسم له، فلم يفعل" (٢). والاقتداء بفعله ﵇ واجب، وتركه أن يقسم له يدلُّ على أنه لم يستحق في الغنيمة شيئًا، وأن من لحق بعد تقضي الحرب وإحازة الغنيمة؛ لا سهم له فيها، وإن كانت الغنيمة بعدُ في دار الحرب؛ لأن خيبر كانت دار حرب. وقد روى أبو بكر الصديق ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الغنيمة (٣٢) لمن شهد الوقعة" (٣).

стр. 2138

فإن كانت تسمى غنيمة [وهي] (١) في دار الحرب؛ فهي لمن شهد الوقعة، وإن كانت لم تكن له غنيمة إلا بعد إخراجها إلى دار الإسلام؛ فقد جعلها أيضًا لمن شهد الوقعة دون من لم يشهدها. أما الإجماع؛ فما روي عن أبي بكر وعمر - رحمة الله عليهما - أنهما قال: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" (٢). ولا مخالف لهما. فإن قيل: فقد روى الشعبي أن عمر بن الخطاب ﵀ كتب إلى عمرو بن العاصي: "من جاء قبل أن تتفقأ القتلى؛ فاقسم له" (٣). يعني: قبل أن ينفطر القتل. قالوا: والقتل لا ينقضي إلا بعد أيام، فعلم أنه يشاركهم، ويستحق السهم من جاء بعد الحرب والإحازة. قيل: عنه جوابان:

стр. 2139

أحدهما: أن هذا رواه الشعبي عن عمر، وقد تكلم فيه. والثاني: وهو أن هذا الاعتبار ساقط بالإجماع؛ لأننا نقول: إذا تقضت الحرب وحيزت الغنيمة؛ لم يشاركوهم إذا لم يقسم وهي في دار الحرب، سواء انفطرت القتلى أم لا. وعلى أنه يحتمل أن يكون أراد ما دام الناس في الوقعة وبينهم قتلى، فمن جاء ثم انقضت الحرب وحصلت الغنيمة؛ فإنه لا يشاركهم، فإذا احتمل هذا مع ما بيناه؛ لم يقض به على قوله المفسر: إن الغنيمة لمن حضر الوقعة. فإن قيل: فإن عمر كتب إلى عمار وهو في نهاوند، - ونهاوند كانت دار الإسلام -: "إن الغنيمة لمن حضر الوقعة" (١). وعندنا أن الغنيمة إذا حصلت بدار الإسلام؛ لم يشركهم من جاء بعد. قيل: إننا إنما احتججنا بقوله: "الغنيمة لمن حضر الوقعة" و "لمن شهد الوقعة"، و "إنما" هي من حروف [الحصر] (٢)، فدليله أن من لم حضر الوقعة ولم يشهدها؛ فلا شيء له. وقد روينا عن النَّبِيّ ﵇: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" (٣). فهو عام في كل وقعة، سواء كانت في دار الإسلام أو غيرها، إذ لو كانت [] (٤) طريق الاعتبار (٣٣) فلا خلاف أن الغنيمة إذا قسمت ثم لحقهم

стр. 2140

المدد بعد ذلك؛ لم يشاركوهم، كذلك إذا لحقهم قبل القسمة، بعلة أنه لحوق مدد بعد تقضي الحرب وحصول الغنيمة، فوجب أن لا يشاركوهم فيها، دليله إذا حضروا بعد [القسمة] (١). وأيضا فإن كل مدد إذا لحقوا بعد القسمة؛ لم يستحقوا منها شيئًا، فإذا لحقوا [قبل] (٢) الغنيمة؛ لم يستحقوا شيئًا، دليله إذا كان القتال في دار الإسلام، فجاء للمسلمين مدد. وأيضا فلا خلاف أن المشركين إذا أسروا من المسلمين ثم تقضت الحرب فانفلتوا من أيديهم، وجاءوا؛ أنهم لا يشاركونهم في الغنيمة، كذلك غير الأسارى، أعني أنهم أسروا قبل حضور الوقعة؛ لأنَّهُ اتصال منهم بعد انفصال الحرب، فوجب أن لا يشاركهم في الغنيمة الأسرى، وهذا أصل جيد يكسر عليهم ما يقولونه. فإن قيل: فإنهم إذا كانوا في درا الحرب؛ لم يستقر حكم الغنيمة؛ لأن الخوف من العدو ومن رجوعهم وكيدهم باق، فالمدد يقويهم، ويستقر به حكم الغنيمة. قيل: هذا ينكسر به إذا حصلت [القسمة] (٣) في دار الحرب ثم لحقهم المدد، أو انفلت الأسارى الذين ذكرناهم فلحقوا بهم. على أن الخوف بعد القهر والغلبة مأمون في الأغلب.
следующие страницы →