* مَسْألة (٥):
قال: والذين يستحقون الغنيمة هم الذين شهدوا الوقعة، وجاءوا قبل حصول الغنيمة، فكل من جاء قبل تقضي الحرب وقبل [حيازة الغنيمة] (١)؛ شارك في الغنيمة، [وكل من جاء بعد تقضي الحرب وحيازة الغنيمة] (٢)؛ فلا يستحق من الغنيمة شيئًا، سواء كانت الغنيمة في دار الحرب، أو نقلت إلى دار الإسلام (٣).
هذا مذهبنا ومذهب الشافعي، والليث وبن سعد، والأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور (٤).
وهو مذهب أبي بكر وعمر (٥).
وقال أبو حنيفة: إذا لحقهم المدد بعد تقضي الحرب [وإحازة] (٦) الغنيمة؛ شاركوهم في الغنيمة إذا كانت بعدُ في دار الحرب ولم تقسم، فإن خرجت من دار الحرب إلى دار الإسلام ثم جاءهم مدد؛ لم يشاركوهم فيها (٧).
стр. 2137
ولنا في المسألة الكتاب، والسنة، وما يجري مجرى الإجماع، وما يوجبه القياس.
فأما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (١).
فأضاف الغنيمة إلى الغانمين، وهم الذين غنموا، ومن لم يحضر الوقعة؛ لم يغنم، ولا دخل في جملة من غنم، وإذا تقضت الحرب وحصلت الغنيمة؛ فمن حضرها؛ يقال: إنه غنم، ومن جاء بعدها وقد حيزت الغنيمة؛ لا يقال: إنه غنم شيئًا، فلا يشارك الغانمَ من لم يغنم إلا بدلالة.
وأما السنة؛ فما رواه أبو هريرة "أن رسول الله ﷺ بعث أبان بن سعد بن العاصي في سرية قِبل نجد، فرجع وقد فتح النَّبِيّ ﵇ خيبر، فسأله أبان أن يقسم له، فلم يفعل" (٢).
والاقتداء بفعله ﵇ واجب، وتركه أن يقسم له يدلُّ على أنه لم يستحق في الغنيمة شيئًا، وأن من لحق بعد تقضي الحرب وإحازة الغنيمة؛ لا سهم له فيها، وإن كانت الغنيمة بعدُ في دار الحرب؛ لأن خيبر كانت دار حرب.
وقد روى أبو بكر الصديق ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الغنيمة (٣٢) لمن شهد الوقعة" (٣).
стр. 2138
فإن كانت تسمى غنيمة [وهي] (١) في دار الحرب؛ فهي لمن شهد الوقعة، وإن كانت لم تكن له غنيمة إلا بعد إخراجها إلى دار الإسلام؛ فقد جعلها أيضًا لمن شهد الوقعة دون من لم يشهدها.
أما الإجماع؛ فما روي عن أبي بكر وعمر - رحمة الله عليهما - أنهما قال: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" (٢).
ولا مخالف لهما.
فإن قيل: فقد روى الشعبي أن عمر بن الخطاب ﵀ كتب إلى عمرو بن العاصي: "من جاء قبل أن تتفقأ القتلى؛ فاقسم له" (٣).
يعني: قبل أن ينفطر القتل.
قالوا: والقتل لا ينقضي إلا بعد أيام، فعلم أنه يشاركهم، ويستحق السهم من جاء بعد الحرب والإحازة.
قيل: عنه جوابان:
стр. 2139
أحدهما: أن هذا رواه الشعبي عن عمر، وقد تكلم فيه.
والثاني: وهو أن هذا الاعتبار ساقط بالإجماع؛ لأننا نقول: إذا تقضت الحرب وحيزت الغنيمة؛ لم يشاركوهم إذا لم يقسم وهي في دار الحرب، سواء انفطرت القتلى أم لا.
وعلى أنه يحتمل أن يكون أراد ما دام الناس في الوقعة وبينهم قتلى، فمن جاء ثم انقضت الحرب وحصلت الغنيمة؛ فإنه لا يشاركهم، فإذا احتمل هذا مع ما بيناه؛ لم يقض به على قوله المفسر: إن الغنيمة لمن حضر الوقعة.
فإن قيل: فإن عمر كتب إلى عمار وهو في نهاوند، - ونهاوند كانت دار الإسلام -: "إن الغنيمة لمن حضر الوقعة" (١).
وعندنا أن الغنيمة إذا حصلت بدار الإسلام؛ لم يشركهم من جاء بعد.
قيل: إننا إنما احتججنا بقوله: "الغنيمة لمن حضر الوقعة" و "لمن شهد الوقعة"، و "إنما" هي من حروف [الحصر] (٢)، فدليله أن من لم حضر الوقعة ولم يشهدها؛ فلا شيء له.
وقد روينا عن النَّبِيّ ﵇: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" (٣).
فهو عام في كل وقعة، سواء كانت في دار الإسلام أو غيرها، إذ لو كانت [] (٤) طريق الاعتبار (٣٣) فلا خلاف أن الغنيمة إذا قسمت ثم لحقهم
стр. 2140
المدد بعد ذلك؛ لم يشاركوهم، كذلك إذا لحقهم قبل القسمة، بعلة أنه لحوق مدد بعد تقضي الحرب وحصول الغنيمة، فوجب أن لا يشاركوهم فيها، دليله إذا حضروا بعد [القسمة] (١).
وأيضا فإن كل مدد إذا لحقوا بعد القسمة؛ لم يستحقوا منها شيئًا، فإذا لحقوا [قبل] (٢) الغنيمة؛ لم يستحقوا شيئًا، دليله إذا كان القتال في دار الإسلام، فجاء للمسلمين مدد.
وأيضا فلا خلاف أن المشركين إذا أسروا من المسلمين ثم تقضت الحرب فانفلتوا من أيديهم، وجاءوا؛ أنهم لا يشاركونهم في الغنيمة، كذلك غير الأسارى، أعني أنهم أسروا قبل حضور الوقعة؛ لأنَّهُ اتصال منهم بعد انفصال الحرب، فوجب أن لا يشاركهم في الغنيمة الأسرى، وهذا أصل جيد يكسر عليهم ما يقولونه.
فإن قيل: فإنهم إذا كانوا في درا الحرب؛ لم يستقر حكم الغنيمة؛ لأن الخوف من العدو ومن رجوعهم وكيدهم باق، فالمدد يقويهم، ويستقر به حكم الغنيمة.
قيل: هذا ينكسر به إذا حصلت [القسمة] (٣) في دار الحرب ثم لحقهم المدد، أو انفلت الأسارى الذين ذكرناهم فلحقوا بهم.
على أن الخوف بعد القهر والغلبة مأمون في الأغلب.
стр. 2141
وأيضا فإن المحاربين يستحقون - إذا قاتلوا وأخذوا المال - العقوبة على مقدار ما ذكر الله تعالى في آية المحاربين، والغانمون يستحقون الغنيمة بالقتال وحضور الوقعة، ثم قد تقرر أن المحاربين إذا جاءهم مدد وعون لهم بعد فراغهم من القتل وأخذ المال ولم يكن من المدد شيء؛ لم يشركوهم في العقوبة، كذلك الغانمون إذا جاءهم المدد بعد أن ظفروا وأخذوا المال؛ رجب أن لا يشركوهم في الغنيمة؛ لأن أبا حنيفة يقول كما نقول: إنه يشركهم من كان عونا لهم وردءا مثل الطليعة وغيرها. (٣٤) [فإن الجيش يشركهم] (١) وإن لم تكن منه مباشرة بفعل، فأما من جاء بعد ظفرهم وأخذهم ما أخذوه؛ فلا شيء عليه مما عليهم، وينظر في أمره بغير ما ينظر في أمرهم وليس لهم من هذا شيء.
فإن قيل: فقد روي أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن عامر في جيش إلى أوطاس، فورد على النَّبِيّ ﵇ وقد فتح ﵇ خيبر، فشرك بينهم وبين من كان معه بخيبر في الغنيمة (٢).
فدل على أن المدد يستحق الشركة، وإن لحقوهم بعد تقضي الحرب وحوز الغنيمة.
قالوا: وهذه المسألة مبنية على أصولنا وذلك أن الغنيمة لا تملك في دار الحرب، فإذا لم تملك؛ فكل من جاء شاركهم فيها؛ لأنّها لم تصر ملكا لهم.
стр. 2142
والدلالة على أنها لم تملك ما لا خلاف فيه أن المسلمين إذا حضروا وقاتلوا العدو حتَّى أخرجوهم من ديارهم وأرضهم، وقعد المسلمون فيها، ثم عاد العدو فكر عليهم فأخرج المسلمين من تلك الأرض والديار، ثم جاء جيش آخر للمسلمين فدفع العدو عن تلك الأرض؛ كانت الأرض ملكا للجيش الثاني لا الأول، فلو كان الجيش الأول قد ملك الأرض [قبلُ] (١)؛ لم تصر ملكا للجيش الثاني، فإذا ثبت أنهم لا يملكون الأراضي؛ ثبت في سائر الغنيمة؛ إذ لا أحد يفرق.
قيل: أما الخبر؛ فلا حجة لكم فيه؛ لأن النَّبِيّ ﵇ إنما شرك بين من كان مع عبد الله بن عامر وبين من كان معه ﵇ بخيبر لأنَّهُ اعتبرهم سرية من الجيش الذي كان معه [حين] (٢) مضوا إلى أوطاس عونا للمسلمين في تلك المعركة، وعندنا أن الإمام إذا خرج في غزاة ومعه الجيش وهو قاصد إلى ناحية أخرى معونة (٣٦) لقلوب أولئك حتَّى لا يعينوا من قد قصده، قد قصده، وليضعفهم، أو ليفتح الناحية التي قد أنفذ السرية إليها، فهذه غزاة واحدة يشرك بين من أنفذه وبين من أقام معه، ولم يكن خلافنا فيمن كان ردءا وعونا للمسلمين في غزاتهم، وإنما الخلاف فيمن جاء بعد الوقعة وحصول الغنيمة، ولم يكن مشغولا في شيء من أمورهم، فسقط ما احتجوا به من ذلك.
وأما ما ذكروه من حديث الأراضي والديار وأنها للجيش الثاني؛ فإننا نقول: لا يملك الأراضي الجيش الأول ولا الثاني، ومن حازها منهم؛ فهو
стр. 2143
وقف على المسلمين كلهم إلى يوم القيامة (١).
على أنه لا يلزم من الوجه الذي ذكروه، وذلك أنه لو حصلت للجيش الأول ثم ظفر العدو بها دفعة أخرى؛ صارت لهم عليه شبهة ملك، فإذا صارت إلى الجيش الثاني؛ ملكوها عن الكفار بعد أن صارت لهم عليها شبهة، كما لو أخذوا شيئًا للمسلمين ثم أخذه قوم من المسلمين من أيديهم، ثم يظفر المسلمون بهم فيأخذونه من أيديهم؛ فإنه لصاحبه الأول (٢).
وأما قولهم: "إن هذا مبنيّ على أصلنا في أن الغانمين لا يملكون الغنيمة"؛ فإننا نحن نقول: إن ملكهم لا يستقر عليها إلا بالقسم، ولكن قد تعلق لهم بها حق المطالبة، ولم يتعلق لمن جاء بعدهم من المدد شيء من ذلك.
فإن قيل: فإنه مال مشرك تجمعوا عليه في دار الشرك؛ فوجب أن يكون بينهم، أصله إذا حضروا كلهم الوقعة.
وأيضا فإن المدد إذا لحقهم بعد تقضي الحرب وإحازة الغنيمة؛ فإنهم ينقلون الغنيمة إلى دار الإسلام بقوة هذا المدد ومعاونتهم؛ لأنهم ما داموا في دار الحرب لا يؤمن كر العدو وعودتهم، فالخوف باق، فإذا كانوا ينقلون الغنيمة بقوتهم ومعونتهم؛ رجب أن يكون بينهم، وأن يصير لهم سهم في الغنيمة.
قيل: أما القياس الذي (٣٦) ذكرتم أنه مال مشرك تجمعوا عليه؛ فهو منتقض بالأسارى إذا أفلتوا من يد العدو ثم حضروا بعد حوز الغنيمة، ومنتقض بما إذا وقعت القسمة.
стр. 2144
وقولهم: "إنهم ينقلونها من دار الحرب بمعاونة المدد"؛ فهو أيضًا منتقض بحضور الأسارى وقد تمت القسمة، فإنهم ينقلون ما حصل لهم بتقوية الأسارى والمدد وإن لم يكن للمدد فيها شيء.
وعلى أن الغنيمة عندنا تقسم في دار الحرب.
وعلى أن المعنى هو حضورهم الوقعة، ولحضور المدد الوقعة تأثير وتقويته على الظفر والقهر حتَّى تحصل الغنيمة، وليس كذلك بعد تقضي الحرب والقهر والغلبة وحوز الغنيمة، فسقط ما ذكروه. وبالله التوفيق.
* * *
* مَسْألة (٦):
ولا يُقتل الرهبان وأهل الصوامع والشيخ الفاني (١).
وبه قال أبو حنيفة (٢).
وللشافعي قولان:
أحدهما مثل قولنا.
والآخر: أنه يجوز قتلهم، وهو الأصح من قوله (٣).
وهذا فيمن اشتغل عن المسلمين وقتالهم بعبادته، أو لأنَّهُ لا جلَد فيه
стр. 2145
ولا بطش، ولا تدبير ولا مضرة على المسلمين في تبقيته.
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١).
وقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (٢).
وهو مأخوذ من المقاتلة، وهي المفاعلة كالمضاربة والمشاتمة، لا تكون إلا من اثنين، كل واحد منهما يفعل بصاحبه مثل ما يفعل به صاحبه، فدل هذا على أن من لم يقاتِل لم يقاتَل، ألا ترى أنه لا يقال "قاتلوا الأطفال" لأنهم لا يوصفون بالقتال، وإذا تضمنت الآية وجوب قتال من يقاتل بنفسه؛ فأصحاب الصوامع والشيخ الفاني لا يباشرون القتال في العادة.
وأيضا فإن النَّبِيّ ﵇ كان إذا بعث جيشا يقول: "اخرجوا بسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، اغزوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع" (٣). (٣٧)
فنهى عن قتلهم، والنهي إذا تجرد؛ اقتضى التحريم.
وأيضا فإن رسول الله ﷺ مر بامرأة مقتولة، فقال: "ما لها قتلت وإنها لا تقاتل" (٤).
стр. 2146
فنبه على أن المعنى المانع من قتلها عدم القتال منها، وأصحاب الصوامع والشيوخ لا يقاتلون، فالعلة فيهم موجودة.
وأيضا فقد روي عن أبي بكر - رضوان الله عليه - أنه نهى عن قتل الشيوخ وأصحاب الصوامع (١).
ولا مخالف له في الصحابة، فجرى مجرى الإجماع.
وأيضا فإنه شخص لا قتال فيه في العادة، ولا يُخاف منه، فوجب أن لا يقتل، دليله النساء والصبيان.
وقد روى زيد بن علي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النَّبِيّ ﷺ كان إذا بعث جيشا من المسلمين إلى المشركين قال: "انطلقوا بسم الله، وفي سبيل الله، إلى أن قال: ولا تقتلوا وليدا ولا طفلا، ولا امرأة، ولا شيخا كبيرا" (٢).
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣).
وهذا عموم في كل مشرك إلا أن تقوم دلالة.
стр. 2147
قيل: هذا مخصوص بنهيه عن قتل الشيخ الكبير، وبالتنبيه على ترك قتال من لم يقاتل، كما خص منها النساء والولدان.
فإن قيل: فقد روي أن دريد بن الصمة كان له مِائَة وخمسون سنة، وكان مطروحا في شجار (١)، يعني محملا على رأس جبل، فقتل يوم هوازن، فلم ينكر النَّبِيّ ﵇ قتله، فدل على جوازه (٢).
قيل: هذا قضية في عين، فيحتمل أن يكون لما كان في رأس جبل أن يكون يدلُّ على المسلمين ويدعو على المسلمين فيجوز قتله، بدليل نهيه عن قتل الشيوخ، وهو نهي عام، وقد ذكرنا السنة والقياس، فلا يسقط بقضية في عين محتملة.
فإن قيل: فإنه ذكر مكلف جريء، فوجب أن يجوز قتله، أصله الشبان.
قيل: قد ذكرنا قياسا بإزائه، وبدليل النهي عن قتل الشيوخ، وبأن القتال معدوم منه في (٣٨) العادة، فرده إلى من هو مثله أولى.
فإن قيل: فإنه لا خلاف أن الشيوخ إذا دخلوا دار الإسلام على أن يقيموا فيها أنهم لا يُقَرون إلا بالجزية، فلما كان الشيوخ كالشبان في أخذ الجزية على مقامهم في دار الإسلام؛ وجب أن يستووا كلهم في جواز القتل.
قيل: إنما أخذنا منهم الجزية لأنهم يحصلون مع المسلمين، فربما تجسسوا عنهم أو أخرجوا أخبارهم، مع كونهم ممن يقاتل، وله مثل حرمتهم،
стр. 2148
أعني حرمة من تجب عليه الجزية من أهل الذمة، ليس عليه أخذ الجزية في جواز قتلهم، ألا ترى أنكم تأخذون الجزية ممن أسلم وعليه جزية متقدمة ولا يجوز قتله، والذمي نفسه نأخذ منه الجزية ولا يجوز قتله.
وقد روى ابن عباس أن النَّبِيّ ﵇ كان إذا بعث جيوشه قال: "لا تقتلوا أصحاب الصوامع" (١).
وقد روى أنس بن مالك قال: "كنا إذا استنفرنا نزلنا بظاهر المدينة حتَّى يخرج إلينا رسول الله ﷺ فيقول: انطلقوا بسم الله، وفي سبيل الله، تقاتلون من كفر بالله، لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا، ولا امرأة، ولا تغلوا" (٢).
فإن قيل: فإن قوله ﵇: في المرأة المقتولة: "إنها لا تقاتل" (٣)؛ إنما أراد أنها ليست من جنس من يقاتل، وفيهم القتال، خاصة أصحاب الصوامع، بل النساء وإن لم يكن من الجيش؛ فإنهن إذا قاتلن قتلناهن، فعلم بهذا أن علة ترك قتلهن من تركهن القتال في العادة مع قدرتهن عليه.
فإن قيل: [] (٤) وخاصة إن كان خرج في الوقعة، (٣٨) ولا ضرر
стр. 2149
علينا من جهتهم، فهم كالنساء والصبيان المسلمين، فإن قاتلونا وأضروا بالمسلمين؛ قتلناهم.
فإن قيل: فقد روي أنه ﵇ قال: "اقتلوا شيوخهم واستبقوا شرخهم" (١).
قيل: لا نعرف هذه اللفظة، فإن ثبتت؛ فمعناها: إذا قاتلوا أو أضروا بالمسلمين، بدليل الخبر عنه "لا تقتلوا شيخا"، حتَّى تستعمل الأخبار ولا تتعارض. وبالله التوفيق.
* * *
* مَسْألة (٧):
وتقام الحدود في دار الحرب على من تجب عليه في دار الإسلام، فكل فعل يرتكبه المسلم في دار الإسلام فيلزمه لأجل فعله الحد أو حق؛ فإنه إذا ارتكبه في دار الحرب لزمه ذلك، سواء كان من حقوق الله تعالى أو من حقوق الآدميين، فإذا زنا في دار الحرب، أو سرق، أو شرب الخمر، أو قذف؛ وجب عليه حد بذلك (٢).
وبه قال الشافعي (٣).
стр. 2150
وقال أبو حنيفة: كل حد لله تعالى إذا ارتكبه المسلم أعني ارتكب ما يوجب الحد في دار الحرب؛ فإنه لا يجب عليه، إن زنا؛ فلا حد، فإن سرق؛ فلا قطع، وكذلك إن شرب الخمر أو قذف، ولكن إن كان فيها الإمام نفسه؛ أقام الحدود، وإن لم يكن إمام؛ لم يقم (١).
واستدلوا بأن قالوا: إن الدار دار إباحة، فإذا كانت دار إباحة؛ فمن ارتكب فيها ما يوجب الحد؛ لم يلزمه.
قالوا: والدليل على أن الدار دار إباحة؛ هو أن الحربي إذا أتلف علينا شيئا، أو زنا، أو عمل ما عمل؛ لم يؤخذ به، ولم يضمن.
قالوا: فأما إذا كان مسلما أسلم في دار الشرك؛ لم يجب على من قتله القود والدية؛ لأنه لم يصر له حكم المسلمين، لأنه لم يخرج إلى دار الإسلام.
وقالوا في الأسير المسلم: إذا قتله مسلم؛ لم يجب عليه قود ولا دية؛ لأن كل مملوك للحربي إذا أتلف عليه؛ لم يلزم متلفَه ضمان، والأسير في حكم المملوك لهم؛ لأنهم يتصرفون فيه، فلم يكن (٣٩) مضمونا.
والدليل لقولنا الظواهر من قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ (٢).
وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣).
ولم يخص موضعا من موضع.
стр. 2151
فكذلك قول النبي ﷺ : "البكر بالبكر جلد مائة، والثيب بالثيب الرجم" (١).
ولم يخص موضعا من موضع.
فكذلك قوله ﵇: "القطع في ربع دينار" (٢) عام في كل موضع سرق فيه إلا أن تقوم دلالة.
وأيضا فإن كل دار يجب فيها استيفاء الحدود إذا كان فيها إمام؛ فإنه يجب استيفاؤه إذا لم يكن فيها إمام؛ كدار الإسلام، لأنه لو كان الإمام فيها؛ أقيمت الحدود، ثم لو لم يكن فيها وخرج إلى دار الشرك؛ أقيمت فيها أيضا الحدود.
وأيضا فلو كانت دار إباحة؛ لم يتغير الحكم بكون الإمام فيها، فلما أجمعنا على أن الإمام إذا كان فيها لم تكن دار إباحة؛ علم أنها ليست بدار إباحة وإن لم يكن الإمام.
على أنها دار إباحة لأموال الكفار، فأما أن تكون دار إباحة للأفعال الموجبة للحدود؛ فليس كذلك، ألا ترى أن الفعل الموجب للحد محظور في دار الكفر كهو في دار الإسلام، ولا أحد من المسلمين يقول: إن المسلم مباح له الزنا والسرقة في دار الشرك، فقولهم "إنها دار إباجة على الإطلاق"؛ خطأ.
وأيضا فإن هذه الحدود إنما وجبت لمعان، فالقطع وجب ردعا ونكالا
стр. 2152
لصيانة الأموال، والقود وجب في صيانة الدماء، وحد القذف لصيانة الأعراض، ورأينا الحاجة في صيانة هذه الأشياء في دار الشرك كهي في دار الإسلام، ألا ترى أن نفس الفعل الموجب لهذه الأشياء محظور في دار الشرك ودار الإسلام، فوجب أن لا يفترق الحكم فيه أني كانت.
فأما الجواب عن قولهم: "إن الدار دار إباحة"؛ فقد قلنا: إن هذا الإطلاق خطأ، (٤٠) وإنما هي دار إباحة لأموال الكفار ونفوسهم، وليست بدار إباحة للأفعال الموجبة للحدود، ولا نقول: إنها دار إباحة للكفار في أموال المسلمين ونفوسهم، وإنما لا يجب على الحربي شيء من ذلك، لا حد ولا ضمان؛ لأنه لم يكن مؤاخذا بما فعل لأجل نفسه؛ لأنه ليس له عقد ولا عهد، لا لأجل أن الدار دار إباحة، ألا ترى أن الحربي إذا فعل هذه الأشياء في دار الإسلام؛ لم يكن مؤاخذا بها عندكم.
على أنه منكسر بكون الإمام فيها، فإنه يقيم الحدود مع كون الدار دار إباحة.
فأما ما ذكروه من أن الحربي لا يقام عليه حد الزنا في دار الحرب؛ فإن حد الزنا وشرب الخمر لا يقام عندنا على أهل الذمة؛ فكيف على أهل الحرب.
وأما قتل المسلم الذي اختار المقام بينهم؛ فقد ذكر أصحابنا أنه لا يجب على المسلم فيه قود ولا دية لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١)، ولم يوجب فيه دية، ولأن
стр. 2153
ولايته منقطعة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (١)، وفيه نظر، وقد مر بي في العتبية ما يدل على أن له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم.
وأما الأسير الحر؛ فمحال أن يملكوه؛ لأنهم إنما يحصل لهم شبهة يد على ما يتمول، فأما الأحرار؛ فإنه لا يكون لهم شبهة يد عليه، والأسير حر غير مختار المقام بينهم، فلا يسقط قوده إن تعمد المسلم قتله، ولا تسقط ديته إن كان قتله خطأ.
فإن قيل: إنما لا نقيم الحدود في دار الحرب خوفا أن يطالبوا بها فيلحقوا بالكفار (٢).
قيل: هو فاسد بحقوق الآدميين، فيجب أن لا يطالبوا بها خوفا من هذا المعنى، ويوجب أن لا يقيموا الحدود في الديار التي تقرب من المشركين، ولكننا نقيم الحدود، فمن ارتد؛ فقد أبعده الله.
وهذا فاسد (٤١) أيضا بكون الإمام نفسه [فيها] (٣)، فينبغي أن لا يقيم الحدود خوف ما ذكرتم.
* * *
стр. 2154
مَسْألة (٨):
قال: ولا يستعان بالمشركين على قتال العدو، ولا يعاونوا على قتال عدوهم (١).
وقال أبو حنيفة والشافعي (٢): يجوز ذلك (٣).
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾ (٤).
فنهاهم أن يتخذوهم بطانة.
وأيضا قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (٥).
والاستعانة بهم تُصيِّرهم بطانة وعضدا؛ لأن العضد هو القوة والاستعانة.
وأيضا قوله تعالى في المنافقين: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ (٦).
стр. 2155
فإذا منع من إخراج من هذه صفته لأنه يخذل المسلمين، ويضعف نفوسهم، بأن يكثر عسكر الكفار ويزحف على المسلمين، وقد مدح النبي ﵇ في ترك إخراجهم؛ فالمصرح بالكفر أولى أن لا يخرج مع المسلمين.
وأيضا فقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "إن رسول الله ﷺ خرج في بعض غزواته فاعترضه يهودي فقال له: أجاهد معك؟ فقال له: أنت مسلم؟ فقال: لا، فقال: إننا لا نستعين بمشرك" (١).
وهذا نص في موضع الخلاف، ثم اعترضه ثانيا وثالثا، وهو يقول له ذلك، فلما رده؛ أسلم، فحمله.
وروي أنه ﵇ مر بطائفة فقال: من هؤلاء؟ فقالوا: يهود بني قينقاع أصحاب عبد الله بن سلام جاءوا يقاتلون معك، فقال ﵇: "إنا لا نستعين بمشرك" (٢).
وهذا أيضا نص.
وأيضا فإن الإمام إنما يجاهد لكي يقمع الكفار ويردهم إما إلى الإسلام، أو بذل الجزية، فوجب أن يجاهد بمن يكون عونا على المشركين لا عونا لهم، ونحن نعلم محبة المشركين أن يظهر من هو على دينهم، فبواطنهم غير مأمونة.
стр. 2156
فإن قيل: فقد روي أن عبد الله بن أبي بن سلول حضر مع النبي ﵇ الجهاد (٤٢) في أحد، [ … ] (١) وروي أنه ﵇[قبل المنافقين] (٢) يوم الخندق حتى قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٣) [ … ] (٤) ويجوز أن يكون ﵇ لم يخرجهم ليقاتلوا معه، ولكنه يجعلهم خدما حيث لا يكون القتال، ويكون ابن أبي بن سلول معه ليستأمن صحة نية المسلمين، ويري صبرهم، فلعله يترك النفاق [ … ] (٥) المنافقين مع علمه بنفاقهم يجب أن يظهر أمره في نفاقه [ … ] (٦) لا يجوز ذلك.
فإن قيل: فإنه يجوز الاستعانة بكراعهم (٧) وسلاحهم؛ لأن ذلك يؤدي إلى إظهار كلمة الحق، فكذلك الاستعانة بأنفسهم، وكذلك يستعان بهم للخدمة، وكذلك في القتال.
قيل: هذا غلط؛ لأن كراعهم وسلاحهم [إنما] (٨) يقاتل بها المسلم المأمون الباطن، وليس كذلك نفوسهم؛ لأن المكر في باطنهم، والاعتقاد الذي ينافي الإسلام، ويجوز أن تكون كلمتهم العليا، ويرون أن بنا حاجة إلى نفوسهم.
стр. 2157
وأما كونهم خدما؛ فإنما هو إذلال لهم بحيث لا يقفون على بواطن المسلمين وما يريدونه في القتال، ويرون أنفسهم أتباعا للخدمة، لا حاجة بنا إليهم في القتال.
فإن قيل: فإن الذي رده ﵇ وقال: "إنا لا نستعين بمشرك" (١)؛ إنما هو لأنه اتهمه على المسلمين.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن التهمة قائمة في كل كافر، ونعلم أنهم لا يحبون أن تظهر كلمة الإسلام.
والجواب الآخر: هو أنه كان يكفي في هذا يرده حسب، فلما قال: "إنا لا نستعين بمشرك"؛ بيّن أن العلة في ترك الاستعانة بهم لكونهم مشركين، فكل مشرك كذلك.
فإن قيل: فإنه عليه (٤٣) السلام قد حمل صفوان بن أمية عام هوازن فتح مكة لثمان من الهجرة (٢)، وهو مشرك، وروي أنه حمل قوما من يهود
стр. 2158
بني قينقاع بعد بدر (١)، فدل على ما ذكرناه.
قيل: يجوز أن يكون حمل صفوان كما ذكرنا في قصة ابن أبي بن سلول، وكذلك حمله ليهود بني قينقاع، ولأنه لم يأمن كونهم بعده بغير حضرته، وقد ذكرنا أن الوحي كان ينزل عليه ﷺ ، ويعلم ما يكون منهم في بواطنهم، ولسنا نحن كذلك.
فإن قيل: فإن في حملهم منفعة إذا أمن ضررهم؛ لأنه يقدمهم في الصف فيقتلون دون المسلمين.
قيل: بإزاء هذا أن باطنهم لا يؤمن، فيكونون أول من ينهزم، ويكونون عيونا للمشركين، وكيف تؤمن بواطنهم مع اعتقادهم أن تظهر كلمتهم.
فإن قيل: فقد قال البعض ﵇ لبعض اليهود: "إما أن تقاتلوا معنا أو تعيرونا سلاحكم" (٢).
فدل على أنه يجوز أن يقاتلوا معنا.
стр. 2159
قيل: إنما قال لهم ﵇ ذلك؛ لأنه علم أنهم لا يقاتلون معه، وإنما أراد السلاح، وعلم أنهم يؤثرون دفعه إليه على القتال معه، ولذلك دفعوا إليه السلاح، والإنسان إذا كان أحد الأمرين أصعب عليه فطلب ذلك منه أو الأخف عليه؛ بذل الأخف الدليل على ذلك قوله ﵇: "إنا لا نستعين بمشرك" (١). والله أعلم.
* * *
مَسْألة (٩):
قال: وما أحرزه المشركون من أموال المسلمين ثم غنمه المسلمون؛ فإن وجده صاحبه قبل القسم؛ فهو أولى به من غير ثمن، وإن وجده بعد القسم؛ فهو أولى به ممن صار في يده، وعليه قيمته (٢).
وبه قال النخعي، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأصحابه.
غير أن أبا حنيفة يقول: إن المشركين إذا غنموه في دار الإسلام؛ فلا يملكونه حتى (٤٤) يخرجوه إلى دار الشرك.
ومالك ﵀ لم يفرق.
قال القاضي ﵀: لا فرق بينهما عندي في ذلك، سواء غنموه في دار الإسلام أو أخرجوه إلى دار الشرك؛ لأنه يحصل لهم يد عليه، وشبهة ملك.
стр. 2160
وقال الشافعي: لا يملكون على المسلمين شيئا، سواء حصل في أيديهم في دار الإسلام أو أحرزوه في دار الحرب، فإذا غنمه المسلمون بعد ذلك؛ فصاحبه أولى به قبل القسم، وبعد القسم ينزع من يد من صار في يده من الغانمين، ويدفع السلطان إلى الغانم قيمته من مال المصالح (١).
وحكي أنه قول أبي بكر (٢) وعلي (٣) وعبادة بن الصامت (٤).
ومن التابعين عطاء (٥).
ومن الفقهاء ربيعة.
وروي عن عمر ﵀ أنه قال: يكون صاحبه أولى به قبل القسمة، ولا حق له فيه بعد القسمة، وهو للغانم الذي حصل بالقسم في يده (٦).
стр. 2161
وقال عمرو بن دينار والزهري: إنه يكون للغانمين قبل القسمة وبعدها (١).
وقال أبو حنيفة: إذا دخل مسلم إليهم على سبيل التلصص وأخذ مال المسلم الذي حصل في أيديهم؛ فإنه يكون أولى من صاحبه، اللهم إلا أن يكون بعطية وقسمة فيكون صاحبه حينئذ أولى.
وهذا موضع نتفق نحن والشافعي فيه؛ لأنه عندنا إذا حصل في يده بغير عوض إما بهبة أو سرقة أو غير ذلك، فصاحبه أولى به بغير ثمن.
ونقول نحن وأبو حنيفة: إن المشرك إذا أسلم ومال المسلمين في يده؛ فهو له، ولا سبيل لصاحبه عليه.
وقال الشافعي: لا يكون له، وصاحبه أولى به بغير ثمن.
فحصل الخلاف بيننا وبين الشافعي في موضعين:
أحدهما: أن للمشركين يدا وشبهة ملك على ما أحرزوه من أموال المسلمين.
стр. 2162
والموضع الآخر: هو أن صاحبه بعد القسم يأخذه بالقيمة.
ونقول أيضا: إنهم إذا أسلموا وهو في أيديهم؛ فهو لهم.
ويقول الشافعي: هو لصاحبه.
وحصل الخلاف بيننا وبين أبي (٤٥) حنيفة في أن المسلم إذا أخذ من أيدي الكفار شيئا لمسلم بغير عوض، فنحن نقول: يأخذه صاحبه بغير عوض.
وأبو حنيفة يقول بالثمن (١).
والدليل لقولنا في أنه يحصل المشركين يد وشبهة ملك فيما [أخذوه] (٢) من المسلمين هو أن الله تعالى قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ (٣).
فسمى الله تعالى المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم فقراء، فلو لم يزل ملكهم عما كان لهم؛ لم يسمهم فقراء على الحقيقة.
فإن قيل: إنما سماهم فقراء لبعدهم عن دارهم وأموالهم؛ لأن أملاكهم خرجت عنهم.
قيل: لو كان كما قلتم؛ لكانوا من أبناء السبيل، وابن السبيل ليس فقيرا
стр. 2163
في الحقيقة وإن كان في الحال محتاجا، ألا ترى أنه غني بما يملكه وإن لم يصل إليه في حال، فإنما يتناوله اسم فقير، مجازا، ولا يجوز أن تحمل الآية على المجاز، ألا ترى أن ما روي أن النبي ﵇ قال: "لا يصح نحل الصدقة لغني إلا لخمسة"، فذكر الغازي وابن السبيل (١)، واستثناهما من جملة الأغنياء.
فثبت بهذا أن ابن السبيل لا يسمى فقيرا حقيقة، وإنما هو مجاز.
وأيضا فما رواه طاووس عن ابن عباس: "أن رجلا وجد بعيرا له قد كان المشركون أصابوه، فقال النبي ﵇ لصاحبه: إن أصبته قبل أن يقسم؛ فهو لك بغير شيء، وإن أصبته بعدما قسم؛ فهو لك بالقيمة" (٢).
فدل ذلك على أن أهل الحرب قد ملكوه على المسلمين، وصارت لهم يد عليه، ألا ترى أنه لو كان باقيا على ملك مالكه؛ لم يختلف حكم وجوده قبل القسمة وبعدها.
والذي يقوي هذا أن العدو لو أتلفه ثم أسلم؛ لم يتبع بقيمته.
وقد روي عن ابن عباس أن النبي ﵇ قال: "ما وجده صاحبه بعد القسم؛ فهو غنيمة، وقبله هو أولى به بالثمن" (٣).
стр. 2164
وقد روى سماك (٤٦) بن حرب، عن تميم بن طرفة قال: "أصاب العدو ناقة من المسلمين، فاشتراها رجل من المسلمين، فعرفها صاحبها، فأتى النبي ﵇ فأمره أن يأخذها بالثمن الذي اشتراها به من العدو، وإلا خلى بينه وبينها" (١).
وهذا يدل على أنهم قد ملكوها، لولا ذلك؛ لم يصح شراء المسلم منهم.
وأيضا فقد روي أن ابن عمر كان له فرس فأخذه المشركون، فقال له النبي ﵇: "إن وجدته قبل القسمة؛ فهو لك بغير شيء، وإن وجدته بعدها؛ فهو لك بالقيمة" (٢).
стр. 2165
فدل ذلك أيضا على صحة قولنا.
وأيضا فقد روي أن النبي ﵇ قال: "من أسلم على مال فهو له" (١).
وهذا عام في كل مال يملكه قديما وقد أخذه من مسلم، ثم إن النبي ﵇ لم يقل: "من أسلم على ماله"، فلا تعلق فيه لمن يقول: إنه قبل أن يسلم لم يكن ما أخذه من المسلمين مالا له، وإنما هو مال المسلمين؛ لأن النبي ﵇ لم يفرق ولم يخص.
فإذا ثبت بظاهر الحديث أن كل مال يسلم عليه فهو له؛ ثبت ما قلناه، والمخالف يقول: إذا أسلم على شيء في يديه مما أخذه من المسلمين لا يكون له، والنبي ﵇ قد جعله له، فدل على أن أيديهم تحصل عليه، وتصير لهم فيه شبهة ملك، ألا ترى أنهم لو أتلفوه ثم أسلموا في الحال؛ لم يلزمهم الغرم بلا خلاف، ولو أتلفه ذمي ثم أسلم؛ لزمه الغرم، كما لو أتلفه مسلم
стр. 2166
على مسلم فعلم الفرق بين الحربي والذمي والمسلم في أن الحربي يحصل له بأخذه يد وشبهة ملك، لولا ذلك؛ لكان يغرم القيمة إذا أتلفه ثم أسلم، كما يلزم الذمي.
وأيضا فإن النبي ﵇ لما دخل مكة؛ قيل له: "هلا نزلت دارك يا رسول الله؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من ربع" (١)
وقد كان عقيل استولى على دور النبي ﵇ وباعها، فأخبر أن عقيلا (٤٧) لم يترك له دارا ينزلها، فلولا أن عقيلا ملكها بالغلبة وباعها؛ لأبطل ﵇ ذلك؛ لأنها كانت على ملكه كما يزعمون.
فإن قيل: فإن عقيلا خرب الدار، وباع أنقاضها، ولم يبع أصولها.
قيل: الذي نقل أنه باعها، ولم ينقل تخريبه إياها، فلم يجز إثبات ما لم ينقل وترك ما نقل، ولو كان خربها؛ لم يقولوا للنبي ﵇: "هلا نزلت دارك"؛ لأنه لا دار له، وإنما تسمى دارا إذا كانت مبنية غير خراب.
فإن قيل: فإن دور مكة لا يجوز عندكم بيعها، فكيف تحملون الخبر على ما لا تقولونه.
قيل: إنها كانت في الجاهلية وقبل الفتح مملوكة، وهو الوقت الذي باعها عقيل، وإنما زال ذلك الحكم عندنا لما فتحت عنوة وصارت الدار دار إسلام، وأرض العنوة عندنا لا تباع (٢)، وعلى أن مالكا يكره بيع دور
стр. 2167
مكة (١)، وقد يجوز أن يكون عقيل باع البناء قائما، فلم ينقض النبي ﵇ بيعه.
وعلى أن المسألة عندنا إجماع؛ لأنه روي عن عمر، وعلي، [وأبي] (٢) عبيدة، وزيد بن ثابت، وسعد بن أبي وقاص، وبعدهم سعيد بن المسيب، والحسن، والزهري، وسلمان بن ربيعة، وشريح، ومجاهد، وعطاء، والقاسم، وعروة، وخارجة بن زيد وعبد الله بن أبي بكر، وسعيد، وسليمان (٣)، ومشيخة من نظرائهم (٤)، كلهم مثل قولنا وإنما اختلفوا في رد ذلك على صاحبه قبل الغنيمة وبعدها، فمنهم من قال: لا شيء لصاحبه قبل القسم وبعده، ومنهم من قال: هو لصاحبه قبل القسم، وبعده بالثمن (٥)، فمن قال يرد على صاحبه قبل القسم وبعده بغير عوض (٦)؛ فقد خرج عن جماعتهم.
وما رووه عن أبي بكر؛ فلم يذكروا له إسنادا (٧)، فيحتمل أن يكون
стр. 2168
الراوي نسي قوله و"عليه القيمة"، ويحتمل أن يكون إنما قصد أن صاحبه يأخذه ولم يتعرض للقيمة وإن كانت مذهبه، فإذا احتمل ذلك؛ لم يجز إثبات خلاف (٤٨) الإجماع بأمر محتمل.
وقد روى الحكم عن مقسم عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ لما سئل عن رجل شرد بعيره وابن عبده فقال ﵇: صاحبهما أحق بهما قبل القسمة، وبعد القسمة بالقيمة" (١).
وهذا يقتضي كل رجل؛ لأنه نكرة في الجنس.
وقد روى عبد الملك بن ميسرة عن طاوس، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "من وجد متاعه في الغنيمة قبل القسم؛ فهو أحق به، وإن وجده بعد القسم كان أحق به بقيمته". وهو حديث صحيح (٢).
ومن جهة المعاني؛ فقد اتفقنا على أن المسلم إذا [غلب] (٣) على مال الحربي أنه يملكه؛ بعلة وجود القهر والغلبة، والشيء مما يصح تملكه بالعقود، وهذا موجود في الحربي إذا أخذ [شيئا] (٤) من المسلم على وجه القهر والغلبة.
ويقوي هذا أن أهل الحربي من الكفار يملك بعضهم على بعض بالقهر والغلبة لهذه العلة، وهذا المعنى موجود فيما ذكرناه.
стр. 2169
ولأن المسلم لما جاز أن يملك على الكافر بالقهر والغلبة؛ جاز أن يملك الكافر عليه، يدلك على ذلك الكافران لما جاز أن يملك أحدهما على صاحبه بالغلبة؛ جاز أن يملك الآخر عليه ألا ترى أن المسلمَين لما لم يملك أحدهما على صاحبه بالغلبة؛ لم يملك الآخر عليه.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ (١).
فامتن تعالى علينا بأن جعل لنا أن نتملك أموالهم وخولهم (٢) إعزازا للإسلام، وإذلالا للشرك، فلا يجوز أن يجعل للشرك هذه الجهة لكي لا يكون مساويا لنا.
قيل: إنما هذا إخبار عما فعله بنا لما ملكنا أرضهم وديارهم، فالمنة إنما حصلت على ما حصل لنا من جهتهم وأنهم لم يظفروا بنا (٣)، فأما إذا ظهروا علينا وأخذوا أموالنا ما يكون حكمهم؟ ليس في الآية ما يدل عليه. (٤٩)
وقد ذكرنا قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ (٤)، وأنه سماهم فقراء لما حصلت أموالهم في أيدي الكفار، فليس فيما ذكروه دلالة على أنهم إذا ظفروا أو أخذوا مال المسلمين؛ أنهم لا يكون
стр. 2170
لهم يد ولا شبهة ملك، وقد دللنا على ذلك.
فإن قيل: فقد روى عمران بن حصين "أن المشركين سبوا امرأة من الأنصار وناقة للنبي ﷺ ، فانفلت ذات ليلة من وثاقها فقصدت الإبل، فكلما مشت نحو ناقة منها رغت (١)، فتتركها، حتى أتت إلى تلك الناقة التي للنبي ﵇ وهي العضباء، فمستها فلم تَرْغ، فأخذتها وركبتها وصاحت عليها، فانطلقت، فطُلبت فلم يُقدَر عليها، ونذرت إن نجاها الله تعالى؛ نحرتها، فوافت المدينة، فعرفوا الناقة، فعرّفوا النبي ﵇، فقال: بئسما جزيتها، لا نذر في معصية الله، لا نذر فيما لا يملكه ابن آدم، وأخذ الناقة" (٢).
فموضع الدلالة من الخبر أن النبي ﵇ أخذ الناقة منها، ولم يعطها قيمتها؛ لأنه لم ينقل.
قيل: لا حجة في هذا الخبر؛ لأننا نقول: إن لهم على ما يأخذونه شبهة ملك ويد، حتى إذا خرج عن أيديهم إلى المسلمين؛ نظرنا؛ فإن لم يقع في المقاسم ولا حصل في يد إنسان بعوض؛ فإنه يعود الملك إلى صاحبه (٣)، فالمرأة الأنصارية لما أخذت الناقة بلا عوض؛ انتقل الملك عن المشركين، وحصل ملكها للنبي ﵇، فأما إذا قسمت الغنائم وحصل الشيء في يد أحد بعد القسمة؛ حصلت له شبهة ملك عليه؛ لأجل أنه حصل له بعوض هو حقه من الغنائم، فلا يخرجه عن يده إلا بعوض؛ لأن الغانمين قد اقتسموا وتفرقوا،
стр. 2171
فإن أعطاه الإمام القيمة؛ جاز، وإن لم يعطه؛ لم يأخذه صاحبه إلا بعوض.
فإن قيل: فإن هذا الشيء لا يخلو أن يكون مالا للمسلم كما كان فلا يغنم، أو يكون مالا للمشرك (٥٠) فيغنم، فلا يكون لربه فيه حق، سواء قسم أو لم يقسم.
قيل: ما دام في يد المشرك؛ فهو له، فإذا حصل خارجا وصار في الغنائم؛ صار مراعى، فإن وجده ربه قبل القسم؛ عاد ملكه إليه كما كان، وإن وجده بعد القسم؛ فقد حصل للغانم الذي هو في يده بالقسم ملك عليه، فلا يخرج عن يده إلا بعوض، ألا ترى أن الأب يهب لابنه هبة فتخرج عن يده، ثم له أن ينزعها فتعود إلى ملكه بعد خروجها منه (١)، كذلك قبل القسم.
فإن قيل: فيكون كالشيء المستحق.
قيل: إذا تفرق الجيش وحاز كل واحد حصته بالقسم؛ لم يكن لهذا الغانم الرجوع على أحد وقد حصلت له شبهة ملك، فليس كالمستحق لا محالة؛ لأنه
стр. 2172
لو أتلفه قبل يخص (١) صاحبه، لم يلزمه شيء لصاحبه، كما لو أتلفه المشرك لم يلزمه غرم لصاحبه.
وقد قلنا ومن خالفنا في عبد أقر أنه سرق من زيد دينارا وعينه، وكذبه السيد، وقال: بل هو: ديناران: إننا ندفع الدينار إلى السيد، ونقطع العبد، فلا يخلو أن يكون هذا الدينار للسيد؛ فلا ينبغي أن يقطع عبده، أو يكون لزيد؛ فلا يأخذه السيد.
وهذه أمور مشكلة إذا وقعت حكم لها بأحكام مختلفة، ألا ترى أن ابن أمة زمعة حكم به رسول الله لزمعة، وجعله ابنه، ثم قال لزوجته سودة بنت زمعة: "احتجي عنه" (٢)، فإن كان أخاها؛ فلا ينبغي أن تحتجب عنه، وإن كان ليس بأخ لها؛ فلا وجه لإلحاقه بزمعة.
وقد ذكرنا الدليل على أن ما أحرزه الكفار من أموال المسلمين أو أتلفوه ثم أسلموا لم يلزمهم الغرم، ولو قتلوا مسلما ثم أسلم قاتله؛ لم يقد به؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٣).
ولا يخلو المال الذي أتلفوه أن يكون في وقت ما أتلفوه ملكا للمسلم، أو قد ملكه الكافر، فينبغي إذا أسلم أن يغرمه له، وإذا لم يغرمه له بإجماع؛ علمنا أنه قد صار للكافر (٥١) عليه شبهة ملك ويد، حتى يجري مجرى
стр. 2173
أملاكه، وإنما هو [معتبر إن قدرنا عليه من غير إتلاف مال] (١) أحد قلنا قد عاد إلى ملكه، وإن لم نقدر عليه إلا بإتلاف من مسلم؛ لم يرد ما قد أحرزه العدو، وجرى عليه ملكه بإتلاف مال المسلم إذا كان الكافر المعتدي لو أتلفه لم يغرمه، فيكون هذا المسلم إذا بذل ماله فيه فاشتراه أو أخذه بسهمه؛ لم يؤخذ منه بلا عوض، ولا يتلف ماله.
فإن قيل: فإنكم ادعيتم في المسألة إجماعا، ونحن ذكرنا عن أبي بكر وعلي وعبادة.
قيل: قد تكلمنا على حديث أبي بكر، وذكرنا ما ذكرناه عن علي، وأنه قال فيما رواه عنه معتمر عن أبيه أنه قال: "فيما أحرزه العدو من أموال المسلمين إنه بمنزلة أموالهم" (٢)، فكان الحسن يقضي بذلك (٣)، يعني بعد القسمة، وبه قضى شريح (٤).
وحديث عبادة؛ فلا نعرفه، فإن صح؛ تأولنا على ما تأولنا عليه حديث أبي بكر رحمة الله عليه.
فإن قيل: قد اتفقنا على أنه إذا حازوا المدبر والمكاتب وأم الولد؛ أنهم لا يملكونه، كذلك العبد القن (٥) والأموال، فنقول: كل ما لا يملكه المسلم على المسلم بالقهر والغلبة؛ لم يملكه المشرك على المسلم بالقهر والإحازة،
стр. 2174
أصله ما ذكرناه.
قالوا: وخير هذه الأصول المدير.
قيل: هذا لا يلزمنا؛ لأنهم يملكون جميع ذلك، وإنما ننظر في هذا إلى وقت إسلامهم، فإن كان ما أسلموا عليه يجوز لهم لو أرادوا ابتداء ملكه وقت إسلامه لو كان يجوز؛ فإن ذلك يقر في أيديهم، وإن كان لا يجوز لهم ابتداء ملكه؛ لم يكن في أيديهم.
فأما المكاتب؛ فإنهم إذا أسلموا وهو في أيديهم؛ كان لهم كتابته، وكذلك يحترمون المدبر، فإن مات سيده وهو يخرج من ثلثه؛ انعتق، وكذلك من صار في يده بعد القسم إن فداه سيده وإلا كان عبدا له. (٥٢)
وأما أم الولد؛ فإن فداها الإمام وإلا ألزمه صاحبها قيمتها، وأخذها متى صارت في يده بالقسم أو من يد الكافر إذا أسلم وهي في يده.
فإن قيل: فإنه مال مسلم مأخوذ بالقهر والغلبة؛ فوجب أن يكون مردودا عليه، أصله قبل القسم.
قيل: إذا لم تقع فيه القسمة؛ لم يتعلق به حق الإتلاف على آدمي مخصوص، ولا حصل مأخوذا بعوض وتعلق به حق لآدمي مخصوص؛ فلا ينبغي أن يتلف حقه.
فإن قيل: فإن عبد المسلم لو دخل دار الشرك بنفسه فأخذوه؛ فإنهم لا يملكونه، كذلك إذا سبَوه.
قيل: يملكونه عندنا، ولو أسلموا وهو في أيديهم؛ لكان لهم، هذا نص مذهبنا.
стр. 2175
على أننا قد ذكرنا قياسا يعارض قياسهم، ويرجح عليه باستناده إلى ما ذكرناه.
فإن قيل: فإن الذي رويتموه عن النبي ﵇ أنه قال: "فصاحبه بعد القسم أولى به بالقيمة" (١)، فإننا نقول: القيمة من بيت المال.
قيل: النبي ﵇ قال: "هو أولى به بقيمته"، فظاهره أن تكون القيمة عليه.
على أنه ﵇ لم يختص أن تكون قيمته علينا أو من بيت المال، فاعملوا كيف شئتم بعد أن لا يخرج عن يد من صارت في يده إلا بالقيمة، فإن أعطاه الإمام؛ جاز، وإن لم يعطه؛ لم يلزمه دفعه إلى صاحبه إلا بالقيمة؛ لأن النبي ﵇ لم يلزمه إخراجه عن يده إلا بقيمته.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٢).
فلا يجوز أن يملك الكافر على المسلم شيئا.
وقال: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ (٣).
قيل: عن الآية جوابان:
أحدهما: أننا نقول بموجب الآية، وهو أننا نقول للكافر: لا سبيل لك على المسلمين، ولا يجوز لك أخذ ماله، فأما إذا أخذه الذي ذكرناه؛ فهل يحصل له شبهة يد وملك؟ ليس في الآية ما ينفيه. (٥٣)