← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

فإن أعطاه الإمام القيمة؛ جاز، وإن لم يعطه؛ لم يأخذه صاحبه إلا بعوض. فإن قيل: فإن هذا الشيء لا يخلو أن يكون مالا للمسلم كما كان فلا يغنم، أو يكون مالا للمشرك (٥٠) فيغنم، فلا يكون لربه فيه حق، سواء قسم أو لم يقسم. قيل: ما دام في يد المشرك؛ فهو له، فإذا حصل خارجا وصار في الغنائم؛ صار مراعى، فإن وجده ربه قبل القسم؛ عاد ملكه إليه كما كان، وإن وجده بعد القسم؛ فقد حصل للغانم الذي هو في يده بالقسم ملك عليه، فلا يخرج عن يده إلا بعوض، ألا ترى أن الأب يهب لابنه هبة فتخرج عن يده، ثم له أن ينزعها فتعود إلى ملكه بعد خروجها منه (١)، كذلك قبل القسم. فإن قيل: فيكون كالشيء المستحق. قيل: إذا تفرق الجيش وحاز كل واحد حصته بالقسم؛ لم يكن لهذا الغانم الرجوع على أحد وقد حصلت له شبهة ملك، فليس كالمستحق لا محالة؛ لأنه

стр. 2172

لو أتلفه قبل يخص (١) صاحبه، لم يلزمه شيء لصاحبه، كما لو أتلفه المشرك لم يلزمه غرم لصاحبه. وقد قلنا ومن خالفنا في عبد أقر أنه سرق من زيد دينارا وعينه، وكذبه السيد، وقال: بل هو: ديناران: إننا ندفع الدينار إلى السيد، ونقطع العبد، فلا يخلو أن يكون هذا الدينار للسيد؛ فلا ينبغي أن يقطع عبده، أو يكون لزيد؛ فلا يأخذه السيد. وهذه أمور مشكلة إذا وقعت حكم لها بأحكام مختلفة، ألا ترى أن ابن أمة زمعة حكم به رسول الله لزمعة، وجعله ابنه، ثم قال لزوجته سودة بنت زمعة: "احتجي عنه" (٢)، فإن كان أخاها؛ فلا ينبغي أن تحتجب عنه، وإن كان ليس بأخ لها؛ فلا وجه لإلحاقه بزمعة. وقد ذكرنا الدليل على أن ما أحرزه الكفار من أموال المسلمين أو أتلفوه ثم أسلموا لم يلزمهم الغرم، ولو قتلوا مسلما ثم أسلم قاتله؛ لم يقد به؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٣). ولا يخلو المال الذي أتلفوه أن يكون في وقت ما أتلفوه ملكا للمسلم، أو قد ملكه الكافر، فينبغي إذا أسلم أن يغرمه له، وإذا لم يغرمه له بإجماع؛ علمنا أنه قد صار للكافر (٥١) عليه شبهة ملك ويد، حتى يجري مجرى

стр. 2173

أملاكه، وإنما هو [معتبر إن قدرنا عليه من غير إتلاف مال] (١) أحد قلنا قد عاد إلى ملكه، وإن لم نقدر عليه إلا بإتلاف من مسلم؛ لم يرد ما قد أحرزه العدو، وجرى عليه ملكه بإتلاف مال المسلم إذا كان الكافر المعتدي لو أتلفه لم يغرمه، فيكون هذا المسلم إذا بذل ماله فيه فاشتراه أو أخذه بسهمه؛ لم يؤخذ منه بلا عوض، ولا يتلف ماله. فإن قيل: فإنكم ادعيتم في المسألة إجماعا، ونحن ذكرنا عن أبي بكر وعلي وعبادة. قيل: قد تكلمنا على حديث أبي بكر، وذكرنا ما ذكرناه عن علي، وأنه قال فيما رواه عنه معتمر عن أبيه أنه قال: "فيما أحرزه العدو من أموال المسلمين إنه بمنزلة أموالهم" (٢)، فكان الحسن يقضي بذلك (٣)، يعني بعد القسمة، وبه قضى شريح (٤). وحديث عبادة؛ فلا نعرفه، فإن صح؛ تأولنا على ما تأولنا عليه حديث أبي بكر رحمة الله عليه. فإن قيل: قد اتفقنا على أنه إذا حازوا المدبر والمكاتب وأم الولد؛ أنهم لا يملكونه، كذلك العبد القن (٥) والأموال، فنقول: كل ما لا يملكه المسلم على المسلم بالقهر والغلبة؛ لم يملكه المشرك على المسلم بالقهر والإحازة،

стр. 2174

أصله ما ذكرناه. قالوا: وخير هذه الأصول المدير. قيل: هذا لا يلزمنا؛ لأنهم يملكون جميع ذلك، وإنما ننظر في هذا إلى وقت إسلامهم، فإن كان ما أسلموا عليه يجوز لهم لو أرادوا ابتداء ملكه وقت إسلامه لو كان يجوز؛ فإن ذلك يقر في أيديهم، وإن كان لا يجوز لهم ابتداء ملكه؛ لم يكن في أيديهم. فأما المكاتب؛ فإنهم إذا أسلموا وهو في أيديهم؛ كان لهم كتابته، وكذلك يحترمون المدبر، فإن مات سيده وهو يخرج من ثلثه؛ انعتق، وكذلك من صار في يده بعد القسم إن فداه سيده وإلا كان عبدا له. (٥٢) وأما أم الولد؛ فإن فداها الإمام وإلا ألزمه صاحبها قيمتها، وأخذها متى صارت في يده بالقسم أو من يد الكافر إذا أسلم وهي في يده. فإن قيل: فإنه مال مسلم مأخوذ بالقهر والغلبة؛ فوجب أن يكون مردودا عليه، أصله قبل القسم. قيل: إذا لم تقع فيه القسمة؛ لم يتعلق به حق الإتلاف على آدمي مخصوص، ولا حصل مأخوذا بعوض وتعلق به حق لآدمي مخصوص؛ فلا ينبغي أن يتلف حقه. فإن قيل: فإن عبد المسلم لو دخل دار الشرك بنفسه فأخذوه؛ فإنهم لا يملكونه، كذلك إذا سبَوه. قيل: يملكونه عندنا، ولو أسلموا وهو في أيديهم؛ لكان لهم، هذا نص مذهبنا.

стр. 2175

على أننا قد ذكرنا قياسا يعارض قياسهم، ويرجح عليه باستناده إلى ما ذكرناه. فإن قيل: فإن الذي رويتموه عن النبي ﵇ أنه قال: "فصاحبه بعد القسم أولى به بالقيمة" (١)، فإننا نقول: القيمة من بيت المال. قيل: النبي ﵇ قال: "هو أولى به بقيمته"، فظاهره أن تكون القيمة عليه. على أنه ﵇ لم يختص أن تكون قيمته علينا أو من بيت المال، فاعملوا كيف شئتم بعد أن لا يخرج عن يد من صارت في يده إلا بالقيمة، فإن أعطاه الإمام؛ جاز، وإن لم يعطه؛ لم يلزمه دفعه إلى صاحبه إلا بالقيمة؛ لأن النبي ﵇ لم يلزمه إخراجه عن يده إلا بقيمته. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٢). فلا يجوز أن يملك الكافر على المسلم شيئا. وقال: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ (٣). قيل: عن الآية جوابان: أحدهما: أننا نقول بموجب الآية، وهو أننا نقول للكافر: لا سبيل لك على المسلمين، ولا يجوز لك أخذ ماله، فأما إذا أخذه الذي ذكرناه؛ فهل يحصل له شبهة يد وملك؟ ليس في الآية ما ينفيه. (٥٣)

стр. 2176

والجواب الآخر أنه أراد بالسبيل الحجة (١)؛ لأنها بلفظ الخبر، ولا يجوز أن يقع بخلاف مخبره، والحجة لا تكون للكافر على المسلم أبدا. فأما أخذه لماله فيؤخذ [ … ] (٢)، فعلمنا أنه لم يرد بالآية أخذ المال، وليس تخلو الآية أن من أن تجري مجرى الخبر، أو يكون المراد بها النهي، فيبطل أن تكون خبرا لما قلناه: إن الخبر لا يقع بخلاف مخبره، وقد وجدنا الكفار يأخذون أموال المسلمين، فقد جعل الله لهم سبيلا بعد أن نفاه بقوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٣). فصار المراد بالآية أحد أمرين: إما الحجة على ما بيناه، فإنه لا حجة لهم بوجه، أو يكون المراد بها النهي، فنحن نقول: إنهم منهيون عن أخذ أموال المسلمين، وكلامنا حصل فيهم إذا أخذوها هل يحصل لهم يد وشبهة ملك، فقد دللنا عليه، لأنهم لو أتلفوا ذلك ثم أسلموا؛ لم يلزمهم الغرم. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ (٤)، فإنه إما أن يكون خبرا، أو يكون المراد به الأمر، فإن كان المراد بها الخبر؛ فلا يجوز أن يقع بخلاف مخبره، وقد وجد أن] (٥) المسلمين تارة ينهزمون، ويظفر بهم العدو، فيحصل المراد منها أحد أمرين، إما الحجة؛ فهي صحيحة باقية

стр. 2177

لا تنقلب أو المراد منها الأمر؛ فالمسلمون مأمورون بأخذ أموال الكفار وقتلهم واستباحة سبيهم. على أن دليل الخطاب أن من لم يظلم؛ فلا سبيل عليه، وهذا الغانم لم يظلم؛ لأنه أخذ الشيء بالقيمة وحصل في يده، فهو دليل لنا. فإن قيل: فقد قال ﵇: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عند طيب نفسه" (١). قيل: إن كان هذا دليلا في الكافر؛ فنحن نقول: لا يحل ملك مال المسلم، وهذا لا ينفي أن يحصل له شبهة ملك أو يد لأننا نجد كثيرا من الناس لا يحل لهم فعل شيء ولا ينفي حصول أيديهم عليه، (٥٤) ألا ترى أن البيع الفاسد والغصب هذه صفته، ثم قد يحصل عليه شبهة ويد على وجه، فلم يلزم ما ذكروه، وعلى أن هذا مال من هو في يده بالقسمة. فإن قيل: فإن قياسكم على المسلم إذا أخذ مال المشرك؛ لا يسوغ؛ وذلك أن قهر المسلم [للمشرك] (٢) لما كان سببا للملك؛ لم يفترق الحكم من الرقاب وغيرها، وبين الأحرار، فلو كان قهر المشرك سببا للملك على المسلم؛ لم يفترق أيضا بين القهر على الرقاب والمال. قيل: قد ذكرنا أن أيديهم تحصل على الرقاب والأموال؛ بدلالة أنهم لو قتلوا الأحرار الأسارى في أيديهم؛ لم يقادوا بهم، وإن أسلموا؛ فهم يتصرفون في الرقاب كما يتصرفون في الأموال، وإنما ينظر إلى وقت إسلامهم وما هو حاصل في أيديهم، يدل على ذلك من مذهبنا؛ أن مسلما لو دخل دار الحرب

стр. 2178

فاشترى من أيديهم مسلما أو فداه؛ لألزمنا الحربي أن يدفع إليه ما اشتراه به أو افتداه. ثم لا يضرنا أيضا هذا الفرق الذي ذكروه؛ لأننا لا نقول: إنهم يملكون على وجه ما يملك المسلمون عليهم، وإنما يحصل لهم يد وشبهة ملك والله أعلم. فإن استدلوا باستصحاب الحال، وذلك أن هذا الشيء ملك للمسلم فلا يزيله عن ملكه إلا بدلالة. قيل: بإزاء هذا ما هو أقوى منه، وذلك أن هذا الشيء قد حصل في يد هذا الغانم بقسمة الإمام أو من إليه القسمة؛ فلا نخرجه عنه إلا بدلالة. فإن قيل: ملك صاحبه عليه متقدم. قيل: هو ملكه حيث كان في يده، في يده، والآن هو ملك هذا لكونه في يده. ونقول: أيضا إن هذا [ … ] (١) أخذه بعوض، فأشبه المشتري إذا استحق من يده شيء أنه يرجع على البائع (٥٥) بالثمن، فلما لم يمكنه أن يرجع على الغانمين لأنه لا يلحقهم كلهم، وكان ما أخذ [ … ] (٢) وتركه لهم، وليس هو بغاصب ولا متعد؛ وجب أن لا يؤخذ من يده إلا بعوض، وليس سبيل ما أخذ من أموال المسلمين عن أيدي الكفار كسبيل ما يؤخذ من أموال المسلمين في دار الإسلام، ألا ترى أن أموال المسلمين إذا أخذت من الكفار إنما تقسم ولا ينتظر بها، ولا تُعرَّف إذا لم يعلم لمن هي، وليس كذلك ما كان في بلاد

стр. 2179

المسلمين، بل يوقف ويُعرَّف، وإن أتلفه متلف؛ فعليه الضمان، فثبت بذلك أن للكفار شبهة يد على ما أخذوه من أموال المسلمين، وليس سبيلهم كسبيل المسلمين إذا أخذوا مال المسلم أو الذمي، والفرق بين قبل القسم وبعده هو أن للقسم حكم من الإمام، مع كون شبهة يد الكفار عليه، فيصير للغانم بحكم الإمام، والله الموفق. فإن قيل: فقد قال ﵇: "على اليد ما أخذت حتى ترده" (١). قيل: معناه: ما أخذت من مال الغير، ونحن نقول هاهنا: هو ملكه وهو في يده، والنزاع في هذا وقع، وقد بينا أن للمشركين شبهة يد عليه، ولو قلنا: معناه: حتى ترده بقيمته إن اختار صاحبه ذلك بدلالة، وقد ذكرنا دلائل. وعلى أن هذا يوجب رده إلى الكفار؛ لأنه أخذ، وهذا ساقط؛ لأن معناه: حتى ترده على من أخذته منه، ومن الكفار أخذ. فإن قيل: لو ملكه الغانم بالقسم؛ لم يجب أن يؤخذ منه بالقيمة بغير اختياره. قيل: هذا يلزم إذا عوضته من بيت المال، والله الموفق للصواب. * * * مَسْألة (١٠): قال: وللفارس عندنا ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه (٢).

стр. 2180

وبه قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ (١)، ولا مخالف لهما في الصحابة (٢). ومن التابعين عمر بن عبد العزيز، والحسن، وابن سيرين (٣). ومن الفقهاء مع أهل المدينة (٥٦) الأوزاعي، وأهل الشام، والليث بن سعد، وأهل مصر، وسفيان الثوري، والشافعي، ومن أهل العراق أبو ثور، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحمد بن حنبل. وقيل: لم يخالف في هذه المسألة غير أبي حنيفة وحده (٤) ولم يقل بقوله [أحد] (٥)، وقال: للفارس سهمان، سهم له، سهم لفرسه (٦). وحكي عنه أنه قال: أكره أن أفضل بهيمة على مسلم. والدليل لقولنا ما رواه أبو أسامة وابن نمير قالا: حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر "أن رسول الله ﷺ جعل للفرس سهمين، وللراجل سهما" (٧).

стр. 2181

وروى ابن فضيل ووكيع عن حجاج، عن أبي صالح، عن ابن عباس "أن رسول الله ﷺ جعل للفارس ثلاثة أسهم، سهما له، وسهمين لفرسه" (١). وقد روى سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وأبو معاوية الضرير عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر "أن رسول الله ﷺ أسهم للفارس ثلاثة أسهم، سهما له وسهمين لفرسه" (٢). فإن قيل: فقد روى عبد الله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر "أن رسول الله ﷺ ضرب يوم خيبر للفارس سهمين وللراجل سهما" (٣).

стр. 2182

قيل: غلط أبو حنيفة في رواية هذا الخبر، وذلك أن موسى بن إسحاق الأنصاري قال: نا عبد الله بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع، فقال حدثنا العمري - وهو عبد الله بن عمر بن حفص - عن نافع، عن ابن عمر: "قسم رسول الله ﷺ يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهما. قال نافع: فإذا كان مع الرجل فرس؛ أخذ ثلاثة أسهم، وإذا كان وحده؛ أخذ سهما" (١). فهذا خلاف ما رويناه عن العمري، فلو صح؛ لجاز أن يتأول أنه ضرب [للفارس] (٢) سهمين لأجل فرسه. على أن ما رويناه زائد، والأخذ بالزائد أولى، وفيه تفسير نافع الذي عنه الرواية. على أنه (٥٧) [يفضل] (٣) على عبد الله على أخيه عبيد الله في الحديث عبيد الله أثبت خلق الله (٤)، وقد روينا عنه ما رويناه.

стр. 2183

وأيضا فإن حديث عبد الله بن عمر كان يوم بدر، وحديث عبيد الله عن نافع كان يوم [خيبر] (١)، فهو متأخر ناسخ لحديث العمري عن نافع. فإن قيل: فإن الذي روي أنه أعطى الفارس ثلاثة أسهم؛ يجوز أن يكون أعطاه السهم الثالث على سبيل النفل، كما روي أنه أعطى سلمة بن الأكوع سهم الفارس وكان راجلا (٢). قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: هو أن الحكم إذا نقل مع السبب؛ فإنما تعلق الحكم بالسبب المنقول لا على غيره، والسبب المنقول هو أنه أعطى الفارس ثلاثة أسهم، فعلم أنه أعطاه ذلك لكونه فارسا، ولا يعطى النفل لكونه فارسا؛ فإن النفل قد يعطاه الفارس والراجل. وجواب آخر: وهو أن ذكر الأسهم عبارة عن الواجب المستحق، والنفل ليس بمستحق، ألا ترى أنه لما أعطى سلمة بن الأكوع على سبيل النفل؛ لم يقل: "أسهم له"، وإنما قيل: "أعطاه سهم الفارس". وجواب آخر: وهو أن النفل لا يعطى للفرس وإنما يعطى الفارس، وفي الخبر أنه أعطى للفرس سهمين. وجواب آخر: وهو أن النفل يعطيه الإمام في وقت، ويمنعه في وقت،

стр. 2184

والنبي ﷺ كان يعطي دائما للفارس ثلاثة أسهم، الدليل على ذلك ما روي أن الزبير كان يضرب له في المغنم بأربعة أسهم، سهم له وسهمين لفرسه، وسهم لأمه من سهم ذي القربى (١). و "كان" يقتضي دوام الفعل. وقد روى مالك عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت: "أن النبي ﵇ أعطى للزبير أربعة أسهم، سهما له وسهمين لفرسه، وسهما للقرابة، فقيل لمالك: فلم لم تجعل هذا في كتابك؟ فقال: قد قلت إني لم أسمع ذلك" (٢). فكان هذا القول عنده أكد من رواية واحد عن واحد (٥٨)، وأنه يجري مجرى الإجماع. وقد روى عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن يحيى بن عباد قال: "أسهم للزبير أربعة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه، وسهم لأمه لذي القربى" (٣).

стр. 2185

وقوله: "أسهم له" يفيد أنه عوض له، وقد روى جعفر بن عون، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل قال "حدثنا أصحابنا عن أصحاب محمد ﵇ قالوا: "للفرس سهمان وللرجل سهم" (١). وقد روى عطاء عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ قسم يوم خيبر لمائتي فرس، لكل فرس سهمان" (٢). وروى المسعودي عن [أبي عمرة] (٣) عن أبيه قال: "أتينا رسول الله ﷺ يوم حنين ونحن أربعة نفر، ومع أحدنا فرس، فأعطى كل واحد سهما، وأعطى للفرس سهمين، فكان للفارس ثلاثة أسهم" (٤).

стр. 2186

وروي عن المقداد قال: "أعطاني رسول الله يوم بدر ثلاثة بدر ثلاثة أسهم، سهمين لفرسِي وسهما لي" (١). وابن جريج عن صالح بن كيسان "أن النبي ﵇ قسم يوم النضير لستة وثلاثين فرسا، لكل فرس سهمين" (٢). ومن الدلالة على ذلك؛ إجماع الصحابة، وهو ما روي عن عمر وعلي أنهما قالا: "للفارس ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه" (٣). وما رويناه عن سلمة بن كهيل قال: "حدثنا أصحابنا عن أصحاب محمد ﷺ قالوا: للفرس سهمان وللرجل سهم" (٤). وإذا حكي عن أصحاب محمد؛ توجه إلى جماعتهم، وقد روى عمرو بن ميمون: قال كتب عمر بن عبد العزيز إلى أمراء الثغور: "أما بعد، فإن [السهام] (٥) كانت على عهد رسول الله ﷺ سهمين للفرس، وسهما للرجل، وما أظن أحدا هم بانتقاص فريضة فرضها رسول الله ﷺ حتى فعل ذلك رجال ممن يقاتلون الحصون، فأعد السهمين إلى ما كانت على عهد رسول الله (٥٩)، ﷺ ، وكيف تنقص سهمان الخيل [وهي لمسرحهم بالليل، ولمسالحهم

стр. 2187

بالنهار] (١) بإذن الله، ولطلبهم ما أرادوا طلبه" (٢). قال مالك: وقد بلغني أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "للفرسان سهمان، وللرجل سهم" (٣). وقد روى مجالد عن عامر قال: "لما فتح سعد بن أبي وقاص جلولاء أصاب المسلمون ثلاثين [ألف ألف] (٤)، فقسم للفارس ثلاثة آلاف مثقال، وللرجل ألف مثقال" (٥). وقد ذكر جماعة من الشيوخ الثقات عن جماعة من أهل ثغور شتى أنهم لا يعرفون ثغرا في الإسلام إلا على ما قاله مالك ﵀، وأنهم ما رأوا ولا سمعوا قط بما قال أبو حنيفة. وأيضا فإن الراجل يستحق سهما واحدا بلا خلاف، ولا خلاف أن الفارس يزاد على سهم الراجل، وإنما زيد عليه لأنه أكثر مؤونة من الراجل؛ لأنه يحتاج إلى مؤنة فرسه، فإنه يحتاج إلى من يسوسه ويقوم به، فالمعنى الذي زيد سهم الفارس على الراجل لأجله؛ موجود من الفارس.

стр. 2188

قيل (١): ما رويناه أولى؛ لأنه زائد ومتأخر؛ لأن خيبر كانت بعد بدر بخمس سنين، وهو أيضا يستند إلى فعل الصحابة. فإن قيل: فقد روى مجمع بن [جارية] (٢) الأنصاري: "أن رسول الله ﷺ قسم خيبر على ثمانية عشر سهما، قال: وكان الجيش ألفا وخمس مائة، منها ثلاث مائة فارس" (٣). وهذا في الحساب لا محالة يكون للفرس سهم وللفارس سهم، لأنه يكون ثلاثة مائة فارس، وألف وخمس مائة رجل، فيكون كله ألفا وثمان مائة، وعلى ثمانية عشر يكون لكل مائة سهم. قيل: قد نقلنا عطاء ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ أسهم يوم خيبر لمائتي فرس، لكل فرس سهمين، وكان الجيش ألفا وأربع مائة، منها مائتا فرس" (٤).

стр. 2189

وقد قال أبو داود: "قد وهم مجمع بن جارية في حديث خيبر، والصواب (٦٠) ما رواه المسعودي [عن أبي عمرة عن أبيه] (١) أن رسول الله ﷺ أعطى للفارس ثلاثة أسهم (٢)، فدل على صحة قولنا. فإن قيل: فإنه حيوان يستحق به السهم من الغنيمة؛ فوجب أن لا يزاد على سهم واحد، أصله الراجل. قيل: هذه عبارة غير مستقيمة؛ لأنكم إن قلتم: حيوان يستحق به السهم؛ قلنا لكم الدابة لا تستحق السهم، إنما يستحق بها، وإن قلتم: حيوان يسهم له؛ قلنا: لا يسهم للفرس، وإنما يسهم للفارس لأجله. على أن الراجل دلالة لنا، وذلك أنه لما كان أقل مؤونة من الفارس؛ كان سهمه أقل من سهم الفارس. وأيضا لما كانت مؤونة الراجل أقل من مؤونة الفرس؛ وجب أن لا يبلغ سهمه سهم الفرس. فإن قيل: فإن الفارس إنما زيد في سهمه بكثرة مؤنته على مؤنته، ووجدنا مؤنة الراجل أكثر من مؤنة الفرس؛ لأنه يحتاج مع المأكول والمشروب إلى سلاح وآلة وغير ذلك، فلما تقرر أنه مع كثرة مؤنته لا يزاد على سهم واحد؛ فالفرس الذي هو دونه في المؤنة أولى أن لا يزاد على سهم واحد.

стр. 2190

قيل: هذا محال ومكابرة العيان؛ لأننا نعلم يقينا أن مؤنة الفرس أكثر؛ لأنه يحتاج إلى علف وقضيم (١) وماء ومكان، ومن يخدمه ويسوسه، والفارس يخدم نفسه. فإن قيل: فإن تأثير الرجل في الحرب أكثر من تأثير الفرس؛ لأن الرجل يقاتل بلا فرس، والفرس لا يعمل شيئا بلا فارس، فلما لم يزد الفارس على سهم واحد مع تأثيره؛ فالفرس أولى بأن لا يزاد على سهم واحد. وأيضا فإن القياس اقتضى أن لا يسهم للفرس أصلا لأنه كالآلة للرجل، وآلة الرجل من سلاح وغيره لا يسهم له، إلا أن الإجماع قد حصل على أنه يعطى سهما، فالقدر الذي أجمعنا عليه أثبتناه، وما زاد عليه واختلفنا (٦١) فيه؛ أسقطناه بمقتضى أصل القياس. قيل: أما الفصل الأول من تأثير الرجل في الحرب أكثر من تأثير فرسه [فلا يصح] (٢)؛ لأنه به يكر، وبه يحمل ويلحق ما يريده، وبه ينجو إذا خاف لحوق العدو وبه [تقع الهزيمة، ومنها] (٣) ينجي فارسه، وخوف العدو من الفارس أشد من تخوفهم من الراجل، ألا تري أنه قد فرق بين الفرس وبين الآلة التي صاحبها يعمل وهي بانفرادها لا تعمل، فأسهم للفرس كما أسهم للفارس، فإذا أخرج عن الآلة وأسهم له؛ وجب أن يسهم له على حساب مؤنته، والآلة ليست لها مؤونة إلا لإصلاحها، فهو كإصلاح الفرس في نفسه، فأما علفه وسوسه؛ فليس للآلة ذلك.

стр. 2191

أما الفصل الثاني الذي ذكروه من أن القياس يقتضي أن لا يسهم للفرس، ولكنه أسهم له بالإجماع؛ ففيه جوابان: أحدهما: أن القياس اقتضى ما ذكروه، غير أننا قد أجمعنا على أن حكم القياس مطرح، وأنه يسهم له، فلا ينبغي أن يعتبر حكم القياس، ولكننا نرجع إلى الأدلة التي أوجبت أن يسهم له، وينظر فيما يجب أن يسهم له. والجواب الآخر: هو أن القياس يسقط بما هو أقوى منه، فإذا سقط وحصل الإجماع على أنه يسهم له؛ نظرنا فيما يسهم له، وقد ذكرنا الأخبار التي هي نصوص فيما يسهم له، وذكرنا ما يجري مجرى الإجماع. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (١). فأضاف الغنيمة للغانمين، وهذا يوجب التسوية بينهم إلا أن تقوم دلالة. قيل: بيان القسمة بينهم مأخوذ من دلالة أخرى، وهو ما جعله النبي ﷺ للفارس والرجل، وقد ذكرناه. وإنما المراد من الآية ذكر الخمس المأخوذ منها. وقول أبي حنيفة: إني أكره أن أفضل (١٢) بهيمة على مسلم؛ فعنه جوابان: أحدهما: أنه لا ينبغي أن يسوي بينهما أيضا. ثم إنه يسقط لأنه لو أتلف دابة لإنسان وهي تساوي عشرين ألف درهم؛

стр. 2192

للزم المتلف القيمة، ولو أتلف صاحبها؛ للزمه عشرة آلاف درهم، فقد فضل دابته عليه (١). والجواب الآخر: هو أن الجميع يصير إلى الفارس، فإن أراد أن لا يفضل الفرس على الراجل؛ فقد سوى بينهما (٢)، فلا ينكر الزيادة، وبالله التوفيق. * * * مَسْألة (١١): والهُجُن والبراذين بمنزلة الخيل إذا أجازها الوالي (٣)، والفرس من الخيل هو العربي، والبرذون هو النَّبطي، أبوه نبطي وأمه كذلك، والهجين أمه عربية وأبوه نبطي، [والمعرب] (٤) الذي أبوه عربي وأمه نبطية. وجميع هذا سواء عندنا وعند أبي حنيفة والشافعي (٥).

стр. 2193

وقال أحمد بن حنبل: يسهم للخيل التي هي العراب لكل فرس سهمان، وللبرذون سهم واحد (١). وقال مكحول (٢) والأوزاعي (٣): لا يسهم إلا للعربي، ولا يسهم للبرذون (٤). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (٥). فأمر بأن يربط للمشركين رباط الخيل، قيل: إنها الإناث (٦)، واسم الخيل يقع على الجميع. وقال النبي ﷺ : "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" (٧).

стр. 2194

وأراد بالخير الغنيمة، فذكر جنس الخيل. وأيضا فلا فرق بين العربي والنبطي؛ لأنهما جميعا يقع بهما الكر والفر، إلا أن العربي أجرى وأطوع لصاحبه، والبرذون أشد وأصبر، فبِإزاء ما في العربي من الحدة في الجريان والطاعة ما في البرذون من الصبر والشدة، وإن كان الأصل في ذلك أن يسهم للعربي بجريانه وسرعته، فالذي نص فيه على إناث الخيل لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (١)، إلا أن الذكور يقوم مقامها، فكذلك الهُجن والبراذين (٦٣). [ … ] (٢). فإن قيل: كل موضع روي فيه أن النبي ﷺ جعل وفرض للفرس وكذلك أعطى؛ فإنما أعطاه لأجل فرسه، وإطلاق اسم الفرس يختص بالعربي، فأما البرذون؛ فلا يدخل بالإطلاق تحت اسم الفرس، واسم البرذون أخص به، فإذا كان ﵇ إنما فرض للفرس؛ خرج فعله مخرج البيان، فلا ينبغي أن يفرض إلا لما فرض له، هذا هو الأصل، وكان ينبغي أن يفرض للبرذون شيء، ثم قامت الدلالة في أن يفرض له سهم باتفاقنا، وبقي السهم الآخر المختلف فيه واقفا على الدلالة. قيل: الأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (٣). يعني إناثها لشدة سرعتها، واسم الخيل ينطلق على الجميع، وفيه البراذن والهجن.

стр. 2195

فإذا قيل: إن النبي ﵇ جعل للفرس وفرض للفرس؛ فإنما فعل ذلك لأن الغالب من العرب أنها كانت تقتني العراب المحض، ففرض ﵇ لما وجده معهم. قيل: جعل للفرس ثلاثة أسهم، وراكب البرذون هو فارس لا محالة، وفيه تنبيه على أن كل فارس هذا حكمه، سواء كانت فرسه من العراب، أو الهجن، أو البراذن، وإنما خرج فعله ﵇ مخرج البيان في أن جنس الخيل يفرض لها دون غيرها من سائر الأجناس، مثل البغال والحمير والإبل. على أن الدلالة التي قامت لكم في فرض سهم واحد للبرذون أصلا إلا إذا هي الدلالة على أن يسهم له سهمان؛ لأن مؤنته ومؤنة العربي واحدة، وإنما زيد الفارس على سهم الراجل لزيادة مؤنته، فلا فرق بين الفرس العربي والبرذون، ونحن نقول: يسهم للخيل العراب لسرعتها، ولا يسهم للبرذون أصلا إلا إذا أجازها الولي، وهو إذا كانت العراب (٦٤) قليلة، ورأى أن يجيز البراذين والهجن؛ فإن صاحبها لا يكون راجلا، وهو فارس. وعلى كل حال؛ فللفارس الذي هو راكب البرذون وللهجين في القتال من الهيبة والسرعة ما ليس لغيره، مع كون الجميع من جنس الخيل، وإن كانت العراب أسرع؛ فهي كما أن إناثها أسرع من ذكورها، ثم يفرض للذكور كما يفرض للإناث لكونها كلها من جنس الخيل. وبالله التوفيق. وروي سليمان بن موسى قال: كتب أبو موسى إلى عمر: "إننا لما فتحنا تُستَر أصبنا خيلا، عراضا، فكتب إليه عمر تلك البراذن فأسهم لها" (١).

стр. 2196

وكتب [معاوية] (١) بن الحارث وكان يلي مَلَطْية (٢) إلى عمر بن عبد العزيز: إن رجالا يغزون بخيل ضعاف جُذّع وثُني (٣)، ليس فيها رد على المسلمين، ويغزو الرجل بالبرذون القوي الذي ليس دون الفرس إلا أن يقال برذون، فما ترى فيها؟ فكتب إليه عمر ما كان من الخيل الضعاف التي ليس فيها رد عن المسلمين؛ فأعلم أصحابها أنك غير مسهمها، وما كان من تلك البراذين رائع الجري والمنظر؛ فأسهمه سهما مثل الخيل العراب" (٤). وقال سفيان والحسن: "البراذين مع الخيل سواء" (٥). * * * مَسْألة (١٢): قال: ولا يسهم إلا لفرس واحد (٦). وبه قال أبو حنيفة (٧) والشافعي (٨).

стр. 2197

وقال [أحمد] (١) والأوزاعي وإسحاق: يسهم لفرسين، ولا يسهم لأكثر من ذلك (٢). وهو قول أبي يوسف (٣). ورأيت أبا بكر بن الجهم قد خالف مالكا ﵀ في ذلك، وقال: أنا بريء من هذا القول، فإنني رأيت من انتهى إلي من الفقهاء والمجاهدين وأهل الثغور كلهم يقولون: إنه يسهم لفرسين، فإن صاحب الفرس الواحد شبيه بالراجل؛ لأن الفرس الواحد لا تؤمن عليه الحوادث، وهي من الاثنين أبعد. قال: ومالك ﵀ لم يجاهد فيشاهد الأمر، ولعله ذهب (٦٥) عنه هذا. قال: وقد حدثنا الأنصاري قال: حدثنا عبد الله قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان وإسرائيل عن أبي إسحاق قال: "شهدنا غزاة مع سعيد بن عثمان، ومعنا هانئ بن هانئ، ومعنا فرسان، ومع هانئ [فرسان] (٤)، فأسهم لي ولفرَسَيّ خمسة أسهم، وأسهم لهانئ ولفرسيه خمسة أسهم" (٥).

стр. 2198

قال: وحدثنا الأنصاري قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن مكحول: "لا يسهم الرجل، لأكثر من فرسين إذا كان الرجل واحدا، وما كان سوى ذلك فهو جنائب" (١). قال: وحدثنا الأنصاري قال: حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى: "إن أدرب رجل بأفراس؛ قسم لكل فرس سهمان" (٢). قال: وحدثنا الأنصاري، حدثنا عبد الله، قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن يحيى بن سعيد: "في الرجل يكون معه الأفراس لا يقسم له عند المغنم إلا لفرسين" (٣). قال: وحدثنا محمد بن النضر، قال حدثنا معاوية، قال: حدثنا أبو

стр. 2199

إسحق، عن سفيان والأوزاعي: "إذا غزا بفرسين؛ أعطي خمسة أسهم، ولا يسهم لأكثر من ذلك" (١). فهذا على ما رواه إجماعا؛ لأن الحسن قاله وهو بصري، ومكحول وهو شامي، ويحيى بن سعيد مدني، والثوري وهو كوفي، وقد ذكر معهم في آخرين. قال: ولم أسمع أن أحدا قال غير هذا القول إلا مالكا وأبا حنيفة ومن ذكر معهما إلا في حديث حدثنيه بعض أصحابنا، قال: نا أحمد بن المؤمل الصنابحي بصري ثقة - قال: نا نصر بن علي قال: حدثنى أبي وأبو أحمد الزبيري عن عمرو بن العلاء عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﵇ أعطى للزبير سهما وللفرس سهمين [ … ] (٢) فجاء الزبير بن العوام بأفراس فلم يعطه النبي ﷺ إلا لفرس واحد (٣). وقال: وحدثنا بعض أصحابي قال: حدثنا محمد [بن يوسف] (٤)، (٦٦) قال: حدثنا محمد بن سنان القزاز، قال حدثنا أبو عاصم، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أن الزبير حضر بأفراس يوم حنين، فلم

стр. 2200

يسهم له رسول الله ﷺ إلا لفرس واحد" (١). وهذا أحسن من الأول، وهما يتقاربان في الضعف، واحتج أيضا من نصر هذا القول بما روي عن مكحول أن رسول الله ﷺ أعطى الزبير يوم [خيبر] (٢) خمسة أسهم، سهما له، وسهمين لفرسيه (٣). قالوا: ولأنه إنما يسهم له لأجل فرسه لما يلحقه من المؤونة، والمؤونة في الفرس الآخر موجودة. والدليل لقولنا ما رواه ابن الجهم بالإسناد الذي ذكره عن ابن عمر: "أن الزبير جاء إلى خيبر ومعه أفراس فلم يسهم له رسول الله ﷺ إلا لفرس واحد" (٤).

стр. 2201

فإن قيل: فقد روينا أنه أعطاه لفرسين (١). قيل: عنه جوابان: أحدهما أنه مرسل، وخبرنا متصل، فهو أولى. والجواب الآخر: هو أنه أعطاه سهم الفرس الراتب، ونفله الباقي بدلالة خبرنا، وقد روي أن النبي ﷺ حضر خيبر بثلاثة أفراس: السكب، [والظرب] (٢)، والمرتجز، ولم يأخذ إلا لفرس واحد، ولم يختلف أهل المغازي أنه لم يأخذ إلا لفرس واحد (٣). وأيضا فإنه زيادة على كفاية الفارس؛ فوجب أن لا يسم له، دليله الفرس الثالث. فإن قيل: ليس له كفاية في الفرس الواحد؛ لأنه قد يموت فيصير صاحبه راجلا. قيل: وقد يموت أيضا الثاني، ومع هذا لم يسهم للثالث. وأيضا فإن القتال لا يحصل على الأكثر من واحد، فالحاجة مفتقرة إليه، وما زاد عليه؛ فهو زينة وفخر، فلم يستحق السهم لما هو زينة وجمال،

стр. 2202

كما نقول: إن المرأة إذا كانت ممن يُخدَم مثلها؛ فعلى الزوج إخدامها بخادم واحد، ولا يلزمه أكثر من ذلك؛ لأن الكفاية تحصل به، وما (٦٧) زاد عليه؛ فهو فخر وجمال. وأما قولهم: إن المؤونة فيه كهي في الأول، ومع ذلك لا يسهم لثلاثة (١). وبالله التوفيق. * * * مَسْألة (١٣): وإذا دخل دار الحرب فارسا ثم مات فرسه قبل القتال؛ فلا يسهم لفرسه إذا حصلت [الغنيمة] (٢) والقسمة، بمنزلته لو مات [هو] (٣) قبل القتال (٤). فأما إذا مات فرسه في القتال أو بعده؛ فإنه يسهم له إذا حصلت الغنيمة، بمنزلته لو مات [هو] (٥) وقد شهد الوقعة (٦).

стр. 2203

وبه قال الشافعي (١). وقال أبو حنيفة: إذا دخل دار الحرب فارسا ثم مات فرسه قبل القتال؛ أسهم له من الغنيمة إذا حيزت (٢). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٣). فأضاف الله تعالى الغنيمة إلى الغانمين، فالظاهر اقتضى أن تكون الغنيمة بينهم بالسواء إلا أن تقوم دلالة. وأيضا فإن كل حالة لو مات الفارس فيها لبطل سهمه؛ فإذا مات الفرس بطل سهمه، أصله إذا كان القتال في دار الإسلام لما تقرر أنه لو مات الفارس قبل تقضي الحرب (٤). ولنا أن نقيس ذلك على الفارس، ونستدل منه أيضا باستدلال وقياس، فالاستدلال هو أن الفارس يستحق بنفسه لنفسه، وما يستحق بفرسه لنفسه فهو غيره، فلأن يبطل ثبوت [القدر] (٥) الذي يستحق به لنفسه؛ أولى (٦)؛ لأن

стр. 2204

موت ما يستحق به لنفسه أبلغ وأدخل، ولما سقط ما يستحقه بنفسه لنفسه؛ كان ما يستحقه بغيره لنفسه أبلغ في السقوط. ونحرر منه اعتلالا فنقول: هو حيوان يسهم له وقد مات قبل القتال؛ فوجب أن لا يسهم له، أصله إذا مات الفارس قبل الحرب. فإن قيل: إنما يبطل بموت الفارس؛ لأنه قد مات المستحق، وليس كذلك إذا مات الفرس وبقي الفارس؛ لأن الفارس باق. قيل: هذا غلط، لا يجوز أن يكون بطلانه بموت الفارس، وإنما هو بموته قبل [القتال والغنيمة] (١) (٦٨) بدلالة شيئين: أحدهما: موت الفارس. والثاني: هو أن الاستحقاق إنما يحصل إذا زالت يد المشركين عما في أيديهم، وبدخوله دار الحرب قبضة المشركين على ما في أيديهم قائمة، فلا هي وجدت، ولا سببها الذي هو القتال موجود، فإذا كان موت [الفرس] (٢) قبل وقت الاستحقاق وكذلك موت الفارس؛ فإنه في هذه الحالة لا يستحق سهما؛ فهو كالمساكين الذين يستحقون الصدقات بحلول [الحول] (٣)، ثم لو مات بعضهم قبل الحول؛ لم تكن له في صدقة ذلك الحول شيء؛ لأنه مات قبل وقت الاستحقاق. فإن قيل: إنما أسهم للفرس لما يقع من الإرهاب للعدو، وقال الله تعالى:

стр. 2205

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (١). فإذا كان سبب الإسهام له هو لأجل الإرهاب؛ فبدخوله دار الحرب يوجد الإرهاب، فوجب أن يستحق السهم، ولا يسقط بموته (٢). قالوا: ولأن أول الغلبة تقع بالدخول إلى دار الحرب، ألا ترى إلى ما روي عن علي ﵁ أنه قال: "ما غزي قوم في دارهم وروي في عقر دارهم إلا ذُلُّوا" (٣). فإذا كان يقع به بعض الغلبة والقهر؛ وجب أن يكون ذلك الوقت هو وقت الاستحقاق. والجواب عن الفصل الأول من وجهين: أحدهما: أننا نقول: ليس الإرهاب علة الاستحقاق ولا هو وقته، وإنما سبب الاستحقاق معنى آخر. والوجه الآخر: هو أنه لو كان السبب هو الإرهاب؛ فإن الإرهاب لا يحصل بدخول دار الحرب، وإنما هو بالقتال والمبارزة وهو فارس. على أنه منكسر بموت الفارس؛ لأن بدخوله دار الحرب [يحصل به] (٤) الإرهاب كما يحصل بفرسه، فلما كان يسقط بموته سهمه؛ سقط

стр. 2206

سهم فرسه بموت الفرس. والجواب عن الفصل الثاني؛ فإننا نقول: إنه لا يوجد شيء من القهر (٦٩) والغلبة بدخول دار الحرب، وهو معلوم حسا. ثم نقول: لو وجد بعض الغلبة؛ لم يقع الاستحقاق، وإنما يحصل الاستحقاق بجميع الغلبة. وقول علي ﵁: "ما غزي قوم في دارهم إلا ذلوا"؛ فالاستحقاق لا يحصل بالإذلال، إذ لو حصل بالإذلال؛ لكان الفارس قد استحق السهم بدخوله دار الحرب وإن مات، لأن الإذلال قد حصل. على أن قوله "غزي" عبارة عن القتال، لا عن دخوله دار الحرب حسب. فإن قيل: إنه قد حصل فارسا وقت وجود سبب الاستحقاق؛ فوجب يستحق السهم، أصله وقت تقضي الحرب. قالوا: ولأنه لا يخلوا إما أن يستحق سهم الفارس لدخوله دار الحرب فارسا، أو لكونه فارسا وقت القتال، أو لقتاله على الفرس. فيبطل أن يكون بقتاله على الفرس؛ لأنه لو حضر فارسا ولم يقاتل عليه؛ لاستحق سهم الفارس بإجماع. وبطل أن يكون استحقاقه لحضوره القتال فارسا لشيئين: أحدهما: أن الإمام لو قصد قتال المشركين فلم يثبتوا له وانهزموا؛ فإنه يستحق السهم، ولم يوجد هناك قتال.

стр. 2207

والثاني: أن الفارس لو حضر وترك فرسه في موضع غير القتال؛ لأسهم له، وهو لم يحضر القتال فارسا، فبطل أن يكون استحقاقه لحضوره القتال فارسا، وعلم أنه استحق لدخوله دار الحرب فارسا، وهذا سؤال لهم جيد. فالجواب عن الفصل الأول: هو أن دخوله دار الحرب فارسا ليس بسبب الاستحقاق بدلالة ما ذكرناه من الشيئين، وساقط بموت الفارس، وإنما موته قبل وجود سبب الاستحقاق، فلم يسلم ما ذكروه. على أن المعنى في دخول القتال هو أنه زمان لو مات فيه الفارس؛ لم يبطل سهمه، فكذلك لم يبطل سهم فرسه. وأما الفصل الثاني من التقسيمات التي قسمتوها؛ فإننا نقول: [لو كان] (١) لا يستحق السهم إلا لكونه قد حضر في القتال حسب؛ لكان الفرس [ … ] (٢) في الإصطبل لأنه (٧٠) إذا احتاج إليه [ … ] (٣) لا يستحقها الجيش لأنهم لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، فهي كالجزية. فإن قيل: فإن الفارس متبوع، والفرس تبع، وموت التبع لا يسقط سهمه مع بقاء المتبوع. قيل: هذا هو الدلالة عليكم، وذلك أنه لما بطل بموت المتبوع ما يستحقه بالتابع؛ فلأن يبطل ما استحق بالتابع بموت التابع أولى. وأيضا فلو وهب فرسه أو باعه بعد دخول دار الحرب وقبل القتال؛ لم

стр. 2208

يسهم له (١)، كذلك إذا أبق قبل القتال والغنيمة، ولو اعتبر دخوله دار الحرب؛ لاستحق السهم مع بيعه وهبته قبل القتال؛ لأن الاستحقاق أو سببه قد حصل وهو في ملك صاحبه، فلما لم يقل هذا أحد؛ بطلت مراعاة الدخول أن لا يسم له، فلما أسهم له؛ علمنا أن المراعاة هو حضور القتال. * * * مَسْألة (١٤): اختلف الناس في فتح مكة؛ فذهب مالك وأبو حنيفة وجماعة الفقهاء من المتقدمين والمتأخرين وأهل الأخبار والسير إلا أنها فتحت عنوة (٢). وقال الشافعي وحده: فتحت صلحا (٣). وفائدة الخلاف في هذه المسألة معلق بمواضع: منها: ما نقوله نحن وأبو حنيفة أن الغانمين لا يملكون الغنائم ملكا مستقرا بنفس الغنيمة (٤). وعندنا نحن أنه يجوز للإمام أن يمن ويعفو عن جملة الغنائم، كما منّ على الأسارى وهم من جملة الغنائم.

стр. 2209

ولا نختلف نحن والشافعي أن للإمام أن يمن ويفادي، وله أن يوقفها لمصلحة يراها؛ لأن النبي ﷺ فتح مكة عنوة فمن عليهم، وعفا عن أموالهم كلها (١). ومن الناس من قال: هذا خصوص للنبي ﵇ دون (٧١) غيره من الأئمة. وفائدة أخرى: وهي أن أبا حنيفة عنده أن الأراضي التي فتحت عنوة للإمام أن يخمسها، ويجوز أن يمن بها ويضرب عليها خراجا. ومن الناس من يقول: إن مكة فتحت عنوة، وإن أرضها غير مملوكة؛ لقوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (٢). وهذا عندي يشبه أن يكون قول مالك ﵀؛ لأنه يكره أن تكرى بيوت مكة، وذكر أن أبواب الدكاكين كانت تقلع في أيام الموسم. والدليل لقول الجماعة في أنها فتحت عنوة: الكتاب، والسنة، والأخبار الصحيحة في السير. فأما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (٣). وإطلاق اسم الفتح يتناول العنوة، يدل على ذلك أن القائل إذا قال: [فتح] (٤) الخليفة بلد كذا وكذا [أفاد أنه] (٥) فتح قهر وعنوة دون الصلح.

стр. 2210

وأيضا فإن هذا الكلام خرج مخرج الامتنان، وغاية الامتنان إنما يكون بالفتح على وجه العنوة؛ لأن ما كان صلحا فإنه يكون بعقد وعهد وتراض من متعاقدين، وما كان على هذا الوجه؛ لا يقع فيه غاية الامتنان، يدلك على ذلك أن سائر العقود التي تحصل بين المتعاقدين ويعتبر فيها التراضي منهم لا يتعلق بها امتنان لتساويهما فيها. على أنه تعالى أيد ذلك بقوله: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ (١). والنصر العزيز لا يكون باتفاق من الطائفتين وتراضيهم؛ لأنه يحصل كل طائفة منهم منصورة على هذا التقدير، فبان بهذا أن النصر العزيز ما كان بالعنوة والقهر دون الصلح. وقال تعالى في سياق الآيات حيث بلغ إلى ذكر الكفار: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ (٢). فعلم أن النصر العزيز الذي يحصل به عليهم دائرة السوء؛ هو ما ذكرناه من القهر والغلبة بغير تراض منهم وأنهم مخيرون في الرضا والترك، وهذا (٧٢) [ … ] (٣) بخلاف القهر والغلبة الذي في غاية العزة والنصر، وإذا دخلها صلحا؛ حصل التساوي من الجهتين جميعا، وقد أخبر الله تعالى بالافتراق بين الحالتين. فإن قيل: فإن المراد بالآية فتحا ظاهرا يتمكن به من قتالهم وحقوقهم
следующие страницы →