سهم فرسه بموت الفرس.
والجواب عن الفصل الثاني؛ فإننا نقول: إنه لا يوجد شيء من القهر (٦٩) والغلبة بدخول دار الحرب، وهو معلوم حسا.
ثم نقول: لو وجد بعض الغلبة؛ لم يقع الاستحقاق، وإنما يحصل الاستحقاق بجميع الغلبة.
وقول علي ﵁: "ما غزي قوم في دارهم إلا ذلوا"؛ فالاستحقاق لا يحصل بالإذلال، إذ لو حصل بالإذلال؛ لكان الفارس قد استحق السهم بدخوله دار الحرب وإن مات، لأن الإذلال قد حصل.
على أن قوله "غزي" عبارة عن القتال، لا عن دخوله دار الحرب حسب.
فإن قيل: إنه قد حصل فارسا وقت وجود سبب الاستحقاق؛ فوجب يستحق السهم، أصله وقت تقضي الحرب.
قالوا: ولأنه لا يخلوا إما أن يستحق سهم الفارس لدخوله دار الحرب فارسا، أو لكونه فارسا وقت القتال، أو لقتاله على الفرس.
فيبطل أن يكون بقتاله على الفرس؛ لأنه لو حضر فارسا ولم يقاتل عليه؛ لاستحق سهم الفارس بإجماع.
وبطل أن يكون استحقاقه لحضوره القتال فارسا لشيئين:
أحدهما: أن الإمام لو قصد قتال المشركين فلم يثبتوا له وانهزموا؛ فإنه يستحق السهم، ولم يوجد هناك قتال.
стр. 2207
والثاني: أن الفارس لو حضر وترك فرسه في موضع غير القتال؛ لأسهم له، وهو لم يحضر القتال فارسا، فبطل أن يكون استحقاقه لحضوره القتال فارسا، وعلم أنه استحق لدخوله دار الحرب فارسا، وهذا سؤال لهم جيد.
فالجواب عن الفصل الأول: هو أن دخوله دار الحرب فارسا ليس بسبب الاستحقاق بدلالة ما ذكرناه من الشيئين، وساقط بموت الفارس، وإنما موته قبل وجود سبب الاستحقاق، فلم يسلم ما ذكروه.
على أن المعنى في دخول القتال هو أنه زمان لو مات فيه الفارس؛ لم يبطل سهمه، فكذلك لم يبطل سهم فرسه.
وأما الفصل الثاني من التقسيمات التي قسمتوها؛ فإننا نقول: [لو كان] (١) لا يستحق السهم إلا لكونه قد حضر في القتال حسب؛ لكان الفرس [ … ] (٢) في الإصطبل لأنه (٧٠) إذا احتاج إليه [ … ] (٣) لا يستحقها الجيش لأنهم لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، فهي كالجزية.
فإن قيل: فإن الفارس متبوع، والفرس تبع، وموت التبع لا يسقط سهمه مع بقاء المتبوع.
قيل: هذا هو الدلالة عليكم، وذلك أنه لما بطل بموت المتبوع ما يستحقه بالتابع؛ فلأن يبطل ما استحق بالتابع بموت التابع أولى.
وأيضا فلو وهب فرسه أو باعه بعد دخول دار الحرب وقبل القتال؛ لم
стр. 2208
يسهم له (١)، كذلك إذا أبق قبل القتال والغنيمة، ولو اعتبر دخوله دار الحرب؛ لاستحق السهم مع بيعه وهبته قبل القتال؛ لأن الاستحقاق أو سببه قد حصل وهو في ملك صاحبه، فلما لم يقل هذا أحد؛ بطلت مراعاة الدخول أن لا يسم له، فلما أسهم له؛ علمنا أن المراعاة هو حضور القتال.
* * *
مَسْألة (١٤):
اختلف الناس في فتح مكة؛ فذهب مالك وأبو حنيفة وجماعة الفقهاء من المتقدمين والمتأخرين وأهل الأخبار والسير إلا أنها فتحت عنوة (٢).
وقال الشافعي وحده: فتحت صلحا (٣).
وفائدة الخلاف في هذه المسألة معلق بمواضع:
منها: ما نقوله نحن وأبو حنيفة أن الغانمين لا يملكون الغنائم ملكا مستقرا بنفس الغنيمة (٤).
وعندنا نحن أنه يجوز للإمام أن يمن ويعفو عن جملة الغنائم، كما منّ على الأسارى وهم من جملة الغنائم.
стр. 2209
ولا نختلف نحن والشافعي أن للإمام أن يمن ويفادي، وله أن يوقفها لمصلحة يراها؛ لأن النبي ﷺ فتح مكة عنوة فمن عليهم، وعفا عن أموالهم كلها (١).
ومن الناس من قال: هذا خصوص للنبي ﵇ دون (٧١) غيره من الأئمة.
وفائدة أخرى: وهي أن أبا حنيفة عنده أن الأراضي التي فتحت عنوة للإمام أن يخمسها، ويجوز أن يمن بها ويضرب عليها خراجا.
ومن الناس من يقول: إن مكة فتحت عنوة، وإن أرضها غير مملوكة؛ لقوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (٢).
وهذا عندي يشبه أن يكون قول مالك ﵀؛ لأنه يكره أن تكرى بيوت مكة، وذكر أن أبواب الدكاكين كانت تقلع في أيام الموسم.
والدليل لقول الجماعة في أنها فتحت عنوة: الكتاب، والسنة، والأخبار الصحيحة في السير.
فأما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (٣).
وإطلاق اسم الفتح يتناول العنوة، يدل على ذلك أن القائل إذا قال: [فتح] (٤) الخليفة بلد كذا وكذا [أفاد أنه] (٥) فتح قهر وعنوة دون الصلح.
стр. 2210
وأيضا فإن هذا الكلام خرج مخرج الامتنان، وغاية الامتنان إنما يكون بالفتح على وجه العنوة؛ لأن ما كان صلحا فإنه يكون بعقد وعهد وتراض من متعاقدين، وما كان على هذا الوجه؛ لا يقع فيه غاية الامتنان، يدلك على ذلك أن سائر العقود التي تحصل بين المتعاقدين ويعتبر فيها التراضي منهم لا يتعلق بها امتنان لتساويهما فيها.
على أنه تعالى أيد ذلك بقوله: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ (١).
والنصر العزيز لا يكون باتفاق من الطائفتين وتراضيهم؛ لأنه يحصل كل طائفة منهم منصورة على هذا التقدير، فبان بهذا أن النصر العزيز ما كان بالعنوة والقهر دون الصلح.
وقال تعالى في سياق الآيات حيث بلغ إلى ذكر الكفار: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ (٢).
فعلم أن النصر العزيز الذي يحصل به عليهم دائرة السوء؛ هو ما ذكرناه من القهر والغلبة بغير تراض منهم وأنهم مخيرون في الرضا والترك، وهذا (٧٢) [ … ] (٣) بخلاف القهر والغلبة الذي في غاية العزة والنصر، وإذا دخلها صلحا؛ حصل التساوي من الجهتين جميعا، وقد أخبر الله تعالى بالافتراق بين الحالتين.
فإن قيل: فإن المراد بالآية فتحا ظاهرا يتمكن به من قتالهم وحقوقهم
стр. 2211
منه، فإذا أطاعوا على هذا الوجه؛ فهو فتح بيّن.
قيل: إن التمكن لا يحصل من الصلح؛ لأنهم لا يكونون بالخوف مِنّا وإجابتهم إلى الصلح بأولى منا في خوفنا منهم وإجابتنا إلى صلحهم، وليس هذا صورة الفتح العزيز، ومعلوم أن قهرنا وغلبتنا إياهم حتى نملك جميع ما في أيديهم مع رقابهم - مع إقامتهم على الكفر -؛ أعز وأبلغ في النصر، هذا معلوم ضرورة، ألا ترى أنهم متى امتنعوا من الصلح؛ لم يتم الفتح.
ثم يؤكد ما ذكرناه؛ أن الله تعالى أضاف الفتح إلى نفسه بقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (١).
وهذا فيه نهاية الامتنان، وما تولاه هو تعالى فلا يكون إلا على غاية القهر لأعدائه.
فإن قيل: فإن لنا على قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ اعتراضين:
أحدهما: أننا نقول: هذه الآية لم تنزل في فتح مكة، وإنما نزلت عام الحديبية في فتح الحديبية سنة ست [حين] (٢) صالح سهيل بن عمرو [على أن يعودوا] (٣) في القابل، فلما رجع من الحديبية؛ نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، فقال عمر بن الخطاب: "أفتح يا رسول الله؟ قال: نعم" (٤).
стр. 2212
فإذا كان في سنة ست وفتحُ مكة في سنة ثمان؛ علم أنه لم يرد بالآية فتح مكة، وإنما أراد فتح الحديبية، وكان ذلك فتحا، ألا ترى إلى قول عمر: "أفتح يا رسول الله؟ قال: نعم".
وروي عن جابر أنه قال: "ما كنا نعد الفتح إلا فتح الحديبية" (١).
والاعتراض الآخر: هو أننا لو سلمنا أن الآية نزلت في فتح مكة؛ فإن الفتح لا يقتضي فتحا بالسيف عنوة؛ لأن الفتح ليس أكثر من أن تجري على المشركين أحكام الإمام وتظهر، وهذا المعنى يوجد (٧٣) إذا فتح صلحا، كما يوجد إذا فتح بالسيف.
والجواب: هو أن الذي نزل في الحديبية قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢)، مع ما ذكر فيها من صد المشركين الهدي ومن بمكة من المؤمنين، وتصديق رؤيا رسول الله ﷺ بقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٣).
ويقال: الفتح القريب الذي أعطاه الله تعالى رسوله من الظفر على عدوه في القضية التي قاضاها عليها يوم الحديبية على أن يرجع من العام المقبل (٤).
стр. 2213
وقال أناس: الفتح القريب خيبر وما ذكر فيها (١)، وقد سماه الله تعالى في أنه أخرج فتح خيبر فتحا قريبا فقال تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٢).
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾؛ فإنما نزل بعد ذلك في عشر آيات بشارة للنبي ﵇ بأنه سينصر نصرا عزيزا، وأن الله تعالى يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويتم نعمته عليه، فكان كل ذلك بشارة بما يقع عليه من مكة، وبالظفر بمن نافق، وطاعة من أطاع.
وما حكوه من قول عمر: "أفتح يا رسول الله" (٣)؛ إنما هو لَمّا بُشِّر بما يكون؛ استفهمه فقال: أنزل عليك الفتح؟ فقال: "نعم" (٤).
أما الحديبية؛ فإنما قال بعض الناس: ما هذا بفتح؛ لقوله تعالى: ﴿فَتْحًا مُبِينًا﴾، فقال الرجل: لقد صددنا عن البيت، وصد هدينا، ورد رسول الله ﷺ رجلين من المؤمنين كانا خرجا، فبلغ ذلك الرسول ﷺ ، فقال: بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتوح، يعني التي مضت، قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم [فالراح] (٥) ويسألوكم القضية"، وغير هذا من الكلام.
وإذا كان هذا هكذا؛ علم أن قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (٧٤) [لم
стр. 2214
يكن] (١) في الحديبية، وأن الفتح المبين الذي فيه النصر العزيز ويقع به نهاية الامتنان؛ هو الذي يكون بالقهر والغلبة بغير اختيار من المشركين أعداء الله ورسوله.
وأما الفصل الثاني وأن الفتح يكون بغير السيف، وأن أحكام الإمام تجري عليهم؛ فإننا نقول: هذا فتح للمسلمين والكفار، لأنهم إذا صولحوا على شيء ورضوا به؛ فقد اختاروه ورضوا به كما اختار المسلمون ذلك ورضوا به، فليس إحدى الطائفتين بأولى من الأخرى، وهذا إن كان فيه أنهم ينزلون على بعض ما يختارونه، وعلى شيء يكرهونه؛ فهذا بغير اختيار، وهذا لا يكون إلا بالسيف، ومع هذا فإنه إذا قيل "فتح مكة" و "فتحت مكة"؛ لم يعقل منه أن الكفار فتحوها طوعا، وإنما المسلمون فتحوها قهرا وكرها.
ولنا أيضا قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ (٢).
فخرج هذا على الوعد والأمن وزوال الخوف، وغايةُ الأمن وزوال الخوف لا يكون في الصلح، وإنما يكون في العنوة والقهر، ألا ترى أنه متى صالحهم؛ فجماعتهم موجودة، وشوكتهم باقية قوية، فلا يؤمن منهم الغدر، فالواجب حمل الآية على غاية الأمن؛ لأنها خرجت على وجه الامتنان وتسكين النفس إلى دخولها، وهذا على الوجه الذي ذكرناه.
стр. 2215
وأيضا قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (١).
[فقرن بالقهر والغلبة إظهار] (٢) كلمتهم، وإذا كان بصلح؛ فالاشتراك قائم لأنه بتراض من الطائفتين، ولا يجوز أن يظن بالله تعالى أنه نصر أعداءه، فينبغي أن يختص بالنصر من يقهر ويغلب، ولا يترك تحت بعض أحكام المشركين، وهذا لا يكون إلا بالعنوة، ألا ترى أنه تعالى لم يسم الصلح عام الحديبية نصرا وإن جاز [أن] (٣) يسمى فتحا على وجه؛ لأنه لو كان نصرا؛ (٧٥) لم يكن النبي ﵇ مصدودا، والمؤمنون معه كذلك، ولم يقل في الحديبية عام الفتح، كما قيل في مكة: عام الفتح.
وأيضا ما روي أن النبي ﵇ صالح أهل مكة عام الحديبية على أن يضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين (٤)، ثم إن أهل مكة نقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه ﵇ بقتالهم خزاعة حلفاء الرسول ﷺ ، ثم سألوا أبا سفيان أن
стр. 2216
يجدد لهم العهد، فامتنع النبي ﵇ عن ذلك (١)، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (٢) بعد أن قال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ (٣).
فأوجب قتالهم حيث نكثوا أيمانهم، وغير جائز أن يترك ﵇ ما أمر به من قتالهم بعد قول الله تعالى في الآية: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤).
فأمر بقتالهم، وخبّر بما يكون من النصر والتشفي خبرا لا يجوز أن ينقلب، فلا يقع بخلاف مخبره، فكيف يجوز أن يعدل عن ذلك ﵇ ويصالحهم من غير حاجة تدعوه إلى ذلك، مع إخبار الله تعالى أنه يعذبهم بأيدي المؤمنين، ويخزهم وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم، وهذا كله لا يكون إلا بالقهر والغلبة.
فإن قيل: فهذا يوجب على النبي ﷺ أن يقاتل ولا يترك عن القتال، ولا يَمُن، وأنتم تقولون: إنه من عليهم وترك القتال، فكيف تحتجون بهذا.
قيل: إن القتال ليس مقصورا على مباشرة الأفعال حسب، بل يكون
стр. 2217
بالقصد والعزم، والقول والمباشرة، والصلح ضد هذا كله.
على أن القتال قد وقع من خالد وغيره، فلو كان ﵇ قد صالحهم؛ لم يحصل (٧٦) تعذيب لهم وخزي ونصر، وشفاء لما في صدور المؤمنين؛ لأن الطائفتين قد تشاركا في التراضي في دخلوا عليه، ونحن نعلم أن النصر والخزي والتشفي إذا أطلق؛ لم يقع إلا بالمبالغة فيهم مع كونهم أعداء الله ورسوله، فأما الصلح؛ فلا يصلح فيه شيء من ذلك، ولا غضاضة [فيه] (١) على أحد الفريقين.
ويبين هذا أن ترك الصلح يؤول إلى القتال، وبقاء الصلح يؤدي إلى تركه لأجل بقائهم على عقد الصلح، وهذا ينفي جميع ما ذكر في الآية من الشروط التي خبر الله تعالى بكونها، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (٢)، وقد كان ﵇ بهذه الصفة وقت فتح مكة، وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾، فنهاهم عن الصلح فيها مطلقا.
فإن قيل: إنما منع الله تعالى من الدعاء إلى الصلح إذا كانت اليد عالية، ولم يمنع من الصلح، ونحن كذا نقول: إنه متى كانت اليد عالية؛ لا يجوز أن يدعوهم إلى الصلح، ولكن إذا دعوه هم إلى الصلح؛ جاز أن يصالح لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (٣).
قيل: إن الآيتين إذا استعملتا من غير أن يُعترَض بإحداهما على
стр. 2218
الأخرى؛ كان أولى، ونحن نحمل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (١) على الحالة التي لا تحصل فيها القوة والغلبة، والآية الأخرى تمنع من الصلح إذا كانت القوة والغلبة، وقد كان ﵇ وقت فتح مكة بهذه الصفة، على أنهم إن دعوه إلى الصلح ورضي به؛ فهو أيضا داع إليه، لا يقع إلا بتراض من الطائفتين جميعا.
وهذا الاستعمال الذي ذكرناه يؤدي إلى استعمال الشرطين جميعا.
على أنه قد قيل: إن قوله تعالى ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (٢) كان في الحديبية (٣)، ثم نزل قوله تعالى بعد أن وعده بالفتح والنصر: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ (٤) لأن الله قد وعدكم أنه يعذبهم بأيديكم، ويخزيهم، (٧٧) وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم، فذكرنا ما يدل عليه القرآن.
فأما السنة؛ فإنه روي أن النبي ﵇ قال فيما رواه أبو الزبير عن جابر
стр. 2219
عنه أنه قال يوم فتح مكة: "أفطروا فإنه يوم قتال" (١).
وما خبر ﵇ أنه يوم قتال؛ لا يكون يوم صلح.
وأيضا ما روي عنه ﵇ أنه قال: كل مدينة فتحت بالسيف إلا المدينة فإنها فتحت بقول لا إله إلا الله" (٢).
ففرق بين الفتح والصلح، ونفى أن تكون مدينة فتحت إلا بالسيف إلا المدينة.
فإن قيل: فإننا نقول بموجب هذا الخبر، وذلك أن البلاد كلها فتحت لخوف السيف، فبعضها عنوة بالسيف، وبعضها بالصلح، ولكن من الفزع وخوف السيف، ومكة مما فتحت صلحا خوف السيف، وفتح المدينة على خلاف هذا؛ لأنها فتحت على طوع أهلها، لأنهم قدموا على النبي ﵇ من غير فزع من جهته، وإنما هم عرضوا أنفسهم على النبي ﵇.
стр. 2220
قيل: قول النبي ﵇: "فتحت بالسيف"؛ لا يعقل منه خوف السيف، وعلى أن خوف السيف لا يوجب صلحا؛ لأن النبي ﵇ إذا علم خوفهم من السيف؛ لم يجز أن يصالحهم؛ لأنه لا يكون الخوف إلا ممن هو أعلى وأظهر، وقد نهى أن يصالح مع كونه أعلى وأظهر لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، وإنما إذا وقعت المكافأة؛ جاز الصلح، وليس لقائل أن يقول: إنهم صالحوه خوف السيف؛ إلا ولقائل أن يقول: إنه صالحهم خوفا منهم، إذ لو لم يخفهم؛ لقهرهم وغلبهم، ومن هو قادر على الغلبة والقهر حتى يملكهم ويدخلهم تحت جميع أحكامه؛ لم يجز أن يدخل تحت بعض ما يختارونه وبعض ما يجري عليهم فيه حكمه وهو قادر على أعز الأمرين وأعلاه، فكيف وقد خبره الله تعالى أنه (٧٨) ينصرهم ويخزي الكافرين، ويعذبهم ويشفي صدور المؤمنين، وإذا كان هذا على ما ذكرناه؛ سقط ما ذكروه.
وأيضا فما روي عن بعض الصحابة قال: إن النبي ﵇ أذن لنا يوم الفتح في قتال بني بكر حتى أصبنا منهم ثأرنا بمكة، ثم أمرنا ﵇ برفع السيف" (١).
وهذا نص في أنها فتحت عنوة.
وأيضا فما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة قال: "كفوا السلاح" (٢).
وأيضا فما رواه عمرو بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع
стр. 2221
المخزومي قال: حدثني جدي عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: "أربعة لا أؤمنهم في حل ولا حرم، منهم القينتان" (١).
فقوله ﵇: "لا أؤمنهم"؛ يدل على أنه أمن الباقين، وهذا يدل على ما نقوله من أنه أمنهم، فلو كان فتحها صلحا؛ لكانوا آمنين بالصلح، ولم يحتج أن يؤمنهم.
وأيضا فما روي أنه ﵇ دخل مكة وعلى رأسه المغفر (٢)، وقال: "إن مكة حرام حرمها الله تعالى، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من النهار" (٣).
ولم تحل لي إلا لأجل القتال.
وأيضا فما روي أن علي بن أبي طالب ﵁ دخل على أم هانئ، فرأى
стр. 2222
عندها مشركَين شاكَّين (١) في السلاح، فهم بقتلهما حتى قالت له: "إني أجرتهما" (٢).
فلو كان ﵇ دخلها بعقد أمان؛ لم يكن علي ﵇ يهم بقتلهما؛ لأنهما قد أمنا بعقد الأمان والصلح، ولم يكونا محتاجين إلى أن تجيرهما أم هانئ.
فإن قيل: فإن قوله ﵇: "أحلت لي مكة ساعة من نهار" (٣)؛ فإن معناه: إنها أحلت لي ساعة من النهار في أن أدخلها لابسا للسلاح والثياب، والنبي ﷺ مخصوص بذلك، لأن أحدا قبله ﵇ وبعده لا يجوز له دخول مكة إلا محرما مجردا عن الثياب.
قيل: عنه (٧٩) جوابان:
أحدهما: أنه لو دخلها صلحا؛ لم يحتج إلى دخولها على رأسه المغفر، ولا أن يكون لابسا للسلاح، وكان يدخلها محرما مجردا، يدل على أنه أحلت له لأجل أن يدخلها عنوة بقهر وغلبة.
والجواب الآخر: هو أن حمله على ترك الإحرام يسقط فائدة التخصيص؛ لأنه ﵇ وغيره سواء؛ لأنه إذا كان فيها قتال؛ جاز له ولغيره أن يدخلها بغير إحرام.
стр. 2223
فإن قيل: وكذلك حمله على القتال يسقط فائدة التخصيص؛ لأن من لا يمكنه دخول مكة إلا بقتال؛ كان له أن يدخلها بقتال، وحل القتال له، سواء كان نبيا أو غير نبي.
قيل: إنما غرضنا من هذا أنه دخل على غير صفة الصلح، وقد صح ذلك، ثم إننا نحمل الأمر على الأمرين جميعا ما ذكرتموه وما ذكرناه؛ لأنهما لا يتنافيان معا إلا بكون صفته صفة من دخلها صلحا.
فإن قيل: هذا لا يصلح حمله عليهما؛ لأنه مضمر، وادعاء العموم في المضمر لا يجوز.
قيل: هذا غلط، ليس هاهنا شيء مضمر، وإنما هو ذا يتأول، والتأويلان إذا لم يتنافيا؛ أن يكونا مرادين وحمله عليهما أولى؛ لأنه إن كان أحدهما هو الصحيح عند الله تعالى؛ فقد أصبناه لا محالة إذا استعملناهما جميعا، وإذا تركنا أحدهما؛ جاز أن يكون هو المراد فحمله عليهما أولى.
فإن قيل: فإن قصة علي ﵇ وهمه بقتل المشركَين في بيت أم هانئ (١) إنما كان ذلك لأنهما لم يقبلا عقد الصلح؛ لقول النبي ﵇: "من ألقى سلاحه، فهو آمن"، وكان عليهما السلاح.
قيل: إن عقد الصلح يقتضي الأمان على كل حال بعد أن لا يقاتلوا، فسواء علق عليه الثياب وهو لابس للسلاح، أو دخل المسجد وهو لابس السلاح، وكذلك لو دخل دار أبي سفيان وعليه السلاح ولم يقاتل؛ فهو آمن، وهذان (٨٠) قد دخلا دار أم هانئ وقالت: أجرتها، فقبل علي ﵁ قولها:
стр. 2224
أجرتهما، ولو كانا لم يقبلا الصلح؛ لم تجرهما أم هانئ، وتركهما علي وعليهما السلاح كان في هذا أوضح دلالة على أنه دخلها عنوة.
على أن في الخبر أن أم هانئ دخلت على رسول الله ﵇ وهو يغتسل، وفاطمة ﵍ تستره بثوب، فقال: "من أنت؟ فقالت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: أهلا وسهلا ومرحبا، ما جاء بك يا أم هانئ؟ فقالت: هذا ابن أمي علي يزعم أنه قاتل رجلا أجرته، فقال ﵇: قد أجرنا من أجارت أم هانئ" (١).
ولم يذكر فيه أنه لم يقبل الصلح، ولا غير ذلك، وهذا ظاهر في ترك الصلح، فلا ينبغي أن يتطلب له تأويلات ضعاف ليبطل الظاهر وينصر المذهب، بل ينبغي أن يبنى المذهب على الدلائل الظاهرة من غير عنت ولا تعسف لا يثبت.
وأيضا فما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﵇ لما نزل بمر الظهران (٢)؛ رتب العسكر، فجعل الزبير في الميمنة، وخالدا في الميسرة، وأبا عبيدة بن الجراح في القلب، وصار في كتيبة عظيمة من الأنصار وغيرهم، وقال: إن قريشا قد جمعت أوباشا، وقال لخالد احصدوهم حصدا حتى تلقوني على الصفا (٣)، إلى أن دخل وقد اجتمعت الطوائف من المشركين، فقالوا له: أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال ﵇ لهم: "فأنتم الطلقاء" (٤).
стр. 2225
فكيف يكون الصلح مع هذه الصورة من تعبئة الجيوش مستعدين، ويقول لخالد: احصدوهم حصدا، فيمضي خالد ويقتل من قتل، ويقول: أنتم الطلقاء قد أعتقتم.
على أنه ﵇ لما صالح عام الحديبية على ما هو دون الفتح العظيم؛ كتب القضية والصلح، وظهر العقد بينهم بالموافقات والتقرير، وإنما كان على أن (٨١) [يترك العمرة، ويعود إليها من العام القابل] (١)، فكيف يصالح على هذا الأمر العظيم ويخفى نقله على أهل السير والأخبار، والفقهاء المتقدمين والمتأخرين، وينتشر ويشتهر الصلح عام الحديبية فيتفق عليه الخاص والعام، ويحصل الحكم به، ثم يذهب الصلح على مكة فلا يظهر لأحد إلا الشافعي فإنه يستدل على ذلك باستدلالات لا تثبت.
ومع ما نقله أهل السير والأخبار والفقهاء؛ فقد روي عن أبي بن كعب أنه قال: "دخل رسول الله ﵇ مكة عنوة، فقال رجل: لا قريش بعد هذا اليوم (٢)، فقال ﵇: الأسود والأبيض آمن إلا ابن خطل والقينتين ومن ذكر معهم" (٣).
فأخبر بدخوله ﵇ عنوة، وقول الرجل: "لا قريش بعد هذا اليوم" أي أنهم يقتلون فلا يبقى منهم أحد.
ثم قول النبي ﵇: آمن إلا من استثناه، وهذا كله يدل على صحة قولنا،
стр. 2226
ولا يعقل من قول أُبي: "عنوة"؛ الصلح.
فإن قيل: فإن الذي ذكرتموه من حديث أبي هريرة وترتيب الجيش؛ إنما كان خوفًا من غدرهم ومكرهم، لأن قريشًا كانوا يبغضون النبي ﵇ ما لم يبغضه أحد، فصالحهم ورتب العسكر فزعًا وخوفًا من مكرهم وغدرهم، حتى إن غدروا؛ يكون العسكر مرتبًا مستعدًا.
وأما قوله: "احصدوهم حصدا"؛ فإنما قال هذا قبل الصلح، وذلك أن الصلح كان يوم الدخول، وهذا القول كان قبله بيوم حين نزل بمر الظهران، فحكم الصلح المتأخر أبطل هذا وأزاله.
والدلالة على أن هذا القول كان منه ﵇ قبل الصلح بيوم؛ ما رواه أحمد بن سلمة، عن ثابت بن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ دعا بالأنصار فهرولوا إليه، فقال: "ألا ترون إلى أوباش (٨٢) إذا لقيتموهم غدا فاحصدوهم حصدا حتى تلقوني على الصفا" (١).
فأخبر أنهم يفعلون هذا غدا، والصلح كان في الغد، ألا ترى إلى ما روي من حديث العباس أنه قال: "لو دخل النبي ﷺ إلى مكة على هذا؛ لهلكت قريش، فطلبت ذا حاجة لأخبره فيدخل مكة فيخبرهم، فرأيت أبا سفيان" تمام الحديث، إلى أن قال النبي ﵇ للعباس: خذه إلى المضيق، فحمله حتى جاز عسكر النبي ﵇، ثم قال له: الحق بقومك، فدخل أبو سفيان مكة فنادى: إن محمدًا قد أتاكم بجيش لا قبل لكم به، وإنه قد قال: من دخل داري؛ فهو آمن، قالوا: وما تغني دارك، قال: وقد قال: من دخل
стр. 2227
المسجد؛ فهو آمن، ومن أغلق بابه؛ فهو آمن، ومن ألقى السلاح؛ فهو آمن، فتفرق الناس إلى منازلهم (١)، ودخلوا المسجد بالصلح، والأمان كان حيث دخل النبي ﵇ مكة.
فالجواب: أما قولهم: "إنه ﵇ رتب العسكر خوف غدرهم لأنهم كانوا يبغضونه"؛ فهذا دليل لنا، وذلك أن الله تعالى قد أظهره عليهم، وأقدره على الظفر بهم، فلا ينبغي أن يصالح قوما يبغضونه، ولا يأمن غدرهم ومكرهم، وأيش الذي دعاه إلى صلحهم وهو قادر عليهم، وقد خبّره الله تعالى بما خبّره وبشره.
وأما قولهم: "إنه قال لخالد وغيره من الأنصار: احصدوهم حصدًا" (٢)؛ فلولا أنه كان عزمه أن يدخلها قهرًا وأن الله تعالى قد أطلقه على ذلك؛ لم يكن ليقول لهم هذا وهو يظن أن صلحًا سيقع بينه وبينهم من غير حاجة إليه، ونحن نعلم أنه لا يقول: "احصدوهم حصدًا"؛ إلا وقد تيقن أنهم يقدرون على ذلك، وأن الله تعالى ينصرهم، فأما أن يكون في نفسه أن هذا ربما تم لهم وربما لم يتم لأن المشركين قد يظهرون عليهم؛ فكيف يأمرهم بأمر واجب أن يحصدوهم حصدًا، وهذا لا يكون مع العلم بأنهم يتمكنون من هذا، وإذا كان هذا هكذا؛ لم يجز له أن يصالحهم مع (٨٣) قدرته على قهرهم وقتلهم وإذلالهم، لكونهم مبغضين له [] (٣).
[وأما ما ذكرتم من] (٤) أنه ﵇ قال لهم قبل الصلح؛ فإنه لم يقل لهم
стр. 2228
احصدوهم وهم لا يتمكنون من هذا، فكان ينبغي أن يقول لهم: إن تمكنتم منهم؛ فافعلوا ذلك، فيكون قوله مقرونا بهذا الشرط، فلما أمر أمرا مجردًا بأن يحصدوهم؛ ثبت أنهم قادرون على ذلك بنصر الله تعالى، ووعده إياهم بما وعدهم به.
وأما قول العباس ما قاله من "أنه ﵇ لو دخل مكة على هذا؛ لهلكت"، إنما خشي أن يدخل فيضع السيف ولا يعطيهم الأمان، فأرسل العباس ﵀ بأبي سفيان إليهم ليعلموا أنهم يهلكون إن دخلها النبي ﵇ على ذلك، فقال لهم أبو سفيان ما قال، فتفرقوا ودخلوا المسجد، وألقوا السلاح، فلو كان هناك صلح؛ لكان أبو سفيان يقول لهم: قد عقدنا الصلح بيننا وبينه، وحصل الأمان بعقد الصلح لا بشرط غلق الأبواب ودخول المساجد، وإلقاء السلاح، وإذا كان هكذا؛ صح ما قلناه.
وعلى أن أبا سفيان إنما جاء يتعرف الأخبار لا للصلح، فلو صالح؛ لم يجز صلحه دون رضا القوم وموافقتهم على ذلك.
وقول النبي ﵇: "من دخل داره فهو آمن"؛ كان بعد دخوله البلد، وبعد التمكن منهم، والنبي ﵇ نزل عليهم وهم لا يعلمون في الليل، ولم يكن عند أبي سفيان خبر ولا موافقة من قومه على صلح.
وأما قولهم: "إن معنى قوله ﵇ لما دخلها أنتم الطلقاء"، وأن معنى هذا أنكم عتقاء بشرط الصلح؛ فإننا نقول: قد كان يسوغ لهم أن يقولوا له: بل أنتم الطلقاء؛ لأن هذا الصلح بتراض منا ومنكم، لا بقهر وغلبة علينا، ولكنه قال لهم: أنتم الطلقاء أي قد أمنتكم [من القتل وتجاوزت عنكم،
стр. 2229
وهذا] (١) هو الظاهر الذي لا يعدل عنه.
على أنه روي عنه ﵇ لما (٨٤) دخل مكة صعد إلى باب الكعبة، وأخذ بعضاضتي الباب، ثم قال: ما تقولون معاشر قريش؟ فقالوا: نقول أخ كريم، وابن أخ كريم، وابن عم، ملكت فاصنع ما شئت، فقال: قد أجرتكم إلا ما كان من ابن أخطل (٢).
فقولهم: "ملكتَ"؛ لا يدل على الصلح.
وقولهم: "اصنع ما شئت"؛ ينفي الصلح، إذ لو حصل الصلح؛ لم يكن له أن يصنع ما شاء، ولا يجاوز ما صالحهم عليه.
وقوله ﵇: "قد أجرتكم"؛ يقتضي أنه ابتدأهم بالأمان، ولو كان صلحا؛ لم يستحقوا هذا الاسم.
وقد روي أيضا أنه ﵇ قال: "لا يُقتل قرشي بعد هذا اليوم صبرًا" (٣)، فدليله أن قريشًا تقتل في هذا اليوم، وأنه تستباح دماؤهم في هذا اليوم، ثم أخبر أن بعد هذا اليوم تسلم قريش، ولا تحارب على الكفر، ولا تتدين به فتقتل صبرًا، بل يظهر الإيمان، ويفشو الإسلام فيها، وأن هذا آخر يوم قتلت فيه على الكفر (٤)، فلا دليل على الصلح من هذا، إذ لو كان هناك صلح؛ لم
стр. 2230
يستبح دماءهم في هذا، ولكان يدِي (١) من قتله خالد بن الوليد من أهلها؛ لأنه قد ثبت لهم ذمام وأمان، كما ودا عمرو بن الحضرمي لما قتله أصحابه من غير علم منهم بأمان رسول الله ﷺ (٢)، فلما أخبره بقتله، قال: قتلتم رجلا له ذمام نبي، وجوار وسادته، فساق ديته إلى مكة فلم يقبلوها.
فإن قيل: فإن خالدا قال: هم بدؤوني بالقتال فقتلت (٣).
قيل: فهذا يدل على أن الصلح كان غير واقع، وأن القوم كانوا على ما هم عليه، فكأنهم لم يقبلوا الأمان، وقد روينا أنه ﵇ أذن لخزاعة في قتال بني بكر حتى أخذوا منهم ثأرهم يوم مكة (٤).
وقد روي أنه دخل ﵇ الكعبة يوم الفتح ومعه بلال وأسامة بن زيد، ثم أخذ بعِضادتي (٥) الباب والناس ينظرون إليه، فقال: لا إله إلا الله، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ما تقولون وما تظنون، فقالوا له: خيرًا نظن" (٦).
فقوله ﵇: (٨٥) "إن الله تعالى صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"؛ يدل على العنوة، وأن جميع ما وعده الله به من النصر وإذلالهم، وخزيهم، وتعذيبهم، وأن يشفي الصدور منهم، وأن يذهب غيظ قلوب المؤمنين؛
стр. 2231
قد حصل كله كما وعده الله تعالى.
ومن جهة النقل عن أهل المغازي وأنه ﵇ دخلها عنوة، قال الواقدي: حدثني نيف وعشرون رجلا من أهل المدينة عن مغازي رسول الله ﷺ التي غزاها بنفسه، وأنها سبعة وعشرون غزاة (١)، وذكروا الغزوات التي قاتل فيها، ومن جملتها فتح مكة.
وأيضًا فإن الأصل أن أهل مكة كانوا مقيمين على محاربة النبي ﵇ وإظهار عدائهم، هذا معلوم متيقن، والصلح أمر حادث لا يثبت إلا بنقل يقع العلم به ويتيقن.
وأيضًا فإن الصلح هو عقد بين متعاقدين يحتاج فيه إلى مراضاة ومراسلة قبله ليشتهر، وإذا وقع مع الجماعة الكثيرة - وخاصة هذا الفتح العظيم -؛ لا بد أن يردد القول والمراسلة، وإظهار الكتب والشهادات، ولم ينقل من طريق يثبت شيء من هذا، فينبغي أن يكون على الأصل.
فإن قيل: فإن الكتاب والسنة أيضا يدلان على صحة قولنا، فأما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ (٢).
стр. 2232
قيل: المراد به مشركو قريش، أخبر الله تعالى أن قوارع النبي ﵇ تطرق أهل مكة، وسراياه تأتيهم، وجعل لانقلاعها حدًا محدودًا وهو أنه تحل قريبًا من ديارهم (١).
قالوا: وهذا نص في مذهبنا؛ لأننا نقول: إن الرسول ﷺ نزل بمر الظهران، وعقد عقد الأمان بقوله: من ألقى السلاح فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن (٢)، فانقطعت السرايا (٨٦) عنهم بعد ذلك، ومن قال: إنها عنوة؛ جعل أعظم القوارع تطرقهم وهو أن يحل ﵇ قريبًا من دارهم، فقد خالف لا محالة مقتضى الظاهر.
قيل: هذا فاسد، وذلك أن "أو" للتخيير أو الشك، ولا يجوز أن تكون هاهنا للشك؛ لأن الله تعالى لا يشك، وتقدير الآية هو أنه تعالى قال: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ (٣) أي إن صنيعهم يوجب ذلك ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ (٤)، فوجب القارعة عليهم أيضًا لصنعهم، وليس تقدير "أو" هنا تقدير "حتى" فيكون معناه: حتى تحل قريبًا من دارهم، ثم لو كانت بمعنى حتى؛ لكان المراد: حتى تحل قريبًا من دارهم فتصيبهم كل القوارع وأعظمها، ألا تري أنه لو صرح بذلك؛ لكان صحيحًا.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ (٥) أي النصر العزيز
стр. 2233
الذي وعدك (١).
يقوي ما تأولناه أنه قال ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٢).
ويشهد لهذا الذي تأولناه؛ أن الإمام إذا كان ينفذ السرايا سرية بعد سرية ليفتح بهم، فلم يتم ذلك، ثم عمل بنفسه وعسكره حتى يحل قريبًا من الموضع الذي يريده؛ فإن هذا أعظم مما كان يفعله قبل ذلك، فإذا كان النبي ﵇ لم يصالحهم في السرايا التي أضعف من قصده بنفسه وجميع جيشه وعسكره؛ كان أولى أن لا يصالحهم عند أعظم الحالتين، مع وعد الله تعالى [له] (٣) ما وعده، وقد قال تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٤).
فلم يثبت لهم في الآية ما تأولوه، وبطل ما قصدوه، وكان حملها على ما تأولناه أولى.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ (٥).
فأخبر الله تعالى [أنه] (٦) وعدهم مغانم، وعجل منها أخرى لم يصلوا إليها، (٨٧) قال أهل العلم: هذه الآية نزلت بالحديبية، وأنه أراد بقوله ﴿فَعَجَّلَ
стр. 2234
لَكُمْ هَذِهِ﴾: خيبر (١)، وأخرى لم تقدروا عليها، اختلف أهل التفسير فيه؛ فقال بعضهم: أراد مكة أنه لم يقدر عليها بالقتال (٢)، وقال بعضهم: أراد بذلك فارس والروم (٣).
قالوا: وحمله على مكة أولى من وجهين:
أحدهما: أنه لا يقال: "لم يقدر على الشيء"؛ إلا بعد طلبه وقصده، والنبي ﵇ لم يكن طلب الروم ولا فارس، ولا قصدهم حتى يقال: لم يقدر عليهم.
والثاني: أنه يقتضي أنه لم يقدر عليه أصلا، لا النبي ﵇ ولا غيره، وهذه صفة مكة؛ لأن فارس إن لم يقدر النبي ﵇ عليها؛ فقد قدر عليها عمر.
قيل: إن هذه الآية أيضًا حجة لنا لو ثبت ما قلتموه، وذلك أنه تعالى قال: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾.
فمعناه: إنكم لم تقدروا عليها بنفوسكم لولا أن الله تعالى أحاط بها ونصركم، وقوى كلمتكم، وأخزاهم، وشفى صدوركم منهم، وإنما هذا كله على وجه الامتنان عليهم، ووعدهم أن يدخلوها قاهرين غالبين مطمئنين، وهذا لا يكون إلا بالعنوة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ
стр. 2235
شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، فإنما تم لهم ذلك بقدرته تعالى لا بقدرتهم.
فإن قيل: فإن عكرمة روى عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما نزل بمر الظهران قال العباس قلت: "إن نزل رسول الله ﷺ مكة عنوة؛ فقد هلكت قريش، فركبت بغلة النبي ﵇ البغلة البيضاء لأطلب ذا حاجة، أو حاطبا فأخبره ليدخل مكة، فيخبرهم ليخرجوا ويستأمنوا، قال: وأنا أسير إذ سمعت صوت أبي سفيان وبديل بن [ورقاء] (١)، وحكيم بن حزام، فقلت: أبا حنظلة؟ فقال: أبو الفضل، قلت: نعم، قال (٨٨) فداك أبي وأمي ما بالك؟ قلت: رسول الله ﷺ ، والناس، قال: فماذا ترى؟ قال: قلت اركب خلفي، قال: فحملته إلى النبي ﵇ وأمّنه، فقال: أمسكه إلى الغد، قال: فلما أصبحنا؛ جاء أبو سفيان وأسلم، فقال: فقلت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فقال ﵇: من دخل دار أبي سفيان؛ فهو آمن، ومن دخل المسجد؛ فهو آمن، قال: ثم قال لي: خذ بيده إلى المضيق ليجوز عليه جند الله تعالى، فحملته ووقفنا والجيوش تجوز، فكلما مرت طائفة منهم يقول من هم؟ فأقول: مزينة، فقال: ما لي ومزينة، ومرت طائفة أخرى فقلت: غطفان، فقال: ما: ما لي وغطفان، إلى أن جاز رسول الله ﷺ والمهاجرون والأنصار حوله، لا ترى منهم [إلا الحدق من الحديد] (٢) فقال: لقد أصبح [ملك] (٣) ابن أخيك ملكا عظيمًا، قال فقلت ما هو ملك، وإنما هي نبوة، فقال: نعم إذن، ثم قلت له: الْحق بقومك فحذرهم، قال: فدخل مكة وصاح: جاءكم محمد لا قبل لكم
стр. 2236
به، قالوا له: مه، فتفرق الناس إلى منازلهم" (١).
قالوا: وهذا لا محالة صفة الصلح وعقد الأمان.
قيل: هذا كله يدل على أنه دخلها عنوة؛ لأنكم لم تنقلوا أنه عقد أمانا لجماعة على وجه الصلح والتراضي منهم، فأما أن يمن عليهم مَنّا من جهته بغير تراض ومعاقدة؛ فهذا قولنا: إنه دخلها عنوة، ومنّ عليهم على شرط أن يضعوا السلاح، وأن يغلقوا أبوابهم أو يدخلوا المسجد.
وقول العباس ﵀: "إن رسول الله ﷺ إن دخل مكة على هذا هلكت قريش" (٢)؛ من أدل دليل على قوتهم وظهورهم، وعلو كلمتهم، فلا حاجة إلى الصلح.
فإن قيل: فلا حاجة به إلى أن يمن عليهم ويؤمنهم؛ لأنه قد (٨٩) ملكهم، وعلا عليهم، وقهرهم، فلما جاز لكم أن تقولوا: إنه منّ عليهم؛ جاز لنا أن نقول: إنه صالحهم، وإن كان قاهرًا ظاهرًا مستعلنًا.
قيل: ليس منزلة المن عليهم بعد القهر والغلبة وعلو الكلمة بمنزلة صلحهم؛ لأن الصلح إنما يقع بمراضاة وشروط يختارونها إن لم تتم كانوا على ما كانوا عليه من المقاومة والمكافأة، ولا إذلال عليهم في ذلك، وليس كذلك إذا ملكهم وقهرهم، وملك أن يجري عليهم جميع أحكامه، ثم يتفضل عليهم بالمن والعفو بعد المقدرة والتمكن منهم، وتفرقهم إلى منازلهم فإنما كان خوف القتل لما قال لهم أبو سفيان: إنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به،
стр. 2237
وأنه مع هذه الحال قد أمنكم إن ألقيتم السلاح ودخلتم بيوتكم.
فإن قيل: فقد روي أنه ﵇ قال للأنصار: لا يشرفن عليكم أحد إلا أمنتموه.
قيل: هكذا نقول إنه من عليهم؛ لأنه لم يقل: فإنني قد صالحتهم، ولو وقع صلح؛ لم يخف على الأنصار وهم حافّون به، ولو علموا الصلح؛ لم يحتج أن يقول لهم ذلك.
فإن قيل: فقد روي أن رسول الله ﷺ لما سار إلى مكة؛ قال حسان بن ثابت في مسيره:
هجوت محمدا فأجبت عنه … وعند الله في ذاك الجزاء
تنازعنا الأسنة مسرعات … يلطمهن بالخُمر النساء
فإن أعرضتم عنا اعتمرنا … وكان الصلح وانكشف الغطاء
قال: فلما دخل ﵇ مكة؛ خرج نساء قريش يلطمن وجوه الخيل بخمرهن.
قيل: فأين أنتم عن قول حسان في هذه الأبيات بعد قوله:
فإن أعرضتم عنا اعتمرنا … وكان [الفتح] (١) وانكشف الغطاء
(٩٠) وإنما قال: الفتح (٢)، ولم يقل: الصلح، ثم قال بعد هذا البيت:
وإلا فاصبروا لجلاد يوم … يعز الله فيه من يشاء
وجبريل رسول الله فينا … وروح القدس ليس له كفاء
стр. 2238
ثم قال:
هجوت محمدا فأجبت عنه … ...............
فلما قال: "وكان الفتح" ولم يقل: "الصلح"؛ علمنا أنه أراد الغلبة، ألا ترى إلى قوله بعده:
وإلا فاصبروا لجلاد يوم … يعز الله فيه من يشاء
ثم قال:
وجبريل رسول الله فينا … وروح القدس ليس له كفاء
ومن معه جبريل؛ فهو القاهر الغالب لا محالة، فلا يحتاج إلى الصلح، وإنما مسح النساء بخمرهن وجوه الخيل فزعًا، وكذلك الخائف إذا قُهر وتدبدب، وخاصة النساء وضعف قلوبهن، ولما منّ على الجماعة وعفا عنها وعن دمائها؛ كانت هذه صورتها، ولو كان دخلها صلحا بمرضاتهم؛ لم تكن هذه نفوسهم في الذل والخوف، وأين أنتم عن قول سعد بن عبادة وهو في كتيبة الأنصار وقد رأى أبا سفيان فنادى أبا سفيان:
اليوم يوم الملحمة … اليوم تستحل الحرمة
فلما مر النبي ﵇ بعده في المهاجرين بأبي سفيان قال له: يا رسول الله! أمرت بقومك أن يُقتَلوا؛ فإن سعد بن عبادة ومن معه حين مروا بي ناداني سعد فقال:
اليوم يوم الملحمة … اليوم تستحل الحرمة
وأنا أناشدك في قومك، فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد بن عبادة
стр. 2239
فعزله، [وجعل] (١) الزبير بن العوام مكانه على الأنصار مع المهاجرين (٢)، فصار الزبير بالناس حتى وقفوا بالحجون، وغرز راية رسول الله ﷺ ، واندفع خالد بن الوليد حتى دخل مكة من أسفل مكة، فلقيه بنو بكر، (٩١) فقاتلوه فهُزموا، وقُتل من بني بكر قريب من عشرين رجلا، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا وقُتلوا بالحَزْورة (٣) حتى بلغ قتلهم باب المسجد، وفر فضضهم (٤) حتى دخلوا الدور، وارتفعت طائفة منهم على الجبال، واتبعهم المسلمون بالسيوف، ودخل رسول الله ﷺ في المهاجرين الأولين، وصاح أبو سفيان حين دخل مكة: من أغلق داره وكف يده؛ فهو آمن، فقالت له هند بنت عتبة وهي امرأته: قبحك الله من طليعة قوم، وقبح عشيرتك معك، وأخذت بلحية أبي سفيان، ونادت يا آل غالب! اقتلوا الشيخ الأحمق، هلا قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم، فقال أبو سفيان: ويحك اسكتي وادخلي بيتك فإنه جاءنا بالحق" (٥).
فجرى هذا كله ولا يذكر فيه حديث الصلح في أحد منهم، وليس هاهنا شيء من علامات الصلح؛ لأن الصلح يكون بمراضاة الوجوه، وينشر فيرضى به الأتباع بعد أن يعلموه ويقفوا عليه، ولو وقع الصلح؛ لما جرى مما جرى
стр. 2240
شيء، وإنما التخليط الذي جرى منهم لما دخلها عنوة من غير عهد ولا عقد، ولا كتاب تسكن إليه النفوس.
فإن قيل: فإن للصلح أمارات وعلامات، وللعنوة أمارات وعلامات، فأمارات العنوة هو القتل والسبي، والنهب والقسمة، والنبي ﵇ لم يفعل شيئًا من هذا، ولا نُقل في شيء من السير.
قيل: إذا بطل الصلح لأن أمارته لم تحصل؛ لم يبق إلا العنوة، ولكنه ﵇ منّ عليهم لأنهم عشيرته وعشيرة من معه، وهو البلد الحرام الذي من دخله كان آمنا، وهو أصل الإسلام والبعث، وعلم أن أكثرهم سيسلمون، فمنّ عليهم، وأخرج الضغائن، وألف بينهم بعد تمكنه منهم، وبعد أن قهرهم، وأعلمهم أن الله تعالى نصره (٩٢) [عليهم ومكنه منهم] (١) ثم أنعم عليهم.
فإن قيل: فإن النبي ﵇ حين فتح خيبر قال رجل: إني أخذت من المغنم كبة [] (٢) لأخيطه بردعة لبعيري فقال ﵇: ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فقال الرجل: إذا بلغ الأمر إلى هذا فلا حاجة لي فيه، ورمى بالكبة (٣).
стр. 2241
وكذلك تخييرهم (١) بين أحسابهم وأنسابهم لما سألوه فقال: فأما نصيببي ونصيب بني المطلب؛ فمردود عليكم، ثم سأل الغانمين، واستطاب أنفسهم حتى ردوا ما حصل في أيديهم (٢).
فلو كان قد [] (٣) شيئًا بمكة؛ لكان ﵇ يستطيب نفوسهم حيث من عليهم.
قالوا: ثم هاهنا يسقط أصل ما ذكرتموه، وهو أنه لم ينقل أن أحدًا أخذ من عسكر النبي ﵇ أخذ شيئًا، فلو كان قد غنموه ولكن منّ عليهم؛ لنقل أن أحدًا غنم شيئًا منه.
قيل: جميع ما ذكرتموه؛ لا يلزم، وهو حجة عليكم، وذلك أنه قد وعفا في هوازن بعد الغلبة والقهر، فأما استطابة نفوسهم؛ فإن من أصلنا أنهم لا يملكون ملكا مستقرًا إلا بالقسمة، وقد ذكرنا دليل هذه المسألة (٤)، فله ﵇ صلاحية أن يمن أو يعفو عن الدور والأموال قبل القسمة، وإنما استطاب نفوسهم في هوازن؛ لأن القسمة كانت برضاه، واستقر ملكهم عليها، وفي مكة لم يكن كذلك.
فإذا كان أصلنا أن أرض العنوة لا تملك أصلًا، وأن الإمام يقر أهلها عمالًا للمسلمين؛ لم يلزمنا نحن ما ذكرتموه، وكذلك له أن يمن بالأنفس
стр. 2242
والأموال، ألا ترى أن له أن يمن على الأسارى - عندنا وعندكم - وإن كانوا مما يملك، وهم من الغنائم، فكذلك باقي الأموال يتركها لهم، وقد قلنا: إنه لم ينقل أن أحدًا غنم شيئًا، فكيف (٩٣) يكون لهم غنيمة وقد منّ عليهم، وعفا عن أموالهم، وتركها لهم، وقد قلنا: إنهم لا يملكون الغنيمة إلا بالقسمة، فلم يلزمنا شيء مما ذكرتموه.
فإن قيل: فإن النبي ﵇ أنكر على خالد بن الوليد قتاله، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعله خالد (١).
قيل: هذا الوجه إن صح؛ فيحتمل أن يكون إنكاره عليه هو أنه يظن أنه قاتلهم بعد قبولهم المنّ عليهم.
وقوله: "اللهم إني أبرأ إليك من فعله"؛ فإنما كان في قتال خالد لبني جذيمة (٢)، فأما في أهل مكة؛ فما يعرف، ولو ثبت ذلك؛ لاحتمل أن يكون خالد قتل قوما منهم بعد أن من عليهم وعفا عنهم.
على أنه لو كان قتلهم مع [نهيه عن ذلك] (٣)؛ لوداهم ﵇، فلما لم ينقل أحد أنه ودا واحدًا منهم؛ سقط ما ذكرتموه، وعلم أنه لم يقتل إلا من
стр. 2243
استحق القتل.
فإن عدلوا عن هذا وقالوا: إن النبي ﵇ صالح القوم، وإن العقد كان لأهل مكة، والذين قتلهم خالد لم يكونوا من أهل مكة، وإنما كانوا من [] (١) وبني بكر حلفاء لقريش، فلم يلزم ما ذكرتموه من قتال خالد لمن قاتله، ولا تجب الدية في مثل هؤلاء.
وأيضًا فإن خالدا اعتذر منه إلى النبي ﵇، وقال: إنهم بدؤوني بالقتال، فلو كان دخلها عنوة من غير صلح؛ لم يحتج خالد إلى هذا الاعتذار؛ لأنهم وإن لم يبدؤوه بالقتال؛ جاز له أن يقاتلهم ويقتلهم، فدل ذلك على ما ذكرناه.
قيل: أما الفصل الأول؛ فقد اتفقنا أن خالدا قاتل وقتل في نفس دخوله وإن [صححتم] (٢) أن هذا كان لغير أهل مكة، والظاهر أن القتال وقع بمكة، ومن هو بمكة فهو منها حتى يعلم أنه من غيرها، فحملنا له على أنها عنوة، وأن قتاله أنه وقع لجميعهم على ما يوجبه الظاهر (٩٤) أولى.
وأما الفصل الثاني وإنكار النبي ﵇ ذلك؛ فهو خلاف [الفرض] (٣) الأول؛ لأنه إذا قتل على زعمكم من ليس بأهل عقد الصلح؛ فلا ينكر عليه، فلنا أن نقول: إنما أنكر عليه لأنه قد منّ عليهم وعفا عنهم، فظن أن خالدا قتلهم مع هذه الحال، فلما قال له: إنهم بدؤوني بالقتال؛ زال النكير عليه، وحجتنا من هذا أن القوم كانوا مقيمين على القتال، فقاتلوا خالدا، ولو كان
стр. 2244
لهم عقد صلح؛ لم يذهب عنهم، ولعلموه ولم يبدؤوا بالقتال، وكان خالد يقول لهم: أليس نحن على صلح فلم تقاتلون؟ فلما لم يكن شيء من هذا؛ دل على العنوة.
فإن قيل: فإن سعد بن معاذ كان مستجاب الدعوة، فدعا فقال: "اللهم إن كان يريد أن يكون بين النبي ﵇ وبين قريش قتال؛ فأبقني إلى ذلك الوقت، فمات قبله" (١). فعلم أنه لم يكن بينهم قتال.
وروي أن بجير بن زهير بن أبي سلمى قال يوم فتح مكة:
فأعطينا رسول الله منا … مواثيق على حسن التصافي
فأعطونا المقادة حين قلنا … تعالوا بارزونا للمصافي (٢)
فأخبر أنهم لانوا وأعطوا المقادة، وتركوا القتال حين دعوهم إلى البراز، فدل على أنه لم يكن هناك قتال.
قيل: أما قولكم: "إن [سعد بن] (٣) معاذ كان مستجاب الدعوة؛ فإنه قال: "إن كان يريد أن يكون بينهم قتال" (٤)، وليس العنوة لا بد فيها من قتال، ولكنه يدخلها على فرار من أهلها، وفزعهم من القتال، وشدة خوفهم منه، ودخولهم بيوتهم، وهذا لا ينفي دخولها عنوة مع عجزهم عن قتاله، وعلى أن هذا لم يثبت (٥).
стр. 2245
ثم لا يقطع على أن سعد بن معاذ يجاب في كل شيء إلى أن يموت، فإن هذه صفة الأنبياء الذين دعاؤهم (٩٥) مقترن بالإجابة.
وعلى أن النبي ﵇ قد قاتل بني قريظة بعد هذا القول [] (١).
وأما قصة ابن زهير؛ فإن قوله: "فأعطينا رسول الله مواثيقا" يدل على أنه مسلم. وقوله "فأعطونا المقادة" أي انقادوا لنا خاضعين فزعين من القتال، عاجزين عنه، وهذا لا ينفي العنوة. وبالله التوفيق.
* * *
* مسألة (١٥):
إذا غنم المسلمون مواشي الكفار ودوابهم، وخافوا من كر (٢) عدوهم وأخذها من أيديهم؛ فإنها تعرقب (٣) وتعقر (٤) حتى لا ينتفعوا بها، وكذلك [إن لم نتمكن من أخذها منهم] (٥)(٦).