← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

وكذلك تخييرهم (١) بين أحسابهم وأنسابهم لما سألوه فقال: فأما نصيببي ونصيب بني المطلب؛ فمردود عليكم، ثم سأل الغانمين، واستطاب أنفسهم حتى ردوا ما حصل في أيديهم (٢). فلو كان قد [] (٣) شيئًا بمكة؛ لكان ﵇ يستطيب نفوسهم حيث من عليهم. قالوا: ثم هاهنا يسقط أصل ما ذكرتموه، وهو أنه لم ينقل أن أحدًا أخذ من عسكر النبي ﵇ أخذ شيئًا، فلو كان قد غنموه ولكن منّ عليهم؛ لنقل أن أحدًا غنم شيئًا منه. قيل: جميع ما ذكرتموه؛ لا يلزم، وهو حجة عليكم، وذلك أنه قد وعفا في هوازن بعد الغلبة والقهر، فأما استطابة نفوسهم؛ فإن من أصلنا أنهم لا يملكون ملكا مستقرًا إلا بالقسمة، وقد ذكرنا دليل هذه المسألة (٤)، فله ﵇ صلاحية أن يمن أو يعفو عن الدور والأموال قبل القسمة، وإنما استطاب نفوسهم في هوازن؛ لأن القسمة كانت برضاه، واستقر ملكهم عليها، وفي مكة لم يكن كذلك. فإذا كان أصلنا أن أرض العنوة لا تملك أصلًا، وأن الإمام يقر أهلها عمالًا للمسلمين؛ لم يلزمنا نحن ما ذكرتموه، وكذلك له أن يمن بالأنفس

стр. 2242

والأموال، ألا ترى أن له أن يمن على الأسارى - عندنا وعندكم - وإن كانوا مما يملك، وهم من الغنائم، فكذلك باقي الأموال يتركها لهم، وقد قلنا: إنه لم ينقل أن أحدًا غنم شيئًا، فكيف (٩٣) يكون لهم غنيمة وقد منّ عليهم، وعفا عن أموالهم، وتركها لهم، وقد قلنا: إنهم لا يملكون الغنيمة إلا بالقسمة، فلم يلزمنا شيء مما ذكرتموه. فإن قيل: فإن النبي ﵇ أنكر على خالد بن الوليد قتاله، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعله خالد (١). قيل: هذا الوجه إن صح؛ فيحتمل أن يكون إنكاره عليه هو أنه يظن أنه قاتلهم بعد قبولهم المنّ عليهم. وقوله: "اللهم إني أبرأ إليك من فعله"؛ فإنما كان في قتال خالد لبني جذيمة (٢)، فأما في أهل مكة؛ فما يعرف، ولو ثبت ذلك؛ لاحتمل أن يكون خالد قتل قوما منهم بعد أن من عليهم وعفا عنهم. على أنه لو كان قتلهم مع [نهيه عن ذلك] (٣)؛ لوداهم ﵇، فلما لم ينقل أحد أنه ودا واحدًا منهم؛ سقط ما ذكرتموه، وعلم أنه لم يقتل إلا من

стр. 2243

استحق القتل. فإن عدلوا عن هذا وقالوا: إن النبي ﵇ صالح القوم، وإن العقد كان لأهل مكة، والذين قتلهم خالد لم يكونوا من أهل مكة، وإنما كانوا من [] (١) وبني بكر حلفاء لقريش، فلم يلزم ما ذكرتموه من قتال خالد لمن قاتله، ولا تجب الدية في مثل هؤلاء. وأيضًا فإن خالدا اعتذر منه إلى النبي ﵇، وقال: إنهم بدؤوني بالقتال، فلو كان دخلها عنوة من غير صلح؛ لم يحتج خالد إلى هذا الاعتذار؛ لأنهم وإن لم يبدؤوه بالقتال؛ جاز له أن يقاتلهم ويقتلهم، فدل ذلك على ما ذكرناه. قيل: أما الفصل الأول؛ فقد اتفقنا أن خالدا قاتل وقتل في نفس دخوله وإن [صححتم] (٢) أن هذا كان لغير أهل مكة، والظاهر أن القتال وقع بمكة، ومن هو بمكة فهو منها حتى يعلم أنه من غيرها، فحملنا له على أنها عنوة، وأن قتاله أنه وقع لجميعهم على ما يوجبه الظاهر (٩٤) أولى. وأما الفصل الثاني وإنكار النبي ﵇ ذلك؛ فهو خلاف [الفرض] (٣) الأول؛ لأنه إذا قتل على زعمكم من ليس بأهل عقد الصلح؛ فلا ينكر عليه، فلنا أن نقول: إنما أنكر عليه لأنه قد منّ عليهم وعفا عنهم، فظن أن خالدا قتلهم مع هذه الحال، فلما قال له: إنهم بدؤوني بالقتال؛ زال النكير عليه، وحجتنا من هذا أن القوم كانوا مقيمين على القتال، فقاتلوا خالدا، ولو كان

стр. 2244

لهم عقد صلح؛ لم يذهب عنهم، ولعلموه ولم يبدؤوا بالقتال، وكان خالد يقول لهم: أليس نحن على صلح فلم تقاتلون؟ فلما لم يكن شيء من هذا؛ دل على العنوة. فإن قيل: فإن سعد بن معاذ كان مستجاب الدعوة، فدعا فقال: "اللهم إن كان يريد أن يكون بين النبي ﵇ وبين قريش قتال؛ فأبقني إلى ذلك الوقت، فمات قبله" (١). فعلم أنه لم يكن بينهم قتال. وروي أن بجير بن زهير بن أبي سلمى قال يوم فتح مكة: فأعطينا رسول الله منا … مواثيق على حسن التصافي فأعطونا المقادة حين قلنا … تعالوا بارزونا للمصافي (٢) فأخبر أنهم لانوا وأعطوا المقادة، وتركوا القتال حين دعوهم إلى البراز، فدل على أنه لم يكن هناك قتال. قيل: أما قولكم: "إن [سعد بن] (٣) معاذ كان مستجاب الدعوة؛ فإنه قال: "إن كان يريد أن يكون بينهم قتال" (٤)، وليس العنوة لا بد فيها من قتال، ولكنه يدخلها على فرار من أهلها، وفزعهم من القتال، وشدة خوفهم منه، ودخولهم بيوتهم، وهذا لا ينفي دخولها عنوة مع عجزهم عن قتاله، وعلى أن هذا لم يثبت (٥).

стр. 2245

ثم لا يقطع على أن سعد بن معاذ يجاب في كل شيء إلى أن يموت، فإن هذه صفة الأنبياء الذين دعاؤهم (٩٥) مقترن بالإجابة. وعلى أن النبي ﵇ قد قاتل بني قريظة بعد هذا القول [] (١). وأما قصة ابن زهير؛ فإن قوله: "فأعطينا رسول الله مواثيقا" يدل على أنه مسلم. وقوله "فأعطونا المقادة" أي انقادوا لنا خاضعين فزعين من القتال، عاجزين عنه، وهذا لا ينفي العنوة. وبالله التوفيق. * * * * مسألة (١٥): إذا غنم المسلمون مواشي الكفار ودوابهم، وخافوا من كر (٢) عدوهم وأخذها من أيديهم؛ فإنها تعرقب (٣) وتعقر (٤) حتى لا ينتفعوا بها، وكذلك [إن لم نتمكن من أخذها منهم] (٥) (٦).

стр. 2246

وبه قال أبو حنيفة (١). وقال الشافعي (٢): لا يحل قتلها ولا عقرها، ولكن تخلى (٣). والدليل لقولنا أن الدواب من أكثر ما يتقوون به على المسلمين، فيجوز إتلافها عليهم لأن فيه تقويتهم لو أبقيناها. وأيضًا فلا خلاف بيننا أن المشرك لو كان راكبًا؛ لجاز لنا أن نعرقب ما تحته ونقتله ليتوصل بذلك إلى قتله هو، فكذلك إذا لم يكن راكبًا، فكذلك فعل ما فيه ضعفهم وتوهينهم وما يؤدي إلى تلفهم بمنزلة واحدة، ألا ترى أن قطع أشجارهم وإتلاف زروعهم وثمارهم يجوز؛ لأن في إتلافها ضعفهم وما يؤدي إلى تلفهم (٤)، وأشجارهم أيضًا أعيان نامية يتقوون بها. فإن قيل: فيجب أن يتلف عليهم بالذبح. قيل: لا يبطل منافعهم بها؛ لأنهم يأكلون ذبائحنا، ويجوز عندنا أكل لحوم الخيل وعندهم، وإن كنا نحن نكرهه، فتلفها عليهم بالقتل أو تعقر وتعرقب حتى لا ينتفعوا بها؛ أولى. على أن مالكا قال في موضع: تعرقب أو تذبح (٥)، والصحيح أنها لا تذبح.

стр. 2247

فإن قيل: فقد روي أن النبي ﵇ (٩٦) نهى عن قتل الحيوان إلا لمأكلة (١)، وهذا قتل لغير مأكلة. قيل: هو عام إلا أن يكون فيه توهين وضعف للمشركين، بدلالة جواز قتله إذا كان تحتهم. فإن قيل: فقد نهى عن تعذيب الحيوان، ونهى عن قتل الحيوان صبرا (٢). قيل: هذا أيضًا عموم يخص بالدلالة، وقد ذكرناها، فجاز قتلها كما لو كانوا ركابا لها. ويجوز أن نحرر منه قياسًا فنقول: هو حيوان يتقوى به المحارب لخلاص نفسه، لا يقدر على أخذه، فجاز قتله كما لو كان تحته. أو نقول: هو من خيل المشركين المحاربين لا يتمكن من أخذه، وفي قتله نكاية لهم، فجاز قتله، أصله إذا كان [راكبًا] (٣) لها. فإن قيل: كل حيوان لا يجوز قتله إذا لم يخف من أهل الحرب؛ لم

стр. 2248

يجز قتله إذا خيف أهل الحرب، دليله أطفال المشركين وذراريهم. قيل: المعنى في أطفالهم أنهم لا يتقوون بهم للحرب، ولا لخلاص نفوسهم، وقد ذكرنا قياسًا يعارض هذا، ويرجحه أننا نعلم أنهم يتقوون بالخيل وتقوى بها شوكتهم، ويتوصلون بها إلى خلاص نفوسهم في الحرب، ويدركون بها ما هو غاية في الضرر بالمسلمين، فهي أبلغ من الشجر. فإن قيل: فإن في قتل أطفالهم إضرارا بهم، وكسر شوكتهم، ومنع نفوسهم، ومع هذا فلا يجوز قتلهم. قيل: ليس في أطفالهم تقوية لشوكتهم على القتال في الحال، ألا ترى أنه يجوز قتل الخيل إذا كانوا ركابًا لها في الحرب، ولا يجوز قتل أطفالهم وإن كانوا معهم في الحرب؛ لأنه لا ضرر على المسلمين منهم في الحال، ولا تقوية لهم بهم، بل قوتهم في الحرب بالخيل، وضررهم على المسلمين بها أمر لا يخفى، وكون الأطفال معهم يشغل قلوبهم، ويضعفها خوفًا عليهم، فجاز قتل دوابهم كما يجوز قتلهم في نفوسهم، ولم يجز قتل (٩٧) أطفالهم، فكذلك يجوز قتل دوابهم وإن لم يكونوا [رُكّابا لها] (١). وأيضًا فإن الله قد مدح من فعل ذلك، وذكر أجرهم عليه فقال تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (٢). فهو عام في جميع ما ينالونه، ولما كانت نفوسهم وأموالهم سواء في

стр. 2249

استحلالنا إياهم، ثم جاز قتل نفوسهم إذا لم يتمكن من أسرهم؛ كذلك يجوز إتلاف أموالهم التي يتقوون بها. * * * * مسألة (١٦): قال القاضي ﵀: لم أجد لمالك نصًا في أمان العبد إذا أعطى الأمان للمشرك، ولكن قد قال: أمان المرأة جائز، وكذلك الصبي إن عقل الأمان (١). وكذلك عندي يجوز أمان العبد؛ لأنه احتج بقول النبي ﵇: "يجير على المسلمين أدناهم" (٢). والعبد من أدنانا للرق الذي فيه (٣). وقال غير (٤) ابن القاسم: لم يجعل ذلك أمرًا يكون بيد أدناهم لا مدخل

стр. 2250

للإمام فيه، ولكن الإمام ينظر فيما فعل بالاجتهاد (١). وقال الشافعي: يجوز أمان العبد (٢)، ولا يجوز أمان الصبي؛ لأنه ممن لا يصح عقوده، فإن فعل؛ رد المشرك إلى مأمنه، ولم يخفر أمانه لأنه دخل على أمان (٣). وقال أبو حنيفة: لا يجوز أمان العبد إلا أن يكون سيده أذن له في القتال (٤). والدليل على جواز أمان العبد والصبي إذا عقل الأمان؛ ما روي أن النبي ﵇ قال: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم" (٥). والعبد والصبي من أدناهم.

стр. 2251

وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله ﷺ قال: "يجير على المسلمين أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم" (١). وهذا الخبر أعم من الأول (٩٨)، فهو عموم في إجازة العبد، سواء أذن له سيده في القتال أم لا، وكذلك في الصبي. وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵀ أنه قال: "العبد المسلم رجل من المسلمين، ذمته ذمتهم" (٢). فهو مساو لهم في كل شيء إلا أن تقوم دلالة، فهو يجير كما يجيرون. وأيضًا فإنه مسلم بفعل الأمان؛ فصح أمانه كالحر، ولأن كل من صح أمانه إذا أذن له في القتال؛ صح أمانه وإن لم يؤذن له، دليله الأجير الحر. فإن قيل: فإن العبد مملوك الرقبة، عقوده لا تصح إلا بإذن مولاه، فإذا أذن له في القتال؛ فقد أذن له في عقد ما يتعلق بالقتال وتركه. قيل: لم يجعل الأمان إلا لحرمة الإسلام، فهو كالموت المتطوع بها، لا يحتاج فيها إلى إذن أحد، إذ لم يكن فيها ضرر على المولى، ألا ترى أن العبد لو أمر بمعروف أو نهى عن منكر وأحيا نفسًا من القتل بأن دفع عن مسلم أو ذمي؛ لم يحتج فيه إلى إذن السيد، كذلك إذا أمّن مشركًا وأحيا نفسه؛ لم يحتج إلى إذن سيده فيه، كالحر المؤاجر، وكالمرأة ذات الزوج، وكذلك الصبي إذا عقل الأمان لا يحتاج إلى إذن وليه في إعطاء الأمان،

стр. 2252

ولا هذا من العقود التي عليه فيها ضرر، وإنما هذا مما قد اختص به من له حرمة الإسلام، فجعل لأدناهم كما جعل لأعلاهم. وعلى أن العبد والصبي في هذا أحسن حالا من المرأة؛ لأنها ليست من جنس من يقاتل على وجه، وقد جاز أن تعطي الأمان، فكذلك العبد والصبي. فإن قيل: فإن قوله ﵇: "تتكافأ دماؤهم" (١). والعبد ليس بكاف دمه دم الحر. قيل: عندكم أن الحر يقتل بالعبد، ودم العبد يكافئ دم عبد مثله. فإن قيل: (٩٩) [] (٢) ليست المرأة من أدنانا؛ لأنها في القصاص [والحدود مثل] (٣) الرجل. وأيضًا فإنه قال: "يسعى" وهو لفظ مذكر [] (٤) فأمن عبده مشركًا، فقيل لأبي موسى فقال: لا أرى له شيئًا حتى أسأل عمر، فسأله فقال عمر: "أمان العبد أمان" (٥). ولم يقل: إذا أذن له سيده، ولم يخالف. وقول الشافعي: إن الصبي لا تصح عقوده؛ فإننا نقول: أمانه تطوع، وهو ممن يصح منه التطوع، ويفرض له سهمه إذا قاتل، وبالله التوفيق.

стр. 2253

* مسألة (١٧): ويجوز للإمام أن يمن على الأسارى الذين في يده من الكفار، فيطلقهم بغير شيء، وله أن يفادي بهم على مال وعلى من في أيديهم من المسلمين (١). فأما قتلهم واسترقاقهم وإطلاقهم على أداء الجزية ويكونون أحرارًا؛ فلا أعلم فيه خلافًا. والخلاف في المن والفداء، فقال الشافعي والأوزاعي وأحمد وأبو ثور مثل قولنا: إنه يجوز (٢). وقال أبو يوسف ومحمد: هو بالخيار بين القتل، والاسترقاق، والمفاداة بالمسلمين وبالأموال، وليس له أن يمن. وقال أبو حنيفة: ليس له المفاداة ولا المن (٣). فهو أعم خلافًا، والكلام معه يشتمل على غيره ممن خالف. والدليل لقولنا الكتاب والسنة. فأما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (٤).

стр. 2254

فأمر تعالى بضرب الرقاب، حتى إذا أثخناهم شددنا الوثاق، وهذا عند أسرهم، ثم خيَّرنا في المنّ عليهم أو الفداء، وهذا نص في جواز المن والفداء. فإن قيل: فإن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ (١) في سورة براءة، وهي آخر ما أنزل من السور، وقوله: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ في سورة محمد ﵇، والمتأخر ينسخ المتقدم (٢). والوجه الآخر: ما روي عن ابن عباس أنه قال: "قوله ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ منسوخة بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣). قيل: قولكم: "إن قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ متأخر"؛ عنه جوابان: أحدهما: أننا لا نسلم ذلك، وذلك أنه لا خلاف بين أهل العلم أن رسول الله ﷺ بعث عتاب بن أسيد سنة ثمان للحج بالناس (٤)، وبعث أبا بكر سنة تسع ليحج بالناس، ثم أردفه بعلي ﵄ ومعه سورة براءة ليقرأها على الناس في الموسم (٥)، ونحن نعلم لا محالة أن رسول الله ﷺ كان

стр. 2255

الوحي ينزل عليه إلى أن مات، فإذا كان الوحي ينزل عليه بالقرآن في سنة عشر وتمامها إلى أن قبض ﵇، وكانت سورة براءة قد نزلت عليه لأنه ﵇ حج سنة عشر، فلما رجع من حجه خرج إلى تبوك، ثم رجع ومات ﷺ ، فإذا كان القرآن ينزل عليه في تمام سنة عشر؛ فيجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ متأخر أنزل في سنة عشر أو في آخر سنة تسع، فإذا جاز ذلك ولم يعلم حقيقته؛ لم نحمله على النسخ. والجواب الثاني: أننا لو سلمنا أنها متأخرة عما ذكرناه؛ لم يجز أن تكون منسوخة من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن النسخ إنما يصار إليه مع تنافي الاستعمال، وهو ها هنا ممكن (١). والثاني: هو أن حكم الأسير واحد؛ لأنه قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ (٢). والله تعالى لم يأمر بمجرد القتل، وإنما أمر بالقتل والأخذ والحصر، والأخذ هو الأسر، كما أنه تعالى أمر بضرب (١٠١) رقابهم وإثخانهم، ثم بيّن حكم المأخوذ والمأسور بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾. وإنما كان يكون الأمر كما قالوا أن لو قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ثم سكت عن الباقي، ولم يقل: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾. والجواب الثالث: - وهو أشدها - هو أن النسخ إنما يجوز في شيء

стр. 2256

يتوهم دوامه [] (١) مثل أن يكون الأمر مطلقا كقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾. فأما إذا كان الأمر محدودًا بحد ومعلقًا بشرط إلى نهاية؛ لم يصح النسخ فيه؛ لأنه يكون بداء (٢)، والبداء على الله لا يجوز، والمن والفداء محدودان بحد ونهاية إلى أن تضع الحرب أوزارها، قال ابن جرير: قال مجاهد: معنى قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾، أي تصير الملل كلها ملة واحدة ملة الإسلام، وهو أن ينزل عيسى بن مريم ﵇ (٣). وقد حكى غيره أنه قال: "معنى قوله ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي حتى

стр. 2257

لا يبقى مشرك (١)، قال: والحرب هو عبارة عن الشرك". وما فسر أحد غير هذين التفسيرين، فإذا كان كذلك؛ سقط ما ذكروه من هذا الوجه. وأما قولهم: "إن ابن عباس ﵀ ذكر أن هذه الآية منسوخة بقوله ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ " (٢)، فإننا نقول: قد روي عنه أنه قال: "قوله ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ إلى آخره غير منسوخ" (٣). وروي عن ابن عمر مثل هذا، وذلك أنه روي أن الحجاج بن يوسف أسر قومًا من الكفار وقتلهم، فقال ابن عمر: ليس بهذا أمرنا، قال تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٤). وهذا منه يدل على أنها غير منسوخة، وأن المن والفداء ثابتان؛ لأنه أطلق جوازهما [] (٥) لا تكون حجة على صحابي مثله، فكيف وقد مضى عن ابن عباس أنها غير منسوخة فينبغي أن (١٠٢) [] (٦) الحكم لما ذكرناه في ذلك.

стр. 2258

والدليل لنا من طريق الأثر؛ حديث أبي عزة الجمحي، وذلك أنه روي أن أبا عزة الجمحي وقع في الأسر ببدر، فأراد قتله فقال: لا تقتلني فإني ذو عيلة، فأطلقه على أن لا يرجع إلى القتال، فلما رجع إلى مكة قال: سخرت بمحمد، ورجع إلى القتال، فأخذ بدعاء النبي ﵇ بأن لا يفلت، فلم يفلت ووقع، فلما أراد ﵇ قتله قال: لا تقتلني فإني ذو عيلة، فقال ﵇: "لا يلسع المؤمن من جحر مرتين، أخليتك لتأتي نادي قريش وتقول: سخرت بمحمد، وقتله بيده" (١). فالدلالة منه أنه ﵇ أطلقه في المرة الأولى ومنّ عليه بغير شيء. وقد روى الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه جبير بن مطعم: أن رسول الله ﷺ قال في أسارى بدر: "لو كان مطعم بن عدي حيا فكلمني في هؤلاء؛ لأطلقتهم" (٢).

стр. 2259

فأطلق ﵇ وأخبر أن مطعم بن عدي لو شفع في أمر هؤلاء القتلى؛ لأطلقهم، فدل على أن المنّ عليهم بإطلاقهم جائز، إذ لا يجوز في صفته ﵇ أن يخبر عن شيء لو وقع لفعله وهو غير جائز. ولنا أيضًا ما رواه أبو سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ بعث سرية قِبل نجد، فأسرت رجلًا من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فحملوه وشدوه على سارية، فسئل رسول الله ﷺ إطلاقه وإعتاقه فأطلقه (١). وهذه الأخبار تدل على جواز المن وهو التخلية بلا شيء، وكذلك روي أنه ﵇ منّ على قوم جويرية بنت الحارث كلهم من أجلها (٢). وقد منّ ﷺ على المطلب بن حنطب المخزومي، وكان محتاجًا فلم بعد، فمنّ عليه (٣). ومنّ على ثمامة بن أثال الحنفي (٤)، وعلى جماعة كثيرة. وأقوى (١٠٣) ما في الباب ما قد اتفقنا عليه مع أبي حنيفة أن مكة فتحت عنوة (٥)، وأن النبي ﵇ منّ عليهم. فأما الدلالة على جواز المفاداة؛ فقد ذكرنا قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا فِدَاءً﴾، وتكلمنا عليه.

стр. 2260

وأيضًا ما رواه عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر "أن رسول الله ﷺ استشار أصحابه في الأسارى يوم بدر، فاستشار أبا بكر ﵁ فقال: نأخذ منهم الفداء، واستشار عمر ﵁ فقال: فقال: نقتلهم، فقال قائل: قوم قصدوا النبي ﵇ وهدم الإسلام وأبو بكر أمر بإطلاقهم والفداء، وقال قائل: لو كان أبو عمر أو أخوه فيهم؛ لما أمر بقتلهم، ففدا رسول الله ﷺ " (١). وقد روى عكرمة عن ابن عباس قال: "كان فداء كل رجل من أسارى بدر أربعة آلاف درهم" (٢). وروت عائشة ﵂ أن أهل مكة لما بعثوا بفداء أساراهم بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ بفداء أبي العاص زوجها قلادة لها كانت عند خديجة حيث أدخلت على أبي العاص بها، فلما رأى رسول الله ﷺ القلادة رق لها

стр. 2261

رقة شديدة، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها وتردوا عليها مالها، فقالوا: نعم، وفعلوا ذلك (١). ففي هذا دليل على جواز الفداء، ودليل على جواز المن وإطلاق بغير شيء. وأيضًا فقد روى عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ بعث سرية فأسروا رجلًا من عقيل، فأوثقوه وشدوه في الحرة، فمر رسول الله ﷺ به فقال: يا محمد! فيم أخذت؟ وفيم أخذت سابقة الحجاج يعني حمله؟ فقال ﵇: أخذت بجريرة (٢) حلفائك من ثقيف، وكانوا قد أسروا رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ (١٠٤) فقال: إني ظمآن فاسقني، وإني جائع فأطعمني، وإني مسلم، فقال ﵇: لو تكلمت به قبل هذا؛ لأفلحت كل الفلاح، ثم فداه برجلين، وأخذ ناقته" (٣). فدل على جواز الفداء، وقد فدى رسول الله ﷺ العباس وعقيلا ونوفلا كل رجل بأربع مائة دينار، وفدى العباس حليفه فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ (٤) إلى آخرها.

стр. 2262

قال العباس أعطاني الله مكان العشرين أوقية عشرين عبدًا، كلهم في يده مال (١). فإن استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ (٢)، وأنه عام لم يذكر فيه منّ ولا فداء. قيل: قد تكلمنا على هذا، وخصصناه بقوله تعالى ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾. فإن قيل: لما لم يجز بيع السلاح منهم لأن فيه تقويتهم على المسلمين؛ كذلك أيضًا لا يجوز تخليتهم على سبيل المن والفداء؛ لأنه يكون معاونة على الإسلام. قيل: هذا غلط؛ لأنه يكون ضعيفًا أيضًا، والأسير من المسلمين قد يكون قويًا، وللمسلمين في أعينهم من الهيبة والخوف ما ليس للكافرين في نفوس المسلمين، ألا ترى أن الله تعالى جعل بإزاء كل مائة من المسلمين مائتين من الكفار بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٣). وقال في الكفار: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ (٤).

стр. 2263

فإذا فدا المشرك بمسلم؛ فقد أعان المسلمين على المشركين. فإن قيل: فالفداء بالمال يحصل منه ما ذكرناه. قيل: الجواب عن هذا من وجهين. أحدهما: أن المال يتقوى به المسلمون أكثر مما يتقوى الكفار بكافر يطلق لهم. والوجه الآخر: هو أنه يجوز ذلك إذا اجتهد (١٠٥) الإمام، وعلم أن فيه مصلحة لا مفسدة، فإن علم أن فيه مفسدة؛ لم يجز. وجواب آخر: وهو أن الذي ذكروه باطل ليس من حيث كان المن والفداء مما يتضمنان المعاونة على المسلمين؛ مما يدل على أنه لا يجوز للإمام فعله، ألا ترى أن بالاسترقاق قد يوجد هذا المعنى لأنه يحصل عبدًا في أيدي المسلمين فيتجسس ويتحسس ويعرف الأخبار، فإذا حضر المضاف؛ أفلت إليهم وكاتبهم، ومع هذا فقد جاز الاسترقاق بلا خلاف. وعلى أنه لو لم يجز الفداء؛ لأدى إلى أن يمتنعوا من الفداء على ما في أيديهم من المسلمين، فكان دخول الضرر على المسلمين بهذا أعظم، والله الموفق. فأما الآلة والسلاح؛ فإنما لم يجز أن نبيعهم إياه لأن في ذلك تقويتهم لا محالة، ولا يؤدي ترك ذلك إلى أن لا يفادونا بما في أيديهم، فليس في بيعهم إياه مصلحة للمسلمين على وجه. فإن قيل: فإن تقويتهم بالرجال إذا أطلقوا أشد من تقويتهم بالسلاح.

стр. 2264

قيل: هذا غلط؛ لأن بيعهم السلاح لا منفعة للمسلمين فيه على وجه، وقد بينا المنفعة في الفداء بالرجال، وأنه يؤدي إلى أن يفادونا بمن في أيديهم من المسلمين الذين لهم هيبة في أعينهم، وبهم يكثر جيش المسلمين، وهيبة الرجال في أعينهم بلا سلاح أكثر من هيبة السلاح بلا رجال. فإن قيل: فإن المشرك إذا وقع في أيدي المسلمين؛ فإنه يكون قد عرف عادتهم وأفعالهم، فلو جوزنا تخليتهم؛ لأدى إلى أنهم يرجعون إلى القتال طمعا في أنهم إذا أُسروا خُلُّوا، فوجب قتلهم حتى يهابوا فلا يقدمون على القتال. قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أنه (١٠٦) يؤدي إلى أن لا يفادونا بمن في أيديهم من المسلمين لهذا. وجواب آخر: وهو أنهم لم [] (١) ما يقولون خوف القتال إذا وقعوا في الأسر فإنهم لا يتركون القتال وهم يتدينون به، فلو كان ما ذكرتم؛ لأدى إلى أن يقاتلوا قتال مستقبلين، وقتال المستقبل أشد من غيره؛ لأنه يعلم أنه إن وقع فليس غير قتله، وإذا كان في نفسه أنه يجوز إذا أسر أن يأذن له؛ لم تكن نفسه في القتال كذلك. وجواب آخر: وهو أن المقاتل إنما يقاتل وعنده غلبة ظن الظفر بعدوه أو السلامة منه، فلو قتلنا الأسير؛ لم يمنع ذلك الباقين من القتال. وعلى أن هذا يسقط بالاسترقاق؛ فإنه قد يسترق فيتجسس ثم يعود إلى

стр. 2265

بلده ثم يرجع إلى القتال، وتطمئن نفسه إلى جواز استرقاقه إذا وقع في الأسر، فيجب أن لا يسترق، فلما جاز استرقاقه مع جواز ما ذكرتموه؛ جاز الفداء مع جواز ذلك. وقد كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك في غزواته، يمن ويفادي إلى أن مات ﵇، فمن ذلك يوم بدر قتل عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث (١)، ثم قدم المدينة فحكم في سائرهم بالمن والفداء. وكذلك حكم في قريظة وقد نزلوا على حكم سعد (٢)، فمنّ على الزبير بن باطا، كلمه فيه ثابت بن قيس حتى كان الزبير هو الذي اختار لنفسه القتل (٣). وهكذا في رهط جويرية منّ عليهم وهم بنو المصطلق. وكذلك فتَح خيبر فمن عليهم (٤). وكذلك فتح مكة قتل من قتل ومنّ على الباقين (٥). ثم كانت هوازن سباهم واستأناهم (٦) أياما حتى قدم وفدهم، فمنّ عليهم كلهم (٧). وفادى بالمرأة الفزارية التي سباها سلمة بن الأكوع بأسارى من المسلمين

стр. 2266

كانوا في أيديهم قبل الفتح (١). وشرح هذا (١٠٧) يطول لكثرته، وهكذا فعل أبو بكر بعده لما ظفر بأهل الردة منّ على عيينة بن حصن، وقرة بن ميسرة، ومنّ على كندة، ولم يذكر أنه منّ على أحد [بحرية] (٢). * * * * مسألة (١٨): إذا دخل الحربي إلينا بأمان، فأودع وباع وتملك مالًا، ثم قتل في دار الحرب أو مات؛ فإنه يرد ماله وودائعه إلى ورثته، ولا يكون مغنومًا. ولا خلاف أن أمان ماله باق ما دام حيا، والخلاف فيه إذا مات أو قتل، فقلنا: إن أمان ماله باق (٣). وقال أبو حنيفة: هو غنيمة (٤). واختلف قول الشافعي؛ فقال مثل قولنا (٥). وقال: يكون مغنوما للمسلمين كقول أبي حنيفة (٦). والدليل لقولنا هو قد ثبت أمان ماله، فمن زعم أنه ينتقض بموت صاحبه أو قتله؛ فعليه الدليل.

стр. 2267

وأيضًا فإنه لما جاز أن يفرد الملك بعقد الأمان دون النفس؛ جاز أيضًا أن يبطل أمان النفس ويبقى أمان الملك، ألا ترى أن الحربي إذا نفذ إلينا ماله على سبيل الأمان؛ كان ماله في أمان ونفسه في غير أمان، وكذلك أيضًا تكون نفسه في أمان وماله في غير أمان، مثل أن يقول: أمنت نفسي دون مالي، وقد يكون الأمان لنفسه وماله. وأيضًا فإن كل من ملك شيئًا إنما يملكه بحقوقه، ألا ترى أنه إذا كان له دين يرهن فمات؛ فإن وارثه يرث الدين ويملكه بحق الرهن، ولا يبطل حكم الرهن به، فكذلك إذا ثبت له حق الرد بالعيب فإذا مات ورث عنه ورثته، وملكوه بحقه الذي هو الرد بالعيب، ولا يبطل ذلك بموت المالك، وكذلك الشفعة عندنا تورث، وكذلك أيضًا لما ملك هذا المال والمال أمان؛ وجب أن يملكه ورثته، ومن حقوقه أنه مال له أمان. وأيضًا فلو جاز أن يقال: إن أمان (١٠٨) ماله ينقض بموته لأن أمانه بطل؛ لوجب [أن يبطل أمان ماله إذا] (١) دخل دار الحرب؛ لأنه قد بطل أمانه في ذلك الوقت، فلما لم يجز أن يقال: إن أمان ماله بطل بدخوله دار الحرب؛ ثبت أنه لا يبطل أصلًا. ويجوز أن نقول: لما لم يبطل أمان ماله ولم يغنم بدخوله دار الحرب [] (٢) لأنه مال له أمان؛ كذلك أيضًا لا يبطل أمان ماله ولا يغنم؛ لأنه مال له أمان.

стр. 2268

وأيضًا فلو ترك عبده؛ لم يبطل أمانه وهو من ماله، فكذلك سائر أمواله. فإن قيل: فإنه كان لنفسه أمان ولماله أمان، فلما دخل دار الحرب؛ بطل أمان نفسه، وبقي أمان ماله لأن [الذي أعطي] (١) الأمان باق، فإذا مات؛ فقد بطل من بيننا وبينه أمان في نفسه وماله، وقد انتقل المال إلى كافر، ولا أمان له في نفسه ولا في ماله، فوجب أن يؤخذ منه ولا يكون موروثا، كما إذا ظهر الإمام على حي لا أمان له ولا لماله؛ فإنه يأخذ ماله. قيل: إن ماله لا يبطل بموته كما لا يبطل بدخوله دار الحرب؛ لأن أمان نفسه قد بطل في الموضعين جميعًا، حتى إنه إذا عقد الأمان لماله مع علمنا بأن المال يملك وينقل إلى ورثته، فكأنه قد أخذ الأمان لماله على هذه الصفة، فيصير ورثته في هذا المال بمنزلة من بعث بماله في أمان وأقام بدار الحرب؛ فإن أمان ماله باق؛ لأن المال قد حصل له أمان لمالكه ومن يقوم مقامه فيه، وقد بينا أنه ينتقل إلى ورثته على ما هو عليه، وموت من عقد الأمان بيننا وبينه لا يبطل أمان ماله، كما أن موت من يجب له خيار العيب والرهن والشفعة لا يبطل ما لحق بماله، وورثته يقومون فيه مقامه على ما بيناه. وعلى أنه باطل بعد طرحه إلى ورثته وإن كان الذي عقد العقد قد مات. فإن قيل: فإن (١٠٩) هذه حقوق متعلقة بالمال جلبها الملك، وليس كذلك مسألتنا، ألا ترى أنه إذا عقد الأمان لنفسه، كان أمانا لماله، فعلم أنه لم يوجبه الملك، فلم يجز أن ينتقل مع الملك. قيل: لا فرق بينهما؛ لأن الملك لم يجلب ذلك، وإنما فعله جلبه،

стр. 2269

وهو أخذه الرهن على الدين، وكذلك شرطه الخيار وابتياعه ما فيه العيب، والأصل فيه كونه ممن يملك ملكًا صحيحًا، وله ذمة الإسلام أو ذمة الأمان، فإذا كانت ذمة الإسلام توجب له ولورثته ما تعلق بماله من الحقوق؛ فأخذه الأمان على نفسه وماله، أو على ما يوجب له الأمان على ماله، فإذا انتقل إلى ورثته؛ انتقل بما يتعلق عليه، وإن مات هو كما يموت المسلم؛ فلا يبطل بموته ما تعلق بملكه من الحقوق، وإن انتقل الملك إلى من لم يكن مالكه ولا فعل فيه فعلا؛ تعلقت تلك الحقوق. ونقول أيضًا: لو اشترط رده إلى ورثته؛ لزم رده، فكذلك إذا لم يشترط؛ لأنه مال له أمان، فإطلاقه يقتضي ما يقتضيه الشرط. وأيضًا فإن الأمان إذا تضمن شيئين فبطل في أحدهما؛ لم يبطل في الآخر، ألا ترى أنه إذا بطل أمانه؛ لم يبطل أمان أهله، ولو أخرج ماله وبقي هو في دار الإسلام؛ بطل أمان ماله؛ ولم يبطل أمانه في نفسه، فكذلك إذا بطل أمان نفسه؛ لم يبطل أمان ماله. والله الموفق. * * * * مسألة (١٩): إذا سبي الزوجان معا؛ قال مالك في إحدى الروايتين عنه: إنهما على نكاحكما (١). وكذلك قال ابن القاسم (٢).

стр. 2270

وإذا سبي أحدهما قبل الآخر؛ فكذلك عند ابن القاسم، وفي الرواية الأخرى عن مالك أن السبي يهدم النكاح، سواء سبيا جميعًا، أو أحدهما قبل الآخر (١). وقال في موضع آخر: إن سبيت قبل الزوج؛ انفسخ (١١٠) النكاح، وحلت لمالكها؛ إذ لا عهد لزوجها (٢). وهذا يدل على أنه إن سبي الزوج واسترق؛ فقد حصل له عهد، فينبغي إذا سبيت بعده أن تكون معه على نكاحهما؛ لأنه قد حصل له عهد. وعند الشافعي أنهما إذا سبيا معًا؛ انفسخ نكاحهما مثل لو سبي أحدهما قبل صاحبه (٣). وهو مذهب الثوري أبي ثور (٤). وعند أبي حنيفة: لا ينفسخ نكاحهما إذا سبي معًا، وينفسخ بسبي أحدهما قبل صاحبه (٥). وهذا كله معناه إذا استرقهم الإمام؛ لأن له أن يمن، أو يقتل الرجال، أو يفادي على ما بيناه، فإذا استرق الرجال ووقع في القسم؛ حصل منه ما

стр. 2271

ذكرناه من الفرقة والبقاء على النكاح. والدليل على أن نكاحهما باق إذا سبيا معًا - وهو مذهب الأوزاعي - من وجوه: أحدهما: - وهو عمده - هو أننا وجدنا استدامة النكاح آكد وأثبت من ابتدائه، الذي يدل على ذلك هو أن كل معنى يقطع الاستدامة؛ فإنه يمنع الابتداء كالموت وغيره مثل الرضاع، وليس كل معنى يمنع الابتداء يقطع الاستدامة، يدل على ذلك أن ابتداء النكاح على المعتدة لا يصح، وقد تعتد وهي زوجة، مثل أن يطلقها طلقة رجعية أو توطأ بشبهة، فإن كان الابتداء أضعف في ثبوته من استدامته؛ [دل] (١) أن الرق لا ينفي ابتداءه؛ لأنه يجوز أن يتزوج بأمة فلا ينفي، [فلأن] (٢) لا يقطع استدامته التي هي أكد وأثبت أولى (٣)؛ لأن العبد لو تزوج حرة أو أمة؛ لكان نكاحه صحيحًا. وأيضًا فليس في الاسترقاق أكثر من حدوث الملك، فلا يفسخ النكاح، كما لو اشترى عبدًا له زوجة فقد حدث للمشتري عليه ملك، ومع هذا فنكاحه ثابت. وأيضًا فإن المرأة تارة تنتقل من الحرية إلى الرق، وهو أن يشتري الحرة الحربية، وتارة تنتقل من الرق إلى الحرية، (١١١) وهو أن تكون أمة فتعتق

стр. 2272

وهي زوجة [] (١)، وقد تقرر أنها إذا انتقلت من الرق إلى الحرية؛ لم ينفسخ نكاحها وهي تحت حر، وتحت عبد يكون لها الخيار، فكذلك إذا انتقلت من الحرية إلى الرق؛ جاز أن لا؛ جاز أن لا ينفسخ (٢). وأيضًا فقد اتفقنا والشافعي أن النكاح لا يبطل بحدوث الرق؛ لأنه لو تزوج مسلم بحربية ثم سباها المسلمون؛ استرقت، ولم ينفسخ النكاح بينها وبين المسلم بحدوث الرق عليها بعد الحرية، وهذا يدل على صحة قولنا. وقد اتفقنا أيضًا على أن الرجل إذا سبي ومعه ولده الأصاغر؛ فهم على دينه، لم يتغير حكمهم عن دينه، وكانوا تبعا لأبيهم في دينهم، وإن كانت أملاكه عن رقبته وماله زائلة، كذلك أيضًا إذا سبيت المرأة مع زوجها؛ لا يتغير حكمها في نكاحهما، كما لم يتغيرا عن دينهما. وأيضًا فإن النبي ﵇ لما سبى هوازن نساءهم وذراريهم، فسألوه فخيرهم بين أحسابهم وأنسابهم، فاختاروا أنسابهم، فرد عليهم زوجاتهم وذراريهم (٣). فلو كان النكاح انفسخ بينهم؛ لم يكن لرد الزوجات عليهم معنى، ولو انفسخ أيضًا النكاح بينهم؛ لكان ﵇ يعلمهم ويقول لهم: لا يحل لكم المقام على ذلك النكاح، فأي فائدة في ردهن عليكم، فلما لم يعرفهم هذا؛ علم أن النكاح كان ثابتًا (٤).

стр. 2273

ولنا أيضًا أن نستدل باستصحاب الحال وأنهم على نكاحهم، فمن زعم أنه يفسخ؛ فعليه الدلالة. فإن قيل: فإن ظاهر الكتاب يدل على صحة قولنا، وهو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١). وهذه الآية نزلت في سبي أوطاس، وقد (١١٢) سبي النساء اللاتي لهن أزواج، فسأل المسلمون النبي ﵇ فقالوا: "هل يجوز لنا وطؤهن وإن كان لهن أزواج، فأنزل الله تعالى قوله ما قال، واستثنى منهن ملك اليمين بالسبي" (٢). فظاهره يبيح لنا ما ملكت أيماننا وإن كان لهن أزواج عموما إلا ما خصته الدلالة. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن الآية إنما نزلت في سبي أوطاس وكن نساء منفردات عن أزواجهن، فنقصرها على سبيها إذا فرقنا بين أن يسبى كل واحد منهما منفردا، وبين أن يسبيا معًا، فلا يكون في الآية دليل على سبيهما جميعًا إذا قصرناها على سبيها. والجواب الآخر: هو أن الآية تفيد ملك الوطء بملك اليمين، والمرأة إذا كان لها زوج؛ فإن الذي حصلت في ملكه لا يملك وطأها بملك اليمين،

стр. 2274

وفيه تنازعنا، ومعلوم أن المقصود منه ملك الوطء بدلالة أنه قد يملك من لا يجوز له وطؤها كأخته من الرضاعة، فإذا كانت الآية تفيد كونه مالكا للوطء وهذا الموضع في مسألتنا غير مسلم وفيه تنازعنا؛ لم يجز التعلق به. فإن قيل: فعلى أي شيء تحملون الآية، وأيش يكون فائدتها. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أننا نخصها فيها إذا سبيت مفردة عن زوجها على إحدى الروايتين. والجواب الآخر: هو أن يكون معناه: "والمحصنات أي الحرائر محرمات عليكم إلا بملك أيمانكم من العقد عليهن"، ألا تراه قال في الآية: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ] (١)﴾ أي عفائف، فتقديره: وأحل لكم ما وراء من حرم من ذوات المحارم والأمهات أن تبتغوا بأموالكم، أي الحرائر (١١٣) العفائف. فإن قيل: حملكم ذلك على الحرائر؛ باطل من ثلاثة أوجه: أحدها: من طريق النقل أن المراد به الزوجات، وهو ما روى سفيان عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "لما كان عام أوطاس؛ سبينا سبايا ذات أزواج، فتحرجنا وطأهن، فسألنا رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢).

стр. 2275

فدل على أن المراد بالمحصنات من الزوجات الحرائر. والوجه الثاني: هو أن الظاهر من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني بالرق لا بعقد النكاح. والوجه الثالث: هو أن حمله على الحرائر لا يفيد، وذلك أن الله تعالى حرم الأمهات، والمراد به تحريم العقد عليهن، كذلك المحصنات يجب أن يكون المراد بتحريمهن تحريم العقد، ووجدنا الحرائر لا يحرم العقد عليهن، فدل على أن المراد به الزوجات اللاتي يحرم بالعقد عليهن. قيل: الجواب عن الفصل الأول؛ هو أن الآية لما نزلت؛ لم ينقل في الخبر أن النبي ﵇ قال: إنها قد أباحت لكم الوطء، فيجوز أن تكون نزلت في تحريم وطئهن، فيكون تقديرها: "والمحصنات ليس لكم وطؤهن إلا بملك عقد عليهن، أو ملك وطء"، وليس هاهنا عقد عليهن، وملك الوطء فيه تنازعنا، ولم نسلم لكم. والجواب عن الفصل الثاني: فهو أن الملك للوطء قد يحصل بعقد

стр. 2276

النكاح، ويحصل بشراء الأمة على وجه، فنحمله على هذا بدلالة، كما خصصتم قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، فلا يجوز لنا وطء أمة يملكها وهي تحت زوج في دار الإسلام. والجواب عن الفصل الثالث: هو أن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (١١٤) بالعقد والملك، ثم قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ أي الحرائر يحرمن بلا عقد، ولكم أن تملكوا وطأهن بالعقد عليهن، فيستفاد بالآية أكثر مما حملتموه عليها، فكأنه قال تعالى: وحرمت عليكم الحرائر إلا ما ملكت أيمانكم من العقد عليهن. ولنا أن نجوز قياسًا فنقول: قد اتفقنا على أنه لو ابتاع أمة مسلمة لها زوج أو أمة كتابية لها زوج؛ لم يجز له أن يطأها، بعلة أنها أمة ولها زوج، فكذلك إذا حصلا عنده من السبي، وهذه علة تنتظم إذا سبيا معًا أو أحدهما قبل الآخر، وإن فرقنا بينهما، قلنا: هي أمة زوجها معها في دار الإسلام. فإن قيل: هي في هذه الحال لا أسلم أن لها زوجا؛ لأن النكاح ينفسخ. قيل: فلا حجة لكم في الآية إذن؛ لأنه حرم المحصنات ذوات الأزواج، واستثناهن في الملك إذا كان لهن أزواج، فإن لم يكن لهن أزواج وقد انفسخ نكاحهن؛ فليس هؤلاء هم المذكورين في الآية. على أننا قد دللنا أن نكاحهم لا ينفسخ. فإن قيل: فقد قال النبي ﵇ في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى

стр. 2277

تضع، ولا حائل حتى تحيض" (١). فدل على جواز وطء الحامل إذا وضعت، والحائل إذا حاضت، سواء كانت ذات زوج أو خالية منه. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه روي أنهن سبين منفردات عن الأزواج، وقد قلنا على إحدى الروايتين: إن هؤلاء يجوز وطؤهن. والجواب الثاني: إننا نخصه فيمن ليس لها زوج بدلالة، وقد ذكرنا أدلة. فإن قيل: فإن كل من يزول ملكه عنه بالاسترقاق إذا لم يكن ذلك الشيء معه؛ فإنه يزول ملكه عنه وإن كان ذلك الشيء ء معه، أصله أمواله. قيل: أمر أمواله مراعى (١١٥) إذا سبي هو حتى تحصل أمواله في السبي، وقبل ذلك يجوز أن يعود إليه على وجه، والعبد عندنا يملك (٢)، وللسيد أن ينتزع ماله، وليس له أن يفرق بينه وبين زوجته. فإن قيل: فإنه لا خلاف أن الرجل إذا سبي واسترق ولم تكن زوجته معه؛ زال ملكه عنها، وانفسخ نكاحه، كذلك وإن كانت معه، كما لو سبي واسترق ولم يكن ماله معه؛ زال ملكه عنه، فكذلك أيضًا يزول ملكه عن ماله وإن كان معه، بل الزوجية أولى ببطلانها وزوال ملكه عنها من أمواله، لأن المال لا ينافيه التحريم بل يلازمه، ألا ترى أنه يشتري أخته من الرضاع ويكون

стр. 2278

الشراء صحيحًا، ولا يصح نكاحه عليها. قيل: أما قولكم: "إنه لا خلاف أنه إذا سبي ولم تكن معه زوجته أن ملكه يزول عنها"؛ فإننا نقول: في هذا أشد الخلاف؛ لأنه على أحد الروايتين لا يزول نكاحه عنها على ما بيناه، وإن فرقنا؛ فإننا نقول: إنهما إذا سبيا جميعًا واسترقا؛ حصل لهما عقد أمان وذمة في حال واحدة، فوجب أن يقرا على نكاحها، وإذا افترقا؛ لم يجتمعا في الذمة. وأما ماله إذا سبي وهو معه؛ فإن صار في القسم مع ماله لسيده؛ فهو مالك لا يزول عنه إلا بنزاعه منه، وإن لم يحصل معه؛ فهو مال للمسلمين، بمنزلة البيع يكون مال العبد المبيع للبائع، فإذا وقع ماله في المقاسم وملكه سيده بالقسم بلا مال؛ فهو كما يشتريه بلا مال، ثم يجوز أن يملك ملكا مستأنفًا. على أن الفرق بين المال والزوجة واضح على مذهبنا في ملك العبد، وذلك أن العبد الذي يملكه سيده [] (١) هي أمة سيده فإنه إذا باعه؛ زال ملكه عن ماله حتى [] (٢) عبده، ولا يزول [] (٣) ولا يخرج عن يده سواء كانت [] (٤) (١١٦) أمة لسيده، أو لغيره، أو حرة. وأما قولكم: "إنه يشتري أخته من الرضاعة فيملكها ولا يصح نكاحه عليها"؛ فهذا حجتنا؛ لأنه قد يشتري أمة لها زوج يصح شراؤه إياها، ولا

стр. 2279

يصح نكاحه عليها قبل اشترائه ولا بعده. على أن الرق عندكم ينافي سائر الأملاك، بدلالة أن العبد متى ابتدأ ملكا في الحال؛ لم يصح، وإذا بقي الرق ابتدأ الملك عندكم؛ جاز أن ينفي البقاء، وليس كذلك النكاح؛ لأن الرق لا ينافيه، ألا ترى أنهما لو ابتدءا عقدًا بينهما بعد أن صار في ملك السبايا؛ جاز نكاحهما، فلأن يجوز البقاء أولى. فإن قيل: فإن حدوث الرق في الزوجية يوجب أن يبطل الزوجية، أصله إذا سبي أحدهما. قيل: إذا فرقنا بينهما؛ فقد ذكرنا الفرق، وهو أنه إذا سبي أحدهما؛ لم يجتمعا في عقد الذمة والأمان. فإن قيل: فإن ملكه عن رقبته لما زال بالسبي؛ فزواله عن المنافع أولى. قيل: هذا غلط؛ لأنه يجوز مع زوال ملكه أن يستأنف عقد نكاح، فكذلك يستديمه، ثم قد بينا على أصولنا في ملك العبد أنه إذا بيع وله مال وزوجة؛ زال انتفاعه بماله، ولم يزل انتفاعه بزوجته، ولا بطل نكاحه. فإن قيل: فإننا نفرق بين ابتداء الرق وحدوثه، وبين ابتداء الملك؛ لأن ابتداء الملك هو استدامة الرق، فلهذا إذا اشترى أمة لها زوج أو عبدًا له زوجة؛ لم ينفسخ؛ لأنه ابتداء ملك واستدامة رق، وفي مسألتنا هو ابتداء رق وحدوثه. قيل: لا فرق بينهما؛ لأنه ليس في حدوث الرق وابتدائه أكثر من أنه

стр. 2280

يصيره في حكم الإرقاق، وحكم الرق لا ينفي ابتداء نكاح ولا استدامته، فابتداؤه برقهما إذا سبيا معًا وحصلا له في القسمة؛ هو بمنزلة أن يبتدئ شراءهما وهما (١١٧) زوجان. فإن قيل: فإن ما حكيتموه عن الشافعي أنه إذا تزوج مسلم بحربية ثم ظهر المسلمون عليها واسترقوها؛ أن نكاحهما [باق] (١)، فليس هذا مذهب الشافعي، بل هو منصوص لأنه قال: متى سبينا؛ نفسخ النكاح فيما بينهما؛ لأن النكاح يفسخ بعوارض، فجاز أن يكون هذا من العوارض التي تفسخ النكاح، ومن أصحابنا من: قال: لا يفسخ النكاح لأجل حق المسلم، وليس هذا بشيء. قيل: فالكلام عليكم قد مضى، قلنا: إذا كان الرق لا ينفي النكاح في ابتدائه، لم تنفك استدامته، وليس طروء الرق عليها بالسبي في ثبوت النكاح إلا بمنزلة أن يبتدئ نكاحًا عليها وهي أمة. فإن قيل: فإن قولكم: "إذا سبي وولده معه لا يتغير حكمه وحكم ولده، فكذلك في زوجته وإن كان حكمهم يتغير إذا سبي أحدهما منفردًا"، فجوابكم أن نقول: إنما لم يتغير دين الصبي إذا سبي مع أحد أبويه؛ لأن أباه المسبي لم يتغير دينه في السبي، فلم يتغير دين من هو تابع له وهو ذريته، فعلى قود هذا وقياسه يجب أن ينفسخ النكاح إذا سبيت معه؛ لأنه لما تغير حكم ملك نفسه ورقبته وزوال ملكه عن رقبته وأملاكه؛ يجب أيضًا أن يزول عن بضع امرأته التي هي تابعة له؛ لأنها ملك من أملاكه.
следующие страницы →