← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

النكاح، ويحصل بشراء الأمة على وجه، فنحمله على هذا بدلالة، كما خصصتم قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، فلا يجوز لنا وطء أمة يملكها وهي تحت زوج في دار الإسلام. والجواب عن الفصل الثالث: هو أن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (١١٤) بالعقد والملك، ثم قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ أي الحرائر يحرمن بلا عقد، ولكم أن تملكوا وطأهن بالعقد عليهن، فيستفاد بالآية أكثر مما حملتموه عليها، فكأنه قال تعالى: وحرمت عليكم الحرائر إلا ما ملكت أيمانكم من العقد عليهن. ولنا أن نجوز قياسًا فنقول: قد اتفقنا على أنه لو ابتاع أمة مسلمة لها زوج أو أمة كتابية لها زوج؛ لم يجز له أن يطأها، بعلة أنها أمة ولها زوج، فكذلك إذا حصلا عنده من السبي، وهذه علة تنتظم إذا سبيا معًا أو أحدهما قبل الآخر، وإن فرقنا بينهما، قلنا: هي أمة زوجها معها في دار الإسلام. فإن قيل: هي في هذه الحال لا أسلم أن لها زوجا؛ لأن النكاح ينفسخ. قيل: فلا حجة لكم في الآية إذن؛ لأنه حرم المحصنات ذوات الأزواج، واستثناهن في الملك إذا كان لهن أزواج، فإن لم يكن لهن أزواج وقد انفسخ نكاحهن؛ فليس هؤلاء هم المذكورين في الآية. على أننا قد دللنا أن نكاحهم لا ينفسخ. فإن قيل: فقد قال النبي ﵇ في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى

стр. 2277

تضع، ولا حائل حتى تحيض" (١). فدل على جواز وطء الحامل إذا وضعت، والحائل إذا حاضت، سواء كانت ذات زوج أو خالية منه. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه روي أنهن سبين منفردات عن الأزواج، وقد قلنا على إحدى الروايتين: إن هؤلاء يجوز وطؤهن. والجواب الثاني: إننا نخصه فيمن ليس لها زوج بدلالة، وقد ذكرنا أدلة. فإن قيل: فإن كل من يزول ملكه عنه بالاسترقاق إذا لم يكن ذلك الشيء معه؛ فإنه يزول ملكه عنه وإن كان ذلك الشيء ء معه، أصله أمواله. قيل: أمر أمواله مراعى (١١٥) إذا سبي هو حتى تحصل أمواله في السبي، وقبل ذلك يجوز أن يعود إليه على وجه، والعبد عندنا يملك (٢)، وللسيد أن ينتزع ماله، وليس له أن يفرق بينه وبين زوجته. فإن قيل: فإنه لا خلاف أن الرجل إذا سبي واسترق ولم تكن زوجته معه؛ زال ملكه عنها، وانفسخ نكاحه، كذلك وإن كانت معه، كما لو سبي واسترق ولم يكن ماله معه؛ زال ملكه عنه، فكذلك أيضًا يزول ملكه عن ماله وإن كان معه، بل الزوجية أولى ببطلانها وزوال ملكه عنها من أمواله، لأن المال لا ينافيه التحريم بل يلازمه، ألا ترى أنه يشتري أخته من الرضاع ويكون

стр. 2278

الشراء صحيحًا، ولا يصح نكاحه عليها. قيل: أما قولكم: "إنه لا خلاف أنه إذا سبي ولم تكن معه زوجته أن ملكه يزول عنها"؛ فإننا نقول: في هذا أشد الخلاف؛ لأنه على أحد الروايتين لا يزول نكاحه عنها على ما بيناه، وإن فرقنا؛ فإننا نقول: إنهما إذا سبيا جميعًا واسترقا؛ حصل لهما عقد أمان وذمة في حال واحدة، فوجب أن يقرا على نكاحها، وإذا افترقا؛ لم يجتمعا في الذمة. وأما ماله إذا سبي وهو معه؛ فإن صار في القسم مع ماله لسيده؛ فهو مالك لا يزول عنه إلا بنزاعه منه، وإن لم يحصل معه؛ فهو مال للمسلمين، بمنزلة البيع يكون مال العبد المبيع للبائع، فإذا وقع ماله في المقاسم وملكه سيده بالقسم بلا مال؛ فهو كما يشتريه بلا مال، ثم يجوز أن يملك ملكا مستأنفًا. على أن الفرق بين المال والزوجة واضح على مذهبنا في ملك العبد، وذلك أن العبد الذي يملكه سيده [] (١) هي أمة سيده فإنه إذا باعه؛ زال ملكه عن ماله حتى [] (٢) عبده، ولا يزول [] (٣) ولا يخرج عن يده سواء كانت [] (٤) (١١٦) أمة لسيده، أو لغيره، أو حرة. وأما قولكم: "إنه يشتري أخته من الرضاعة فيملكها ولا يصح نكاحه عليها"؛ فهذا حجتنا؛ لأنه قد يشتري أمة لها زوج يصح شراؤه إياها، ولا

стр. 2279

يصح نكاحه عليها قبل اشترائه ولا بعده. على أن الرق عندكم ينافي سائر الأملاك، بدلالة أن العبد متى ابتدأ ملكا في الحال؛ لم يصح، وإذا بقي الرق ابتدأ الملك عندكم؛ جاز أن ينفي البقاء، وليس كذلك النكاح؛ لأن الرق لا ينافيه، ألا ترى أنهما لو ابتدءا عقدًا بينهما بعد أن صار في ملك السبايا؛ جاز نكاحهما، فلأن يجوز البقاء أولى. فإن قيل: فإن حدوث الرق في الزوجية يوجب أن يبطل الزوجية، أصله إذا سبي أحدهما. قيل: إذا فرقنا بينهما؛ فقد ذكرنا الفرق، وهو أنه إذا سبي أحدهما؛ لم يجتمعا في عقد الذمة والأمان. فإن قيل: فإن ملكه عن رقبته لما زال بالسبي؛ فزواله عن المنافع أولى. قيل: هذا غلط؛ لأنه يجوز مع زوال ملكه أن يستأنف عقد نكاح، فكذلك يستديمه، ثم قد بينا على أصولنا في ملك العبد أنه إذا بيع وله مال وزوجة؛ زال انتفاعه بماله، ولم يزل انتفاعه بزوجته، ولا بطل نكاحه. فإن قيل: فإننا نفرق بين ابتداء الرق وحدوثه، وبين ابتداء الملك؛ لأن ابتداء الملك هو استدامة الرق، فلهذا إذا اشترى أمة لها زوج أو عبدًا له زوجة؛ لم ينفسخ؛ لأنه ابتداء ملك واستدامة رق، وفي مسألتنا هو ابتداء رق وحدوثه. قيل: لا فرق بينهما؛ لأنه ليس في حدوث الرق وابتدائه أكثر من أنه

стр. 2280

يصيره في حكم الإرقاق، وحكم الرق لا ينفي ابتداء نكاح ولا استدامته، فابتداؤه برقهما إذا سبيا معًا وحصلا له في القسمة؛ هو بمنزلة أن يبتدئ شراءهما وهما (١١٧) زوجان. فإن قيل: فإن ما حكيتموه عن الشافعي أنه إذا تزوج مسلم بحربية ثم ظهر المسلمون عليها واسترقوها؛ أن نكاحهما [باق] (١)، فليس هذا مذهب الشافعي، بل هو منصوص لأنه قال: متى سبينا؛ نفسخ النكاح فيما بينهما؛ لأن النكاح يفسخ بعوارض، فجاز أن يكون هذا من العوارض التي تفسخ النكاح، ومن أصحابنا من: قال: لا يفسخ النكاح لأجل حق المسلم، وليس هذا بشيء. قيل: فالكلام عليكم قد مضى، قلنا: إذا كان الرق لا ينفي النكاح في ابتدائه، لم تنفك استدامته، وليس طروء الرق عليها بالسبي في ثبوت النكاح إلا بمنزلة أن يبتدئ نكاحًا عليها وهي أمة. فإن قيل: فإن قولكم: "إذا سبي وولده معه لا يتغير حكمه وحكم ولده، فكذلك في زوجته وإن كان حكمهم يتغير إذا سبي أحدهما منفردًا"، فجوابكم أن نقول: إنما لم يتغير دين الصبي إذا سبي مع أحد أبويه؛ لأن أباه المسبي لم يتغير دينه في السبي، فلم يتغير دين من هو تابع له وهو ذريته، فعلى قود هذا وقياسه يجب أن ينفسخ النكاح إذا سبيت معه؛ لأنه لما تغير حكم ملك نفسه ورقبته وزوال ملكه عن رقبته وأملاكه؛ يجب أيضًا أن يزول عن بضع امرأته التي هي تابعة له؛ لأنها ملك من أملاكه.

стр. 2281

قيل: هذا غلط فاحش، هو لا يملك أولاده، ولا رقبة نفسه، ولا رقبة زوجته قبل أن تسبى، وهو يملك أمواله، فإذا سبي؛ ملكت رقبته ورقبة أولاده، ورقبة زوجته إذا كانوا معه، كما تملك أمواله إن كانت معه، وإن كان الحكم [بعد ذلك] بمنزلة قبل أن يسبى، فلما كان إذا سبي مع أولاده وزوجته لم يتغير دين أولاده عن دينه؛ فكذلك لا يتغير حكم زوجته [عن حكمه (١١٨) إذ] (١) سبي أولاده منفردين عنه [] (٢) كما لو سبيت زوجته قبله لتغير حكمها، والمعنى فيه أنه لم يكن يملك رقبة ولده ولا رقبة زوجته. فإن قيل: فإن الذي ذكرتموه من أمر هوازن؛ فإنما رد النبي ﷺ أزواجهم لا لأن النكاح كان باقيًا بينهم، ولكن لبقاء الأنساب بينهم، وإنما لم يعرفهم أن نكاحهم انفسخ؛ لأنه ﵇ لا يلزمه أن يعلم الكفار الشرائع، ولا ينكر عليهم، فإنما يلزمه أن يبين لهم إذا سألوه، فأما إذا لم يسألوه؛ فلا، ألا ترى أنه ﵇ كان يعرف أن أنكحتهم وأحكامهم كثيرة كلها باطلة، ولم يعرفهم ذلك، فسقط ما ذكرتموه. قيل: ما ذكرتموه من أنه ﵇ رد عليهم أزواجهم لبقاء الأنساب بينهم؛ [فإنه باطل؛ لأنهم طلبوا نساءهم، وليس كل نسائهم بينهم [] (٣)، ومعلوم أن كل واحد منهم لم يطلب أن يرد عليه بعد أن يفوت، وإنما كل واحد منهم طلب أن يرد عليه زوجته وأبويه إن كانا ممن يختص به، فأما زوجته البائن منه؛ فهي كابن عمه ومن بعُد منه بنسب، فلو كانت زوجة كل واحد منهم قد

стр. 2282

انفسخ نكاحها؛ لكان يقول له: "وما الفائدة في رد من ليست لك بزوجة عليك، وهي كمن بعد نسبه منك"، وهذا موضع تعريفهم ذلك. وعلى أننا نقول: إن شرائعنا تلزمهم، فينبغي أن يبين لهم خاصة في مثل هذا، وقد سألوه أن يرد عليهم من لا عصمة بينهم وبينه، على زعمكم، وإن كان حكمهم حكم الأموال؛ فينبغي أن لا يردهن عليهم كما لم ترد أموالهم، فلما لم يكن الأمر كذلك؛ علمنا الفرق بينهن وبين (١١٩) الأموال وبين من بعُد نسبه من كل واحد منهم، هذا وجه هذه الرواية. وإذا قلنا بالرواية التي توافق المخالف؛ فحجتنا ما ذكرناه عن المخالف، وإذا لم ينفرق بين أن يسبى كل واحد منهما منفردًا وبين سبيهما معًا في أنه إذا سبي الزوج بعدها وهي لم تحض أو سبيت بعده في أنه لا يفسخ نكاحهما؛ فإننا نقول: هما على ما كان عليه قبل السبي، فمن زعم أن النكاح قد انفسخ أو أنهما لا يقران عليه؛ فعليه الدليل. وأيضًا فإن الدين واحد، وإذا حصل الواحد منهما قبل صاحبه واسترق؛ حصلت له الذمة على ما كان على الزوجية، فإذا سبي الآخر بعده؛ فالذمة تقرهما على ما كانا عليه، كما لو كان سبيا معًا، وقد فرقنا بينهما وبين الأموال بما فيه كفاية، وقلنا إن السبي لم يكن يملك رقبة نفسه ولا رقبة زوجته وإن كان يملك أمواله، فإذا سبي؛ ملكت عليه رقبته التي لم يكن يملكها، وملك رقبة زوجته له إذا سبيت بعده، وإن لم يكن هو يملكها؛ فالذمة التي حصلت له قبلها أو لها قبله تقرهما على نكاحهما إذا جمعا في الذمة. فإن ألزمونا الولد إذا سبي قبل أبيه وأنه يكون على دين السابي، ويتغير

стр. 2283

حكمه، ولو سبي مع أبيه؛ لم يتغير حكمه؛ فكذلك الزوجة؛ فإننا نقول: قول مالك: إن الولد لا يكون على دين السابي، وأنه على دين أبيه، فقد سقط الإلزام على قول مالك، وقال ابن القاسم: يكون على دين السابي، ولكنه ذكره في المجوس الذين ليس من أهل الكتاب. على أن الفرق بين الولد والزوجة واضح، وذلك أن الولد تابع لأبيه في الدين، ألا ترى أن عهد أبيه وأمانه عهد للولد، ولو نقض العهد؛ لانتقض عهد (١٢٠) ولده، وليست الزوجة مع زوجها كذلك [] (١) العهد لم يكن نقضا لعهدها إن كان لها عهد [] (٢) لم ينفسخ نكاحها وإن كانت على دينها، فكذلك إذا سبي قبلها وحصل له عهد؛ لم يمتنع أن يقر على زوجته إذا سبيت بعده أو سبي بعدها، اللهم إلا أن يسبى بعدها وقد استبرئت بحيضة؛ فقد حل فرجها لمن هي في يده؛ كما لو وطئها، وهذا مستمر كما نقول، إذا أسلمت زوجة النصراني؛ فإنه إن أسلم وهي في العدة؛ صح له بالإسلام العقد، وأقر معها، وإن كان إسلامه بعد انقضاء العدة؛ فلا سبيل له إليها، فكذلك هاهنا إن سبي بعدها وحصلت له ذمة قبل أن يشتري؛ أقررناه على نكاحه، وإلا لم يكن له إليها سبيل، ومن أصلنا أن أنكحتهم في الأصل فاسدة، وإنما يصححها الإسلام، أو يقرهم عليها إذا حصلت لهم ذمة. وبالله التوفيق (٣).

стр. 2284

* مسألة (٢٠): قال: وإذا تعين فرض الجهاد على أهل بلد لقرب العدو من بلدهم وكان فيهم من يجد الزاد، وهو يقوى على المشي؛ لزمه فرض الجهاد وإن لم يجد راحلة، وهو كالحج عندنا (١). وقال أبو حنيفة والشافعي (٢): من شرطه الراحلة إذا كان بينه وبين العدو مقدار ما يقصر فيه الصلاة (٣). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ (٤).

стр. 2285

وهذا أمر ظاهره الوجوب في قتالهم لمن هو قادر على القتال، فسواء قدر براحلة أو بمشي. وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢). وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣). وما أشبه هذه الظواهر، ولم يشترط الراحلة، فمن قدر على ذلك؛ لزمه، سواء قدر براحلة أو غيرها إلا أن تقوم دلالة. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ (٤). فأخبر تعالى أنه لا حرج على من ترك الجهاد إذا لم يجد ما ينفق. قيل: هذا متوجه إلى من لا يجد الزاد ولا ما يأكله، لأن إطلاق النفقة إلى هذا يتوجه؛ لأنه إذا قيل: فلان ينفق نفقة واسعة؛ فظاهره يتوجه إلى غير الراحلة. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ

стр. 2286

لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (١)، ثم قال: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ (٢). فجعل السبيل على هؤلاء، فدل على أنه منتف عن أولئك. قيل: هذا متوجه إلى من لا يقدر على المشي؛ لأن العرب كانت عادتها الركوب والقتال على الخيل، وركوب النُّجب (٣) والرواحل (٤)، وقل من يتعود منهم المشي، والسبيل على من يقدر على ذلك لغنائه وتمكنه منه، وكذا نقول. فإن قيل: فإن الجهاد فرض على الكفاية، يقوم غيره فيه مقامه، فأما نفقته ونفقة من يلزمه نفقته ومؤونته؛ فهي فرض عليه عينا؛ إذ لا يلزم غيره، فإذا تقابل هاهنا فرضان أحدهما يلزمه في عينه ولا يقوم غيره مقامه فيه [والآخر يقوم غيره مقامه فيه؛ كان اشتغاله بما] (٥) هو فرض في عينه أولى. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أننا نقول بهذا، ولا نوجبه عليه إلا أن يكون له ما ينفق على نفسه في مأكوله وملبوسه، وله ما ينفق على من يلزمه نفقته، غير أنه لا راحلة

стр. 2287

له وهو يقوى على المشي، وهذه مسألتنا. (١٢٢) والجواب الآخر: هو أنه إذا تعين الجهاد على أهل بلد ما؛ فقد تعين الفرض عليه في عينه، كما تعين عليهم، فاجتمع عليه في ذلك فرضان: أحدهما الجهاد، والآخر نفقة من يلزمه نفقته، فنقول: فرض الجهاد أولى؛ لأن [فيه] (١) تقوية كلمة الإسلام وضعف العدو، وقد يجوز أن يثيبك الله تعالى مع هذه الغنيمة فتوسع على عيالك، فيجتمع لك الأمران، مع جواز أن يرزقهم الله تعالى ما ينفقونه إذا صحت نيتك في الجهاد الله تعالى. ويجوز أن نقيسه على من يجد الراحلة؛ بعلة أنه مكلف لو حضر الوقعة أسهم له، أو بعلة أنه ذكر بالغ ممن قد يلزمه فرض الجهاد قادر عليه، أصله إذا كان بينه وبين العدو ما لا يقصر فيه الصلاة، فيخص بهذا القياس ما ذكروه من الظواهر. وبالله التوفيق (٢). * * * * مسألة (٢١): قال مالك: ولا بأس بالجعائل (٣) في البعوث، يجعل القاعد للخارج،

стр. 2288

مضى الناس على ذلك إن كانا من أهل ديوان واحد؛ لأن عليهم سد الثغور. وقال: وقد أدى القاعد للخارج مائة دينار في بعث في أيام عمر ﵀ (١). وأصحاب أبي حنيفة يكرهون الجعائل ما كان بالمسلمين أو في بيت المال ما يفي بذلك، فإن لم يكن بهم قوة ولا مال؛ فلا بأس أن يجهز بعضهم بعضا، ويجعل القاعد للشاخص. وتحصيل مذهبهم في ذلك: أن الجعالة تكره متى كانت على وجه البدل في الغزو في جميع الأحوال، فإذا كان على وجه المعونة؛ لم تكره (٢). وهذا الموضع ينبغي أن لا يكون فيه خلاف. وقال الشافعي: لا تصح النيابة في الجهاد، لا بعوض ولا غير عوض، فإن تطوع عن إنسان (١٢٣) بالجهاد؛ وقع الجهاد عن نفسه. وهذ الموضع أيضًا ينبغي أن لا يكون فيه خلاف. قال: وإن جاهد بعقد الجعالة؛ لم تصح الجعالة؛ كأنه قال له: إن جاهدت فلك علي كذا، فجاهد لم يستحق عليه شيئًا (٣). وهذا موضع الخلاف.

стр. 2289

والدليل على جواز ذلك قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ (٢). ومن قال لرجل: حج في سبيل الله، وقاتل عدو الله ولك علي كذا وكذا؛ فقد فعل الخير لا محالة. وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣). وهذان قد عقدا على أنفسهما عقدا؛ لأن الجاعل قد عقد على نفسه الجعل، والمجعول له قد عقد على نفسه الجهاد، فيلزمهما الوفاء بحق الأمر الذي يقتضي ظاهره الوجوب. وأيضًا فقد قال ﷺ : "الأعمال بالنيات" (٤). وهذا الجهاد عمل بنية. ثم قال ﵇: "وإنما لامرئ ما نوى" (٥). وهذا قد نوى الجهاد فله ما نواه. وأيضًا فإن المقصد من الجهاد نصرة التوحيد، وسد الثغر، وأن يُقاتَل المشركون، فجاز أن ينوب فيه الغير عن الغير، كالحدود، وإصلاح الجسور، والمصالح، وبناء المساجد الذي فيه المنفعة العامة، والمعاونة من بعضهم لبعض.

стр. 2290

على أن أصل الجهاد مبني على هذا؛ لأنه فرض على الكفاية ينوب فيه طائفة عن الباقين، فإذا تعين على إنسان؛ جاز أن يقوم غيره فيه مقامه؛ لأن المقصد المراد منه يحصل لمن ينوب عنه، وليس كذلك الصوم والصلاة والحج في أصله؛ لأنه ليس المقصد منه المعاونة، فلهذا كان فرضا على الأعيان في أصله. فإن قيل: فإن النيابة لا تصح فيه لأنه ينوب في السير للقتال والصف، ولا ينوب في القتال نفسه، وهو إذا حضر الصف التقى الزاحف؛ فإن الفرض (١٢٤) [قد تعين عليه] (١)، فإذا كان الفرض قد تعين عليه؛ لم يجز أن يكون فيه نائبا عن غيره، وشابه هذا ما نقوله أن من كانت عليه حجة الإسلام؛ لما كان الفرض مستحقًا عليه؛ لم يجز حجه عن الغير، لا تطوعا، ولا بأجرة، ولا عن نفسه تطوعًا أو عن غير حجة الإسلام، بل إذا حج؛ يكون عن حجة الإسلام. قيل: ليس كل شيء تعين عليه بدخوله فيه؛ يكون في ابتدائه متعينا عليه، ألا ترى أن المتطوع بالحج في الابتداء ليس بواجب عليه، وإذا دخل فيه؛ تعين فرض إتمامه عليه (٢)، كذلك المجعول له لم يكن الجهاد متعينًا عليه في الابتداء، فلما دخل فيه نائبًا عن غيره؛ تعين عليه بعد أن لم يكن متعينًا عليه، إلا أنه قد سد في جهاد العدو مسد الجاعل، وناب منابه في المراد منه. وقولهم: "إنه [لا] (٣) ينوب عنه في القتال"؛ فالذي على المجاهد

стр. 2291

الحضور ليكثر أو يقاتل إن كان ممن يقاتل، قال الله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ (١)، أي أكثروا، ألا ترى أن من حضر الوقعة ولم يقاتل؛ أسهم له إذا كان حرا بالغا ليس بأجير ولا تاجر (٢). وأما الحج؛ فإن أصله فرض على الأعيان من أعمال الأبدان، فالنيابة في أصله لا تصح، ثم إذا حصل تطوعًا؛ جاز أخذ الأجر عليه، فلو كان الجهاد كالحج؛ لاقتضى أن تصح النيابة في تطوعه إذا وقعت بعد أداء فرضه، كما تصح في الحج، فيكون هذا حجة عليكم. فإن قيل: فلا فرق بين الحج والجهاد، وذلك أن الحج يلزمه في العمر مرة، أعني حجة الإسلام، فإذا أتم حكمها؛ كان الحج عن الغير، والجهاد يلزمه فرضه كل مرة يحضر الصف، والجهاد [واجب على الأبد] (٣) كالحج في أول مرة، [] (٤) والحج من الجهاد هو (١٢٥) أن يكون الحج عن نفسه واجبًا عليه في [] (٥) عن الغير مثل أن يقول: إن شفى الله مريضي أو قدم غائبي؛ فلله علي أن أحج كل سنة حجة، فإنه إذا شفى الله مريضه؛ لزم أن يحج عن نفسه كل سنة، فلو حج عن الغير؛ لم يصح. قيل: أما قولكم: "إن الجهاد يلزمه فرضه كل مرة يحضر الصف، وأن

стр. 2292

الجهاد على الأبد كالحج في أول مرة"؛ فإنه قول غلط، وذلك أن من لا يجب عليه فرض الجهاد ولا يتعين عليه في الابتداء؛ فإنه يجوز أن يبتدئ الدخول فيه نيابة عن غيره، وإن كان إذا التقى الصفان؛ تعين عليه، فهو كالمتطوع بالحج لا يجب عليه ابتداؤه، فإن دخل فيه؛ تعين عليه إتمامه والفراغ منه، ولم يدل هذا على أنه يلزمه فرض الحج في كل سنة، فلا فرق بين الجهاد والحج من هذا الوجه، بل إن كانا نفسين في بلد يلي العدو، وقد تعين عليهما جميعًا ابتداء الجهاد، ولا غناء عنهما؛ فلا تجوز نيابة أحدهما عن الآخر، فأما من تعين عليه وحده إذا استناب من لم يتعين عليه ابتداؤه؛ فإنه يجوز، ويصير بمنزلة نفسين عليهما فرض الحج، فلا ينوب أحدهما عن الآخر. على أننا قد قلنا: إن المقصد من الجهاد نصرة كلمة الإسلام، وإذلال المشركين ليدخلوا في الإسلام أو أداء الجزية، وهذا بالمعاونة يحصل، فالنيابة فيه تصح. وقوله: "إن شفى الله مريضي فله علي أن أحج كل سنة"؛ فمثله لو قال: إن شفى الله مريضي؛ فله علي أن أغزو بنفسي كل سنة، فأما إن قال: فعلي أن أُخرِج من يغزو؛ فإنه يجوز، كما يقول: فعلي أن أخرج كل سنة حجة؛ فإنه يجوز، لا فرق بينهما. فإن قيل: فإنه إذا تعين عليه الغزو في الابتداء؛ فهو كما تعين عليه (١٢٦) أن يحج بنفسه. قيل: هذا غلط، إنما يتعين عليه في الجهاد معاونة المسلمين وشد الكلمة، فإن فعله بنفسه؛ جاز، وإن استناب من يقوم مقامه؛ جاز.

стр. 2293

فإن قيل: فقد روي أن رجلًا أعطى رجلًا خمسة دنانير ليغزو عنه، فقال النبي ﵇: "ليس لك لغزوك إلا ما أخذت" (١). قيل: هذا لا دلالة فيه؛ لأن هذا قضية في عين واحدة، فيحتمل أن يكون ممن حضر القتال وتعين عليه بالحضور فلا يأخذ عليه جعلا، ويحتمل أن يكون أراد: أنني لا أعطيك رزقًا من بيت المال كما أعطي الجيش الذين لهم أرزاق (٢)، ليس لك إلا ما أخذت من الرجل، ويحتمل أن يكون علم منه أنه لم يخلص النية الله تعالى في الجهاد، وإنما كانت نيته أخذ الدنانير حسب، وإذا احتمل هذا؛ لم يكن لهم أن يتأولوه بشيء إلا ولنا أن نتأوله على ما ذكرنا. فإن قيل: فإن الجهاد فرض على الكفاية، فمن فعله؛ وقع عن فرضه، فلا يجوز أن يستحق على غيره عوضًا. قيل: قد تكلمنا على هذا، وقلنا: هو فرض على الكفاية، فإذا اختار الدخول فيه على وجه النيابة؛ جاز. فإن قيل: فإن المجاهد يستحق سهما من الغنيمة، فلو أن فعله واقع عن

стр. 2294

غيره؛ لم يصح ذلك، وإذا وقع فعله عن نفسه؛ لم يجب له جعل فيما فعله عن غيره. قيل: وأيش الذي يمنع من هذا، هو يستحق الجعل الذي جعل له بالمعاونة، ويحصل الفعل له لأن المعنى المقصود من الجهاد قد حصل، كما يحصل من الجاعل لو حضر، وقد قلنا: إن المجعول له لم يتعين عليه الفرض في الابتداء، وإنما دخل للجعل ونوى الجهاد، فبدخوله تعين عليه بعد أن لم يكن متعينا عليه ابتداء. فإن قيل: لو استحق العوض؛ لاجتمع (١٢٧) له السهم والأجر جميعًا، والاستحقاق بفعل واحد، مثل بدلين عن شيء واحد. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن هذا غير ممتنع أن يستحق بدلين عن فعل واحد (١)، ألا ترى أن من يقول: إن السلب للقاتل؛ هو ذا يدفع إليه حقه من باقي الغنيمة (٢). على أن السهم ليس يأخذه عوضا عن قتاله؛ لأنه قد يقاتل ولا تحصل له غنيمة، فليس سهمه مستحقًا لأجل قتاله لا محالة، وليس ما يستحقه من السهم على وجه الأجرة، ألا ترى أن النبي ﵇ قد كان يستحق سهما من الغنيمة، وليس بأجرة على ما كان [يعمله] (٣)، فكيف يكون بدلًا عن القتال

стр. 2295

وقد تعاون الغازي ما يعطاه، فإذا قبضه؛ استحقه ويستحق السهم أيضًا، فلا يقال: إنهما بدلان عن قتاله. فإن قيل: فإنه متى أعطاه على وجه الأجرة؛ كان ذلك أخذ عوض عما شرطه أن يقع قربة للجاعل، وذلك لا يصح، مثل أن يأخذ أجرة عن الصلاة والصيام. قيل: هذا غير ممتنع في الجهاد؛ لأن أصله فرض على الكفاية تصح فيه النيابة، لأن الغرض ما ذكرناه من سد الثغر والقتال والمعاونة على ذلك، فإذا دفع إليه أجرا ليمنع عن المسلمين وينصر كلمتهم؛ لم يمتنع ذلك. وقد روى ابن وهب عن الليث بن سعد، عن حيوة بن شريح، عن ابن شفي، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: "للغازي أجره، وللجاعل أجره وأجر الغازي" (١). فرغب في الجعالة، ومعناه: مثل أجر الغازي مع أجره. وبالله التوفيق. * * * * مسألة (٢٢): قال: ويسهم للتاجر والأجير (١٢٨) إذا قاتلا. وهذا ينبغي أن يفصل، فإن كان التاجر خرج للجهاد والتجارة معًا؛ فينبغي أن يسهم له إذا حضر الوقعة، سواء قاتل أم لم يقاتل، ولا أعلم أن في هذا خلافًا، وهو كالحاج الذي يقصد الحج والتجارة فإن الفرض يسقط

стр. 2296

عنه، واستحق الثواب، قال الله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ (١). قال ابن عباس: المنافع التجارات والأرباح (٢)، وقيل: الثواب. وإن كان التاجر قصد التجارة ولم ينو الجهاد إلا أنه حضره؛ فإن لم يقاتل؛ لم يسهم له، وإن قاتل؛ أسهم له (٣)؛ لأنه بالقتال والدخول فيه قد حصل ناويًا وفاعلًا (٤). وكذلك الأجير إذا قاتل أسهم له (٥)، وهذا أيضًا عندي ينبغي أن يفصل، فإن كان أجيرًا على فعل شيء بعينه مثل خياطة القميص والآلة المتعينة التي لا يحتاج فيها إلى ضرب المدة؛ فليس عليه [غير] (٦) عملها، فإذا كانت نيته مع [ذلك] (٧) الجهاد وحضر الوقعة؛ أسهم له، سواء قاتل أو لم يقاتل مع (٨)،

стр. 2297

وإن كان مستأجرًا للخدمة التي تخص بالمدة؛ فإنه إنما خرج بذلك، فالزمان مستحق عليه بالأجرة، فإذا حضر الوقعة؛ لم يسهم له، حتى إذا قاتل انتفع به المنفعة التامة فأسهم له (١). واختلف قول الشافعي في التاجر والأجير جميعًا، فقال: سواء قاتلا أم لا فإنه يسهم لهما. وقال: لا يسهم لهما، ولكن إن قاتلا؛ أرضخ لهما، فإذا قال: يسهم لهما؛ لم يفرق بين أن يكون التاجر خرج للتجارة وحدها أو نوى معها الجهاد (٢). فحصل الخلاف بيننا وبينه في موضعين: أحدهما: أنه إذا لم يقاتل وحضر ولم يكن نوى الجهاد؛ فإنه لا يسهم له عندنا، ويسهم له [عنده] (٣) على أحد القولين. والموضع الآخر: هو أنه يسهم له عندنا إذا قاتل، (١٢٩) وعنده لا يسهم له وإن قاتل على أحد قوليه. والدليل لقولنا أنه لا يسهم له إذا لم يقاتل ولم يكن نوى الجهاد؛ قوله

стр. 2298

تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١). ففرق تعالى بين الضرب في الأرض لابتغاء الفضل، وبين الضرب فيها للجهاد والقتال، فعلم أنه إذا نوى بسفره التجارة حسب؛ لا يكون مجاهدًا. وأيضًا قول النبي ﵇ في رواية عمر بن الخطاب عنه: "الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (٢). فبين رسول الله ﷺ أن الهجرة إلى الدنيا لا تكون هجرة إلى الآخرة، ولأن منفعته مشغولة بغير الجهاد، فوجب أن لا يسهم له، دليله العبد. وأيضًا فإن السهم يستحقه من كان من أهل الجهاد والقتال، وهذا ليس منهم، وهو مشغول بتجارته، وإياها قصد، وبصحبته للمجاهدين وليس نيته نيتهم لا يصير مجاهدًا. فإن قيل: فقد قال ﵇: "الغنيمة لمن حضر الوقعة" (٣). وكذلك قال أبو بكر وعمر: "الغنيمة لمن حضر الوقعة" (٤). فهو إجماع.

стр. 2299

قيل: هذا عموم يخص كما يخص العبد والمرأة وإن حضرا الوقعة، فكأنه ﵇ أراد من حضر الوقعة بنية الجهاد. فإن قيل: إنه حر، مسلم، رشيد، حضر الوقعة، فوجب أن يسهم له، أصله غير التاجر. قيل: غير التاجر نوى الجهاد فأسهم له، [وهذا لم ينو الجهاد] (١). وعلى أننا قد ذكرنا القياس على العبد، فيتعارض القياس ويسقط، فلا ينبغي أن يسهم له إلا بأمر منفصل. والدليل لقولنا (١٣٠) أنه له يسهم له إذا قاتل؛ أنه قد دخل تحت قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢). وتحت قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (٣). فإذا امتثل المأمور به وهو حر مسلم؛ وجب أن يسهم له كغيره من المقاتلة. وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٤). فدل أن أربعة أخماسه للغانمين، سواء كانوا تجارًا أو غير تجار إلا أن تقوم دلالة. وأيضًا ظاهر قوله ﵇: "الغنيمة لمن حضر الوقعة" (٥).

стр. 2300

وكذلك قول أبي بكر وعمر (١). فهو عموم فيمن حضر وقاتل ومن حضر ولم يقاتل، وقامت دلالة أخرجته إذا لم يقاتل، وبقي حكمه إذا قاتل. وأيضا فإنه حر، مسلم، رشيد، حضر الوقعة وقاتل، فيجب أن يسهم له، أصله غير التاجر إذا قاتل، فإن غير التاجر يسهم له بحضوره وإن لم يقاتل. قيل (٢): يمتنع القياس عليه إذا قاتل وإن كان يستحق السهم بوجه آخر، وعلى أن منفعة القتال أكثر من منفعة الحضور، فإذا أسهم لغير التاجر بالحضور؛ وجب أن يكون التاجر إذا قاتل بالسهم أولى لكمال المنفعة بقتاله، مع كونه من أهل الجهاد، والدلائل في التاجر موجودة في الأجير إذا قاتل، والكلام فيهما واحد. ونقول أيضا إن إجارة الحر القتال لا يمنع استحقاق السهم، كما لو استأجره على أعمال معلومة معينة. وأيضا فقد قال ﵇: "للفرس سهمان، وللراجل سهم" (٣). ولم يفرق بين تاجر أجير وغيرهما. فإن قيل: فإن الأجير يشبه العبد؛ لأن منافعه مستحقة لغيره، فلا يستحق السهم.

стр. 2301

قيل: العبد ليس من جنس من يسهم له (١)، ألا ترى أن الأجير لو كان غير أجير أو أجيرا على عمل معلوم؛ لا يستحق السهم، فهو بالحر أشبه (١٣١) لوجود القتال فيه على الصفة التي ذكرنا. وأيضا فلو أسهم للعبد إذا قاتل؛ لكان ذلك للسيد الذي لم يحضر ولم يقاتل على ما يقولون: إن العبد لا يملك، وينزعه منه عندنا، والحر ليس كذلك. وبالله التوفيق. مَسْألة (٢٣): ومن لم يبلغ الحلم وأطاق القتال وقاتل؛ أسهم له إذا كان ذكرا مسلما حرا (٢). وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا يسهم (٣) له (٤).

стр. 2302

والدليل لقولنا ما روي من حديث ابن عمر أن النبي ﵇ أجازه وهو ابن أربع عشرة سنة، وهو أجود من الحديث الذي فيه أنه رده وهو ابن أربع عشرة سنة (١)؛ لأن أحمد بن حنبل روى عن ابن مهدي، عن حماد بن زيد، عن هشام، عن محمد بن سيرين، عن ابن عمر قال: "عرضت على رسول الله ﷺ يوم بدر وأنا ابن ثلاث عشرة سنة فردني، وعرضت عليه يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فأجازني" (٢). وقد روى أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عمر: "عرضت على النبي ﷺ يوم أحد ﵇ ولي ثلاث عشرة سنة فردني، وعرضت يوم الخندق وأنا ابن أربع عشرة سنة فأجازني" (٣).

стр. 2303

أحمد وروى بن حنبل، عن ابن مهدي عن سفيان وشعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: "استصغرت أنا وابن عمر في غزوة بدر" (١). فتبين بذلك أنهم ردوا للصغر لأنهم لا يطيقون القتال، وأجيزوا حين أطاقوا. وأيضا فقد روي أن رجلا كان له ابن وابن امرأة فعرضا على النبي ﵇ فأجاز ابنه، ورد ابن امرأته، فقال: يا رسول الله! أجزت هذا ورددت ذلك، ولو صارعه؛ لصرعه فقال: اصطرعا، فاصطرعا، فصرع ابن امرأته ابنه، فأجازهما جميعا، ولم يكونا قد احتلما". وكذلك روى [هشيم] (٢) عن عبد الحميد بن جعفر، عن (١٣٢) أبيه، عن سمرة بن جندب قال: "كان رسول الله ﷺ يعرض عليه غلمان الأنصار كل عام فيلحق من أدرك منهم، فعرضت عليه عاما فألحق غلاما وردني، فقلت: يا رسول الله! ألحقته ورددتني، ولو صارعني؛ لصرعته، قال: فصارعني

стр. 2304

فصرعته فألحقني" (١). وهذا يدل أن الغلام وإن لم يبلغ وأطاق القتال؛ أسهم له؛ لأنه لو اعتبر البلوغ؛ لم يحتج أن يعتبرهم بالصراع، فإن البالغ قاتل أو لم يقاتل؛ فإنه يسهم له إذا حضر، فثبت أنه اعتبر طاقتهم للقتال، وهو قياس البالغ بعلة أنه حر ذكر قد أطاق القتال وقاتل. وأيضا فإن المطلوب في الحرب جنس المكابدة، فمن أطاقها وعلمها؛ سوغها؛ لأن قضية العقل تقتضي ذلك؛ لأن كل أحد إنما يطلب للصناعة التي يبتغيها من كان مأمونا عليها عالما بها، فإذا كان القصد من الجهاد مكابدة العدو وقتاله، ووجدنا من هو من الجنس بهذه المثابة، يسد مسد الكبير؛ سوغناه ذلك مع أن الصبي الذي قد بلغ حد القتال له من الجراءة والإقدام ما ليس لغيره، ولهذا يقال: إن الأهوج (٢) أشجع من غيره، فإذا وجد العناء من الصبي في قتاله؛ أسهم له. فإن قيل: فيجب أن يسهم له وإن لم يقاتل. قيل: إذا لم يقاتل حقر، وإذا قاتل أبر ولم يحقر. وبالله التوفيق

стр. 2305

مَسْألة (٢٤): وإذا أسلم الحربي وخرج إلينا، أو جاءنا ثم أسلم، وترك ماله وولده في دار الحرب؛ فلا خلاف أنه قد أحرز دمه، واختلفوا في ولده وماله الذي هناك، فاختلفت الرواية عن مالك وأصحابه فيه، فقال أشهب وسحنون: قد أحرز ولده وماله. وقال مالك: هو فيء إذا غنمه المسلمون. وقال غيره: (١٣٣) يكون ولده حرا، وماله له إلا أن يقسم فيكون له بالثمن (١). وقال الشافعي: قد أحرز جميع ماله وولده وأرضه (٢). وقال أبو حنيفة: ما ينقل ويحول؛ فقد أحرزه، وما لا ينقل مثل أرضه وعقاره؛ فإنه إذا ظهر المسلمون عليه؛ فهو غنيمة، وإن سبيت زوجته وهي حامل منه؛ استرقت وحملها، وإن كان منفصلا؛ فهو حر لاحق به (٣). فأما أرضه؛ فإن مالكا أطلق فقال: قد أحرز ماله، ولم يفرق. وقال أيضا: يكون ماله فيئا، ولم يفرق. والدليل للرواية التي يقول فيها: إنه قد أحرز ولده وماله؛ قول النبي ﷺ :

стр. 2306

"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" (١). وهذا قد قال ذلك، فوجب أن يعصم دمه وأمواله. وأيضا فقد روي أن رسول الله ﷺ حاصر بني قريظة، فأسلم ابنا سَعْية (٢) وقتل سعية، فخرجا إلى النبي ﷺ ، فأحرزا أموالهما، وأراضيهما، ونخلهما، وصغار أولادهما (٣). فدل على ما ذكرناه. وأيضا فما روى سليمان بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لهم ما أسلموا عليه من أراضيهم ورقيقهم وماشيتهم، فليس عليهم في شيء من ذلك إلا الصدقة" (٤). ولم يفرق بين إسلامهم في أي حال كان ولا بين أموالهم أين كانت. وأيضا فما رواه ياسين بن معاذ الزيات عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أسلم على شيء؛ فهو له" (٥).

стр. 2307

ولم يخص حالا من حال، فهو عموم إلا أن تقوم دلالة. وأيضا فقد قال الله تعالى في الكفار: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ (١). فأضاف الجميع إليهم، فإذا ثبت أن ذلك لهم؛ فدليله أنهم إذا أسلموا لم يورثونا أموالهم ولا أرضهم على أي (١٣٤) حال كان، إلا أن تقوم دلالة. وأيضا فإنه مسلم فيجب أن لا يغنم ماله، دليله المسلم الذي في دار الإسلام له المال الذي ينقل. وأيضا فإن كل من لا يغنم ماله الذي [ينقل؛ لا يغنم ماله الذي] (٢) لا ينقل، أصله الذمي والمسلم في دار الإسلام. فإن قيل: إننا لا نغنم ما ينقل، ونغنم ما لا ينقل؛ [لأنه] (٣) لا تثبت اليد عليه عندنا، فإذا ظهر المسلمون عليه؛ فإنهم وجدوا مالا لا يد لأحد عليه، فلهذا يأخذونه، وما ينقل ثبتت اليد عليه. قيل: هذا غلط؛ لأن ما لا ينقل تثبت اليد عليه مثل ما ينقل، ألا ترى

стр. 2308

أنه لو ادعى دارا في يد إنسان؛ كان القول قول من قال: "الدار في يده" لثبوت يده عليها. على أنه لو قلب عليهم هذا؛ لكان أولى، فنقول: إن ما لا ينقل قد ثبت أنه ملك لهذا المسلم، فإذا ظهر المسلمون عليه؛ وجب أن لا تثبت أيدي المسلمين عليه، ويكون للمسلم؛ لأنه لا ينقل ولا يحول ولا تثبت اليد عليه. وأيضا فلما كان ذلك قبل الإسلام؛ فإن لم يزده الإسلام قوة وجبرا؛ لم يزده أن يزيل ملكه عن الشيء الذي ينقل، ووجب إذا دخل إلينا بأمان أن يكون كذلك، وهذا مبني على أصلنا أن لأهل الحرب يدا وشبهة ملك على ما في أيديهم، فإذا أسلموا عليه؛ أقرت أيديهم عليه. وأما الدلالة على أن [ما تحمله] (١) زوجته لا يسبى؛ هو أن من حكم بإسلامه تبعا لأبيه؛ لم يجز أن يسبى ويسترق، أصله الولد الصغير المنفصل، ولا يلزم على هذا ولده الكبير؛ لأنه لا يحكم بإسلامه تبعا لأبيه. والدليل لقول مالك أن ولده وماله يكون للمسلمين إذا ظهروا عليه؛ هو أن من أصلنا أن مال المسلم إذا حصل في أيدي الكفار؛ حصلت لهم شبهة ملك عليه، بدلالة أنهم لو أتلفوه؛ [لم] (٢) يلزمهم ضمان، فإذا كان كذلك وأسلم هذا وترك ماله في (١٣٥) دار الحرب؛ حصلت للمشركين يد عليه وشبهة ملك، بدلالة أنهم لو أتلفوه ثم أسلموا؛ لم يلزمهم غرمه، فإذا كان كذلك ثم ظهر المسلمون عليه؛ فقد أخذوا من المشركين ما لهم عليه يد

стр. 2309

وشبهة ملك بعد أن أسلم صاحبه، وينبغي أن يكون للمسلم قبل القسمة، وبعد القسمة بالقيمة، كما نقول فيما يغنمه الكفار من المسلم ثم يظهر المسلمون عليه (١). ويجوز أن يفرق بينهما فلا يكون لصاحبه قبل القسم ولا بعده؛ لأن هذا لم يكن ملكه مستقرا عليه قبل إسلامه؛ لأنه كان من جملة المحاربين، فضعف ملكه عن ملك المسلم، فإذا أسلم وخرج؛ زال يده وشبهة ملكه، وحصلت للمشركين، والذي كان مسلما إذا أخذ المحاربون ماله؛ فإنه انتقل من ملك صحيح مستقر إلى يد وشبهة ملك، فهو أقوى حالا ممن انتقلت يده وشبهة ملكه إلى مثلها. وقد قال مالك في الأسير من المسلمين إذا أفلت وظهر المسلمون على ماله: فهو أحق به قبل القسم، وبعد القسم يأخذه بالثمن، فهذا يدل على ما قلته. والله أعلم. مَسْألة (٢٥): قال: ومن سرق من الغنيمة من حر أو عبد ما يجب فيه القطع؛ قطع، سواء كان السارق من الغانمين أو غيرهم. هذا قول مالك وابن القاسم. وقال غيرهما من أصحاب مالك: إن سرق مقدار حقه من الغنيمة؛ لم

стр. 2310

يقطع، وإن سرق فوق حقه بمقدار ربع دينار؛ قطع. قال سحنون: من المسروق نفسه (١). وقال الشافعي: إذا سرق مقدار حقه؛ لم يقطع، قول واحد (٢). فإن كان فوق حقه من الغنيمة بمقدار ربع دينار؛ فعلى وجهين: أحدهما يقطع، والآخر لا يقطع (٣). (١٣٦) والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٤). فعم ولم يخص سارقا من سارق. وقال النبي ﷺ : "القطع في ربع دينار، ولا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار" (٥). وهو عام في كل سارق إلا أن تقوم دلالة. والمسألة مبنية على أن الغانمين لا يملكون بنفس الغنيمة (٦)؛ لأن للإمام أن يحبس الغنائم عندنا إن رأى ذلك لنائبة أو لمصلحة، ولأن أبا الغانم وابنه لو كانا في الغنيمة؛ لم يعتقا عليه قبل القسم، ولو أصابه منها نصاب؛ لم تجب

стр. 2311

الزكاة فيه من أول ما غنم، بل يستأنف، ولأن للإمام أن يمن على الأسارى وهم من جملة الغنيمة، فإذا كان هكذا؛ وجب أن يقطع من سرق منها قبل القسم ما يجب فيه القطع، وكذلك لو وطئ جارية من المغنم قبل القسم؛ لوجب عليه الحد (١)، وعلى قول من يقول: "لا قطع عليه"؛ لا يحده في وطء الجارية. ووجه القول الذي يقول فيه: لا حد على السارق ولا واطئ الجارية؛ هو أن النبي ﵇ قال: "ظهر المؤمن حمى إلا بحقه" (٢). فهو عام إلا أن تقوم دلالة. وقال ﵇: "ادرأوا الحدود بالشبهات" (٣). وهذا له في المال أن يتملك؛ لأنه لو مات قبل القسم؛ قام فيه [وارثه] (٤) مقامه، وهو بمنزلة من وطئ جارية بينه وبين آخر، ونحن نتقصى المسألة في كتاب الحدود إن شاء الله. مَسْألة (٢٦): قال: وإذا أسر العدو حرا مسلما فاشتراه رجل من المسلمين منهم بغير أمره؛ كان له أن يرجع عليه بما اشتراه به (٥).

стр. 2312

وبه قال أحمد بن حنبل (١). وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يرجع عليه بشيء مما غرمه (٢). وهذه المسألة مبنية على أصلنا فيمن قضى دين إنسان، أو غرم عنه ما لم يلزمه غرمه، مما لا بد (١٣٧) له منه مما لو امتنع منه لأجبره الحاكم عليه وسفهه بتركه، فإذا كان كذلك، وكان هذا الحر المأسور واجبا عليه أن يفتدي نفسه ويفكها من الأسر؛ فقد فعل هذا ما كان [يجب عليه. وعن أبي حنيفة] (٣) أنه يقول: إن الرجل إذا غاب عن زوجته وتركها بلا نفقة، فطالب الحاكم أن يفرض لها نفقة؛ جاز أن يتقدم الحاكم إليها بأن يفترض على زوجها ما ينفقه، فإذا قدم زوجها؛ ألزمه الحاكم أن يؤدي إلى المفرض ما افترضته زوجته لنفقتها، وهذا المعنى موجود في مسألتنا، لأن المفرض فعل ما يلزم الزوج فعله. والشافعي يقول: لو افترض الوصي للأيتام مالا ثم طرأ لهم مال؛ لوجب أن يقضيه من أموالهم؛ لأن المفرض فعل ما كان يجب فعله من الإنفاق على الأيتام، وهذا المعنى موجود في مسألتنا. فإن قيل: فإن أهل الحرب لم يملكوا الحر الأسير؛ لأن الحر لا يملك

стр. 2313

بالعقود فلا يملك بالقهر والغلبة، وإذا لم يملكوه؛ لم يجز شراء الذي اشتراه، ولا يملك رقبته، فكأنه دفع ماله إلى أهل الحرب بغير أمر أحد، فلا يرجع به على غيره. قيل: أما قولكم: "إنهم لم يملكوه بالأسر"؛ فإننا نقول: إنه يحصل لهم شبهة ملك ويد، بدليل أنهم لو قتلوه ثم أسلموا؛ لم يلزمهم قود فيه ولا دية، وإنما يراعى وقت إسلامهم وهو في أيديهم، فحينئذ نقول: إن ملكهم يزول عنه. على أننا نقول: اعملوا على أنهم لا يملكونه ولا يحصل لهم عليه يد، أليس واجبا عليه أن يفك نفسه، فقد قام هذا مقامه فيما كان واجبا عليه. فإن قيل: فإن من كان في ماله فضل وأمكنه فك الأسير؛ لزمه أن يفعل ذلك، فإذا فعله بغير أمر أحد؛ وقع عن الوجه المندوب إليه، له به استحقاق (١٣٨) الثواب، [] (١) الشيوع. قيل: إذا كان للأسير مال؛ لزمه أن يفك نفسه، ولم يتعين على أحد فكه، فإذا قام غيره مقامه في ذلك؛ وجب عليه أن يغرم له ما لزمه، ثم إن كان الأسير معدما؛ لم يتعين فكه على زيد دون عمرو، وكان واجبا على الإمام أن [يفتديه، أو] (٢) على طائفة من المسلمين دون طائفة، فإذا فكه إنسان بنية أن يرجع عليه، وأمكنه أن يعطيه ما غرمه؛ لزمه غرمه له. فإن قيل: فإنه لو رجع على الأسير؛ لكان قد ألزمه دينا بغير أمر، والإنسان لا يملك إثبات دين في ذمة غيره من غير رضاه.

стр. 2314

قيل: قد ينكسر بما ذكرناه من افتراض الزوجة النفقة على زوجها، وبافتراض الوصي للأيتام. وعلى أن هذا هو أصلنا؛ لأنه فعل ما يجب عليه فعله كما يقضي عنه دينه، فلم يسلم ما ذكرتموه، ولعل هذه المسألة تجئ في موضعها إن شاء الله. ويجوز أن نقيسه عليه لو أمره الأسير أن يفكه؛ لوجب عليه أن يغرم له ما اشتراه به، وهذا وفاق، بعلة أن الغارم فعل ما على الأسير أن يفعله، فلا فرق بين أمره له أم لا. فإن قيل: فإن النبي ﵇ امتنع من الصلاة على من عليه دين، فلما ضمن عنه؛ صلى عليه (١). فلو كان ضمان المال عنه وأداؤه بغير إذنه لا يوجب سقوط الدين عنه أصلا؛ لم تكن الصلاة عليه معنى لأجل الضمان. وأيضا فإنه ضمن عنه مالا بغير إذنه، وأداه عنه كذلك، فلم يكن له الرجوع به عليه، أصله لو كان عدوا للمضمون عنه. قيل: إن صلاة النبي ﵇ على الميت فلأنه وجد بالضمان وفاء للدين، وعلى أن الذي ضمن لم يضمن ليرجع، وأما العدو إذا ضمن على المضمون عنه؛ فإن المضمون (١٣٩) عنه، فإن كان المضمون عنه حيا؛ رجع على المضمون عنه (٢)، ويوكل من ليس بعدو بالمطالبة حتى يأخذ من المضمون عنه.

стр. 2315

ويحتمل أن نقول: يرجع المضمون له على المضمون عنه، فإن كان عن ميت ليرجع في تركته وليس عدوا للورثة؛ صح. على أن هذا يلزم في الزوجة تفترض بأمر الحاكم النفقة، وفي ولي اليتيم. وبالله التوفيق. مَسْألة (٢٧): ولا يجوز الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب، كما لا يجوز في دار الإسلام (١). وبه قال الشافعي وأبو يوسف (٢). وقال أبو حنيفة ومحمد: ليس بحرام، وهو جائز (٣). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٤). ولم يفرق بين كونه في موضع دون موضع، فهو عموم بالتحريم. وأيضا قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (٥). وهذا أمر لم يفرق فيه بين موضع دون موضع، فتركه واجب بحق الأمر
следующие страницы →