← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

الزكاة فيه من أول ما غنم، بل يستأنف، ولأن للإمام أن يمن على الأسارى وهم من جملة الغنيمة، فإذا كان هكذا؛ وجب أن يقطع من سرق منها قبل القسم ما يجب فيه القطع، وكذلك لو وطئ جارية من المغنم قبل القسم؛ لوجب عليه الحد (١)، وعلى قول من يقول: "لا قطع عليه"؛ لا يحده في وطء الجارية. ووجه القول الذي يقول فيه: لا حد على السارق ولا واطئ الجارية؛ هو أن النبي ﵇ قال: "ظهر المؤمن حمى إلا بحقه" (٢). فهو عام إلا أن تقوم دلالة. وقال ﵇: "ادرأوا الحدود بالشبهات" (٣). وهذا له في المال أن يتملك؛ لأنه لو مات قبل القسم؛ قام فيه [وارثه] (٤) مقامه، وهو بمنزلة من وطئ جارية بينه وبين آخر، ونحن نتقصى المسألة في كتاب الحدود إن شاء الله. مَسْألة (٢٦): قال: وإذا أسر العدو حرا مسلما فاشتراه رجل من المسلمين منهم بغير أمره؛ كان له أن يرجع عليه بما اشتراه به (٥).

стр. 2312

وبه قال أحمد بن حنبل (١). وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يرجع عليه بشيء مما غرمه (٢). وهذه المسألة مبنية على أصلنا فيمن قضى دين إنسان، أو غرم عنه ما لم يلزمه غرمه، مما لا بد (١٣٧) له منه مما لو امتنع منه لأجبره الحاكم عليه وسفهه بتركه، فإذا كان كذلك، وكان هذا الحر المأسور واجبا عليه أن يفتدي نفسه ويفكها من الأسر؛ فقد فعل هذا ما كان [يجب عليه. وعن أبي حنيفة] (٣) أنه يقول: إن الرجل إذا غاب عن زوجته وتركها بلا نفقة، فطالب الحاكم أن يفرض لها نفقة؛ جاز أن يتقدم الحاكم إليها بأن يفترض على زوجها ما ينفقه، فإذا قدم زوجها؛ ألزمه الحاكم أن يؤدي إلى المفرض ما افترضته زوجته لنفقتها، وهذا المعنى موجود في مسألتنا، لأن المفرض فعل ما يلزم الزوج فعله. والشافعي يقول: لو افترض الوصي للأيتام مالا ثم طرأ لهم مال؛ لوجب أن يقضيه من أموالهم؛ لأن المفرض فعل ما كان يجب فعله من الإنفاق على الأيتام، وهذا المعنى موجود في مسألتنا. فإن قيل: فإن أهل الحرب لم يملكوا الحر الأسير؛ لأن الحر لا يملك

стр. 2313

بالعقود فلا يملك بالقهر والغلبة، وإذا لم يملكوه؛ لم يجز شراء الذي اشتراه، ولا يملك رقبته، فكأنه دفع ماله إلى أهل الحرب بغير أمر أحد، فلا يرجع به على غيره. قيل: أما قولكم: "إنهم لم يملكوه بالأسر"؛ فإننا نقول: إنه يحصل لهم شبهة ملك ويد، بدليل أنهم لو قتلوه ثم أسلموا؛ لم يلزمهم قود فيه ولا دية، وإنما يراعى وقت إسلامهم وهو في أيديهم، فحينئذ نقول: إن ملكهم يزول عنه. على أننا نقول: اعملوا على أنهم لا يملكونه ولا يحصل لهم عليه يد، أليس واجبا عليه أن يفك نفسه، فقد قام هذا مقامه فيما كان واجبا عليه. فإن قيل: فإن من كان في ماله فضل وأمكنه فك الأسير؛ لزمه أن يفعل ذلك، فإذا فعله بغير أمر أحد؛ وقع عن الوجه المندوب إليه، له به استحقاق (١٣٨) الثواب، [] (١) الشيوع. قيل: إذا كان للأسير مال؛ لزمه أن يفك نفسه، ولم يتعين على أحد فكه، فإذا قام غيره مقامه في ذلك؛ وجب عليه أن يغرم له ما لزمه، ثم إن كان الأسير معدما؛ لم يتعين فكه على زيد دون عمرو، وكان واجبا على الإمام أن [يفتديه، أو] (٢) على طائفة من المسلمين دون طائفة، فإذا فكه إنسان بنية أن يرجع عليه، وأمكنه أن يعطيه ما غرمه؛ لزمه غرمه له. فإن قيل: فإنه لو رجع على الأسير؛ لكان قد ألزمه دينا بغير أمر، والإنسان لا يملك إثبات دين في ذمة غيره من غير رضاه.

стр. 2314

قيل: قد ينكسر بما ذكرناه من افتراض الزوجة النفقة على زوجها، وبافتراض الوصي للأيتام. وعلى أن هذا هو أصلنا؛ لأنه فعل ما يجب عليه فعله كما يقضي عنه دينه، فلم يسلم ما ذكرتموه، ولعل هذه المسألة تجئ في موضعها إن شاء الله. ويجوز أن نقيسه عليه لو أمره الأسير أن يفكه؛ لوجب عليه أن يغرم له ما اشتراه به، وهذا وفاق، بعلة أن الغارم فعل ما على الأسير أن يفعله، فلا فرق بين أمره له أم لا. فإن قيل: فإن النبي ﵇ امتنع من الصلاة على من عليه دين، فلما ضمن عنه؛ صلى عليه (١). فلو كان ضمان المال عنه وأداؤه بغير إذنه لا يوجب سقوط الدين عنه أصلا؛ لم تكن الصلاة عليه معنى لأجل الضمان. وأيضا فإنه ضمن عنه مالا بغير إذنه، وأداه عنه كذلك، فلم يكن له الرجوع به عليه، أصله لو كان عدوا للمضمون عنه. قيل: إن صلاة النبي ﵇ على الميت فلأنه وجد بالضمان وفاء للدين، وعلى أن الذي ضمن لم يضمن ليرجع، وأما العدو إذا ضمن على المضمون عنه؛ فإن المضمون (١٣٩) عنه، فإن كان المضمون عنه حيا؛ رجع على المضمون عنه (٢)، ويوكل من ليس بعدو بالمطالبة حتى يأخذ من المضمون عنه.

стр. 2315

ويحتمل أن نقول: يرجع المضمون له على المضمون عنه، فإن كان عن ميت ليرجع في تركته وليس عدوا للورثة؛ صح. على أن هذا يلزم في الزوجة تفترض بأمر الحاكم النفقة، وفي ولي اليتيم. وبالله التوفيق. مَسْألة (٢٧): ولا يجوز الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب، كما لا يجوز في دار الإسلام (١). وبه قال الشافعي وأبو يوسف (٢). وقال أبو حنيفة ومحمد: ليس بحرام، وهو جائز (٣). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٤). ولم يفرق بين كونه في موضع دون موضع، فهو عموم بالتحريم. وأيضا قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (٥). وهذا أمر لم يفرق فيه بين موضع دون موضع، فتركه واجب بحق الأمر

стр. 2316

الذي يقتضي الوجوب إلا أن تقوم دلالة. وأيضا فإن ما ثبت تحريمه لا يختلف حكم المسلم فيه باختلاف الدارين، ألا تري أنه لا يجوز له أن يشتري منهم الخمر والخنزير في أي موضع كان، ولا يجوز الزنا وشرب الخمر للمسلم في أي موضع كان. فإن قيل: فإن الآيات التي ذكرتموها إنما تفيد ما يتناوله اسم الربا، وهذا لا يحصل في مسألتنا؛ لأن هذه الزيادة غير مستحقة بالعقد، وإنما يستحق على حكم الأصل، لأن الدار دار إباحة، وأموالهم لنا مباحة، فإن الزيادة التي يأخذها المسلم من الكافر في الجنس الواحد ليس يأخذها على وجه العقد؛ لأنه لا العقد يصح مع الزيادة، وإنما يأخذها على حكم إباحة الأصل؛ لأن أموالهم مباحة لنا إلا ما حظر بعقد الأمان (١). قيل: إذا قصد مبايعته (١٤٠) ودفع الثمن إلى الحربي؛ فهذا كعقد الأمان، فقصده البيع والشراء بالعوض لا يبيحه هذا الفعل [فاستدللنا] (٢) على أن لهم شبهة ملك ويد على ما في أيديهم، فلولا البيع والمعاوضة التي وقعت بينهما؛ لم يقدر على أخذ ما في يد الكافر، ألا ترى أنه إذا دخل إليهم بأمان؛ لم يجز أن يرهن عليهم الخمر، ولا يقتل خنزيرا لهم، ولا يأخذ مالهم، وإنما يباح على وجه القهر والغلبة، وهذه الزيادة ليس يأخذها على وجه القهر والغلبة، ولو أخذها منهم على وجه البيع والشراء؛ لم يمنعه إذا أمكنه ذلك،

стр. 2317

وإنما يمنعه إذا أخذها على هذا الوجه ألا ترى أن قضاء القرض إذا اتصل بغير شرط جائز حسن، وبالشرط وقت القرض لا يجوز، وأشياء كثيرة تجوز على غير وجه البيع مثل هبة المجهول، وعتق المجهول، وعلى وجه البيع لا يجوز، فكذلك هذه الزيادة إذا حصلت على وجه المعاوضة؛ لم يجز. فإن قيل: فهذه المسألة مبنية على أصلنا؛ وهو أن كل متعاقدين دخلا في عقد أمكن جعل عقدهما على الصحة؛ وجب أن يحمل عليه. قيل: هذا إذا أمكن حمل عقدهما على الصحة في الشريعة، ولم يمنع منه [مانع] (١)، وهاهنا هو غير ممكن لما بيناه. فإن قيل: فقد روى مكحول أن النبي ﷺ قال: "لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب" (٢). قالوا: وهذا وإن كان مرسلا؛ فإننا وإياكم نقول به كالمتصل. قيل: قوله ﵇: "لا ربا" ظاهره ينفي وجوده، وهذا غير مراد؛ لأنه قد يوجد، فالمقصود منه الحكم، والحكم محذوف مضمر، فنحتاج أن نطلب المراد بالحكم المضمر، فيحتمل أن يكون أراد لا يجوز الربا بينهما، ويحتمل أن يجوز؛ لأن تقديره: لا حكم لربا بين المسلم والحربي، والحكم يحتمل

стр. 2318

منع الجواز، (١٤١) ويحتمل الجواز، ولا يجوز أن يراد الأمران جميعا لتنافيهما، فإذ احتمل ما تقولون وما نقول؛ لم يكن لكم صرفه إلى ما تقولون بغير دليل إلا ولنا صرفه إلى ما نقول بغير دليل، فنتعارض، ونحتاج أن نقف فيه حتى نعلم المقصود منه. على أن قولنا أولى لما ذكرناه. فإن قيل: فقد روي في خبر أبي بكر ﵁ أنه خاطر المشركين في دار الحرب حتى نزل قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (١)، فذكر ذلك للنبي ﵇ فقال له زد في الخطر وأبعد في الأجل" (٢). والمخاطرة ربا قد أجازها ﵇ بمكة؛ لأنها كانت ذلك الوقت من دار الحرب. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أنه منسوخ. والجواب الآخر: هو أنه ليس هاهنا ربا؛ لأن الربا هو أن يعطي شيئا ليأخذ أكثر منه، وهاهنا إنما يحصل الشيء كله في جهة واحدة، فهو كالسبق في الرمي والخيل، فليس مما نحن فيه بسيل. وبالله التوفيق.

стр. 2319

مَسْألة (٢٨): قال: وإذا رأى الإمام أن يعطي القاتل سلب مقتوله؛ أعطاه إياه من الخمس لا من رأس المال (١). وقال الشافعي: يعطيه إياه من أصل الغنيمة (٢). وهذه المسألة مبنية على أن القاتل لا يستحق السلب إلا أن يرى الإمام ذلك، فينادي به بعد حصول الوقعة والظفر بالغنيمة، وما حصل من الإمام على هذه الجهة؛ فإن عطاياه تكون من الخمس لا من مال الغانمين، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم (٣)، فإذا صح قولنا في ذلك؛ صحت المسألة هاهنا. والدليل لنا في هذه المسألة؛ ما رواه سعيد بن عبد الرحمان الجمحي، عن صالح بن محمد بن زائدة الليثي، أن مكحولا حدثهم أن رسول الله ﷺ إنما نفل من نفل يوم حنين (١٤٢) من الخمس (٤). وروي أن سعيد بن المسيب: قال: سمعت الناس يقولون: إن السلب من خمس الخمس (٥). وقول سعيد "سمعت الناس"؛ يريد به الصحابة، فدل على أن المسألة إجماع.

стр. 2320

وأيضا قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١). فدل على [أن] (٢) أربعة أخماسه للغانمين، فلو جعلنا السلب للقاتل من جملة الغنيمة؛ نقصنا الغانمين من الأربعة أخماس التي جعلها الله لهم بحق الظاهر. وأيضا فإن الغنيمة يستحقها الجيش بحضورهم الوقعة وإن لم يقع من جميعهم قتال، بدليل أن من مات منهم وقد حضر الوقعة ولم يقاتل ثم حيزت الغنيمة؛ فإن سهمه لورثته، والمواريث لا تجري إلا في ما يستحقه الموروث، وإذا تقرر أن أربعة أخماس الغنيمة يستحقها الغانمون؛ فلا سبيل إلى نقصانهم منه، ومن جعل السلب للقاتل من رأس المال؛ فقد نقصهم ما يستحقونه، وما أدى إلى هذا لم يجب أن يعمل عليه، ولم يكن بد من صرف ذلك إلى الخمس الذي جعل للإمام التصرف فيه بما يؤدي إليه اجتهاده، إذ لا موضع له في الأربعة أخماس. وأيضا فإنه مال مأخوذ على وجه النظر بابتداء عطية من الإمام، فوجب أن يكون من الخمس كالفيء. فإن قيل: فإننا لا نسلم ذلك، بل نقول: هو مستحق وإن لم يناد به الإمام. قيل: قد تكلمنا على هذا بما فيه كفاية في موضعه. ونقول أيضا: إن تنفيل السرايا من الخمس، كذلك السلب، بعلة أنهما

стр. 2321

ابتداء عطية من النبي ﵇ من مال الغنيمة للغانمين أربعة أخماسه، فوجب أن لا يكون من رأس المال. ويبين ذلك أن النبي ﵇ في حديث أبي قتادة قال بعد تقضي الحرب وقد حيزت الغنائم: "من قتل قتيلا له عليه (١٤٣) بينة فله سلبه (١) [] (٢) فيها مقدار حق الغانمين من الأربعة أخماس على ما أوجبه الله تعالى لهم بالآية، وخمسه [] (٣) على حسب اختلاف الناس فيه، فإذا كان ﵇ قال هذا القول وجعله للقاتل بعد أن بردت الحرب وحيزت الغنائم التي قد ذكر ما للغانمين فيها، وما لأهل الخمس شيء؛ ثبت ما قلناه من ابتداء عطايا النبي ﷺ ، فينبغي أن يكون من الخمس. ونقرر أيضا أنه ﵇ ابتدأ فأعطى القاتل السلب بعد أن قال: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم" (٤). على أن عطيته ذلك وغيره من الخمس المضاف إليه، ولا يكون الخمس إلا بعد حصول الأربعة الأخماس للغانمين. وأيضا فإن جعل السلب للقاتل ابتداء من رأس المال مستحقا له بعمله قبل القتال يحثه على القتال طلبا للدنيا، فيخرجه ذلك عن خلوص نيته، ويدخل تحت قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ

стр. 2322

الْآخِرَةَ﴾ (١)، فذم من يريد بذلك الدنيا. وكذلك أيضا يدخل تحت قوله ﵇: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ذلك" (٢). فأخرجه بهذا من الجهاد، كذلك هذا إذا جعلناه له قبل القتال، وإذا لم يعلم هل يجعل له الإمام ذلك بعد الغنيمة أم لا؛ حصلت نيته، وقاتل ليحوز الثواب. وكذلك جعل النبي ﵇ يوم حنين قال: "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه" (٣). قاله بعد أن برد القتال وحيزت الغنيمة [] (٤) ما يفعله الإمام على هذا على هذا (١٤٤) الوجه فهو ابتداء عطية منه، ينبغي أن لا يكون من حقوق الغانمين، وأن يكون مما إليه صرفه على وجه الاجتهاد. فإن قيل: فقد روى أنس عن النبي ﵇ قال يوم حنين: "من قتل كافرا فله سلبه". فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا فأعطاه النبي ﵇ أسلابهم (٥). وأيضا ففي حديث سلمة بن الأكوع - وهو أجود حديث في الباب -

стр. 2323

حيث قتل الطليعة فجعل النبي ﵇ له سلبها أجمع (١). ولم تكن هناك غنيمة غير هذا. قيل: أما الحديث الأول؛ فليس بصحيح، ولا يثبت الاستحقاق بمثله، وقد قال مالك: لم يبلغني أن النبي ﵇ قال: من قتل قتيلا فله سلبه" قبل حنين، وقد كان قبلها أسلاب كثيرة في غزوات كثيرة (٢)، ولو كان هذا صحيحا؛ لعمل به أبو بكر وعمر بعد النبي ﵇، ولم يفعلا، ولا صح عن أحد من الصحابة أنهم دفعوا السلب إلى القاتل، ولا عملوا بذلك وهم الخاصة من الصحابة، ولم يكن يفارق النبي ﵇ في غزواته، ومحال أن يذهب عليهم ما استدركه من بعدهم. وأما حديث سلمة بن الأكوع في قتله الطليعة وأخذ أسلابها؛ فإن هذا كان مستحقا لكل الغنيمة إلا الخمس منها، فترك النبي ﵇ له الخمس زيادة على الأربعة الأخماس التي له، وهذا يجوز عندنا، كما لو رأى الحظ في رد الخمس في وقت من الأوقات على الغانمين؛ لفعل؛ لأن الخمس إليه يصرفه على ما يؤدي إليه اجتهاده، فلا دليل علينا في هذا. فإن قيل: فإنه مال مأخوذ من الغنيمة، لا يفتقر سببه إلى اجتهاد الإمام، فوجب أن لا يعتبره من الخمس، أصله سهم الفارس. قيل: لا نسلم لكم هذا الوصف (١٤٥) لأن [] (٣) القاتل باجتهاد

стр. 2324

الإمام، وأما سهم الفارس؛ فليس كذلك. على أن سهم الفارس يستوي فيه القاتل وغير القاتل، فينبغي أن يكون السلب مستحقا للقاتل وغير القاتل ممن حضر الوقعة. فإن قيل: فإن في تخصيص القاتل بالسلب مصلحة للغنيمة والغانمين، وكل مال كان فيه مصلحة للغنيمة والغانمين؛ كان من أصل الغنيمة، فلا معتبر بالخمس كأجرة النقالين والحفاظ وما أشبه بذلك. قيل: هذا غلط وليس مصلحة، بل هو مفسدة للغنيمة والغانمين إذا جعل مستحقا للقاتل على هذا الوجه، فأما فساد الغنيمة على الغانمين؛ فهو أن حقهم ينقص في مالهم، وأما فساد الغانمين؛ فإنه يؤدي إلى أن يبذلوا أنفسهم ودماءهم لطلب الدنيا والحرص على السلب، وترك خلوص نياتهم له تعالى، فصار ترك ذلك مصلحة على ضد ما ذكرتم. وأما النقالون والحفاظ؛ فلا بد للغنيمة والغانمين من ذلك، فليس يختص به بعضهم دون بعض، ولا يؤدي إلى ما ذكرناه من ترك خلوص النيات في القتال. فإن قيل: فهذا يلزمكم مثله إذا أعطي القاتل السلب من الخمس. قيل: إنما نقول: إنه مستحق له، وهو يدخل الحرب ولا يدري هل يعطيه الإمام ذلك أو لا، وليس كذلك إذا دخل على أن يأخذ السلب مستحقا له بالقتل. فإن قيل: أليس هو ذا يأكلون الطعام، ويذبحون المواشي في أرض العدو من رأس المال، فلا ينكر أن يختص القاتل بالسلب من رأس المال.

стр. 2325

قيل: عن هذا جوابان أحدهما: أن الطعام لهم ضرورة إليه، فهو مباح لمن احتاج إليه منهم، لا يختص به محتاج دون محتاج، (١٤٦) لأنهم يتقوون به على عدوهم، ومنعهم منه يضعفهم، وليس كذلك السلب؛ لأنه يختص به القاتل. والجواب الآخر: هو أن الطعام في أرض العدو يقل خطره، ولعل أكثره يرمى به، ويشتغلون عنه بما له قيمة إلا مقدار ما يحتاج إليه. فإن قيل: فإنه إذا كان من الخمس؛ لم يكن بد من تقويمه وحسابه، ولم ينقل ذلك فيما دفعه النبي ﵇ من السلب. قيل: هذا مما لا يحتاج إلى نقله لأننا نعلمه، كما أن أفراد الأربعة أخماس لا بد فيه من التقويم والحساب، ولم ينقل لعلمنا به. فإن قيل: فإن ما رويتموه من حديث مكحول مرسل. قيل: المرسل عندنا والمسند سواء. فإن قيل: فإن قول سعيد بن المسيب: "سمعت الناس" لا يجيء منهم إجماع؛ لأنه لم يلق الصحابة كلهم، ويجوز أن يكون قوله "سمعت الناس" يريد التابعين. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه لم يفرق بين من لقيه من الصحابة وبين التابعين، فقوله متوجه إلى الجميع إلى من لقيه من الصحابة والتابعين، فلو كان فيه خلاف؛ لم يعم الناس.

стр. 2326

والجواب الآخر: هو أنه لو أراد التابعين؛ لكان هذا عصرا آخر، وإجماع أهل الأعصار عندنا وعندكم حجة. وأيضا فإننا نقول: إن السلب غنيمة مغنومة بالإيجاف، ولم يخمس، فلو كان من رأس الغنيمة؛ لوجب أن يخمس كما تخمس الغنائم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١). و "شيء" نكرة، فلا شيء إلا وفيه الخمس، والسلب شيء غنيمة لا شك فيه. ومما يبين صحة قولنا؛ أن المخالف يقول: إذا قُتل كافر من المحاربين فادعى اثنان قتله كل واحد منهما يقول: أنا قتلته، ولا بينة له، وأقر ما في الجيش (١٤٧) أنهم لم يقتلوه؛ فإن سلبه في جميع الجيش، وهذا ترك منه لقوله؛ لأن إقرارهم أنه لم يقتله؛ لم يستحق من سلبه شيئا، مع إقراره أنه لا حق له فيه، وكان أقل الأحوال أن نقسمه بين المدعيين، فأما أن نعطيه من يقول: لا أستحقه؛ فهو ترك لقوله. وبالله التوفيق. مَسْألة (٢٩): إذا وقع الصبي وأمه في السبي؛ لم يفرق بينهما في القسم ولا في البيع حتى يثغر (٢). وقد روي عن مالك: حتى يبلغ.

стр. 2327

واختلف قول الشافعي؛ فقال في أحد قوليه حتى يبلغ سبع سنين أو ثمان. وقال أبو حنيفة: حتى يبلغ. ولم يختلف أبو حنيفة والشافعي في ولد الحرة أنه يخير إذا بلغ سبع سنين أو ثمان. واختلف قول مالك فيه أيضا كما اختلف في ولد الأمة. وحكي عن أحمد بن حنبل أنه لا يفرق بينهما وإن بلغ (١)، وهذا في ولد المسبية، وفي ولد أمة الإنسان وإن لم تكن مسبية. والخلاف فيما بيننا وبين أبي حنيفة والشافعي قريب؛ لأننا نقول مثل قول كل واحد منهما (٢). والخلاف البيّن بين الفقهاء وبين أحمد بن حنبل (٣). والدليل لقولنا على أحمد؛ هو أنه إنما لم يجز التفرقة بينه وبين أمه إذا كان صغيرا هو لأحد أمرين: إما لأن ذلك حق للولد لدخول الضرر عليه، لأنه يعدم الحضانة،

стр. 2328

والشفقة، والقيام به من حيث لا يتأتى للقيام بنفسه، وهذا المعنى معدوم فيه إذا بلغ؛ لأنه يختار لنفسه، ويتأتى له، أو لا يحتاج إلى الحضانة والشفقة إلا بمثل ما يحتاج إليه الشيخ الذي لا أهل له. أو يكون منع التفرقة في الصغر لحق الأم لما ينالها عليه من الرفق والشفقة [والتحنن] (١)، ولأنه لا يتأتى لنفسه ولا يختار، وهذا المعنى عدم عنه إذا بلغ، فيكون [قد استقل بنفسه، وتحت نظره وتصرفه كما إذا كبر] (٢) (١٤٨) وتزوج ورزق الإماء والأولاد، فله أن يذهب بحيث يختار. وبالله التوفيق. فَصْل فأما التفرقة بين الولد وبين أبيه؛ فتجوز عند مالك. ولا يجوز عند أبي حنيفة. واختلف قول الشافعي فقال: يجوز، وقال: لا يجوز (٣). والدليل لنا بجوازه هو أنه لما لم يجز التفرقة بينه وبين أمه لأن في الأم حرمته وحضانته ما ليس للأب، فلو فرق بينه وبينها لعدم الحضانة التي ليست لغيرها فيه؛ لكان عليه ضرر في ذلك، فلم يفرق بينهما، والأب ليس كذلك لأنه إنما يتكلف له من يحضنه ويمسكه، فكونه مع أبيه ومع غيره سواء، وليس كونه [مع أمه] (٤) ككونه مع غيرها؛ لأنه يفقد الحضانة التي في الأم،

стр. 2329

وهذا موجود في الرجال مع الصبيان، فلا ضرر على الصبي في التفرقة بينه وبين أبيه. وأيضا فإن النبي ﵇ أكثر ما غلظ في الأم فقال: "لا تُولَّه والدة عن ولدها" (١). وقال: "من فرق بين والدة وولدها؛ فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" (٢). ودليله أن غير الأم بخلافها. فإن قيل: فقد روي عن عثمان ﵁ أنه قال: "لا يجوز أن يفرق بين الولد والوالد في البيع" (٣). ولا يعرف له مخالف. قيل: إن صح؛ فيجوز أن يعني به الوالدة فسقطت الهاء عن الراوي، إذ لو كان صحيحا؛ لجاز أن يذكره النبي ﵇ مع تكراره أمر الأم مع ولدها (٤). ويجوز أن يكون هذا مذهبا لعثمان؛ لأنه لم يشهد هذا من قوله ومذهبه،

стр. 2330

ولا انتشر عن الصحابة. فإن قيل: فإن الأب وإن لم تكن فيه حضانة؛ فإن فيه شفقة ليست في غيره، فهو لا محالة يعدم تلك الشفقة بالتفرقة. قيل: أما الصبي إن كان مملوكا والأب مملوك؛ فإن الشفقة من الموالي على الصغير الذي هو مملوكهم لعلها أكثر من شفقة أبيه مشغولا بخدمته عنهم (١٤٩) ويكون في غير منزلهم، والأم وإن كانت مملوكة لهم؛ فعادتها خدمتهم في منزلهم حيث يكون ولدها الصغير معها، وليس في الأب من الشفقة عليه مع حضانته له إلا ما في مواليه، وليس كذلك الأم. فإذا ثبت لنا هذا في الأب؛ فهو في الجد أولى، وفي الأخوين، ومن عدا الأم؛ لأن فيه أيضا خلافا بين الفقهاء. وبالله التوفيق. فَصْل قد ذكرنا المنع من التفرقة، فإن بيعت دونه أو بيع دونها؛ فإن البيع فاسد. قال القاضي: رأيت لمالك قولا أنه إذا بيع؛ فسخ البيع إلا أن تختار الأم ذلك. وقال الشافعي: البيع فاسد (١). وقال أبو حنيفة: البيع صحيح، والنهي ليس بإيجاب، وإنما هو كراهية (٢).

стр. 2331

والدليل لنا ما رواه الحكم، عن ميمون بن أبي شبيب، عن علي ﵁ أنه فرق بين امرأة، وولدها، فنهى النبي ﵇ عن ذلك، ورد البيع. وهذا نص في رد البيع، ذكره أبو داود في السنن (١). وروى ابن أبي ذئب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده: أن أبا أسيد جاء بسبي من البحرين فصُفّوا، فوقف رسول الله ﷺ ينظر، فنظر إلى امرأة تبكي، فقال لها ما بالك تبكين؟ فقالت: قد بيع ولدي في بني عبس، فقال ﵇ لأبي أسيد: "لتركبن ولتجيئن به كما بعته، فركب ورده من اليمن، وقال ﵇: "لا يفرق بين امرأة وولدها في البيع" (٢). فهذا نهي، والنهي يقتضي الفساد. وهذا خبر مروي رواه أبو موسى، وقد قال ﵇: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" (٣). وأيضا فإن البيع إذا كان في المعنى [] (٤) فإنه يبطل العقد بلا خلاف، كبيع المجهول والعبد الآبق، والتفريق في البيع بين الأم وولدها لمعنى [] (٥)

стр. 2332

عليه، والأم مما [] (١) (١٥٠) [] (٢) وما يعدمه الولد من الحضانة. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣). وقال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤). قيل: ما نهى عنه؛ فليس يحتمل، وقوله ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٥) أي بأحكامها، والوفاء بحكمه أن يقع على ما تقتضيه الشريعة، وقد بينا أنه بخلاف الشريعة. على أنه لو كان عموما؛ لجاز أن يخص بما ذكرناه. فإن قيل: فإن كل شيئين جاز المنع بينهما في البيع؛ جاز إفراد كل واحد منهما بالبيع، كالثوبين وغير ذلك. قيل: المعنى فيه أنه ليس هناك منع، ولو كان منعا؛ فليس في المعقود عليه، وقد روي أن النبي ﷺ قال: "ملعون من فرق بين امرأة وولدها" (٦). ولأنه عقد بيع يقع به فرقة بين الصغير وأمه؛ فوجب أن يمنع منه كولد المدبرة.

стр. 2333

وقد روي: "من فرق بين امرأة وولدها؛ فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" (١). وروي عنه ﵇ أنه قال: "لا توله والدة على ولدها" (٢). تم الجهاد (٣).

стр. 2334

الجزية (١) مَسْألة (٣٠): قال مالك: أكثر الجزية أربعة دنانير أو أربعون درهما، ولا حد لأقلها (٢). وقيل: أقلها دينار أو عشرة دراهم، ذكره ابن أبي زيد (٣).

стр. 2335

وذكر عن ابن نافع قال: ومتى افتقر؛ خفف عنه ولم نوجبه (١). وبنحو قول مالك يقول أبو حنيفة (٢). وقال الشافعي: الجزية دينار (٣). واستدل أصحابه بأن النبي ﷺ قال لمعاذ: "خذ من كل حالم دينارا" (٤). وهذا بيان لشرع. وأخذ من أهل أيلة (٥) وهم ثلاثمائة رجل ثلاث مائة دينار (٦)، وكذلك

стр. 2336

من أهل هجر (١). قالوا: ولو اختلفت بالغنى والفقر؛ لم تتقدر بمقدار كالنفقات، فلما تقدرت؛ علم أنها غير مبنية على ما تزعمون. والجواب أن هذا (١٥١) لا يلزم، والذي يدل على صحة قولنا أن عمر بن الخطاب حكم بذلك بحضرة الصحابة فلم ينكره أحد (٢)، فحل محل الإجماع. وقال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣). ولم يخص القليل من الكثير، فهو على عمومه. وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤). وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (٥). وما دون الدينار؛ قياس الدينار، بعلة أنه لا يطيق أكثر من ذلك فأما الحديث الذي استدلوا به؛ فإنه محمول على الإطاقة، وكذلك ما روي في أهل أيلة وهجر على هذا المعنى نتأوله بدلالة ما روينا عن عمر. فإن قيل: المعنى فيما روي عن عمر أنهم بذلوا ذلك كأنهم أطاقوا الدينار، فلم يقتصر منهم على أقل منه، ولم يطيقوا أكثر من ذلك، فلذلك لم يرد

стр. 2337

عليهم، لا أن ذلك يجب عليهم؛ لأنه لم. لأنه لم يرو عنه أن ذلك واجب عليهم، وإنما روي الأخذ، ولا يمنع منه. قيل: هذا يلزمكم فيما أخذه معاذ فيقال: أخذه لأنهم بذلوا ذلك، لا أن ذلك واجب عليهم، فلما لم يلزمكم هذا لأنه حكم من النبي ﵇، وتأويله الوجه الذي بيناه؛ فكذلك في ما رويناه عن عمر ﵁ هو حكم منه بحضرة الصحابة وجب أن يحمل الجميع على الموافقة، وهذا مع الإمكان واجب. وما ذكروه من أن حديث معاذ بيان شرع؛ فحكم عمر أيضا كذلك، فوجب أن يسلك به أيضا ما قلناه ليترتب ويستعمل الجميع. وأما القياس الذي ذكروه؛ فيعارضه مثله، وذلك أنا لو صالحناه على أكثر من دينار وأربعة [دراهم] (١)؛ لزمه ذلك؛ لأنه غني يطيق ذلك، فلم يجز الاقتصار منه على دينار، فكذلك ما تنازعناه. وقياسنا يرجح باستعمال الأخبار. وقولهم: "لو اختلفت بالغنى والفقر؛ لم تتقدر كالنفقات"؛ فإنه يفسد؛ لأن النفقات غير مقدرة بتة إلا بالحكم، (١٥٢) والمخالف قد قدر أقل الجزية بالدينار، فالذي ذكره عليه لا له، ولو استدللنا بما ذكره على صحة قولنا؛ جاز، وذلك أن النفقات غير مقدرة، كالجزية أوجبها الله تعالى غير مقدرة، ثم حكم النبي ﷺ بدينار في حديث معاذ، وحكم عمر بحضرة الصحابة بما ذكرناه ولا منكر له، فوجب أن يصار إلى الجميع، كما إذا حكم الحاكم بنفقة مقدرة يجب المصير إليها.

стр. 2338

مَسْألة (٣١): عند مالك تؤخذ الجزية من عبدة الأوثان وكل المشركين، غير المرتدين وقريش (١). وفي مختصر ابن أبي زيد (٢): ويقاتل جميع الأمم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية. وبه قال أبو حنيفة (٣). وقال الشافعي: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب أو من لهم شبهة كتاب (٤). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾. الآية (٥)، فأمر بقتلهم وقتالهم حتى يسلموا، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٦). وقال ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"، الحديث (٧).

стр. 2339

قالوا: ففيه دليلان: أحدهما: إيجاب القتال حتى يقولوا لا إله إلا الله. والثاني: أن بهذه الكلمة تحقن دماؤهم وأموالهم، فدل على أن بغيرها لا يقع الحقن. قالوا: ولا يجوز أن يكون أهل الكتاب داخلين تحت هذه الجملة؛ لأنهم يقولون لا إله إلا الله، فدل على أن المراد أهل الأوثان. قالوا: وامتنع عمر ﵁ من أخذ الجزية من المجوس، حتى قال عبد الرحمن بن عوف ما قال (١)، وذكر بمحضر الصحابة، ولم يقل أحدهم: [هؤلاء] (٢) مشركون فلِمَ لا يأخذها منهم؟. قالوا: ويدل على هذا أن رسول الله ﷺ لم يدْع قريشا قط إلى إعطاء الجزية، فصح أن حقن دماء غير أهل الكتاب لا يقع إلا (١٥٣) [بالدخول في] (٣) الإسلام. ولأنهم قياس المرتدين وقريش؛ لأنهم لا كتاب لهم ولا شبهة كتاب. الجواب: وهذا لا يلزم، والذي يدل على صحة قولنا؛ ما روي أن النبي ﷺ كان يوصي أمراء السرايا ويعلمهم فيقول: "إذا لقيتم المشركين فادعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا فالجزية، فإن أعطوا وإلا فقاتلوهم" (٤).

стр. 2340

وكان لا ينص على مشرك دون مشرك، بل يعم، وهو قياس أهل الكتاب بعلة [] (١) لم يحرموا بالإسلام، فلما جاز أن يسترقهم؛ جاز أن يأخذ الجزية منهم، عكس المرتد لما لم يجز أن يسترقه؛ لم يجز أخذ الجزية منه. فإن قيل: هذا يلزمك في قريش. قيل: قريش أسلمت كلها يوم الفتح، فإذا وجد أحدهم كافرا؛ كان مرتدا، والمرتد لا تؤخذ منه الجزية؛ لأنه لا يسترق على ما بينا، فلم يلزمنا. وأما الجواب [عن الآية] (٢) التي تعلقوا بها؛ فمحمولة على ما [] (٣) قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى أن قال ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٤).

стр. 2341

فقد دللنا على أن من لم يؤت الكتاب؛ بمنزلتهم في الحكم والقياس بدليل يسقط معه دليل الخطاب. وقوله ﵇: "إلا بحقها" (١)، فمن حقها إعطاء الجزية حسب ما دللنا عليه. فإن قيل: أهل الكتاب لا يدخلون في ذلك؛ لأنهم قائلون بلا إله إلا الله،، فصح أن المراد غيرهم. قيل: لما صح أن من حق الكف عن قتال أهل الكتاب إعطاؤهم الجزية؛ فكذلك غيرهم من المشركين للمعنى الذي بيناه. وأما قولهم: إن هذا إجماع الصحابة؛ لأن عمر امتنع أن يأخذ الجزية من المجوس حتى جرى فيه ما لا يخفى عن الصحابة، فلو جاز ذلك؛ لقالوا: هم مشركون لم لا يأخذها منهم؟ وهذا أظهر من أن ينتظروا فيه الخبر عن عبد الرحمن بن عوف. الجواب: فإننا نقول: إنا لم ندع نصا ورد في أخذ الجزية من عبدة الأوثان فيلزمنا ما ذكر، وإنما توقفوا عن الحكم في حال الحادثة الواقعة لمعنى [يقاس الفرع] (٢) عليه، (١٥٤) وهذا يحتاج إلى تأمل وتدبر، واختبار الفرع بالأصل، وكيف يشتبهان، ومن أي وجه يرد إليه، حتى قال عبد الرحمن ما قال من أن النبي ﷺ قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (٣)، فاستغنوا به

стр. 2342

حينئذ عن الاعتبار لما جاء النص، فلم يلزمنا ما قالوا؛ لأنا لم ندع نصا في عبدة الأوثان، وإنما اعتبرنا حالهم بحال غيرهم من المشركين، وكان المعنى في توقف عمر ﵁ ما ذكرناه. وأما قريش؛ فإن النبي ﷺ لم يؤمر بأن يعمل في أموالهم إلا أن يسلموا أو يُقتلوا، فلذلك كان ترك دعائهم إلى إعطاء الجزية، ألا تراه في غيرهم لم يميز بين أهل الكتاب وعبدة الأوثان لما قال: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن أجابوا وإلا فالجزية، فإن أجابوا وإلا فقاتلهم" (١) على ما بينا. وأما قياسهم؛ فمنتقض بالمجوس. فإن قيل: فهم أهل الكتاب. قيل: كيف يدعى هذا وأصحاب رسول الله ﷺ قد أجمعوا على خلافه بدلالة قول عمر ﵁: ما أدري ما أصنع بالمجوس، وشاور الصحابة في ذلك (٢)، فلو كانوا أهل الكتاب؛ لقيل له فقد قال الله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (٣)، ولكان لا يذهب عليهم وعليه ذلك، وإنما أخذ الجزية منهم لما أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (٤). فإن قيل: فقد قال علي ﵁: "قد كان لهم كتاب فرفع" (٥).

стр. 2343

قيل: قد ذكرنا إجماع الصحابة من الوجه الذي ذكرناه، وعلي فيهم، فيبطل بهذا إن صح باتفاقهم الذي رتبناه، ولو كان كذلك؛ لكان لنا أن نأكل ذبائحهم وننكح نساءهم، وهذا لا يقوله أحد يعتمد قوله؛ لأن إجماع أهل الأعصار قد ثبت قبله (١)، وينبغي إذا رفع كتابهم أن يصيروا بمنزلة من لا كتاب لهم؛ لأن الشيء إذا كان لمعنى فارتفع المعنى؛ ارتفع الحكم (٢). مَسْألة (٣٢): قال مالك: لا جزية على الفقير (٣). وذكر ابن أبي زيد عن أصبغ قال: إن لم يجد شيئا عفي عنه، وإن احتاج لشيء أعطيه.

стр. 2344

وقال (١٥٥) الشافعي فيها قولين: أحدهما عليه الجزية، والثاني لا جزية عليه، وقال: الإمام فيه بالخيار (١). والذي يدل على صحة ما قلناه من أنه لا جزية عليه؛ قول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢). ولم يخص. وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (٣). ولم يفرق. ولأن النبي ﷺ قال لمعاذ: "خذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر" (٤). ومحال أن يأمر بأخذ شيء ممن لا قدرة له، ولأنه مأخوذ بعد حول [] (٥) الشرع؛ فلم يلزم الفقير كالزكاة. أو هو فقير فلا جزية عليه، أصله المكاتب، والعبد، والصبي، والمرأة (٦).

стр. 2345

فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١). ولم يخص. قيل: إذا لم يملك شيئا؛ فما الذي يعطيه، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢). فإن قيل: فقد قال ﵇: "خذ من كل حالم دينارا" (٣). ولم يفرق. قيل: أراد ممن يطيق، فأما إذا لم يكن له شيء؛ فما الذي يؤخذ منه، هل هذا إلا كلام لا معنى له لا يقصده حكيم. فإن قيل: يكون عليه وفي ذمته. قيل: ليس في ظاهر الخبر هذا، ولا في مفهومه أنه أمرنا بالأخذ، وهذا إلزام فكيف يذكر. فإن قيل: لأنها مأخوذة على طريق الأجرة لمساكنهم، والأعواض لا تسقط بالفقر كأجرة العقار والخدم. قيل: بل هي مأخودة عن الجزية، فلم يلزم. فإن قيل: لما استووا في باب الاسترقاق والقتل؛ فكذلك في الجزية.

стр. 2346

قيل: الصبي يسترق ولا جزية عليه، فبطل. فإن قيل: أليس يقتل كالغني. قيل: ليس كل من يقتل يجب عليه الجزية، هذا المرتد والمرتدة وقاتل العمد والزاني المحصن يقتلون، ولا جزية عليهم، فلم يلزم. فإن قيل: هو حربي يقتل. قيل: يبطل بالعبد. فإن قيل: هو قياس الغني. قيل: بأي شيء. ويقال: لم لا يكون قياس الصبي والمرأة والعبد لعدم القدرة. فإن قيل: هؤلاء لا يقتلون. قيل: قد أسقطنا القتل بالمرتد. فإن قيل: هذا تارة يسترق وتارة يقتل فيترادف [] (١) (١٥٦) مَسْألة (٣٣): قال مالك: إذا أسلم وبقي من السنة بقية أو مات؛ لم يؤخذ منه شيء، وكذلك إذا مضت السنة ولم يؤخذ منه شيء حتى أسلم ومات (٢).

стр. 2347

وبه قال أبو حنيفة (١). وقال الشافعي: لا تسقط عنه (٢). قال أصحابه: فلأنه قد تقرر وجوبها في الذمة فلا تسقط بحال. ولأن النبي ﷺ قال: "الزعيم غارم" (٣). وهذا قد تكفل بالجزية لحقن دمه؛ فوجب أن يغرمه. ولأن ذلك حق يجب في المال أمر بأدائه لمكفله به، وما كان هذا سبيله؛ لم يسقط بالموت والإسلام، كسائر الضمانات التي توجد بعد استقرارها، لأن الجزية مأخوذة للماضي لا للمستقبل. وهو قياس من لم يسلم ولم يمت؛ لأنه بمضي المدة تصير دينا مستقرا في ذمته، وما كان ذلك طريقه؛ لم يسقط إلا بالأداء أو الإبراء كالإجارات. الجواب: وهذا لا يلزم، والذي يدل على صحة قولنا؛ قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٤). فوجب أن يكون بإسلامه غفر له جميع ما سلف، وهذا يشتمل على

стр. 2348

الكفر وغيره، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١). فأمر بأخذها ممن هذه صفته، فوجب أن يكون من عداهم بخلافهم، ولما قال: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ والمسلم لا يكون صاغرا - لأن الله قد أعزه بالإسلام -؛ دل على أن من أسلم؛ لم يدخل تحت الآية. وقد قال بعض أصحابنا: إن هذا كالتعليل؛ لأن الجزية إنما تؤخذ ذلا وصغارا، والمسلم ليس عليه ذل لقوله ﵇: "الإسلام يعلو ولا يعلى" (٢). وقال ﵇: "ليس على من أسلم جزية" (٣). وهذا عام. قال أصحابنا: والجزية تعلقت عليه لأجل الكفر المخصوص، فإذا زال؛ وجب إسقاطها، بدلالة أنه لولا الكفر المخصوص؛ لم تتعلق الجزية، وإذا وجد؛ تعلقت، فوجب إذا زال تزول؛ لأن الحكم قد صار مقرونا بهذا المعنى، فصار كالفعل الذي تجب صحته.

стр. 2349

وأما قولهم: "تقرر وجوبها في الذمة فلا (١٥٧) تسقط بحال"؛ فإنه فاسد؛ لأن [] (١) لا نقول أن وجوبها متقرر في الذمة. وقوله ﷺ : "الزعيم غارم" (٢) وقولهم (٣) إنه ضمن الدينار على سبيل الجزية للإمام وجب أن يغرمه؛ فإنا نقول: إن أردتم أن ضمانه له ضمانا مطلقا؛ فلا، وإن أردتم أنه ضمنه شريطة أن يؤديه ما دام على ما هو عليه؛ فنعم، فكأنه لم يضمنه إلا على أنه إذا أسلم لم يكن عليه شيء، فلم يلزم ما قالوا. فإن قيل: الواجبات في الأموال على جهة الضمان لا تسقط بالموت ولا بمضي المدد إذا كانت مستقرة، كالديون، والإجارات، والديات. قيل: الجزية ليست ضمانا في المال مستقرا فتعتبر بالديون والحقوق التي ذكرتموها، فلم تصر الجزية بمنزلة الحقوق؛ لأنها مؤداة عن الجمجمة التي هي كافرة مبقاة كذلك، فإذا أسلم؛ سقطت لأن الذي من أجله وجبت قد زال. فإن قيل: فإن الجزية مأخوذة لما مضى لا للمستقبل. قيل: قد ذكرنا أن الجزية لم تجب وجوبا مستقرا فيما مضى، فلذلك أسقطناها بالإسلام، وفرقنا بينها وبين الديون وسائر الحقوق، وليس يجب أن يكون كل ما وجب فيما مضى؛ لا يسقط بمضي المدة، هذه نفقة الأبوين تجب على الولد، ولو لم تؤخذ منه ثم طولب بها؛ لم يلزم لما مضى، وإنما تجب لما يستقبل.

стр. 2350

فإن قيل: سبيلها سبيل الإجارة، وذلك أن الجزية تجب لأجل السكنى عوضا وبدلا عن سكناهم في ديارنا. قيل: لو كان كذلك؛ لوجب أن يكون النساء عليهن ذلك، وكذلك المعسر والموسر يستويان فيه، فيكون المعسر الذي لا يقدر على أدائها يتبع بها في ذمته، وهذا لا يقوله أحد. فبان أن الأمر بخلاف ما ذكروه، وثبت أيضا أنه ليس كالخراج المأخوذ من المسلم على الأرض؛ لأن هذا يؤخذ منه في حال إسلامه على الابتداء والانتهاء، والجزية بخلاف ذلك، فبان بذلك أن الأمر على ما بيناه. والله أعلم. مَسْألة (١) (٣٤): قال مالك: تؤخذ الجزية من الشيخ الفاني (٢). (١٥٨) وقال أبو حنيفة: لا تؤخذ منه (٣). وللشافعي قولان (٤). وإنما عم مالك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ ولم يخص.
следующие страницы →