← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

قيل: الصبي يسترق ولا جزية عليه، فبطل. فإن قيل: أليس يقتل كالغني. قيل: ليس كل من يقتل يجب عليه الجزية، هذا المرتد والمرتدة وقاتل العمد والزاني المحصن يقتلون، ولا جزية عليهم، فلم يلزم. فإن قيل: هو حربي يقتل. قيل: يبطل بالعبد. فإن قيل: هو قياس الغني. قيل: بأي شيء. ويقال: لم لا يكون قياس الصبي والمرأة والعبد لعدم القدرة. فإن قيل: هؤلاء لا يقتلون. قيل: قد أسقطنا القتل بالمرتد. فإن قيل: هذا تارة يسترق وتارة يقتل فيترادف [] (١) (١٥٦) مَسْألة (٣٣): قال مالك: إذا أسلم وبقي من السنة بقية أو مات؛ لم يؤخذ منه شيء، وكذلك إذا مضت السنة ولم يؤخذ منه شيء حتى أسلم ومات (٢).

стр. 2347

وبه قال أبو حنيفة (١). وقال الشافعي: لا تسقط عنه (٢). قال أصحابه: فلأنه قد تقرر وجوبها في الذمة فلا تسقط بحال. ولأن النبي ﷺ قال: "الزعيم غارم" (٣). وهذا قد تكفل بالجزية لحقن دمه؛ فوجب أن يغرمه. ولأن ذلك حق يجب في المال أمر بأدائه لمكفله به، وما كان هذا سبيله؛ لم يسقط بالموت والإسلام، كسائر الضمانات التي توجد بعد استقرارها، لأن الجزية مأخوذة للماضي لا للمستقبل. وهو قياس من لم يسلم ولم يمت؛ لأنه بمضي المدة تصير دينا مستقرا في ذمته، وما كان ذلك طريقه؛ لم يسقط إلا بالأداء أو الإبراء كالإجارات. الجواب: وهذا لا يلزم، والذي يدل على صحة قولنا؛ قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٤). فوجب أن يكون بإسلامه غفر له جميع ما سلف، وهذا يشتمل على

стр. 2348

الكفر وغيره، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١). فأمر بأخذها ممن هذه صفته، فوجب أن يكون من عداهم بخلافهم، ولما قال: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ والمسلم لا يكون صاغرا - لأن الله قد أعزه بالإسلام -؛ دل على أن من أسلم؛ لم يدخل تحت الآية. وقد قال بعض أصحابنا: إن هذا كالتعليل؛ لأن الجزية إنما تؤخذ ذلا وصغارا، والمسلم ليس عليه ذل لقوله ﵇: "الإسلام يعلو ولا يعلى" (٢). وقال ﵇: "ليس على من أسلم جزية" (٣). وهذا عام. قال أصحابنا: والجزية تعلقت عليه لأجل الكفر المخصوص، فإذا زال؛ وجب إسقاطها، بدلالة أنه لولا الكفر المخصوص؛ لم تتعلق الجزية، وإذا وجد؛ تعلقت، فوجب إذا زال تزول؛ لأن الحكم قد صار مقرونا بهذا المعنى، فصار كالفعل الذي تجب صحته.

стр. 2349

وأما قولهم: "تقرر وجوبها في الذمة فلا (١٥٧) تسقط بحال"؛ فإنه فاسد؛ لأن [] (١) لا نقول أن وجوبها متقرر في الذمة. وقوله ﷺ : "الزعيم غارم" (٢) وقولهم (٣) إنه ضمن الدينار على سبيل الجزية للإمام وجب أن يغرمه؛ فإنا نقول: إن أردتم أن ضمانه له ضمانا مطلقا؛ فلا، وإن أردتم أنه ضمنه شريطة أن يؤديه ما دام على ما هو عليه؛ فنعم، فكأنه لم يضمنه إلا على أنه إذا أسلم لم يكن عليه شيء، فلم يلزم ما قالوا. فإن قيل: الواجبات في الأموال على جهة الضمان لا تسقط بالموت ولا بمضي المدد إذا كانت مستقرة، كالديون، والإجارات، والديات. قيل: الجزية ليست ضمانا في المال مستقرا فتعتبر بالديون والحقوق التي ذكرتموها، فلم تصر الجزية بمنزلة الحقوق؛ لأنها مؤداة عن الجمجمة التي هي كافرة مبقاة كذلك، فإذا أسلم؛ سقطت لأن الذي من أجله وجبت قد زال. فإن قيل: فإن الجزية مأخوذة لما مضى لا للمستقبل. قيل: قد ذكرنا أن الجزية لم تجب وجوبا مستقرا فيما مضى، فلذلك أسقطناها بالإسلام، وفرقنا بينها وبين الديون وسائر الحقوق، وليس يجب أن يكون كل ما وجب فيما مضى؛ لا يسقط بمضي المدة، هذه نفقة الأبوين تجب على الولد، ولو لم تؤخذ منه ثم طولب بها؛ لم يلزم لما مضى، وإنما تجب لما يستقبل.

стр. 2350

فإن قيل: سبيلها سبيل الإجارة، وذلك أن الجزية تجب لأجل السكنى عوضا وبدلا عن سكناهم في ديارنا. قيل: لو كان كذلك؛ لوجب أن يكون النساء عليهن ذلك، وكذلك المعسر والموسر يستويان فيه، فيكون المعسر الذي لا يقدر على أدائها يتبع بها في ذمته، وهذا لا يقوله أحد. فبان أن الأمر بخلاف ما ذكروه، وثبت أيضا أنه ليس كالخراج المأخوذ من المسلم على الأرض؛ لأن هذا يؤخذ منه في حال إسلامه على الابتداء والانتهاء، والجزية بخلاف ذلك، فبان بذلك أن الأمر على ما بيناه. والله أعلم. مَسْألة (١) (٣٤): قال مالك: تؤخذ الجزية من الشيخ الفاني (٢). (١٥٨) وقال أبو حنيفة: لا تؤخذ منه (٣). وللشافعي قولان (٤). وإنما عم مالك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ ولم يخص.

стр. 2351

وقال رسول الله ﷺ : "ليس على مسلم جزية" (١). فوجب أن يكون المشرك بخلافه ولم يخص. وقال ﷺ : "خذ من كل حالم دينارا" (٢) ولم يفرق. ولأنه ذكر، عاقل، بالغ، حر، مشرك، لم يتحرم بالإسلام بوجه، فصار كالشاب. وهو قياس من له تدبير ورأي، لأن كل ذكر تؤخذ منه الجزية إذا كان له تدبير ورأي؛ فكذلك عدمهما، أصله الشاب. فإن قيل: لما لم يقتل؛ كان كالصبي والمرأة. قيل: هو كذلك في إسقاط القتل عنه؛ لأنه معدوم الطاقة في القتال، فصار كالصبي والمرأة، وهو من رجالهم البالغين وجب وجوب الجزية عليه كالشاب، ويفسد قياسهم بمن له تدبير ورأي فلم يلزم (٣). (١٥٩)

стр. 2352

[كتاب النكاح]

стр. 2353

كتاب النكاح (١) مَسْألة (١): والنكاح مندوب إليه مرغب فيه، وليس بواجب (٢)،

стр. 2354

وهو قول الفقهاء أجمع (١). وقال داود: النكاح واجب (٢) على الرجل والمرأة مرة في العمر (٣)، إن كان الرجل واجدا لطَول الحرة؛ وجب عليه نكاح الحرة، وإن كان عادما لطَول الحرة؛ لزمه نكاح الأمة (٤). والدليل أنه غير واجب: هو أن الأصل براءة الذمة من وجوب شيء إلا بدلالة، ولم تقم دلالة على وجوبه. وأيضا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٥). فمدح الله تعالى من حفظ فرجه بترك الزنا، ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ على هذا، فسقط وجوب النكاح؛ لأنه متى كان حافظا لفرجه؛ استحق المدح، ولولا ذلك ما استحق المدح إلا بالتزويج، ولم يقل: "والذين هم [حافظون لفروجهم] (٦) بالتزويج"،

стр. 2355

بل مدحهم بحفظ فروجهم، ثم جعلهم بالتزويج غير ملومين، ومن هو غير ملوم لا يكون [التزويج] (١) واجبا عليه؛ لأن من فعل ما يجب عليه لا يقال له: أنت غير ملوم، وإنما يكون غير ملوم من فعل المباح، أو المندوب الذي لا يعصى بتركه (٢). وأيضا فإن الله تعالى مدح نبيه (٣) ﵇ فقال: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ (٤)، و"الحصور" على وزن "فعول"، مثل شكور، وقبول، يتكرر منه الامتناع، وهو في اللغة اسم لمن لا يأتي النساء وهو قادر على إتيانهن (٥)، ولا يجوز أن يمدح وهو عاجز عن الفعل (٦)، ألا ترى أنه لا يمدح على صورته التي

стр. 2356

خلق عليها؛ لأن هذا فعل الله تعالى فيه، وإنما يمدح على ما يكتسبه من فعل الطاعات، كما أنه لا يذم على خلق الله تعالى (١) فيه، وإنما يذم على ما يكتسبه من المعاصي، فإذا كان ممدوحا على حصره؛ دل على أنه مدح على امتناعه من النساء. فإن قيل: فإنه مدح على ترك الوطء، وهذا ليس بواجب، وإنما الواجب العقد. قيل: فهذا الذي ينبغي أن يبطل به وجوب العقد؛ لأن العقد المبتغى منه والمقصدُ الجماعُ، [وإغفال التعبد] (١) وابتغاءُ النسل، فإذا لم يكن المقصود منه واجبا؛ لم يكن هو واجبا. وكذا أيضا قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (٢). فالدلالة منها من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قال تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾، يعني: ما تستطيبونه، فلو كان واجبا؛ لم يعلقه على ما نستطيبه، ألا ترى أن قول القائل "كلْ ما تستطيب من هذا الطعام" المفهوم منه الإباحة، أوَلا ترى أن الصلوات الخمس والصوم وغير ذلك لما كان واجبا؛ لم يجز أن يكون معلقا بالاستطابة. فإن قيل: فإن معنى قوله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [أي من الحلال] (٣).

стр. 2357

قيل: عنه جوابان أحدهما: أن الطيب في اللغة إنما هو ما تستطيبه النفس (١)، فهو محمول على ظاهره في اللغة. والجواب الثاني: أنه وإن كان المراد به الحلال؛ فهذا الحلال معلق على ما نستطيبه، فكأنه تعالى قال: "فانكحوا من الحلال ما [استطبتم] " (٢). على أن قوله "فانكحوا" إذا تجرد [فإذا الحلال حر] (٣) يكون نكاحا في الشريعة، فينبغي أن يكون لقوله تعالى ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ فائدة أخرى، فكأنه قال: "اعقدوا الحلال على ما تستطيبونه". فإن قيل: قوله تعالى ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ أي من العدد، وقوله ﴿فَانْكِحُوا﴾ أمر ظاهره الوجوب. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه للأمرين جميعا للنكاح والعدد. والثاني: أن يكون ذلك العدد أيضا إذا استطيب، فلا فرق بين الواحد والاثنين والثلاث. والدلالة الثانية من الآية هو أنه تعالى (٢) قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.

стр. 2358

فأخبر تعالى بأنه إذا خشي الجور فليتزوج بواحدة [أو] (١) يطأ ملك اليمين، فخير بين التزويج بواحدة وبين ملك اليمين، فدل على أن نكاح الواحدة ليس بواجب، إذ لو كان واجبا؛ لما وقع التخيير بينه وبين ملك اليمين الذي ليس بواجب (٢)؛ لأن التخيير إما أن يكون بين فرضين كل واحد منهما إذا فعل كان فرضا، أو بين نفلين أيهما فعل كان نفلا، [أما] (٣) بين فرض ونفل؛ [فلا] (٤)؛ لأنه إذا كان له أن يعدل عن الفرض إلى النفل؛ دل على أن المعدول عنه لم يكن فرضا؛ لأن النفل قد قام مقامه. والدلالة [الثالثة] (٥) من الآية في قوله تعالى: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يجوز ترك نكاح الواحدة بملك اليمين، وهذا يدل على أن النكاح بالواحدة ليس بواجب؛ إذ لو كان واجبا؛ لم يجز أن يعدل عنه مع القدرة عليه، ولأنه خير بين تزويج الواحدة وبين ملك اليمين، والتخيير لا يقع إلا بين متساويين؛ لامتناع أن يقال: إن شئت فصل الفرض أو صل [النقل] (٦)،

стр. 2359

فلما لم يكن ملك اليمين واجبا (١)؛ لم يجز أن تكون الواحدة واجبة، وكذلك وقع التخيير بين الواحدة وبين الاثنين والثلاث، فإذا لم تكن الثلاث واجبة؛ لم تكن الواحدة واجبة؛ لما بيناه من أن التخيير لا يكون إلا بين متساويين (٢). ولنا أيضا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣). فأخبر أن الصبر عن نكاح الأمة إذا لم يجد طول الحرة خير لنا، فلو كان نكاح الأمة واجبا في حال عدم طول الحرة - كما قال داود -؛ كان الصبر عنه شرا لنا لا خيرا لنا. وأيضا قوله ﵇: "من أحب فطرتي فليستن بسنتي، ألا وهي النكاح" (٤).

стр. 2360

فسماه سنة، وسنته ﷺ هي غير الفرض (١). وأيضا قوله (٣) ﵇: "ثلاث من سنن المسلمين، فذكر النكاح والسواك" (٢).

стр. 2361

فسماه سنة، وقرنه بالسواك الذي ليس بفرض. وأيضا قوله ﵇: "من أحب فطرتي - أي سنتي - فليتزوج" (١). معناه: من أحب السنة فليفعلها. وأيضا قوله ﵇: "تناكحوا تكثروا" (٢). فأمر بالنكاح لأجل الكثرة بالأولاد، فإذا لم يكن التماس الولد الذي هو المقصود بالعقد واجبا؛ فتابعه وسببه أولى بأن لا يكون واجبا. وأيضا قوله ﵇: "خير الناس [بعد] (٣) المئتين الخفيف الحاذ، قال: الذي ليس له أهل ولا ولد" (٤).

стр. 2362

فجعله خير الناس، ولم يفرق بين من تزوج فيما مضى، وبين من لم يتزوج أصلا. وقوله: "بعد المائتين" أي بعد الهجرة. وأيضا فإنه روي "أن امرأة سألت النبي ﷺ فقالت: ما حق الزوج على المرأة؟ فبين لها، فقالت والله لا تزوجت" (١). فلو كان النكاح واجبا عليها؛ لكانت عاصية في يمينها، ولم يكن النبي ﷺ يسكت عنها، ولا ينكر عليها، ويقول لها النكاح عليك واجب، وقد عصيت في يمينك. وأيضا قوله ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فليصم، فإن الصوم له وجاء" (٢). فخص الشباب بذلك (٣).

стр. 2363

وقوله "من استطاع منكم الباءة" (١) - يعني الجماع - (٢)؛ "فليتزوج"، وبيّن أن التزويج لأجل الجماع [للذي] (٣) يستطيعه، فإذا لم يكن الجماع واجبا؛ لم يكن التزويج واجبا. ودليله أيضا أن من لم يستطع الجماع فلا يتزوج، فدل على أن النكاح ليس بواجب. وقوله: "فليصم فإن الصوم له وجاء"؛ معناه: من لم يستطع التزويج فليصم فإن الصوم يقطعه، لأنه عاجز عن الجماع، فلا يقال له: "صم" حتى ينقطع عنك شهوة الجماع أو فعله، فإذا كان الصوم الذي هو بدل [عن] (٤) النكاح ليس بواجب؛ فمبدله مثله (٥).

стр. 2364

وأيضا فإن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ تركوه وهم قادرون عليه، وعكفوا (٤) [على] (١) العبادة، فلو كان واجبا؛ لكان تركه معصية، ولو كان تركه معصية؛ لم يفعلوه (٢)، وخاصة يكون رسول الله ﷺ باقيا، فلما لم ينقل عنه ﵇ ولا عن الأئمة بعده النكير على من لم يتزوج؛ علم أنه غير واجب. فإن قيل: فقد قال معاذ ﵀: "زوجوني زوجوني، لا ألقى الله أعزبا" (٣). وقال عمر - رحمة الله عليه - لأبي الزوائد: "لم لا تتزوج؟ ما يمنعك منه مع علمك بوجوبه إلا [عجْز] (٤) أو فجور فيك" (٥). [قيل:] (٦) أما معاذ فإنه أحب أن يلقى الله على أكمل أحواله؛ لأن النكاح مندوب إليه، لا أنه اعتقد وجوبه. وأما قول عمر ﵀ فإنه يحتمل أنه أراد وجوب سنة، ثم لا يمنع أن يكون في المسألة خلاف؛ لأننا نعلم أن في الصحابة من كان موسرا ومات ولم يتزوج، ولعلهم لا يُحصَوْن، وهذا أبو الزوائد منهم (٧)، والمرأة التي

стр. 2365

سألت النبي ﷺ وقالت: "والله لا تزوجت أبدا" (١). وعلى أن من ترك التزويج لا يكون فاجرا باتفاق (٢)؛ لأنه قد يتركه ولا يفجر، ويكون حافظا لفرجه، فالخبر على غير ظاهره. ومن طريق القياس نقول: هو استباحة بضع، فلا يكون واجبا، دليله الرجعة وشراء الأمة. فإن قيل: يلزم على هذا إعفاف أبيه بالتزويج، فهو واجب عليه. قيل: لا يجب عليه أن يزوج أباه ابتداء، بل إن كانت لأبيه زوجة أنفق عليها، وقد [مر بي] (٣) فيما أظن أنه يجب عليه إعفاف البضع، وإنما يلزمه ما يتوصل به إلى الاستباحة، إما طول الحرة، أو ثمن الأمة (٤). وأيضا فإنه معنى يُصيِّر المرأة فراشا؛ فوجب أن لا يجب عليه، دليله الوطء. وأيضا فإنه سبب وطء الحرة، فإذا لم يكن تزويج الأمة مع وجود طول الحرة واجبا؛ فكذلك نكاح الحرة. وأيضا فإنه عقد يتوصل به إلى استباحة المنافع، فأشبه الإجارة. وأيضا فإنه سبب لتحريم الأمهات والبنات، فأشبه وطء الإماء.

стр. 2366

وأيضا فإن النكاح (٥) طريقه طريق الملاذ، [و] (١) ما كان هذا سبيله فإنه غير واجب، كالأكل الطيب واللباس الحسن الناعم، والشرب الطيب. فإن قيل: فإنه إذا اضطر إلى طعام ومع غيره طعام طيب؛ وجب أن يلتذ به. قيل: إنما يجب عليه إحياء نفسه لا التلذذ به، كما لو كان موضعه ميتة لوجب عليه إحياء نفسه بتناولها. وأيضا فإنه عقد وضع لاستباحة الوطء؛ فلا يجب، دليله النكاح الثاني. فإن استدلوا بالظواهر مثل قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ (٢) و "تناكحوا" (٣) و "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج" (٤)، وبقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٥)، فقد جعلناها كلها أدلة [لنا] (٦)، مع أن ظاهر قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يدل على أنه إرشاد لا واجب عليه؛ لأنه قال في أول الآية: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا﴾، وهذا كقوله: إن خفت هذا الطريق فاسلك هذا الطريق؛ فإنه يدل على إرشاده لا وجوبه عليه. وأيضا فإن الأمر إذا ورد هذا المورد بعد قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾؛

стр. 2367

فقوله: ﴿فَانْكِحُوا﴾ لا يدل على الوجوب؛ لأنه كالإباحة بعد الحظر، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١)، والأمر إذا تجرد مبتدأ من غير سبب يتقدمه للوجوب (٢). فإن قيل: قد قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٣). وهذا أمر واجب، فإذا وجب علينا إنكاح غيرنا؛ كان علينا في نفوسنا أوجب. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه لا يجب على الأيامى التزويج في الأصل، وكلامنا فيه، فإذا اخترنه؛ وجب علينا أن نفعل، ولا يدل على أن النكاح في نفسه واجب؛ لأنه يجب علينا بعد أن يخترنه. والجواب الآخر: هو أنه قد يجب علينا الشيء بغيرنا وإن لم يجب علينا في نفوسنا، وهذا كنفقة الأبوين والزوجة، يجب علينا مقدار الكفاية لهم، ولو اقتصرنا نحن في نفوسنا؛ لجاز ولم يجب. مَسْألة (٢): ووجه المرأة وكفاها ليس بعورة عندنا، فيجوز للرجل إذا أراد أن

стр. 2368

يتزوجها أن ينظر إلى ذلك منها (١). وبه قال أبو حنيفة والشافعي (٢). وقال قوم: إن وجهها وكفيها عورة بمنزلة سائر جسدها، لا يجوز أن ينظر إلى شيء منه (٣). وقال داود (٤): يجوز أن ينظر إلى سائر جسدها [سوى السوأتين] (٥).

стр. 2369

والدليل على من منع النظر [إلى] (١) وجهها قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٢). قال ابن عباس: "هذا الوجه والكفان" (٣)، وهو أيضا يقتضي ما ظهر من العباءة، فهو يختص بالوجه واليد. وقد روي عن المفسرين الكحل والخاتم (٤)، فموضع زينة الوجه بكحل العين، وزينة اليد بالخاتم. وأيضا قوله تعالى لنبيه ﷺ ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ (٥). ولا يمكنه الوقوف [في] (٦) الغالب على ما يعجبه من حسنهن إلا بالنظر إلى ما يُظهِرْنه في [الغالب] (٧). وأيضا ما روي "أن [المغيرة] (٨) بن شعبة أراد أن يتزوج بابنة قوم،

стр. 2370

فقال: أروني بنتكم فإني أريد أن أتزوج بها، فأبَوا عليه، فقال: أمرني رسول الله ﷺ بذلك، فحلّفوه عليه، فلما حلف كشفوا عن وجهها، فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره بذلك، فتبسم النبي ﷺ " (١). فلولا أنه فعل جائز؛ وإلا لم يكن النبي ﷺ يسكت عنه ويتبسم، بل كان ينكر عليه ويغيّر. وأيضا ما روي أن النبي ﷺ قال: "إذا أراد أحدكم أن يتزوج امرأة فلينظر إليها (٢)، فإن في أعين الأنصار شيئا (٣)، ويروى: "حِول". وأيضا "فإن فاطمة بنت رسول الله ﷺ حضرت لضرب الميراث، فلما نظر أصحاب رسول الله ﷺ إلى وجهها ضجوا بالبكاء" (٤). فلو لم يكن ذلك جائزا عند سببه؛ لم تكن ﵍ لتكشف عن وجهها.

стр. 2371

وأيضا فإن هذا واقع في سائر الأمصار عند وجود الأسباب في الشهادات (٧) عليهن، والحكم [لهن و] (١) عليهن، وعند المبايعات لا ينكره أحد، وقد علِمه رسول الله ﷺ والصحابة فأقروا عليه. وأيضا فإن الحاجة تدعوا إليه عند تحمل الشهادات، فصار بمنزلة سائر الأعضاء التي ليست بعورة في الرجل. وأيضا فإنها منعت من تغطية وجهها في حال الإحرام، فلو كان عورة؛ لكان بمنزلة سائر المواضع في بدنها. فأما قول الرسول ﷺ لعلي ﵁: "لا تتبع النظرة النظرة، فإن الأولى لك والثانية عليك" (٢)؛ إنما هو بغير سبب يدعو إليه، ولخوف الفتنة والريبة، بدليل ما ذكرناه. فأما داود؛ فإنه استدِل له على جواز النظر إلى وجهها وبدنها بما رواه جابر أن النبي ﷺ قال: "لا تتبع النظرة النظرة، فإن الأولى لك والثانية عليك"؛ قال جابر: "كنت أخطب امرأة فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحه" (٣).

стр. 2372

وهم يرون ما يدعو إلى جماعها قال فلم يفرق بين موضع منها من موضع. والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١). قال ابن عباس: الوجه والكفان (٢). وقال غيره: الكحل والخاتم (٣)، فمنع الله تعالى أن يبدين شيئا منهن، واستثنى الوجه والكفين، فدل على أنه لا يجوز النظر إلى ما عدا ذلك. وما رواه جابر أن النبي ﷺ قال: "من أراد أن يتزوج بامرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها فإنه أحرى أن يدوم بينهما" (٤). فقصَر جواز النظر على الوجه والكفين، فدليله أنه لا ينظر إلى غير ذلك. ومعنى قوله "أحرى أن يدوم بينهما" أي يدوم النكاح (٥)؛ لأنه .....

стр. 2373

[إذا] (١) رآها [فدخل] (٢) على بصيرة حسنة [كانت] (٣) أو قبيحة؛ فقد رضي لنفسه. وأيضا ما روت عائشة ﵄ أن النبي ﷺ (٨) قال: "المرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها" (٤). وليس يريد بقوله "عورة" إلا أنه لا يجوز النظر إلى العورة. فأما استدلالهم بخبر جابر؛ فإن النبي ﷺ جوز النظر إلى ما يدعو إلى جماعها أو نكاحها، ووجهها مما يدعو إلى ذلك أكثر مما يدعو غيره من أعضائها؛ لأن أحسن أعضاء المرأة وجهها. وعلى أن الخبر إما عموم في سائر جسدها؛ فهو مخصوص بما رويناه من تخصيص النبي ﷺ وجهها وكفيها، أو يكون مجملا فخبرنا مفسَّر بالوجه والكفين. وعلى أنه قد روي ما لم ير منها محرَّما" (٥)، ولا يجوز النظر إلى فرجها، ولا عجزها، ولا فخذها.

стр. 2374

فَصل فأما نظر الزوج إلى فرج زوجته وأمته، ونظر الزوجة إلى فرج زوجها، والأمة إلى فرج سيدها إذا كان يجوز له وطؤها؛ فإن ذلك جائز عندنا (١). وللشافعي قولان: أحدهما: أنه لا يجوز. [والثاني: أنه بمنزلة سائر جسدها] (٢). وقيل: إنه على وجهين لا قولين للشافعي (٣). والدليل لجوازه؛ هو أن النظر إليها من جملة الاستمتاع، فصار بمنزلة غيره من جسدها. أو نقول: الفرج محل الاستمتاع للزوج، فجاز أن ينظر إليه، أصله ما عدا الفرج من الفخذين. ونقول أيضا: إنه موضع من بدنها به بضع الاستمتاع، فإذا جاز [إلى] (٤) ما دونه النظرُ؛ كان فيه أجوز. ونقول أيضا: هو موضع عورة على غير الزوج، فيجب أن لا يكون

стр. 2375

عورة على الزوج، دليله ما عدا الفرج. فإن قيل: فقد روي أن النبي ﷺ قال: "النظر إلى فروج النساء يورث الطمس" (١) يعني [العمى] (٢). قيل: هذا في المحرمات بدليل ما ذكرناه. فإن قيل: فإن هذا سخافة ودناءة. قيل عنه جوابان: أحدهما: أنه ليس كذلك؛ لأنه بمنزلة ما يقرب منه، وإن ما ذكرتم إذا كان على وجه الحرام. والجواب الآخر: هو أنه وإن لم يكن من المروءة؛ فليس ما خرج عن المروءة يكون محرما؛ فإن البصاق في الماء سخافة ودناءة (٩) إذا أراد أن يشربه، ومع هذا لا يحرم شربه، وكذلك الأكل على الطرقات لأهل المروءات، وهذا أكثر من أن يحصى.

стр. 2376

* مسألة (٣): ولا يجوز نكاح بغير ولي (١) إما مناسب (٢)، أو مولى، أو وصى، أو السلطان، أو رجل من المسلمين على ما بينه في الدنية. فأما عقد المرأة على نفسها؛ فلا يجوز (٣) عندنا بحال (٤).

стр. 2377

وقال الشافعي مثل قولنا: إنها لا تعقد على نفسها، وخالفنا في ولاية الوصي أو رجل من المسلمين (١). وقول عمر، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي هريرة ﵁ مثل قول مالك والشافعي ﵄: إن المرأة لا تعقد على نفسها بحال (٢). ومن التابعين الحسن البصري، وسعيد بن المسيب (٣). ومن الفقهاء ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأحمد، وإسحاق (٤). وقال أبو حنيفة: إذا كانت بالغة عاقلة؛ زالت ولاية الولي عنها، فإن عقدت بنفسها؛ جاز، وإن ولت رجلا حتى عقد؛ جاز. ووافقنا على أنها إذا وضعت نفسها في غير كفء للولي فسخ النكاح. وقال أبو يوسف ومحمد (٥): لا بد من الولي، فإن عقدت بنفسها؛ كان النكاح موقوفا، فإن وضعت نفسها في غير كفء؛ كان للولي فسخه، وإن وضعت نفسها في كفء؛ فعلى الولي أن يجيزه ويمضيه، فإن أجازه وإلا

стр. 2378

أجازه السلطان على الولي (١). وقال داود: إن كانت بكرا؛ فلا بد من ولي، وإن كانت ثيبا؛ لم تحتج إلى ولي (٢). وهذا خلاف الإجماع (٣).

стр. 2379

وقال أبو ثور: لا بد من الولي، فإن عقد الولي؛ جاز، وإن أذن الولي لها بالعقد فعقدت بإذنه؛ صح العقد (١). فهذه مذاهب الناس في ذلك. والدليل لقولنا في أنها لا تعقد على نفسها بحال؛ قول الله -عزوجل-: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢). وقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٣). فلم يخاطب بالنكاح غير الرجال (٤)، فلو كان (١٠) إيقاع النكاح إلى النساء؛ لذُكِرن في ذلك. فإن قيل: فإنما لم يخاطب النساء لأن فيهن المجنونة، والصغيرة، والأَمة المملوكة.

стр. 2380

قيل: لو وجب أن يسقط خطابهن بإيقاع النكاح لذلك؛ لوجب أن يسقط خطاب الرجال؛ لأن فيهم من هذه صفته. ولنا أيضا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (١). فالدلالة منها من وجهين: أحدهما: من حيث السبب. والثاني: من حيث الظاهر. فأما السبب؛ فإنه روي أنها في قصة معقل بن يسار، لأنه كان زوج أخته من رجل فطلقها، ولم يراجعها حتى انقضت عدتها، فأرادت أن ترجع إليه، وأراد أن يتزوجها، فقال معقل: قد زوجتك بأختي، وأكرمتك بها، فطلقتها، والله لا زوجتك بها أبدا، فأنزل الله تعالى عند ذلك: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ الآية، فقال معقل: "سمعا وطاعة، وكفر عن يمينه، وزوجه بها" (٢).

стр. 2381

فموضع الدلالة من هذا هو أن معقلا لما امتنع من تزويجها وحلف؛ عاتبه الله تعالى على ذلك، وأمره أن يزوجها منه، فلو كان يجوز لها أن تزوج نفسها، وتعقد النكاح؛ لم يعاتَب أخوها على الامتناع منه، فدل على أن النكاح كان إليه دونها. وأما من حيث الظاهر؛ فهو أنه تعالى قال: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (١)، والعضل هو المنع من التزويج، أو الامتناع منه، مشتق من قولهم "الداء العضال"، فهو الذي قد أعيا (٢) الطب، ومنع البرء (٣)، ولا يجد الطبيب سبيلا إلى مداواته، فمنع الله تعالى الأولياء من الامتناع من تزويجهن، فلو كان العقد منهن؛ لم يكن ممنوعات، ولا كان العضل حاصلا من الأولياء. وأيضا فقد روى ابن عباس، وأنس، وابن عمر، وغيرهم أن النبي ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي" (٤).

стр. 2382

فنفى جنس النكاح بغير ولي، فهو عام في كل نكاح؛ لأنه نكرة (١١) في الجنس بحرف النفي (١). فإن قيل: هذا نكاح بولي؛ لأنها ولية نفسها. قيل: عنه جوابان: أحدهما: هو أنه جعل النكاح [إلى أوليائها] (٢)، فلو كان المراد به ولاية

стр. 2383

نفسها وأن تكون متصرفة في أمرها؛ لم يكن [لتخصيص] (١) النكاح معنى؛ لأن غير النكاح من العقود قد تفتقر صحته إلى ولاية نفسها، وأن تكون متصرفة في أمرها؛ لأن الصغيرة أو الكبيرة المجنونة لما عدمتا التصرف؛ لم يصح [منهما عقد] (٢) أصلا، فعلم أنه أراد وليا غيرها، فيتخصص النكاح به. [فإن قيل: المراد بالولي الزوج ومن يقبل النكاح، إما زوج، أو أبوه، أو وكيله الذي يقبل عنه. مضى جواب عنه.] (٣) والجواب الثاني عن الفصل الأول: هو أنه ﷺ قد بين أن المراد ما ذكرناه بما روي عنه من طريق يوسف [بن حماد، ثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن] (٤) ابن عباس أنه قال: "البغي التي تنكح نفسها بغير ولي" (٥). وروى ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تنكحُ المرأةُ المرأةَ (٦)، ولا تنكح المرأة نفسها، والزانية التي تنكح نفسها" (٧).

стр. 2384

وهذا نص في أن الولي غيرها، وأنها لا تنكح نفسها. ولنا أيضا ما رواه ابن جريج عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطل باطل باطل - ثلاثا -، فإن مسها؛ فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا؛ فالسلطان ولي من لا ولي له" (١).

стр. 2385

فموضع الدلالة من هذا هو أنه ﵇ حكم ببطلان [نكاح] (١) كل امرأة عقدت بلا ولي، فيتضمن هذا دلالة على كل من قال بإجازته (٢). فإن قيل: فلنا عن هذا الخبر أسئلة: أحدها: أن هذا الخبر غير ثابت؛ لأن راويه ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، وابن جريج يقول: سألت الزهري عنه فقال: لا أعرفه. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن الثقة العدل إذا روى خبرا عن إنسان فالخبر ثابت صحيح، وإن كان ذلك الإنسان لا يعرفه؛ لأنه (١٢) يجوز أن يكون قد نسيه بعدما رواه (٣)، وسليمان بن موسي عدل ثقة، وقد روى هذا الخبر عن الزهري، فقول الزهري: "لا أعرفه" لا يقدح فيه؛ لجواز أن يكون نسيه. ومثل هذا ما روى ربيعة بن أبي عبد الرحمن روى عن سهيل بن أبي
следующие страницы →