← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

فموضع الدلالة من هذا هو أن معقلا لما امتنع من تزويجها وحلف؛ عاتبه الله تعالى على ذلك، وأمره أن يزوجها منه، فلو كان يجوز لها أن تزوج نفسها، وتعقد النكاح؛ لم يعاتَب أخوها على الامتناع منه، فدل على أن النكاح كان إليه دونها. وأما من حيث الظاهر؛ فهو أنه تعالى قال: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (١)، والعضل هو المنع من التزويج، أو الامتناع منه، مشتق من قولهم "الداء العضال"، فهو الذي قد أعيا (٢) الطب، ومنع البرء (٣)، ولا يجد الطبيب سبيلا إلى مداواته، فمنع الله تعالى الأولياء من الامتناع من تزويجهن، فلو كان العقد منهن؛ لم يكن ممنوعات، ولا كان العضل حاصلا من الأولياء. وأيضا فقد روى ابن عباس، وأنس، وابن عمر، وغيرهم أن النبي ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي" (٤).

стр. 2382

فنفى جنس النكاح بغير ولي، فهو عام في كل نكاح؛ لأنه نكرة (١١) في الجنس بحرف النفي (١). فإن قيل: هذا نكاح بولي؛ لأنها ولية نفسها. قيل: عنه جوابان: أحدهما: هو أنه جعل النكاح [إلى أوليائها] (٢)، فلو كان المراد به ولاية

стр. 2383

نفسها وأن تكون متصرفة في أمرها؛ لم يكن [لتخصيص] (١) النكاح معنى؛ لأن غير النكاح من العقود قد تفتقر صحته إلى ولاية نفسها، وأن تكون متصرفة في أمرها؛ لأن الصغيرة أو الكبيرة المجنونة لما عدمتا التصرف؛ لم يصح [منهما عقد] (٢) أصلا، فعلم أنه أراد وليا غيرها، فيتخصص النكاح به. [فإن قيل: المراد بالولي الزوج ومن يقبل النكاح، إما زوج، أو أبوه، أو وكيله الذي يقبل عنه. مضى جواب عنه.] (٣) والجواب الثاني عن الفصل الأول: هو أنه ﷺ قد بين أن المراد ما ذكرناه بما روي عنه من طريق يوسف [بن حماد، ثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن] (٤) ابن عباس أنه قال: "البغي التي تنكح نفسها بغير ولي" (٥). وروى ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تنكحُ المرأةُ المرأةَ (٦)، ولا تنكح المرأة نفسها، والزانية التي تنكح نفسها" (٧).

стр. 2384

وهذا نص في أن الولي غيرها، وأنها لا تنكح نفسها. ولنا أيضا ما رواه ابن جريج عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطل باطل باطل - ثلاثا -، فإن مسها؛ فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا؛ فالسلطان ولي من لا ولي له" (١).

стр. 2385

فموضع الدلالة من هذا هو أنه ﵇ حكم ببطلان [نكاح] (١) كل امرأة عقدت بلا ولي، فيتضمن هذا دلالة على كل من قال بإجازته (٢). فإن قيل: فلنا عن هذا الخبر أسئلة: أحدها: أن هذا الخبر غير ثابت؛ لأن راويه ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، وابن جريج يقول: سألت الزهري عنه فقال: لا أعرفه. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن الثقة العدل إذا روى خبرا عن إنسان فالخبر ثابت صحيح، وإن كان ذلك الإنسان لا يعرفه؛ لأنه (١٢) يجوز أن يكون قد نسيه بعدما رواه (٣)، وسليمان بن موسي عدل ثقة، وقد روى هذا الخبر عن الزهري، فقول الزهري: "لا أعرفه" لا يقدح فيه؛ لجواز أن يكون نسيه. ومثل هذا ما روى ربيعة بن أبي عبد الرحمن روى عن سهيل بن أبي

стр. 2386

صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد". ثم نسي سهيل الحديث، فقال له ربيعة: رويت لي هذا الخبر، فكان سهيل يروي ذلك عن ربيعة ويقول: حدثني ربيعة عني عن أبي عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد" (١). و [العمل] (٢) على أن عائشة ﵂ لم تروه [وحدها] (٣)، ورواه جماعة من الصحابة، منهم: علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، وأبو موسى، وأبو أمامة، وجابر، وابن عمر، وأنس، وعبادة، والمسور بن مخرمة، كلهم [عن] (٤) النبي ﷺ (٥). والجواب الثاني: هو أن سليمان بن موسى كان قد روى في الخبر زيادة، فسأل ابن جريج الزهري عن تلك الزيادة: فقال: "لا أعرفها"، ولم يسأله عن نفس الخبر. فإن قيل: فالزهري يذهب إلى جواز النكاح بغير ولي (٦)، فدل على أن الخبر غير صحيح؛ إذ لا يجوز أن يكون هو راويه ثم يخالفه.

стр. 2387

قيل: إن الراوي إذا روى خبرا وخالفه؛ تُرك خلافه (١)، وعُمل على الخبر إذا كان ظاهره غير محتمل (٢)، وهذا مثل ما قلناه: إن بيع الأمة لا يكون طلاقا، وابن عباس ﵁ يذهب إلى أن بيعها طلاق، ثم هو الراوي لخبر "أن بريرة بيعت فأعتقت فخيرها رسول الله ﷺ بين الفسخ وبين المقام على النكاح" (٣). فلو كان قد وقع الطلاق بالبيع؛ لم يكن للخيار معنى، فأسقطنا خلافه وما ذهب إليه بما رواه من الخبر. فإن قيل: فإن الخبر غير صحيح؛ لأن لفظه ساقط؛ لأنه قال: فإن [اشتجروا أولياؤها] (٤) فالسلطان ولي من لا ولي له" (٥). فكيف يكون لها ولي إذا اشتجر أولياؤها. قيل: معناه: فإن اشتجروا، فعضلوا، فالسلطان (١٣) ولي من لا ولي له،

стр. 2388

لأنها بالعضل تصير كأنها لا ولي لها، وإنما يحصل العضل إذا كان قال كل واحد: لا أزوج أنا؛ فزوج أنت؛ فإن السلطان هاهنا يزوجها لوجود العضل، فأما إذا قال كل واحد منهم: أنا أزوج؛ فليس هاهنا عضل، فلا يزوجها السلطان، ولكن يُقرع بينهم إن كانوا متساوين، أو من سبق منهم بعقد مضى عقده، أو تختار المرأة منهم من تريده. فإن قيل: هذا الخبر وارد في الأمة، بدلالة ما روي في الحديث: "أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها؛ فنكاحها باطل" (١). قيل: فهذه الرواية لا تمنع روايتنا فنقول قوله "بإذن مواليها" محمول على الإماء، وقوله "بغير وليها" محمول على الحرة. فإن قيل: هذا الخبر دلالة لنا من وجه دليل الخطاب؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطل" (٢)، فدل على أنها إذا نكحت بإذن وليها؛ صح النكاح، وأنتم تقولون: [هو] (٣) باطل، فإذا ثبت صحة العقد بإذن الولي؛ ثبت صحته بغير إذنه بالإجماع؛ لأنه لا أحد يفرق بينهما، وكل من قال: يصح بإذن الولي؛ قال: يصح بغير إذن وليه، وكل من قال: لا يصح بإذنه؛ قال: لا يصح بغير ولي. قيل: إن هذا السؤال لا يصح على مذهبكم؛ لأنكم لا تقولون بدليل

стр. 2389

الخطاب في الموضع الذي يُسقِط نطقه ولا يعترض عليه، فأما إذا كان في إثبات الدليل إسقاط صريحه؛ أسقطنا الدليل، و [أبقينا] (١) النطق، وهذا الدليل يسقط نطقه؛ لأننا إذا جوزنا عقدها بإذن الولي اقتضى أن يجوز من غير ولي؛ لأن أحدا لا يفرق، ونطقه يمنع منه، وإذا استعملنا نطقه؛ سقط دليله؛ لأن أحدا لا يفرق بينهما، فاستعملنا نطقه وأسقطنا دليله؛ لأن في [إستعمال] (٢) نطقه إسقاط دليله دون نطقه، وفي استعمال الدليل إسقاط نطقه، وإذا سقط النطق؛ سقط الدليل؛ لأنه لا يعرف إلا به، ولا سبيل إلى إسقاطهما جميعا (١٤) مع إمكان الاستعمال. فإن قيل: فإن هذا الخبر لا يتناول موضع الخلاف؛ لأن خلافنا إنما هو في بالغة عاقلة حرة؛ هل لها ولي أم لا، فعندكم لها ولي، وعندنا لا ولي لها؛ لأن الولاية تزول فيها بالبلوغ مع الرشد، والخبر يقتضي بطلان نكاح امرأة لها ولي، ونحن كذا نقول: إن كل امرأة لها ولي إذا نكحت بغير إذنه؛ كان نكاحها باطلا، وهي الصغيرة، أو الكبيرة المجنونة، أو الأمة. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه ليس في الدنيا امرأة إلا ولها ولي عندنا وعندكم، إلا أنكم أنتم تقولون: لها ولي في طلب الكفاءة لها دون التزويج، ونحن نقول: لها ولي في طلب التزويج والكفاءة جميعا، فسقط قولكم: إن البالغة العاقلة لا ولي لها.

стр. 2390

والجواب الآخر: هو أن الخبر يقتضي إثبات الولاية عليها، وبطلان النكاح بغير إذن الولي، وهو قوله: "السلطان ولي من لا ولي له"، فالخبر يثبت الولاية على كل من ينكح، ويمنع من النكاح من غير إذنه، فتقديره كأنه لا نكاح إلا بمن يتولاه، حتى يكون وليا عليه، أو بإذن من يتولاه. فإن قيل: فإننا نحمله على الأمة أو الصغيرة. قيل: حمله على الأمة لا يصح من وجهين: أحدهما: أنه ﵇ قال: "فإن مسها؛ فلها المهر بما استحل من فرجها"، وأنتم تقولون: مهر الأمة لسيدها، فعلم أنه أراد الحرة، ولكن على مذهبنا - وإن قلنا إنه للأمة -؛ فإن اللام التي للتمليك حقيقتها أن تكون لمن يملك ملكا مستقرا إذا أطلق، وملك الأمة غير مستقر. والجواب الآخر: هو أنه قال: "فإن اشتجروا واختلفوا فالسلطان ولي من لا ولي له" (١)، وهذا لا يجري في الأمة بين السادة؛ لأنه إن كانت لجماعة سادة فقال واحد منهم: لا أزوجها؛ لم يكن للسلطان أن يزوجها، ولم يكن له ولاية في تزويجها، وإنما يزوج السلطان إذا أذن جميع سادتها، وهذا يصح في الحرة؛ لأن أولياءها إذا اختلفوا فقال بعضهم: لا أزوج، وقال البعض: أزوج؛ تصير كأنها امرأة لا ولي لها، فيكون الولي هو (١٥) السلطان، ويزوجها. وحمله على الحرة الصغيرة لا يمكن أيضا من وجهين: أحدهما: أنه قال: "أيما امرأة"، والمرأة اسم للبالغة دون الصغيرة.

стр. 2391

والوجه الآخر: أنه خص النكاح - بافتقاره إلى الولي - أنه لا يصح بغير إذنه، وإذا حمل على الصغيرة؛ لم يختص النكاح به؛ لأن عقودها كلها باطلة، فعلم أنه أراد الحرة البالغة العاقلة التي يجوز سائر عقودها. ثم لو جعلناه عموما إلا ما خصته الدلالة؛ لم يمتنع. وعلى أننا قد استفدنا هذا [في] (١) الصغيرة بتزويج النبي ﷺ فاطمة ﵂، وبتزويج أبي بكر عائشة ﵄، فينبغي أن يحمل الخبر على فائدة أخرى، وهي الكبيرة؛ حتى لا يكون تأكيدا. ولنا في المسألة أيضا إجماع الصحابة: لما روي عن عمر، وعن علي، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي هريرة ﵃ أنهم قالوا: لا يصح النكاح بغير ولي (٢). وقد روي "أن رفقة جمعتهم الطريق، وكان في الطريق امرأ، فولت رجلا فزوجها، ففسخ عمره ﵁ النكاح، وجلدها" (٣)، أي عزرها. فإن قيل: فعائشة ﵂ مخالفة لهم (٤)؛ لأنه روي أنها زوجت بنت

стр. 2392

أخيها عبد الرحمن وهو غائب بالشام، فلما قدم قال: "مثلي يفتات (١) عليه في بناته" (٢). قيل: قوله "زوَّجت" معناه، دبَّرت، ونظرت، وأمرت بالعقد، لا أنها باشرته (٣)؛ بدليل ما روي عنها أنها قالت: "أنا أنظر وأدبر، فإذا حضر العقد؛ فاعقدوا، فإن النساء لا يعقدن" (٤). فقد انضاف [قولها] (٥) إلى قول الصحابة، فصار إجماعا.

стр. 2393

وقد روي أن النبي ﷺ قال: "الأيم أحق بنفسها من وليها" (١)، ولا يقال: "فلان أحق من فلان بكذا" إلا ولفلان فيه حق، غير أن أحدهما أولى (٢)، فسقط بهذا قول من يقول: إنه لا ولي لها، وأنها ولية نفسها. وقال ﷺ في النساء: "إنهن ناقصات العقل والدين" (٣)، فيجب أن يُمنعن من العقد لما لا يؤمن من قلة عقلها أن تُدخِل العار على الأهل والعشيرة بين الأكفاء، (١٦)، ويتبع هذا [] (٤) الولي من فسخه، فينبغي أن يحسم الباب من أوله، ويجعل إلى غيرها. ومن طريق القياس فإننا نقول: هو عقد عري من ولي، فوجب أن يبطل، دليله إذا وضعت نفسها في غير كفء. وأيضا فإنها ناقصة بالأنوثة (٥)، فوجب أن لا يجوز عقدها على نفسها، دليله الأمة.

стр. 2394

ونقول أيضا: هو عقد نكاح عري من ولي، فوجب أن يبطل، أصله الصغيرة، والأمة، والمجنونة، إذا عقدن على أنفسهن. فإن قيل: فإن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١). فأضاف فعل النكاح إليها، فدل على أنها تعقد على نفسها. قيل: هذه الآية لا يصح لكم الاحتجاج بها؛ لأن لفظ النكاح عندكم عبارة عن الوطء (٢). على أن المستفاد من الآية أنها لا تحل إلا بعد تزوج، وأما مَنِ العاقد؛ فيستفاد من الخبر الذي ذكرناه. ويحتمل أن يكون المراد: تنكح بالولي؛ لأن الولي إذا عقد عليها قيل فيه: قد عقدت، فالنكاح اسم شرعي هاهنا، فلا يكون قد نكحت إلا بالولي، كما لا تكون ناكحة إلا بزوج وبصفات في الشرع. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٣) أضاف النكاح إليها، معناه: أن ينكحن بشروطه الشرعية، حتى يقال: قد نكحن. فإن قيل: فقد روي [في الشريعة] (٤) أن النبي ﷺ قال: "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن وإذنها صماتها" (٥).

стр. 2395

فموضع الدلالة هو أنه جعلها أحق بنفسها من وليها، فعلم أنه لا حق للولي في العقد. وقال أيضا: "ليس للولى مع الثيب أمر" (١). وهذا نص؛ لأنكم تجعلون له معها أمرا. قيل: الخبر لنا فيه [دليل] (٢) من وجهين، ولا دلالة لكم فيه. فأما كونه لا دلالة لكم فيه؛ فهو أن الأيم هي الثيب (٣)؛ لأنه قد ذكر معها البكر بعد ذلك فقال: "البكر تستأذن في نفسها"، ونحن كذا نقول: إن

стр. 2396

الثيب أحق بنفسها من الولي، وكونها (١٧) أحق بنفسها (١) هو أن الولي إذا طلب أن يزوجها وامتنعت هي؛ لم يكن له أن يزوجها، وإن طلبت هي التزويج؛ لم يكن له أن يمتنع، فإن امتنع؛ زوجها السلطان، فهي أحق بنفسها من الولي لما ذكرناه. وأما كونه دلالة لنا من وجهين: فأحدهما: هو أنه قال: "أحق"، ولفظة "أفعل" في اللغة موضوعة للاشتراك، كما يقال: فلان أفضل وأعلم من فلان، وهذا أحلى من هذا، وهذا أمرُّ من هذا، فقد اشتركا في الحلاوة والمرارة، ولأحدهما فضل على صاحبه في الشيء الذي اشتركا فيه. وكذلك أيضا قوله "أحق" يقتضي أن يشتركا في "أحق"، ولكن حقها هي أكثر لما ذكرناه. وأبو حنيفة وأصحابه الموافقون له [يحملونه على الثيب] (٢)؛ لأنهم لا يجعلون للولي حقا في النكاح، [ولا يحمل على الثيب إلا بدلالة؛ لأنه يكون مجازا] (٣). والوجه الثاني: هو أنه أثبت لها الولي في حال ما أثبت لها الحق، وهذا

стр. 2397

خلاف قولهم: إنه لا ولي لها. وقوله "ليس للولي مع الثيب أمر" (١)، فإننا نقول: هو صحيح، والمراد به إجبارها على العقد؛ لأن حقيقة الأمر ما كان للآمر إنفاذه، [و] (٢) على المأمور امتثاله، ونحن لا نجعل للولي معها هذا الأمر؛ لأنه إذا أمرها بالتزويج؛ لم يلزمها امتثاله، وإنما قصد ﷺ أن يبين أن الأمر الذي هو له على البكر قد زال بكونها ثيبا، وهو إجبارها على العقد. فإن قيل: فإن كل شخص جاز له التصرف في ماله؛ جاز له أن يعقد النكاح بنفسه، أصله الرجل. قيل: الرجل لما لم يكن عليه ولي في طلب الكفاءة؛ لم يكن عليه ولي في تزويجه، ولما كان على المرأة ولي في طلب الكفاءة؛ كان عليها ولي في تزويجها. فإن قيل: فإنها منفعةُ حرةٍ رشيدة، فجاز لها أن تعقد عليها، وأن تتصرف فيها، أصله منفعة الاستخدام، فإنها تؤاجر نفسها. قيل: لما لم يكن للولي أن يعترض على إجازتها إن كانت بدون أجرة مثلها؛ لم يكن له حق من عقدها، (١٨) ولما كان للولي أن يفسخ نكاحها إذا تزوجت بغير كفء؛ كان له حق في عقد النكاح. فإن قيل: لما ملكت التصرف في البدل؛ ملكت التصرف في [بضعها] (٣)،

стр. 2398

كالثمن والمثمن. قيل: هذا باطل باليد وغيرها من الأعضاء، فإنها تملك التصرف في [البدل] (١) إذا قطعت، ولا تملك التصرف في قطع العضو. على أننا نقول: لها التصرف في [بضعها] (٢) لأنها تمتنع من النكاح إذا طلبه الولي، وتطلب النكاح إذا امتنع الولي، وهذا نوع من التصرف في البضع. وعلى أن الفرق بين النكاح والبيع هو أنه ليس للولي اعتراض إذا باعت في كفء وغيره، وبدون ما يساوي الثمن، وللولي اعتراض في وضعها نفسها في غير كفء، وأن ينقص من مهور نسائها عنهم. فإن قيل: فإنه نوع عقد؛ فوجب أن يستوي فيه الرجال والنساء كسائر العقود. قيل: هذا باطل بعقد الأمة فإنه نوع عقد، ومع هذا يصح من الرجل دون المرأة. على أن النكاح قد تخصص بأشياء ليست في سائر العقود، [فجاز] (٣) أن يتخصص بالولي، كنكاح الصغير. فإن قيل: فإن الولاية تتعلق بالصغير، والرق، والجنون، فمتى عدم ذلك؛ زالت الولاية كولاية المال. قيل: ولاية النكاح مخصوصة من بين الولايات، فتجب في النساء

стр. 2399

لأجل الأنوثة، وما ذكرناه من قلة دينهن، وعقلهن، واتباع شهواتهن، في أن يضعن أنفسهن في غير الأكفاء، ويدخل العار على العشيرة والأهل بغير اختيارهم. فإن قيل: إن الولي قائم مقامها، ويصح الإذن من جهتها، فلو لم تكن مالكة للعقد؛ لم يجز أن يقوم الغير مقامها، ألا أن تري من لا يملك العقد بنفسه لم يجز أن يقوم الغير فيه مقامه. قيل: ليس الولي قائما مقامها في العقد؛ لأن الإذن إليها حسب، والعقد إليه، وليس لها من العقد شيء، ولا يقوم الولي مقامها فيه، وإنما العقد إليه لولايته فيه، ألا ترى أنها لو أذنت له في العقد؛ جاز أن يوكل فيه غيره، (١٩) ولم يكن لها أن تمنعه من التوكيل، فعلم أن نفس العقد حق له دونها، وأن الإذن لها دونه. فَصل في جميع ما ذكر من الفوائد في هذا الخبر، وهو قوله ﵇: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكحاها باطل باطل باطل، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له، فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها" (١). ففيه خمس عشرة فائدة، بعضها من حيث اللفظ، والثاني من حيث الاستنباط (٢).

стр. 2400

فأما ما هو من حيث اللفظ؛ هو أن عليها ولاية في عقد النكاح؛ لأن النبي ﷺ قال: "بغير إذن وليها"، فاقتضى أن يكون للولي شرك في بضعها، لا يتم النكاح إلا به، وليس كذلك إلا أن له فضلا في النظر. والثاني: أن عقد النكاح إذا عري عن إذن الولي؛ بطل؛ لأنه قال: "بغير إذن وليها فهو باطل". والثالث: هو أنه إذا وطئها في هذا النكاح؛ فعليه المهر، لقوله: "فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها". والرابع: أن نكاح الموقوف - على إحدى الروايتين - لا يصح، ردا على أبي حنيفة (١)؛ لأنه يقول: كل امرأة لها ولي مثل الصغيرة، [والكبيرة المجنونة] (٢) والأمة إذا عقدت؛ كان النكاح موقوفا، لا يحكم ببطلانه، فإن أجازه الولي؛ جاز، وإن لم يجزه؛ بطل، والنبي ﷺ قال: "هو باطل"، ولم يقل: "هو باطل إن لم يجزه الولي"، فهو باطل سواء أجازه الولي أو لا. والخامس: هو أن التوكيل في النكاح يجوز؛ لأنه قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل"، فدل على أنه إذا أذن؛ صح نكاحها، فالإذن منه، والعقد من غيره.

стр. 2401

والسادس: أن الشيء إذا كان واضحا بينا؛ جاز أن يؤكد، ويزاد في البيان والإيضاح، لأن قوله ﵇ "باطل" واضح بيِّن في أنه غير صحيح، ثم قال: "باطل باطل" ثلاثا، وقد يؤكد الشيء بغيره (٢٠) وهو في نفسه [واضح] (١)، كقوله تعالى في الصيام إذا عدم الهدي: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٢)، ونحن نعلم أن الثلاثة والسبعة عشرة، وقال: ﴿كَامِلَةٌ﴾. وقد قيل: معنى ﴿كَامِلَةٌ﴾ أي في قيامها مقام الهدي الكامل (٣). ومثله قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (٤)، ومعلوم أن ثلاثين وعشرا فهن أربعون ليلة. والسابع: من جهة الاستنباط؛ هو أنه لا حد على الزوج في هذا الوطء؛ لأنه قال: "فلها مهرها"، وإذا كان لها المهر وهي مطاوعة؛ فلا حد عليها، وإذا وجب عليه المهر وسقط الحد عنها؛ سقط عنه، يعني بهذا في هذا الموضع مع وجود العقد ومطاوعتها؛ لأن الغاصب يجب عليه عندنا وعند الشافعي المهر لها، والحد ساقط عنها، ولا يسقط الحد عنه (٥). والثامن: قوله: "فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها" أن النسب

стр. 2402

يلحق به إذا وطئ في هذا النكاح؛ لأننا قررنا أنه لا حد عليه بما ذكرناه، لأنه وجب عليه المهر، ولا حد عليها، فلم يكن عليه الحد للشبهة، وإذا لم يجب الحد في الوطء؛ لحق به الولد من ذلك الوطء. والتاسع: أن عليها العدة؛ لأن كل وطء وجب لها فيه المهر ولا حد عليها؛ كان عليها العدة، وإن سميناها استبراء بثلاث حيض. والعاشر: أنه تنتشر حرمة المصاهرة بهذا الوطء، فيحرم عليه أمها وابنتها. والحادي عشر: أن عليه المهر مع العلم والجهل؛ لأن النبي ﷺ أوجب المهر عليه ولم يفرق. والثاني عشر: أن للمستكرهة المهر؛ لأن النبي ﷺ أوجب لها المهر، ولم يفرق بين أن يكرهها عليه، أو تطاوعه فيه. والثالث عشر: من قوله: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" هو أنه دليل على جواز أن يكون (٢١) للمرأة عدة أولياء إخوة، أو أعمام، أو بنو أعمام، أو مَوالٍ، لأنه قال: "فإن اشتجروا"، والمشاجرة لا تكون بين الولي والأجنبي، وإنما تكون بين الأولياء، فالواو والألف في "اشتجروا" ضمير الجمع. والرابع عشر: أن المرأة إذا لم يكن لها ولي لا من حيث النسب، ولا مولاها؛ كان وليها السلطان؛ لأنه لما جعل ﵇ السلطان وليها إذا كان لها أولياء فاختلفوا وعضلوا، فإذا لم يكن لها ولي أصلا؛ فهو أولى أن يكون السلطان وليها.

стр. 2403

والخامس عشر: أنهم إذا اشتجروا وعضلوا؛ صارت كأنها لا ولي لها، فيكون وليها السلطان، ولم يرد بقوله "اشتجروا" أن يقول كل واحد: أنا أزوج؛ لأنه إذا كان الاشتجار على هذا الوجه؛ لم يكن للسلطان ولاية عليها. * * * * مسألة (٤): وتصح الوصية بالنكاح عندنا، ويكون الوصي أولى من الولي بذلك (١)، فإن وصى إليه وله بنات كبار وصغار، ثُيّب وأبكار؛ فالوصي يزوجهن، فإن عين له رجلا بعينه بصغيرة أو كبيرة بكر؛ فإنه يزوجها جبرا كما يزوج الأب (٢)، وإن لم يعين له رجلا بعينه؛ لم يزوج الصغيرة حتى تبلغ وترضى، كذلك لا يزوج الكبيرة البكر إلا بإذنها كالثيب. ومن أصحابنا من قال: إن الموصي إذا قال له: زوج بناتي فيمن رأيت؛ فإنه يقوم مقام الأب في تزويج الصغيرة، وفي تزويج البكر البالغ بغير إذن، وهو يتخرج على قول مالك، وهو إذا قالت الثيب لوليها: زوجني ممن رأيت، فزوجها ممن اختار، أو من نفسه، ولم يعلمها بعين الزوج قبل العقد، فإنه يلزمها ذلك (٣). وقال أبو حنيفة مثل قولنا في أن الوصي يزوج (٤).

стр. 2404

وقال الشافعي: ولا ولاية لوصي؛ لأن عارها لا يلحقه (١). وهذا الإطلاق في التعليل [فاسد] (٢) بالحاكم يزوج المرأة وعارها لا يلحقه. والدليل لقولنا (٢٢) قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٣). وهذا خطاب لجماعة المسلمين في أن لا يُنكحوا مسلمة من مشرك، فدليله أنهم يُنكِحون المسلمين، ولم يخص مُنكِحا من مُنكِح، وهذا الوصي من جملة المسلمين، وقد أنكح مسلما. وكذلك قوله تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٤) خطاب عام في كل مسلم يجوز منه إيقاع الإنكاح على وجه في كل أيم مسلمة إلا ما خصته الدلالة. فإن قيل: فإن الآيتين خطاب للأولياء.

стр. 2405

قيل: عنه جوابان: أحدهما: إنه لم يخص الأولياء المناسبين (١)، فهو عام لكل المسلمين. والجواب الثاني: أن الوصي ولي عندنا من وجهين: أحدهما: ولاية الإيمان لقوله ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٢)، فهو عموم في كل ولاية إلا ما خصته الدلالة. ومن السنة قوله ﷺ "تستأمر اليتيمة في نفسها" (٣)، فأمر باستئمارها، ولم يخص من يستأمرها، فدل على أنها إذا استؤمرت فأَمرت؛ جاز النكاح. ولنا أيضا ما روي أنه ﵇ قال في اليتيمة: "إنها يتيمة، وإنها لا تزوج إلا بإذنها" (٤). فدل على أنها إذا أذنت؛ جاز النكاح، ولم يخص من يستأذنها، فهو عموم في كل مزوِّج إلا أن تقوم دلالة. فإن قيل: فقد روي أن قدامة بن مظعون زوج ابنة أخيه عثمان بن مظعون من عبد الله بن عمر، فكرهوا عبد الله، فجاء قدامة إلى النبي ﷺ فقال: أنا عمها، ووصي أبيها، وما نقموا عبد الله إلا أنه لا مال له، فقال ﷺ : "إنها

стр. 2406

يتيمة، وإنها لا تنكح إلا بإذنها" (١). قيل: كذا نقول: إن الولي لا يزوجها حتى تبلغ وتأذن إن كانت صغيرة، وإن كانت بالغة بكرا فلا يزوجها حتى يستأذنها، كما يقولون في الولي الذي هو غير الأب، ولم يقل ﷺ : (٢٣) "إنك وصي، والوصي لا يزوج" (٢)، وإنما أعلمنا أنها لا تنكح إلا بإذنها، فسكوته ﷺ عن قوله "أنا وصي أبيها" يدل على أن للوصي ان يزوجها بإذنها. فإن قيل: إنما سكت ﵇ لأن قدامة قال: "أنا عمها"، والعم يزوجها. قيل: قد قال أيضا: "وأنا وصي أبيها"، فلولا أن قدامة يعتقد أن الوصي يزوج؛ لم يكن لذكره الوصية فائدة، ولكان النبي ﷺ يقول له: "وإيش ذكرك للوصية التي لا يقع التزويج بها"، حتى لا يظن ظان أن الوصي يزوج، فلما قال قدامة ذلك وأراد [] (٣) حسب الأمرين اللذين يقع بهما التزويج، وسكت النبي ﷺ عنه، وأجاب بأنها يتيمة لا تزوج إلا بإذنها؛ علمنا أنه قصد إذنها فقط.

стр. 2407

فإن قيل: فهو عام فيها، سواء عين له الموصي أم لم يعين له في أن لا تنكح إلا بإذنها. قيل: كيف يدعى العموم في عين واحدة؛ لأن هذه إما أن يكون قد عين له فيها، أو لم يعين، ولا يكون على الصفتين جميعا، فيكون قد عين له ولم يعين له، فإذا كانت العين واحدة - ولم يقل قدامة إنه قد عين لي فيها -؛ كانت على الأصل في أنه لم يعين له فيها رجلا بعينه، فلهذا فسخ النكاح. وأيضا فإننا قد وجدنا [أن] (١) للأب في حياته أن يوصي بإخراج ثلثه ولا يعين الوصي، فينتقل النظر في الثلث إلى الحاكم. وكذلك لو كان لولده مال قد ورثوه عن غيره، أو حصل لهم في يده من فوائد، فلم يوص فيه إلى أحد ثم مات؛ فإن الولاية على الثلث وعلى مال أولاده الأصاغر - من فوائدهم ومن ميراثهم عنه - ينتقل إلى الحاكم، كما تنتقل ولاية نكاح بناته إلى الأولياء من عصبته، ثم جاز للأب أن ينقل وصيته بالثلث وبمال الأولاد الأصاغر إلى من شاء، فينقل ذلك عن الحاكم، كذلك له (٢٤) أن ينقل ولاية [النكاح] (٢) عن الأولياء إلى من يختاره؛ لأن له أن يفعل جميع ذلك في حياته، وله أن يصرفه إلى من يختار بعد وفاته؛ لأن النظر المخصوص له في جميع ذلك دون غيره. وأيضا فإنه [إن] (٣) لم يوص بإخراج ثلثه؛ لانتقل جميع المال إلى

стр. 2408

ورثته، وينتقل إليهم إن كانوا ممن [يجوز] (١) تزويج بناته، ثم قد يجوز أن يخرج الثلث إلى من يختاره، فكذلك يخرج ولاية النكاح عنهم كما أخرج الثلث عنهم؛ لأن له في حياته أن يفعل في ذلك وفي التزويج ما يراه حظا، فكذلك ينقله إلى من يختاره بعد وفاته، لما يراه من الحظ فيه، ولو ترك الأمرين جميعا - أعني الثلث والتزويج -؛ لانتقلا إلى الورثة. وأيضا فلما جاز للأب أن يجعل ذلك إلى غيره في حال حياته؛ جاز له أن يجعله إلى غيره ممن يختاره بعد وفاته؛ لأن له من النظر في بناته ما ليس لغيره. فإن قيل: فينبغي أن يقوم الوصي مقام الأب في تزويج الأصاغر، والبكر البالغ، بغير إذنهن. قيل: قد عرفناكم اختلاف المذهب في ذلك، على أن الكلام هو في هل للوصي أن يزوج كالحاكم، أو كالأولياء، أو هو أولى منهم؟، ثم كيف يزوج؟ وأي وقت يزوج؟ مسألة (٢) فهو كالأولياء يزوج كما يزوجون على الشرائط. فإن استدلوا بقوله ﵇: "لا نكاح إلى بولي" (٣)؛ قيل: الوصي عندنا ولي بما قدمناه، وتخصيصُه باسم الوصي لا يخرجه عن أن يكون وليا كالحاكم. فإن قيل: فإنه إنكاح بوصية، فوجب أن لا يجوز؛ أصله إذا لم يعين له. قيل: إن إنكاحه بالوصية على أحد الوجهين، ويصح إذا بلغت بإذنها

стр. 2409

وإن لم يعين له، فكل وصي يجوز تزويجه إذا زوج في وقته وعلى شرطه كالولي في اليتيمة، وليس عندنا وصي لا يجوز له أن يزوج، ولكن على شروط التزويج التي تكون في ولي العصبة. (٢٥) فإن قيل: إنما قسناه عليه إذا زوجها صغيرة ولم يعين له في أن تزويجه باطل في هذا الحال. قيل: لنا أن نقلب هذا في الولي مع وجود الوصي، فنقول: هو نكاح بولي مع وجود الوصي وغير إذنه (١)، فأشبه تزويج الولي الصغيرة اليتيمة في أنه في الحال فاسد، فكذلك في كل حال، كما قلتم لنا في الوصي إذا عقد على الصغيرة ولم يعين له في أنه في الحال فاسد، وإن كان عندنا في غير ذلك صحيحا. فإن قيل: فإن كل سبب لا يستفاد به تزويج الصغيرة لا يستفاد به تزويج الكبيرة، أصله الوصية في المال. قيل: إنه إذا وصى إليه بماله؛ فهو وصي في كل شيء حتى في تزويجه، وكذلك في مال البنات، وهو تزويج اليتيمة وهي صغيرة، ولا ينتظر بلوغها، فهو أقوى حالا منه في اليتيمة، فأما إذا بلغ اليتيم؛ انفك حجره عن ماله إذا كان رشيدا، فينقل عن تزويجه، والبكر البالغ لا ينفك حجرها عن المال ببلوغها - كما لا ينفك عن نكاحها - حتى تزوج ويدخل بها زوجها، فينفك حجرها عن الأمرين جميعا. فإن قيل: فإنها ولاية مستحقة من غير تولية، فوجب أن لا يجوز نقلها

стр. 2410

بالوصية، أصلها الولاية على الطفل، أو على ماله، بقاء الأب، وهو أن الأم إذا كان لها طفل وله مال، فأوصت على رجل بماله أو عليه - والأب باق -؛ لما كانت هذه الولاية تنتقل إلى الأب من غير تولية، فإذا نقلته بوصية؛ لم ينتقل، كذلك ولاية التزويج تنتقل إلى الجد من غير تولية، فإذا نقلها الأب بوصية؛ لم تنتقل. قيل: إن الأم ليست لها ولاية أصلا، فنقلها ما ليس إليها إلى غير من إليه الولاية لا يصح، والأب وال بنفسه ولاية يتخصص بها من بين سائر الأولياء؛ لأن له أن يعقد جبرا، فله أن ينقل ما إليه إلى من يختاره؛ لتخصصه بالولاية، لما فيه من فضل النظر والاحتياط، وولاية الجد (٢٦) وغيره [إذا كانت] (١) بغير تولية؛ فهي أضعف من ولاية الأب لما ذكرناه، فجاز للأب الذي هو أقوى ولاية أن ينقلها عن الجد، لما ذكرناه من فضل نظره. وعلى أن كل ما ذكروه مستنكر بالثلث، فإنه [إن] (٢) لم يوص به؛ لانتقل مع الثلثين إلى الورثة، ثم لم يقطع ذلك عنهم وإن كانوا أولياء بغير تولية. فإن قيل: فإننا [لما] (٣) لم ننكر انتقال الملك إلى الورثة؛ انتقلت الولاية إليهم أيضا، كما كانت الولاية على ثلثه وهو مالكه، فكذلك إذا انتقل الثلث إليهم انتقل بولايته، كما إذا انتقل إليهم الثلثان صارت الولاية لهم عليه كما كانت في حياته.

стр. 2411

على أن الملك قد ينتقل إلى الورثة كبارا كانوا أو صغارا، فإذا كانوا كبارا كلهم؛ الولايةُ في حقوقهم (١)، وهم أولياء بلا تولية، وإن كانوا صغارا؛ انتقل الملك إليهم، والولاية فيه إلى السلطان بتولية الله -عزوجل- باختيار المسلمين، أو إلى الحاكم بتولية الإمام، ثم للأب أن ينقل هذه الولاية إلى من يختاره؛ لأنها كانت له في حياته كولاية النكاح الذي قد تخصص فيه بفضل على سائر الأولياء. فإن قيل: فإنما طلب الولي في النكاح لكي لا توضع في غير كفء؛ لأنه يلحقه العار إذا وُضعت في غير كفء، والوصي لا يلحقه العار (٢)، فالولي أحق حتى ينحسم أن توضع في غير كفء. قيل: الوصي إن وضعها في غير كفء؛ فسخ النكاح، كما لو فعل الأب ذلك في البكر. على أن العلة إن كانت في منع الوصي من التزويج هي أن العار لا يلحقه؛ فهي منتقضة بالحاكم، فإنه يزوج والعار لا يلحقه، ثم إن أنكح الوصي بغير كفء؛ كان للأولياء الذين هم عصبة رد ذلك، ألا ترى أن الأب في حياته لو وكل من يزوج بناته الثُّيَّب والأبكار، وفوض ذلك إلى الوكيل، فوضعهم في غير أكفاء؛ رد ذلك، فكذلك الأولياء مع الوصي. فإن قيل: لما لم يكن للأب صرف الثلثين عن الأولياء في حال الممات - وإن كان له التصرف (٢٧) فيه دونهم، وهو حر؛ لأن الله جل وعز نقل ذلك

стр. 2412

إليهم -؛ فكذلك بضع بناته؛ لأن الله تعالى جعل ذلك إليهم. قيل: إنما جعل الله تعالى ولاية التزويج إليهم ما لم ينقلها الأب، فأما إذا نقلها الأب؛ فلا. على أن اعتبار ما تنازعناه بالثلث أولى؛ لأن له رد الولاية فيه إلى غيره في حال حياته، كالثلث الذي له أن يصرفه بنفسه في حياته، وله أن يوصي به إلى من يختار بعد وفاته، وليس كذلك الثلثان؛ لأنه لا يصرفه في مرضه إلى غير الورثة على الوجه الذي يصرف الثلث فيه، فله الولاية في الثلث كما هي في التزويج، فيجوز نقل التزويج كما يجوز نقل ولاية الثلث، على أن له أيضا أن ينقل ولاية الثلثين إذا كان ولده أصاغر، فكذلك ينقل ولاية تزويجهن. وبالله التوفيق. فإن قيل: إن الولاية في النكاح مستحقة بأحد شيئين: إما بالنسب مع الميراث، أو بالولاية من جهة الحكم؛ بدليل أن الأب المسلم، الحر، له نسب، وميراث؛ فله أن يزوج، ولو كان عبدا؛ لم يزوج؛ لأنه لا يرث، وليس بين الوصي وبينها نسب، ولا ولاية من جهة الحكم. قيل: قد أخللتم بقسم آخر، وهو الولاية التي من جهة الأب، كما كان له أن يوكل في حياته؛ كذلك له أن يوليها بعد وفاته، على ما بيناه في نقل ولاية مالهن إذا كن أصاغر [إن ورثنه] (١) عنه، وكذلك له أن ينقل ولاية نكاحهن كما ينقل ولاية مالهن. فإن قيل: لو كان الوصي يملك الولاية بعد موت الأب؛ لم تختص ولايته

стр. 2413

بالإذن، ألا ترى أن الجد، والقاضي، وكل الأولياء؛ لما ثبتت لهم الولاية بعد موت الأب؛ لم تتعلق ولايتهم بالإذن، على أن الوصي لا يملك بالإذن. قيل: قد بينا أن ولايته في النكاح كهي في المال الذي ينتقل إلى الحاكم بعد موت الأب، ثم له أن يقطعه إلى الوصي (٢٨) فيصير إليه بإذن. * * * * مَسألة (٥): اختلف قول مالك في النكاح الموقوف، فقال: يجوز إن أجيز بالقرب (١)، سواء وقف على إجازة الولي، أو إجازة الزوج، أو إذن المرأة فيه (٢). [وقد] (٣) قال فيه: [أيضا] (٤): لا يجوز أن يقف (٥) [على حال] (٦). وقد قال أبو حنيفة: النكاح الموقوف ينعقد ويقف على الإجازة، فإن

стр. 2414

وجدت الإجازة؛ فقد صح ونفذ، وإن لم تقع الإجازة؛ بطل، كقولنا فيه (١). ويفرِّق بينه وبين البيع، فيجوز أن يقف في البيع على إجازة البائع، ولا يقف على إجازة [المشتري] (٢). وفي وقوعه في الطرفين جميعا، أعني: إجازة الولي، أو إجازة الزوج [مثل البيع سواء] (٣)، ولا فرق عندنا بينهما في البيع والنكاح، فيقف في البيع على إجازة البائع في البيع، كما يقف النكاح على إجازة الولي، ويقف في الشراء على إجازة المشتري كما يقف في النكاح على إجازة الزوج. هذا على الرواية التي يجوز فيها وقف النكاح. وقال الشافعي: لا يجوز أن يقف النكاح بوجه (٤)، وكذلك البيع. ومسألة البيع تجيء في كتاب البيوع (٥). والدليل لوقف النكاح على إحدى الروايتين ما روته عائشة ﵂ أن فتاة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: "إن أبي - ونعم الأب- زوجني من

стр. 2415

ابن أخيه يرفع بي خسيسته (١)، قالت فجعل رسول الله ﷺ أمرها إليها، فقالت: قد أجزت ما فعل أبي، ولكني أردت أن يعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء" (٢). فموضع الدلالة من الخبر هو أن أباها زوجها، ووقف النكاح على إجازتها هي، فدل على ما ذكرناه. وأيضا فما روي "أن أم حبيبة بنت أبي سفيان كانت بالحبشة عند النجاشي، فزوجها من رسول الله ﷺ ، وأمهرها عنه أربعة آلاف درهم، وقيل: أربعة آلاف دينار، وبعث الخبر إلى رسول الله ﷺ ، (٢٩) فقبل ﵇ ذلك وأجاز النكاح" (٣).

стр. 2416

وأيضا فإن العقد أكد من أحد طرفي العقد؛ بدليل أنه إذا عقدا العقد ثم افترقا؛ لم يبطل، ولو وجد الافتراق بعد وجود الإيجاب، إما إيجاب الولي، أو إيجاب الزوج، -وهو أحد طرفي العقد-؛ بطل؛ فإذا ثبت هذا ثم رأينا الوقف لا يمنع أحد طرفي العقد - أعني وقوفه في المجلس على وقوف الإذن منهما مع كونه - (١)؛ فلأن لا يمنع العقد الذي هو أكد أولى. وأيضا فإن ما في طرفي العقد نافى أحد طرفيه، ألا ترى أن تعري عقد النكاح من الشهادة عندكم لما نافى طرفي العقد؛ نافى أيضا طرفيه وهو الإيجاب [و] (٢) القبول؛ لأنه لو قال: زوجتك بنتي [] (٣) لم يصح، فلما لم يناف الوقت أحد طرفيه؛ لم يناف أيضا طرفيه جميعا. وأيضا فإن عقد الوصية قد يقف على إجازة الوارث، وإن لم يكن له مجيز في الحال -لأن الورثة قد يجيزون في الحال- فلا يجوز، فلأن يقف العقد الذي له مجيز في الحال أولى، أعني أنه موجود في حال العقد وإن لم يكن حاضرا عند العقد.

стр. 2417

وأيضا فإنه لما جاز أن يقف العقد على الفسخ؛ جاز أن يقف على الإجازة، ولا فرق بين الإجازة وبين الفسخ؛ لأنه لأحدهما أن يفسخ ولا يستقر حكم العقد، كما للولي أو للزوج أن لا يجيز فلا يستقر حكم العقد، [و] (١) بيع الخيار عندنا واقف على الإجازة (٢)، وعندهم على الفسخ (٣)، وإذا تزوج بامرأة فوجد بها عيبا ترد منه، أو وجدت به عيبا يمنع الوطء، فلكل واحد منهما أن يفسخ، وكذلك في شراء السلعة. ولنا أن نستدل بقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤) أي بأحكام العقود، وهذا عقد قد وضع، وهم يقولون: لا يلزم الوفاء بحكمه. ولنا أن نفرض المسألة في الولي إذا زوج من ليس بحاضر، ثم قال الزوج (٣٠) بعد ذلك: قد قبلت. قال النبي ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" (٥)، فدليله أنه إذا كان ولي فزوج؛ فهو نكاح. فإن قيل: فقد روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل ثلاثا" (٦).

стр. 2418

فحكم ﷺ ببطلان نكاحها إذا عقدت بغير إذن وليها. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن هذا ورد في كل امرأة تتولى العقد على نفسها، ألا تراه قال: "نكحت"، ونحن نقول بموجب هذا الخبر، ولا يدل على مسألة الخلاف. والجواب الآخر: هو أن الولي إذا أذن؛ فقد نكحت بإذنه، وإن كان قد تأخر إذنه. ثم دليل الخطاب لنا من جهة أخرى؛ وهو أن دليله أنها إذا نكحت بإذن الولي؛ كان نكاحا، سواء تقدم قبول الزوج أو تأخر؛ لأنها نكحت بإذن الولي، والنبي ﷺ أبطل نكاحا ليس فيه إذن الولي وإن وقع في ثان. فإن قيل: فإنه ﵇ أبطل نكاحها إذا عقدت بغير إذن الولي، وهي قد عقدت بغير إذنه، فوجب أن يبطل وإن أجازه الولي. قيل: قد أجبنا عن هذا وقلنا: إنه يقتضي إذا تولت العقد بنفسها؛ بدليل أن الولي لو أذن لها فعقدت هي؛ لكان العقد باطلا (١). وأيضا فإنه ﵇ أبطل نكاحها، ولسنا نسميه نكاحا حقيقة إلا بعقد أجازه الولي، فإذا ثبت أنه يكون نكاحا حقيقة بعد إجازة الولي؛ فهو نكاح فيه إذن الولي، فعلمت أن الخبر لم ينصرف إليه. على أن الخبر يتضمن الإذن الذي لا معتبر به عندكم، وإنما المعتبر حضوره العقد أو من يقوم مقامه، وليس هذا في الخبر، فلا تعلق لكم به.

стр. 2419

وأيضا فينبغي أن يكون له الولاية من كل وجه في إجازة العقد واستئنافه. وقوله ﵇: "باطل" مطلقا (٣١) لا يكون فيما يسوغ فيه الاجتهاد، فثبت أنه أراد إذا لم يجزه من له الإجازة. فإن قيل: فقد روي أنه ﵇ قال: "أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر" (١). فأخبر أنه [فعل] (٢) فعلا محرما باطلا، وعندكم أنه لم يفعل باطلا، والعاهر الزاني، ولكن عبر بالزنا عن التحريم الذي هو من أحكام الزنا.

стр. 2420

قيل: إن هذا وارد فيمن منعه سيده من النكاح فتزوج بعد المنع، فإنه محرم عليه أن يتزوج، فأما إذا لم يتقدم من سيده منع له؛ فجائز أن يتزوج، ويقف نكاحه على إجازة سيده، إن أجازه؛ استقر حكمه، وإن فسخه؛ انفسخ، فإن أقام عليه بعد هذا؛ صار زانيا إن وطئ فيه، فحمْل الخبر في أنه "عاهر" على هذا أولى؛ لأنه يكون محمولا على الحقيقة، فهو أولى من حمله على المجاز، فالمقصد من الخبر أن لا يخالف إرادة سيده في ذلك، وإنما يعلم إرادة سيده بأن يجيز النكاح أو يفسخه. فإن قيل: فينبغي أن يستعلم إرادة سيده قبل [أن] (١) يعقد. قيل: كذا ينبغي، فإن لم يفعل؛ جاز أن يستعلمه بعد النكاح، فإما أن يجيز أو يفسخ، وليس إذا كان لاستعلام إرادة السيد طريقان: أحدهما: قبل النكاح، والأخرى بعده، ففرط في أحدهما؛ ما يبطل الطريق الآخر. فإن قيل: فإنه نكاح لا يملك الزوج المكلف به إيقاع الطلاق، فوجب أن لا ينعقد، أصله نكاح المعتدة؛ لأن في النكاح الموقوف لا يقع الطلاق. قيل: إن العقد إذا عقد بغير إذن سيده ثم طلق قبل [أن] (٢) يعلم سيده؛ فإن طلاقه يقع عندنا، فكذلك كل نكاح موقوف من جهة الولي بعد أن اختاره الزوج. فإن قيل: فإننا وجدنا للنكاح أحكاما يختص بها: منها وقوع الطلاق، ومنها الظهار، والإيلاء، [وعدة] (٣) (٣٢) الوفاة، والموارثة، وشيء من هذه
следующие страницы →