← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

وأيضا فإن العقد أكد من أحد طرفي العقد؛ بدليل أنه إذا عقدا العقد ثم افترقا؛ لم يبطل، ولو وجد الافتراق بعد وجود الإيجاب، إما إيجاب الولي، أو إيجاب الزوج، -وهو أحد طرفي العقد-؛ بطل؛ فإذا ثبت هذا ثم رأينا الوقف لا يمنع أحد طرفي العقد - أعني وقوفه في المجلس على وقوف الإذن منهما مع كونه - (١)؛ فلأن لا يمنع العقد الذي هو أكد أولى. وأيضا فإن ما في طرفي العقد نافى أحد طرفيه، ألا ترى أن تعري عقد النكاح من الشهادة عندكم لما نافى طرفي العقد؛ نافى أيضا طرفيه وهو الإيجاب [و] (٢) القبول؛ لأنه لو قال: زوجتك بنتي [] (٣) لم يصح، فلما لم يناف الوقت أحد طرفيه؛ لم يناف أيضا طرفيه جميعا. وأيضا فإن عقد الوصية قد يقف على إجازة الوارث، وإن لم يكن له مجيز في الحال -لأن الورثة قد يجيزون في الحال- فلا يجوز، فلأن يقف العقد الذي له مجيز في الحال أولى، أعني أنه موجود في حال العقد وإن لم يكن حاضرا عند العقد.

стр. 2417

وأيضا فإنه لما جاز أن يقف العقد على الفسخ؛ جاز أن يقف على الإجازة، ولا فرق بين الإجازة وبين الفسخ؛ لأنه لأحدهما أن يفسخ ولا يستقر حكم العقد، كما للولي أو للزوج أن لا يجيز فلا يستقر حكم العقد، [و] (١) بيع الخيار عندنا واقف على الإجازة (٢)، وعندهم على الفسخ (٣)، وإذا تزوج بامرأة فوجد بها عيبا ترد منه، أو وجدت به عيبا يمنع الوطء، فلكل واحد منهما أن يفسخ، وكذلك في شراء السلعة. ولنا أن نستدل بقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤) أي بأحكام العقود، وهذا عقد قد وضع، وهم يقولون: لا يلزم الوفاء بحكمه. ولنا أن نفرض المسألة في الولي إذا زوج من ليس بحاضر، ثم قال الزوج (٣٠) بعد ذلك: قد قبلت. قال النبي ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" (٥)، فدليله أنه إذا كان ولي فزوج؛ فهو نكاح. فإن قيل: فقد روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل ثلاثا" (٦).

стр. 2418

فحكم ﷺ ببطلان نكاحها إذا عقدت بغير إذن وليها. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن هذا ورد في كل امرأة تتولى العقد على نفسها، ألا تراه قال: "نكحت"، ونحن نقول بموجب هذا الخبر، ولا يدل على مسألة الخلاف. والجواب الآخر: هو أن الولي إذا أذن؛ فقد نكحت بإذنه، وإن كان قد تأخر إذنه. ثم دليل الخطاب لنا من جهة أخرى؛ وهو أن دليله أنها إذا نكحت بإذن الولي؛ كان نكاحا، سواء تقدم قبول الزوج أو تأخر؛ لأنها نكحت بإذن الولي، والنبي ﷺ أبطل نكاحا ليس فيه إذن الولي وإن وقع في ثان. فإن قيل: فإنه ﵇ أبطل نكاحها إذا عقدت بغير إذن الولي، وهي قد عقدت بغير إذنه، فوجب أن يبطل وإن أجازه الولي. قيل: قد أجبنا عن هذا وقلنا: إنه يقتضي إذا تولت العقد بنفسها؛ بدليل أن الولي لو أذن لها فعقدت هي؛ لكان العقد باطلا (١). وأيضا فإنه ﵇ أبطل نكاحها، ولسنا نسميه نكاحا حقيقة إلا بعقد أجازه الولي، فإذا ثبت أنه يكون نكاحا حقيقة بعد إجازة الولي؛ فهو نكاح فيه إذن الولي، فعلمت أن الخبر لم ينصرف إليه. على أن الخبر يتضمن الإذن الذي لا معتبر به عندكم، وإنما المعتبر حضوره العقد أو من يقوم مقامه، وليس هذا في الخبر، فلا تعلق لكم به.

стр. 2419

وأيضا فينبغي أن يكون له الولاية من كل وجه في إجازة العقد واستئنافه. وقوله ﵇: "باطل" مطلقا (٣١) لا يكون فيما يسوغ فيه الاجتهاد، فثبت أنه أراد إذا لم يجزه من له الإجازة. فإن قيل: فقد روي أنه ﵇ قال: "أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر" (١). فأخبر أنه [فعل] (٢) فعلا محرما باطلا، وعندكم أنه لم يفعل باطلا، والعاهر الزاني، ولكن عبر بالزنا عن التحريم الذي هو من أحكام الزنا.

стр. 2420

قيل: إن هذا وارد فيمن منعه سيده من النكاح فتزوج بعد المنع، فإنه محرم عليه أن يتزوج، فأما إذا لم يتقدم من سيده منع له؛ فجائز أن يتزوج، ويقف نكاحه على إجازة سيده، إن أجازه؛ استقر حكمه، وإن فسخه؛ انفسخ، فإن أقام عليه بعد هذا؛ صار زانيا إن وطئ فيه، فحمْل الخبر في أنه "عاهر" على هذا أولى؛ لأنه يكون محمولا على الحقيقة، فهو أولى من حمله على المجاز، فالمقصد من الخبر أن لا يخالف إرادة سيده في ذلك، وإنما يعلم إرادة سيده بأن يجيز النكاح أو يفسخه. فإن قيل: فينبغي أن يستعلم إرادة سيده قبل [أن] (١) يعقد. قيل: كذا ينبغي، فإن لم يفعل؛ جاز أن يستعلمه بعد النكاح، فإما أن يجيز أو يفسخ، وليس إذا كان لاستعلام إرادة السيد طريقان: أحدهما: قبل النكاح، والأخرى بعده، ففرط في أحدهما؛ ما يبطل الطريق الآخر. فإن قيل: فإنه نكاح لا يملك الزوج المكلف به إيقاع الطلاق، فوجب أن لا ينعقد، أصله نكاح المعتدة؛ لأن في النكاح الموقوف لا يقع الطلاق. قيل: إن العقد إذا عقد بغير إذن سيده ثم طلق قبل [أن] (٢) يعلم سيده؛ فإن طلاقه يقع عندنا، فكذلك كل نكاح موقوف من جهة الولي بعد أن اختاره الزوج. فإن قيل: فإننا وجدنا للنكاح أحكاما يختص بها: منها وقوع الطلاق، ومنها الظهار، والإيلاء، [وعدة] (٣) (٣٢) الوفاة، والموارثة، وشيء من هذه

стр. 2421

الأحكام لا يثبت في النكاح الموقوف، فعلم أنه لم ينعقد أصلا كالمتعة؛ لأننا إنما أنكرنا على الشيعة المتعة بهذا، وهو أنه لما لم يثبت فيه شيء من أحكام النكاح المختصة به؛ عُلِم أنه لم ينعقد. قيل: ليس ينبغي أن يكون العقد باطلا من أجل ما ذكرتم؛ لأننا نجد نكاح الصبي الصغير جائزا وإن لم يصح منه الظهار، والإيلاء، والطلاق عقيب العقد، وإن كان قد يصح في ثان، كذلك العقد الموقوف. فأما الموارثة؛ فالنكاح يصح وإن لم تتعقبه الموارثة كنكاح الكتابية. على [أنه] (١) يبطل به إذا كان الزوج والولي حاضرين، فقال الولي: قد زوجتك، ثم مات الزوج قيل يقبل (٢). فإن قيل: هاهنا لم يحصل العقد، وإنما حصل أحد طرفيه. قيل: قد قلنا: إن وقوفه على أحد طرفيه لا ينفيه، [فلأن لا ينفيه] (٣) بوقوف العقد الذي هو آكد؛ أولى. وأما العدة؛ فقد يطلق الزوج قبل الدخول فلا تجب العدة، فكذلك النكاح الموقوف قبل الإجازة. على أن أحكام النكاح إذا تقرر؛ أوجبها، ولم نقل: إن النكاح تقرر، وإنما هو مراعى، وليس حكم المراعي حكم المقرر، ألا ترى أن مع الخيار

стр. 2422

لا تقرر أحكامه قبل الخيار، وما لم يكن فيه خيار؛ فحكمه مقرر، ولم يجز أن يقال: لما لم يتقرر حكم بيع الخيار؛ لم ينعقد أصلا. فإن قيل: لو عقد على خامسة؛ كان العقد باطلا، ولم يجز أن يقف على طلاق واحدة منهن، حتى إن طلق واحدة منهن صح العقد، وإن لم يطلق بطل، فكذلك أيضا لا يقف على وجود الإجازة من الولي، حتى إن وجد جاز ونفذ، [و] (١) إن لم يوجد بطل؛ لأن إذن الولي شرط في إنفاذ النكاح، [كما] (٢) أن طلاق الواحدة شرط في نفاذ العقد على الخامسة، ألا ترى أنه لو طلق ثم عقد على الخامسة صح. قيل: العقد على الخامسة لا يصح أصلا، ولا يقع إلا بعد طلاق واحدة من الأربع أو موتها، فهاهنا العقد (٣٣) واقع، وإنما يقف على اختيار من يقف على اختياره، فلم يستويا، ألا ترى أن ولي الخامسة، والزوج، وهي، والشهود؛ لو حضروا؛ لم ينعقد العقد، وفي مسألتنا لو حضروا فأجازوا؛ صح العقد، فثبت بهذا أن نفس العقد على الخامسة لو أوقفناه؛ لم يكن وقوفه على إجازة من يجيزه، فهو كقولك: أتزوجك إذا جاء رأس الشهر. وإن قاسوا ذلك على المعتدة بعلة يذكرونها؛ قيل: المعتدة لا يصح نكاحها في الحال على وجه، وهذه يصح نكاحها في الحال بلا وقف. فإن قيل: فإنها إذا استؤذنت أو استؤذن الزوج بالقرب؛ أجزتموه، وإن تباعدا؛ أبطلتموه.

стр. 2423

قيل: إذا أجزنا النكاح الموقوف؛ فلا فرق في القياس بين الإجازة بالقرب أو البعد، وإنما استحسن فسخه إذا بعد ونجيزه بالقرب؛ لأن اليسير مجوز في الأصول كقليل العمل في الصلاة، والدم اليسير في الثوب والبدن، والغرر اليسير في البياعات، وإذا تباعد؛ بخلاف ذلك. والقياس في الأصول عندي يوجب أن لا يقف عقد النكاح، فلا فرق بين الإجازة في القرب أو البعد. والفرق بينه وبين البيع؛ أن البيع يدخله الخيار، وليس كذلك النكاح. فإن قيل: فإن حديث الفتاة إنما كان نكاحها موقوفا على الفسخ؛ لأن عندنا أن الأب إذا وضع بنته في غير كفء؛ كان لها الفسخ، وأبوها كان قد وضعها في غير كفء، ألا تري أنها قالت: "يرفع بي خسيسته" (١)، ونحن نجوز أن يقف النكاح على الفسخ. وأيضا لا خلاف في وقوفه على الإجازة، ونفرق بين الوقف على الفسخ والإجازة. قيل: لا فرق بينهما في أن العقد يرتفع بترك من يجيز، ويرتفع بفسخه. على أن الخبر يدل على أن النكاح كان موقوفا على الإجازة؛ لأنها قالت: "قد أجزت ما فعل أبي، وقالت: أردت أن يعلم النساء أن ليس للرجال من ذلك شيء" (٢)، فدل على أنها نكحت من غير إذنها.

стр. 2424

فإن قيل: فإن حديث أم (٣٤) حبيبة وهو أن النجاشي إنما زوجها من رسول الله ﷺ بتوكيل من النبي ﷺ (١)؛ لأن أم حبيبة كانت بالحبشة وكانت مسلمة، وأبو سفيان أبوها كافر، فمات زوجها، فبعث رسول الله ﷺ بعمرو بن أمية الضمري حتى يزوجه بها ابن عمها خالد بن سعيد (٢)؛ لأنه لا ولاية لكافر على مسلمة، وكانت الولاية لابن عمها. على أنه يجوز أن يكون بعث النجاشي إلى النبي ﷺ ، فلم يقف العقد عليه حتى بعث بعمرو بن أمية الضمري، فتزوجها من ابن عمها بنكاح صحيح. قيل: يجوز أن يكون أنفذ عمرو بن أمية لشيء غير هذا، أو لتخطيب لا لتزويج، ويجوز أن يكون الرسول لم يصل إلى النجاشي إلا بعد التزويج، يدل عليه ما حكيناه عن الزهري في حديثه "أن النجاشي زوج أم حبيبة من رسول الله ﷺ ، وكتب إليه فقبل النكاح وأجازه" (٣)، فلو وقع النكاح على ما ذكروه؛ لم يكن لاعتبار الإجازة أو القبول معنى. فإن قيل: قياسكم على الوصية؛ لا يصح؛ لأنها تصح وليس لها مجيز في الحال، والبيعُ والنكاح إذا لم [يكن] (٤) لهما مجيز في [الحال] (٥)؛ لم يصحا، فإن عقد الوصية يصح بالمجهول وبغير مخلوق، مثل أن يوصي بحمل

стр. 2425

نخلة أو ما تحمله ناقته، فجاز أن يقف على الإجازة، والنكاح لا ينعقد على ما لم يخلق، مثل أن يقول: زوجتك بما تحمل أمتي هذه؛ لم يقف على إجازة. والفرق بين الوقف على الإجازة وبين الوقف على الفسخ؛ أن العقد إذا وقف على الفسخ؛ فإنه قد وُجد جميع شرائط العقد؛ بدلالة أنه لو مضت المدة ولم [يجز] (١) انفسخ بعد العقد بشرائطه من غير أن يحتاج إلى معنى، فلهذا صح وقوفه عليه، وليس كذلك الإجازة؛ لأن شرائط العقد لم توجد بعد؛ لأن الولي شرط في العقد، وما كان شرطا في العقد فإنه إذا تراخى عن حال العقد؛ منَع انعقاده وصحته، (٣٥) كالشهادة. قيل: أما الفصل الأول بين الوقف في مسألتنا وبين الوصية؛ فهو حجتنا؛ لأن العقد الموقوف له مجيز في الحال، فوقوفه عليه يصح، فهو أولى مما لا مجيز له في الحال. وأما الفصل الثاني من العقد على ما تحمله الجارية والوصية به؛ فإن هذا الفرق لا تأثير له في باب الوقوف، ألا ترى أن خيار الفسخ في النكاح قد جاز كما جاز الخيار في قبول الوصية وردها، وفي البيع أيضا، فلا يمتنع إذا اجتمعت الوصية والنكاح في خيار الفسخ أن يجتمعا في الوقف على الإجازة، وإن افترقا في حكم آخر. وأما الفرق الذي ذكرتموه بين الوقف على الإجازة وبين الوقف على الفسخ؛ فلا فرق بينهما؛ لأن الفسخ يرفع حكم العقد كرد المجيز في النكاح

стр. 2426

إذا لم يجزه، والمعنى الذي ذكروه من مضي [أيام] (١) الخيار أو ترك الرد بالعيب هو معنى يقرر حكم العقد كالإجارزة سواء، والشهادة ليست عندنا شرطا في النكاح (٢). فإن قيل: ما ذكرتموه من أن الوقف لما لم يمنع أحد طرفي العقد؛ لم يمنع العقد لأنه آكد. فإننا نقول لكم: الفرق بينهما هو أن الوقف الذي ينافي كمال العقد عندنا فإنه ينافي أحد طرفيه أيضا، وذلك أن الوقف الذي ينافي العقد هو [الموقوف] (٣) على إجازة من هو مالك له؛ لأن الأجنبي إذا زوج [ولية] (٤) رجل بغير إذنه؛ يقولون: إنه يقف على إجازة الولي، وهو مالك لهذا العقد، وعندنا هذا ينافي العقد، وهذا الوقف أيضا ينافي أحد طرفيه؛ لأنه لو قال للأجنبي: زوجتك بنت فلان، ولم يأذن له وليها؛ كان هذا إيجابا باطلا لا حكم له. وأما الإيجاب من الولي على قبول الزوج لم يقف على إجازة من هو مالك له؛ لأن الزوج لا يملك الإيجاب وإنما يملك القبول. قيل: (٥) هذا غلط [] (٦) من وقوف العقد على إذن الولي إذا عقده الأجنبي فهو عقد واقف على إجازة من هو مالك له، فمثله إذا عقد الولي

стр. 2427

على بنته وقبل منه الأجنبي للزوجة، وقال له (٣٦) أجنبي: أنا أقبل منك تزويج بنتك من فلان؛ فإن العقد يقف على إذن فلان الذي هو مالك له، فلا فرق بين الأمرين، والولي يملك ما إليه، والزوج يملك ما إليه من ذلك على ما أطلقتموه، فلا فرق بين الإيجاب والقبول في أن الموجب مالك لذلك، والقابل مالك لذلك. ثم مع هذا فكل واحد من الولي والزوج موجب وقابل، فإيجاب العقد لا يتم إلا بإيجابهما وقبولهما جميعا، ألا ترى أنه لو بدأ الولي فقال للزوج: قد زوجتك بنتي، وقال الزوج: قد قبلت لصح العقد، ومثله عندنا لو قال الزوج: قد تزوجت بنتك على صداق كذا، فقال الولي: قد قبلت تزويجك إياها على ما ذكرت، فصح النكاح وبالله التوفيق. فإن قيل: حديث الفتاة (١) التي شكت أباها إلى النبي ﷺ قد ردت، فانفسخ نكاحها عندكم، فيكف يجيز مفسوخا. قيل: غلط لم ترد، وإنما ذكرت الحال فجعل لها التخيير، وكيف يكون مفسوخا وهو يقول لها: أجيزي ما فعل أبوك، وتقول هي: "قد أجزت فعله"، ولا ينكر عليها، فدل أنها لم ترد، وإنما أرادت أن تعلم الحكم الشرعي في ذلك. وأيضا فإنه عقد له مجيز موجود، تصح إجازته في الحال، فيجوز وقوفه على إجازته؛ دليله الوصية وصدقة الملتقط باللقطة، فإنما تقف على إجازة

стр. 2428

من وصى له وقبوله، وعلى [مالك] (١) اللقطة (٢). * * * * مسألة (٦): وللأب أن يجبر بنته البكر على النكاح، صغيرة كانت أو كبيرة (٣). وبه قال ابن أبي ليلى، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (٤). وقال الأوزاعي، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: إن كانت صغيرة؛ فللأب أن يجبرها، وإن كانت كبيرة؛ لم يكن ذلك له (٥). فحصل الخلاف في الكبيرة (٦)، وأما البكر الصغيرة؛ فلا خلاف فيها. (٣٧)

стр. 2429

والدليل لقولنا ما رواه سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعيد، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن، وإذنها صماتها" (١). والدلالة من الخبر من وجهين: أحدهما: من دليل الخطاب، وهو أنه قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها"، [فمفهومه أن البكر بخلاف ذلك] (٢)، وأن وليها أحق بنفسها منها (٣).

стр. 2430

والوجه الثاني: هو أنه ﷺ قصد به التفرقة بين البكر والثيب في الإذن، وكونها أحق أو ليست بأحق، ولا تحصل التفرقة بين البكر والثيب إلا فيما ذكرناه، وهو أن الثيب لا تجبر، والبكر تجبر، ولا يفتقر إلى إذنها ورضاها. فإن قيل: نحن نبين الفرق بين الثيب والبكر، وهو أن الثيب لا بد من نطقها، ولا يدل سكوتها على رضاها، والبكر، تستأذن، فيكون سكوتها إذنا منها ورضا، ولا يفتقر إلى نطقها. قيل: إنما يجب أن تكون التفرقة من حيث قصد صاحب الشرع ﵇، والنبي ﷺ إنما قصد التفرقة بينهما في اعتبار الإذن وعدمه. فإن قيل: فقد روي الخبر بلفظ آخر، وهو قوله ﵇: "الأيم أحق بنفسها" (١). فهو عام في الثيب والبكر؛ لأن الأيم هي التي لا زوج لها. قيل: اسم الأيم يقع عليها كما ذكرتم، ولكن المراد بالأيم الثيب من وجهين: أحدهما: ما رويناه في الخبر من قوله: "والثيب أحق بنفسها". والثاني: أنه قال [عقيبه] (٢): "والبكر تستأذن".

стр. 2431

فعلم أن المراد بالأيم الثيب (١). وقوله أيضا: "والبكر تستأذن" أمر، فهو على الوجوب في الصغيرة والكبيرة إلا أن تقوم دلالة. قيل: نحمله على الاستحباب بما ذكرناه من دليل الخطاب الذي هو خاص (٢). وأيضا فإن للأب أن يجبرها وهي صغيرة بالاتفاق (٣)، فنحن على ذلك حتى يمنع منه دليل. وأيضا فقد قال (٣٨) النبي ﵇: "لا نكاح إلا بولي" (٤)، فدليله أنه إذا عقد الولي؛ كان نكاحا، سواء استأذنها فرضيت أم لا، إلا أن تقوم دلالة. وأيضا قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٥)، فأمر بإنكاحهن أمرا ظاهره الوجوب، فهو عام، سواء رضين وأذن [أم لا] (٦)، إلا أن تقوم دلالة.

стр. 2432

وأيضا قول النبي ﷺ : "واليتيمة تستأمر"، فدليله أن غير اليتيمة لا تستأمر إلا أن تقوم الدلائل (١). وأيضا فإن كل من لا [يفتقر] (٢) نكاحها إلى نطقها -مع قدرتها على النطق- لا يفتقر إلى رضاها، دليله الأمة، وهذا يستمر على الرواية التي يقول فيها: "إن اليتيمة يزوجها الولي جبرا إذا رأى المصلحة لها فيه"، وإلا انتقض. وقولنا: "لا يفتقر نكاحها إلى نطقها"؛ احتراز من الثيب؛ لأنه لما افتقر نكاحها إلى نطقها؛ افتقر إلى رضاها. وقولنا: "مع قدرتها عليه"؛ احتراز من الجبر لها، لأن إذنها شرط في نكاحها، وليس نطقها شرطا فيه لعدم قدرتها عليه. وأيضا فإن الصغيرة محجور عليها في بضعها ومالها، ثم قد تقرر أن الولاية [على] (٣) مالها لا تزول إلا [باختبار] (٤)، كذلك ولاية بضعها لا تزول إلا [بالاختبار] (٥). وهذا استدلال منه على أصلنا؛ لأن أن عندهم الصبي إذا بلغ وهو رشيد؛ دفع إليه ماله ولم يختبر، واختبار البكر -وإن بلغت عندنا- بخلاف اختبار الغلام؛ لأن اختبارها في بضعها ومالها إنما هو بمعرفة الرجال.

стр. 2433

وأيضا فهو عقد تزويج من أب مسلم على عذراء في كفء، فيجب جوازه وإن لم ترض، دليله الصغيرة. وأيضا فإنها في حجر أبيها في مالها عندنا (١)، فكذلك في بضعها كالصغيرة. فإن قيل: فقد روى الأوزاعي، عن عطاء، عن جابر: "أن رجلا زوج ابنته وهي بكر، فأتت النبي ﷺ ففرق بينهما" (٢). فلو كان النكاح صحيحا؛ لم يفرق بينهما. وروى أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس "أن بكرا (٣٩) زوجها أبوها وهي كارهة، فخيرها النبي ﷺ " (٣). قيل: الجواب عن الحديثين جميعا هو أن هذا قضية في عين (٤)، فيجوز

стр. 2434

أن يكون ﵇ فرق بينهما، أو جعل [إليها] (١) الخيار؛ لأنه وضعها في غير كفء (٢). ويجوز أن يكون لما تذكرون، فإذا احتمل الأمرين؛ لم يكن لكم صرفه إلى ما تقولون إلا ولنا صرفه إلى ما نقول، [فنحمله] (٣) على ما قلناه من أنه وضعها في غير كفء؛ بدليل ما ذكرنا. ويجوز أن يكون زوجها وهي كارهة وكانت ثيبا، وقوله "بكرا" إخبار على ما كان قبل النكاح، أو قول الراوي ظن منه (٤). فإن قيل: فقد روي عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "استأمروا النساء في أبضاعهن" (٥). فهو عام في كل امرأة إلا ما قام دليله. قيل: يجوز أن نحمله على الاستحباب (٦) [في] (٧) الثيب، وقد قال

стр. 2435

ﷺ : "استأمروا النساء في بناتهن" (١)، فكان محمولا على الاستحباب بطيبة النفوس (٢). فإن قيل: فإن كل شخص انفك الحجر عنه في ماله؛ انفك عنه في نفسه، كالغلام. قيل: لعمري أن كل من انفك الحجر عنه في ماله كان هذا حكمه، وعندنا [لا] (٣) ينفك الحجر عنها في مالها إلا بالزوج ودخوله، فكذلك في بضعها. فإن قيل: فإن الفرج محظور حتى يقوم دليل. قيل: هو معارض بمثله، وذلك أننا قد اتفقنا أنه يعقد عليها صغيرة، فيجب عليه حتى يمنع مانع، على أننا قد ذكرنا أدلة على الحظر. فإن قيل: فقد روى أبو موسى أن النبي ﷺ قال: "إذا أراد أحدكم أن يُنكح امرأته فليستأمرها، فإن سكتت؛ فقد أذنت، وإن كرهت؛ فلا إذن عليها" (٤). وقد اتفقنا أن الثيب لا يقنع منها بالسكوت، فدل على أنه ﵇ أراد البكر، فأمْره باستئذانها ظاهره الوجوب، ثم علق الحكم على إذنها فقال: "فإن سكتت فقد أذنت، وإن كرهت فلا إذن عليها"، وهذا يقتضي منع (٤٠)

стр. 2436

النكاح إذا لم يعلم إذنها. قيل: إنا نحمل قوله ﵇ في الاستثمار على الاستحباب، "فإن سكتت فقد أذنت، وإن كرهت فلا إذن عليها" معناه: فليس عليها إذن أن تأذن (١)، وكذا نقول: إنه لا يلزمها أن تأذن؛ لأن النظر في ذلك إلى الأب. فإن قيل: لا يخلو أن يكون ذلك حقا للأب أو لها، فإن كان الحق له دونها؛ فينبغي أن لا يسقط بامتناعه من تزويجها، وإن كان الحق لها دونه؛ فينبغي أن لا تجبر عليه إذا لم ترض، وفي اتفاقنا على أن السلطان يعقد عليها إذا امتنع الأب من تزويجها دليل على أن لا حق للأب فيه. قيل: قد أخللتم بقسم آخر؛ وهو أن ذلك حق لهما جميعا، فحقه هو أنه ينظر لها ويحتاط، لأنها لا تعرف [الاختيار] (٢)، فيعقد عليها لمعرفته، وحقها هي هو أنه لا يكرهها إذا وضعها في غير كفء (٣)، وإذا امتنع من تزويجها بالكفء وعضلها؛ زوجها الحاكم؛ لأنه قد ترك حقه، وهذا كما تكون [ولايته] (٤) على مال ابنه الصغير، فإذا امتنع من النظر له في ماله؛ أقام

стр. 2437

غيره مقامه فيه، وكذلك إن أخذ في تضييع ماله، وكذلك في أمر بنته في مالها وتزويجها. ولو قلنا: إن ذلك حق له ما لم يختر تركه؛ لجاز، [و] (١) ترك تزويجها إذا طلبته من كفء [اختيار] (٢) منه لإبطال حقه، فبطل ما [عولوا] (٣) عليه. فإن قاسوا الأب على العم، لعلة أنها بالغ حرة رشيدة. قيل: المعنى في الأب أنه يعقد عليها صغيرة، وليس كذلك العم. وقد ذكرنا قياسا على الصغيرة، فرد نكاح الأب إلى نكاحه على الصغيرة أولى من القياس على العم، وبالله التوفيق. فإن قيل: فقد روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ [كان يرد نكاح الرجال من أزواجهن ثيبات وأبكار] (٤)، إذا أكرهن بعد ما يزوجهن آباؤهن وإخوتهن (٥). قيل: معناه إذا وضعوهن في غير أكفاء، هذا في الأبكار، وفي الثيب لعدم إذنهن. ويجوز أيضا أن يصرف إلى الصغار (٤١) إذا وضعن في غير أكفاء.

стр. 2438

فإن قيل: وجود العقل والبلوغ يؤذن بإسقاط الإجبار، دليله الرجل، والحكم معلق بهما، فدل عليه ما قبل البلوغ. قيل: يحتاجان إلى اختبار، واختبار المرأة بمعرفة الرجال وعشرتهم عندنا، والرجل بغير ذلك. * * * * مسألة (٧): وليس للرجل أن يزوج ابنة ابنه بغير رضاها (١). وقال الشافعي: للجد أن يجبرها على النكاح، صغيرة كانت أو كبيرة إذا كانت بكرا، كالأب (٢). وقال أبو حنيفة في الصغيرة: إن الجد يجبرها على النكاح كالأب، ولا يكون لها الخيار إذا بلغت. وقال: إذا لم يكن أب ولا جد، وكان هناك أخ، أو عم، أو مولى؛

стр. 2439

فلهم أن يجبروا الصغيرة على النكاح، ولكنها إذا بلغت؛ كان لها الخيار في قول أبي حنيفة ومحمد (١). وقال أبو يوسف: لا خيار لها (٢). وأما ذوو الأرحام مثل: الأم، والخالة؛ فمذهب أبي حنيفة أن النساء يعقدن، وأن لكل واحدة منهن إجبار الصغيرة على النكاح. وقال محمد وأبو يوسف: ليس لهن إجبارها على ذلك. فحصل الخلاف بيننا وبين الشافعي في الجد، ولم يفرق بين [أن تكون صغيرة أو كبيرة] (٣). وحصل الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة وأصحابه في الجد، والعصبة، وذوي الأرحام، على ما شرحناه. وبمثل قول مالك قال ابن أبي ليلى (٤)، وأحمد (٥)، في الأب وحده (٦). والدليل على أن الجد لا يجبر على النكاح هو أن الفروج في الأصل محظورة، فلا تستباح إلا بدليل.

стр. 2440

وأيضا فإنه لا يجوز له ذلك مع وجود الأب، فمن زعم أن موت الأب يصير له ذلك؛ فعليه الدليل. وأيضا قول النبي ﷺ : "البكر تستأمر" (١). وهذا أمر ظاهره الوجوب، فهو عموم في كل بكر إلا أن يدل دلالة. وأيضا قوله ﵇: "اليتيمة تستأمر" (٢). وقال في خبر آخر: "إنها يتيمة وإنها لا تنكح إلا بإذنها" (٣). (٤٢) وهذه يتيمة فاستئمارها واجب بظاهر الأمر، واستثمارها لا يصح وهي صغيرة، لا على جهة الوجوب، ولا الندب؛ لأنه لا يتعلق بإذنها حكم على وجه، واليتم إنما يتناول الصغيرة، فعلم أنه ﷺ أراد أنها إذا بلغت استؤمرت، وإذا ثبت أنها لا تتزوج حتى تبلغ؛ ثبت أن الجد لا يجبرها وهي صغيرة على النكاح. فإن قيل: أفليس البكر البالغ لا يحتاج أبوها إلى استئذانها وإن كان ﵇[قال] (٤): "البكر تستأذن". قيل: هذا عام، دليله [أن غير البكر لا تستأذن] (٥).

стр. 2441

على أنه [على] (١) وجه الاستحباب من الأب في بنته، وبقي الباقي على ظاهره في الوجوب في كل بكر يزوجها غير أبيها. ونقيسه على الأخ والعم؛ بعلة أنه ليس بأبِ دنية ولا وصي لأب، هذا على القياس. وعلى أهل العراق نقيسه على الأجنبي بهذه العلة، فكل من ليس بأب دنية، ولا وصي للأب؛ فإنه لا يجبر على العقد، وإنما [أجبرنا] (٢) بالوصي؛ لأن الأب إذا عين له زوجها كفؤا؛ فإنه يجبر على العقد كالأب. فإن قيل: فقد قال ﵇: "الأيم أحق بنفسها من وليها" (٣)، وأراد الثيب، فدليله أن ولي البكر أحق بالبكر من نفسها، والجد عندنا جميعا ولي، فهو أحق بالبكر من نفسها. قيل: هذا عام في كل ولي، وكل بكر صغيرة كانت أو كبيرة، وقوله ﷺ "اليتيمة تستأمر" (٤) و "إنها يتيمة فلا تزوج إلا بإذنها" (٥) أخص من دليل الخطاب [في] (٦) خبرهم، وهو صريح أيضا، فالصريح الخاص يقضي على الدليل، العالم، فكأنه ﷺ أراد بدليل الخطاب أن الولي أحق بالبكر من نفسها إذا كان الولي أباها، ولم تكن يتيمة؛ حتى يقع الاستعمال فيهما جميعا.

стр. 2442

على أننا نقول: ليس بولي لها من هذه [حاله حتى تبلغ] (١)، وهو كالأخ الصغير مع أخته الكبيرة، وكالكبير المجنون معها، أو العبد. فإن استدلوا بالظواهر من قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢)، وأنه عام (٤٣) سواء رضين أو كرهن، وبقوله ﷺ "لا نكاح إلا بولي" (٣)، وهذا نكاح بولي. قيل: ما ذكرناه أخص؛ لأنه خص في اليتيمة من البكر أنها تستأذن، فهو يقضي على عموم ما ذكروه. فإن قيل: كل من ملك إجبار الصغيرة؛ دليله الأب. قيل: لا يملك الجد عندنا إجبار الصغيرة إلا بتولية أو وصية. ثم إنه ينتقض على أصولنا؛ لأن الحاكم والوصي يجبران اليتيم على النكاح، ولا يجبران اليتيمة، والفرق بينهما أن العقد بيد اليتيم إذا بلغ، فإن كره طلق، [و] (٤) اليتيمة العقد بيد الزوج، فإذا بلغت وكرهت؛ لم يمكنها الخلاص منه. فإن قيل: فإن الجد عصبة، إذا ملكها عتقت عليه بحق البنوة، فوجب أن يكون له إجبارها على النكاح؛ أصله الأب. قالوا: وهذه علة تعم مذهبكم ومذهب ابن أبي ليلى وأحمد.

стр. 2443

قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أنه ينتقض بالثيب فإنه يَعتق بالبنوة، ومع هذا لا يجبرها على العقد. وجواب آخر: هو أنه لا تأثير لهذه العلة، فإن القضية وغيرها سواء، فإن الأم تملك [بنتها] (١) فتعتق عليها بحق البنوة، ومع هذا فلا تزوجها. وجواب آخر: وهو أن الابن عصبة إن كان ابن ابن عمها إذا [ملك] (٢) أمه عتقت عليه بحق البنوة؛ أعني أنه ابنها، ومع هذا لا يجبرها على النكاح، وليس لأحد أن يقول: إنما عتقت عليه لأنها أمه؛ إلا ولآخر أن يقول: [إنما] (٣) عتقت عليه بحق البنوة لأنه ابنها، وهو عندي يجري مجرى النقض أيضا. فإن قيل: فإن الجد أب [من جهة اللغة] (٤)، [وقد جعله النبي ﷺ أيضا أبا، فهو أب من جهة اللغة والشريعة (٥). قيل: أما من جهة اللغة؛ فليس هو بالاسم؛ لأن الأب يقتضي ابنا في الحقيقة، وابن الابن ليس بابن في الحقيقة، وإن كان قد (٤٤) أقيم في الحكم

стр. 2444

مقامه على وجه، فكذلك الجد ليس بأب على الحقيقة، وإن كان قد أقيم مقامه على وجه، ألا ترى أنه في الإطلاق إذا قال: رأيت أباك، ولقيت أباك؛ لم يسبق إلى الوهم أنه قصد الجد، ولو حلف بالله أو الطلاق أن يضرب أباه، أو يكلمه؛ لم يبر بفعل ذلك في جده. وأما في الشريعة؛ فإن النبي ﷺ قد أقامه مقام الأب في شيء مخصوص وهو الميراث، وقد [يقوم] (١) مقام الأب في الميراث من ليس بجد، مثله المولى إذا انفرد بالمال، وكذلك الأخ والعم. وعلى أن الأب يأخذ المال كله مع وجود الإخوة، وليس كذلك الجد عندنا وعند الشافعي (٢)، فثبت أن الأب أقوى تعصيبا من الجد، فلهذا اختص بالنظر في مال ولده، وبالنظر في أبضاعهن بغير تولية من قبل أحد إلا من قبل الله تعالى. فإن قيل: فقد روي عن النبي ﷺ في اليتيمة، وقوله: "إنها يتيمة وإنها لا تنكح إلا بإذنها" (٣)، وهو حديث نافع عن ابن عمر أنه قال: "زوجني قدامة بن مظعون بنت خالي عثمان بن مظعون، فدخل المغيرة بن شعبة إلى أمها، فأرغبها في المال، فحطّت إليه، وحطت الجارية إلى هوى أمها، فرغبت فيه، وزهدت فيّ، فجاء قدامة إلى النبي ﷺ فقال: أنا عمها ووصي أبيها، وزوجتها من عبد الله، وما نقموا منه إلا أنه لا مال له، فقال ﵇: إنها يتيمة، وإنها

стр. 2445

لا تنكح إلا بإذنها، ففرق بينهما وزوجها من المغيرة" (١). قالوا: فيجوز أن يكون أجبرها على العقد وهي كبيرة، هذا سؤال العراقيين. قيل: النبي ﷺ أثبتها يتيمة، واسم اليتم حقيقته الصغيرة (٢)، وإنما يقع على الكبيرة مجازا لقوله ﵇: "لا يتم بعد حلم" (٣). فإن قيل: الدلالة على أنها كانت كبيرة هو أنه عليه ﷺ أثبت لها الإذن الحال، والإذن لا يكون إلا للكبيرة. قيل: عنه جوابان: أحدهما أنه ﵇ لم يثبت لها الإذن في الحال، وإنما أثبت (٤٥) لها اسم اليتم في الحال فحسب، وبين أن نكاحها لا يصح إلا بإذن في ثاني،

стр. 2446

لأن قوله "وإنها لا تنكح إلا بإذنها" (١) إخبار بأن نكاح هذه اليتيمة لا يصح إلا بإذن، وليس فيه إثبات إذن في الحال. والجواب الثاني: أن إثبات الإذن لها في الحال يؤدي إلى حمل اسم اليتم على المجاز وهي الكبيرة، وإلى إبطال تعليل النبي ﷺ ، لأنه جعل العلة المانعة من الإجبار اليتم، وإذا كانت كبيرة عندكم؛ فليس اليتم علة في الامتناع من إجبارها؛ لأن اليتم في الصغيرة لا يمنع من الإجبار في الكبيرة؛ لأنها متصرفة في مالها، وفي حال الصغر لم يمنع اليتم عندكم من الإجبار على النكاح، وإنما منع من التصرف في المال، فيجب أن يحمل اليتم على الحقيقة، ويجعل العلة في المنع من إجبارها كما علله النبي ﷺ ، ويحمل قوله ﷺ "إلا بإذنها" على المجاز، ومعناه إذا صار لها إذن. فإن قيل: فإنها لو كانت صغيرة؛ لما زوجها في الحال من المغيرة، وإن ثبت أنه زوجها صغيرة؛ فهو قولنا، ويكون رد نكاح قدامة لمعنى آخر. قيل: ليس في الخبر أنه زوجها من المغيرة في الحال، فيجوز أن يكون زوجها بعد ذلك، وهو حيث بلغت، ويجوز أن تكون بلغت بين العقد والفسخ، فزوجها ﵇ في الحال؛ حتى لا يبطل تعليله وقوله: "إنها لا تنكح إلا بإذنها لأنها يتيمة"؛ لأنه كان يكون مناقضة إذا زوجها وهي يتيمة بغير إذنها؛ لأن الصغيرة لا إذن لها. وهذا الخبر ينتظم الكلام على الشافعي في الجد، وعلى أبي حنيفة في الجد وباقي العصبة، وذوي الأرحام.

стр. 2447

قياس على أبي حنيفة فنقول: كل من لم يكن له التصرف في مالها بحال؛ لم يُجبِرها على العقد، دليله الأجانب. ونقول أيضا: عقد النكاح هو نوع معاوضة في حق الغير، فوجب أن لا يُملَك الإجبارُ فيه بالأخوة (٤٦) أو العمومة، أصله البيع عليها، والشراء لها، والتصرف في مالها. وأيضا فإننا وجدنا ولاية المال أوسع من ولاية التزويج؛ لأن الوصي يتصرف في مالها وهي صغيرة، ولا يزوجها عندكم، ولا يجبرها عندنا، فإذا لم يتصرف العم والأخ في مالها؛ فلأن لا يجبرها على التزويج أولى. فإذا قال العراقي: فقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (١)، قالت: نزلت في يتيمة في حجر وليها في مالها وجمالها، ولم [يقسط] (٢) لها في صداقها، فنهوا أن ينكحوهن [إلا أن يقسطوا] (٣) لهن في صداقهن" (٤). وقالوا: هذا نص؛ لأن عائشة أخبرت بأن المنع نكاحهن؛ لأنهم لم يعدلوا في صداقهن، وأنهم إذا عدلوا في الصداق ولم يَقسِطوا (٥)، جاز لهم أن يتزوجوهن، والمراد بهذا الصغيرة لأمرين:

стр. 2448

أحدهما: أنها قالت: نزلت في يتيمة، وحقيقة اليتم للصغيرة. والثاني: أنها قالت في حجر وليها، وإنما تكون في حجر وليها ما دامت صغيرة، وهذا عمدتهم. قالوا: ووافقنا ابن عباس في الرواية. فالجواب أن عائشة ﵂ كانت مفسرة للآية، فقولها: إنها نزلت في يتيمة [أي] (١) كانت يتيمة، لا أنها يتيمة في الحال؛ بدلالة قوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾، يعني لم يقبضن مهورهن، وهذا يقتضي أن تكون ممن يصح أن يقتضي؛ إذ لا يجوز أن لا يصح منهن القبض ثم يذمهم على الامتناع من إقباضهن، فدل على أن هذا هو في الكبار اللواتي يصح منهن القبض والدفع إليهن، حتى [يكونوا] (٢) مذمومين على ترك الدفع إليهن (٣). فإن قيل: لو كانت كبيرة؛ لم يقع فسخه، لأنها لو رضيت بدون صداقها؛ جاز. قيل: لا يجوز عند أبي حنيفة؛ (٤٧) لأنها إذا رضيت بدون صداق مثلها كان للولي الفسخ، فإذا ثبت أن في الآية ما يقتضي أنها في الكبيرة؛ تأولنا قول عائشة في أنها كانت يتيمة.

стр. 2449

وعلى أنه لو لم يكن هذا في الآية؛ جاز أن نحمله على الكبيرة، بدليل تعليل النَّبِيّ ﷺ : "إنها يتيمة، وإنها لا تنكح إلا بإذنها" (١). وعلى أن ظاهر الآية أيضًا ليس فيه دليلٌ على إجبار الصغيرة، وإنما هو أن لا يُستحلَّ مالُ اليتامى، ولا يُرغَب في نكاحهن لأجل أموالهن، فهو تنبيه على أن لا [ينكحن] (٢) حتَّى [يقبلن] (٣) ويرضين بالنكاح، وبمن يتزوجهن، ويعرفن مبلغ صدقاتهن. ولا يمتنع أن تكون يتيمة زوجت كما قالت عائشة ﵂، فينزل ما يمنع من تزويجهن، ويُفسَخ تزويج تلك بهذه الآية. فإن قيل: لما كان له أن ينكحها كبيرة؛ كان له إجبارها عليه صغيرة كالأب. قيل: ليس للعم إجبارها وهي صغيرة، وللأب ذلك في الحالين جميعًا، فأما العم [فإنه] (٤) يُنكحها بإذنها إذا كانت كبيرة بكرا، فلا يجبرها في صغرها. وعلى أن الأب أيضًا يتصرف في مالها بغير تولية، فله أن يجبرها ويتصرف في بضعها، والأخ والعم [كما أنه] (٥) ليس لهما التصرف في مالها

стр. 2450

بغير تولية؛ فليس لهما أن يجبراها على النكاح، ولو كان الأخ والعم كالأب؛ لوجب أن لا يكون لها الخيار إذا بلغت، فلما جعلتم لها الخيار في الفسخ؛ بطل رد ذلك إلى الأب الذي لا يكون لها الخيار في فسخ عقده إذا بلغت. فإن قيل: فإن الأخ والعم والجد لهم تعصيب، مع كونهم من أهل الميراث، فوجب أن يكون لهم ولاية في تزويج الصغيرة كالأب. قيل: الأب له ولاية في مالها بغير تولية، ولا خيار لها إذا بلغت بعد أن زوجها صغيرة، وليس كذلك من ذكرتم. فإن قيل: فإن للعم استيفاء القصاص إذا قُتلت، فولايته ثابتة فيه كالأب. قيل: للأب استيفاء القصاص من أعضائها وهي حية كما ينظر في مالها، وإذا قُتلت -ولم يكن أب-؛ فالعم يستوفي القصاص للتشفي، ولا يستوفي قصاص أعضائها وهي حية إلا بتولية، كمالها، وكذلك لا يزوجها جبرا، بخلاف الأب. وبالله التوفيق. * مَسْألة (٨): الثيب الصغيرة يعقد عليها أبوها جبرا كالبكر، وسواء أصيبت بنكاح أو غيره (١).

стр. 2451

وبه قال أبو حنيفة (١). وقال الشافعي- ﵀: لا يعقد عليها حتَّى تبلغ وتأذن في النكاح (٢). ووافقه محمد وأبو يوسف إذا كان الوطء بزنا (٣). والدليل لقولنا استصحاب الحال، وذلك أن للأب أن يعقد عليها قبل ذهاب عُذْرتها (٤)، فمن زعم أن الحال قد تغيرت بذهاب العذرة؛ فعليه الدليل. فإن عارضوا بها هذا فقالوا: أصل الفروج على الحظر، ولا يحل فرجها إلا بدليل.

стр. 2452

قيل: ما ذكرناه قد نقل من هذا، وهو أنها محظورة إلا بعقد الأب [قبل] (١) ذهاب عذرتها، فنحن على ذلك. وجواب آخر: وهو أننا ننقل الفرج من الحظر بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢)، فأمر بإيقاع ذلك عليهن سواء رضين أو كرهن، إلا أن تقوم دلالة. وأيضا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٣)، فنهانا عن إنكاحهن حتَّى يومنوا، فدليله أنهم إذا آمنوا؛ [أنكحناهم] (٤)، سواء رضيت الزوجة أو كرهت، إلا أن تقوم دلالة. وأيضا قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (٥) معناه يقومون عليهن في أمورهن، فهو عموم إلا أن تقوم دلالة، فدليله أن النساء لَسْن قوامات على الرجال، ومن منع من نكاحها إلا بإذنها؛ جعلها قوامة على الرجل. وأيضا قول النَّبِيّ ﵇: "لا نكاح إلا بولي" (٦). وهذا نكاح بولي، فوجب أن يصح وإن لم يستأذن. وأيضا قوله ﵇ (٤٩): "لا تُزوج المرأةُ المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها" (٧).

стр. 2453

وهذه لم تزوجها امرأة، ولا زوجت نفسها. فإن قيل: هذه صبية وليست بامرأة. قيل: المرأة عبارة عن الأنثى وإن كان يقال: صبية، وشابة، وعجوز، ألا ترى أن زوج الصبية لو قال: "امرأتي طالق"؛ طلقت عليه. وأيضا فإنها محجور عليها في مالها حجر الصغير، فجاز أن يجبرها على النكاح، دليله لو كانت بكرا. وأيضا فإن كل شخص كان للأب التصرف في ماله -لحجر الصغر- كان له أن يتصرف في نفسه بالنكاح، دليله الغلام، أو البكر. وأيضا فإن المنفعة منفعتان: منفعة استخدام، ومنفعة استمتاع، فلما كان للولي أن يعقد على منفعتها التي هي منفعة الاستخدام مثل أن يؤاجرها؛ كذلك المنفعة الأخرى إذا كانت بولاية العقد. ويجوز أن يقال: إن ارتفاع العذرة في الصغيرة غير مانع من عقد الأب عليها، أصله إذا كانت العذرة باقية، والأحوالُ سليمة، لوجود عقد الأب على صغيرة من كفء. وأيضا فإنها في حجر أبيها، لم يزل نظره في مالها، ولا خبرة لها بالرجال، فجاز أن يجبرها على النكاح، دليله لو ذهبت العذرة بالوثبة (١)، والقرعة، والطفرة (٢)، وغير ذلك مما عدا الوطء (٣).

стр. 2454

فإن قيل: فقد روى ابن عباس أن النَّبِيّ ﷺ قال: "ليس للولي مع الثيب أمر" (١). ولم يفرق بين ثيب صغيرة أو كبيرة. قيل: هذا محمول على الثيب البالغ لمعرفتها بالرجال وأحوالهم، وليس كذلك هذه؛ لأنّها صغيرة لم تعرف الرجال ولا خَبَرَتهم، فهي كالبكر التي لم تعرف وجه المنفعة في ذلك ولا المضرة. على أننا قد ذكرنا من القياس ما يخص هذا الظاهر. فإن قيل: فإنها حرة سليمة، ذهبت بكارتها بجماع، فوجب أن لا تجبر على النكاح، أصله الثيب الكبيرة. قيل: رد الصغيرة إلى الصغيرة البكر أولى من ردها إلى الكبيرة، ورد من لم تخبر الرجال ولم تعرف وجه المنفعة في ذلك والمضرة إلى مثلها؛ أولى (٢). على أن [البكر] (٣) لو زنت؛ لأجبرها أبوها على النكاح عندنا وهي ثيب (٤)، فلم يسلم القياس (٥). فإن قيل: فإن المقصود من النكاح الاستمتاع، والشهوة، واللذة،

стр. 2455

والمواصلة، فإذا كانت قد اختبرت الرجال؛ فإنها أعرف بحظها من الولي، فوجب أن لا يفتات عليها الولي، ويكون الأمر لها. قيل: فينبغي أن يزوجها في الحال قبل أن تبلغ، فلما لم يكن لإذنها في الحال حكم؛ علم أنها لم تختبر الرجال، ولم تعرف المنفعة في ذلك [ولا] (١) المضرة، وإنما يعرف ذلك ويحصله من اختبره مع كمال عقله. ولنا أن نستدل في أصل المسألة بقول النَّبِيّ ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن، فقيل: يا رسول الله! فإنها تستحيي فتسكت، فقال: سكوتها رضاها" (٢). فإنما جعل النَّبِيّ ﵇ سكوتها رضاها؛ لأنّها تستحيي فلا تتكلم، فإذا ذهبت عذرتها بالزنا؛ فهي أكثر حياء؛ لأنّها تذكر الزنا فتستحيي (٣)، فوجب أن يجعل سكوتها رضاها، وإذا ثبت هذا في الصغيرة إذا زنت؛ ثبت فيها إذا كانت بكرا. ويجوز أن يجعل هذا المعنى فيها بنفسه عليها إذا كانت بكرا؛ بعلة أنها صغيرة تستحيي أن تتكلم بالإذن فيه، ومن زناها مكره تستحيي من ذكر الرجال
следующие страницы →