وبه قال أبو حنيفة (١).
وقال الشافعي- ﵀: لا يعقد عليها حتَّى تبلغ وتأذن في النكاح (٢).
ووافقه محمد وأبو يوسف إذا كان الوطء بزنا (٣).
والدليل لقولنا استصحاب الحال، وذلك أن للأب أن يعقد عليها قبل ذهاب عُذْرتها (٤)، فمن زعم أن الحال قد تغيرت بذهاب العذرة؛ فعليه الدليل.
فإن عارضوا بها هذا فقالوا: أصل الفروج على الحظر، ولا يحل فرجها إلا بدليل.
стр. 2452
قيل: ما ذكرناه قد نقل من هذا، وهو أنها محظورة إلا بعقد الأب [قبل] (١) ذهاب عذرتها، فنحن على ذلك.
وجواب آخر: وهو أننا ننقل الفرج من الحظر بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢)، فأمر بإيقاع ذلك عليهن سواء رضين أو كرهن، إلا أن تقوم دلالة.
وأيضا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٣)، فنهانا عن إنكاحهن حتَّى يومنوا، فدليله أنهم إذا آمنوا؛ [أنكحناهم] (٤)، سواء رضيت الزوجة أو كرهت، إلا أن تقوم دلالة.
وأيضا قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (٥) معناه يقومون عليهن في أمورهن، فهو عموم إلا أن تقوم دلالة، فدليله أن النساء لَسْن قوامات على الرجال، ومن منع من نكاحها إلا بإذنها؛ جعلها قوامة على الرجل.
وأيضا قول النَّبِيّ ﵇: "لا نكاح إلا بولي" (٦).
وهذا نكاح بولي، فوجب أن يصح وإن لم يستأذن.
وأيضا قوله ﵇ (٤٩): "لا تُزوج المرأةُ المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها" (٧).
стр. 2453
وهذه لم تزوجها امرأة، ولا زوجت نفسها.
فإن قيل: هذه صبية وليست بامرأة.
قيل: المرأة عبارة عن الأنثى وإن كان يقال: صبية، وشابة، وعجوز، ألا ترى أن زوج الصبية لو قال: "امرأتي طالق"؛ طلقت عليه.
وأيضا فإنها محجور عليها في مالها حجر الصغير، فجاز أن يجبرها على النكاح، دليله لو كانت بكرا.
وأيضا فإن كل شخص كان للأب التصرف في ماله -لحجر الصغر- كان له أن يتصرف في نفسه بالنكاح، دليله الغلام، أو البكر.
وأيضا فإن المنفعة منفعتان: منفعة استخدام، ومنفعة استمتاع، فلما كان للولي أن يعقد على منفعتها التي هي منفعة الاستخدام مثل أن يؤاجرها؛ كذلك المنفعة الأخرى إذا كانت بولاية العقد.
ويجوز أن يقال: إن ارتفاع العذرة في الصغيرة غير مانع من عقد الأب عليها، أصله إذا كانت العذرة باقية، والأحوالُ سليمة، لوجود عقد الأب على صغيرة من كفء.
وأيضا فإنها في حجر أبيها، لم يزل نظره في مالها، ولا خبرة لها بالرجال، فجاز أن يجبرها على النكاح، دليله لو ذهبت العذرة بالوثبة (١)، والقرعة، والطفرة (٢)، وغير ذلك مما عدا الوطء (٣).
стр. 2454
فإن قيل: فقد روى ابن عباس أن النَّبِيّ ﷺ قال: "ليس للولي مع الثيب أمر" (١).
ولم يفرق بين ثيب صغيرة أو كبيرة.
قيل: هذا محمول على الثيب البالغ لمعرفتها بالرجال وأحوالهم، وليس كذلك هذه؛ لأنّها صغيرة لم تعرف الرجال ولا خَبَرَتهم، فهي كالبكر التي لم تعرف وجه المنفعة في ذلك ولا المضرة.
على أننا قد ذكرنا من القياس ما يخص هذا الظاهر.
فإن قيل: فإنها حرة سليمة، ذهبت بكارتها بجماع، فوجب أن لا تجبر على النكاح، أصله الثيب الكبيرة.
قيل: رد الصغيرة إلى الصغيرة البكر أولى من ردها إلى الكبيرة، ورد من لم تخبر الرجال ولم تعرف وجه المنفعة في ذلك والمضرة إلى مثلها؛ أولى (٢).
على أن [البكر] (٣) لو زنت؛ لأجبرها أبوها على النكاح عندنا وهي ثيب (٤)، فلم يسلم القياس (٥).
فإن قيل: فإن المقصود من النكاح الاستمتاع، والشهوة، واللذة،
стр. 2455
والمواصلة، فإذا كانت قد اختبرت الرجال؛ فإنها أعرف بحظها من الولي، فوجب أن لا يفتات عليها الولي، ويكون الأمر لها.
قيل: فينبغي أن يزوجها في الحال قبل أن تبلغ، فلما لم يكن لإذنها في الحال حكم؛ علم أنها لم تختبر الرجال، ولم تعرف المنفعة في ذلك [ولا] (١) المضرة، وإنما يعرف ذلك ويحصله من اختبره مع كمال عقله.
ولنا أن نستدل في أصل المسألة بقول النَّبِيّ ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن، فقيل: يا رسول الله! فإنها تستحيي فتسكت، فقال: سكوتها رضاها" (٢).
فإنما جعل النَّبِيّ ﵇ سكوتها رضاها؛ لأنّها تستحيي فلا تتكلم، فإذا ذهبت عذرتها بالزنا؛ فهي أكثر حياء؛ لأنّها تذكر الزنا فتستحيي (٣)، فوجب أن يجعل سكوتها رضاها، وإذا ثبت هذا في الصغيرة إذا زنت؛ ثبت فيها إذا كانت بكرا.
ويجوز أن يجعل هذا المعنى فيها بنفسه عليها إذا كانت بكرا؛ بعلة أنها صغيرة تستحيي أن تتكلم بالإذن فيه، ومن زناها مكره تستحيي من ذكر الرجال
стр. 2456
أكثر، إذا ثبت لنا هذا في الصغيرة؛ فالبكر الكبيرة إذا ذهبت عذرتها بزنا فهي كذلك، والأدلة فيها واحدة، ويقاس عليها إذا ذهبت عذرتها بالوثبة والطفرة، ولأنها لم تخبر الرجال بطول العشرة.
[وهذا الكلام] (١) مع الشافعي؛ لأننا وإياه نقول: إن الأب يجبر البكر اليتيمة ويخالفنا إذا زنت.
وأبو حنيفة لا يجبر البكر الكبيرة بحال، وكذلك لا تجبر وإن زنت.
* مَسْألة (٩):
ولا تزول ولاية الفاسق بفسقه، ويجوز عقده في الصغيرة والكبيرة بكرا كانت أو ثيبا، كالعدل (٢).
وبه قال أبو حنيفة (٣).
وقال الشافعي: تزول ولايته (٤).
стр. 2457
واختلف أصحابه، فقال بعضهم: إن كان الولي ممن يجبرها على النكاح لكونها بكرا؛ فإنه لا يكون وليا ولا يزوج (١)، وإن كانت المنكوحة ممن تستأذن؛ جاز أن يزوجها (٢).
ومنهم من قال: إن فسقه لا يقدح في ولايته أصلا (٣). وهذا وفاق.
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٤).
وهذا عام [فيمن] (٥) خوطب بالإنكاح، ينتظم الأبرار والفجار إلا أن تقوم دلالة.
وأيضا فقد فرق [بين] (٦) نكاح الأيامى والإماء في الخطاب، ولا خلاف أن الولي الفاسق يزوج إماءه، فكذلك أياماه؛ لأن الخطاب انتظم الجميع.
стр. 2458
وأيضا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (١).
فنهانا عن [إنكاحهم] (٢) حتَّى يؤمنوا، فدليله أنهم إذا آمنوا أنكحناهم، ولم يفرق في الخطاب بين من يُنكح، فهو عموم.
وأيضا قول النَّبِيّ ﷺ : "لا تزوج المرأةُ المرأةَ، ولا تزوج المرأة نفسها" (٣).
فتزوجها صحيح بحق الظاهر؛ لأن غيرها زوّجها.
وأيضا قول النَّبِيّ ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" (٤).
وهذا نكاح بولي.
فإن قيل: ليس هذا بولي في النكاح عندنا.
قيل: الولي في النكاح إن كان مأخوذا من اللغة؛ فهو الذي يتولى العقد و [يبصره] (٥).
ومن جهة الشريعة هو أن يكون من العصبة، وهذا من العصبة، وقد تولى العقد، وقد قال تعالى في القصاص ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (٦)، والفاسق يقتص بالعدل، وقد سماه الله تعالى وليا.
فإن قيل: فقد قال ﵇: فقد قال: "إلا بولي مرشد" (٧).
стр. 2459
قيل: إنما معناه أن يُرشد إلى [الكفء] (١) ويكون رشيدا في نفسه، والرشيد عندنا هو الذي يحسن التصرف في ماله وإن كان فاسقا، وليس حقيقته أن يكون رشيدا في دينه.
فإن قيل: فإن الرشد من صفات المدح، فنفى النكاح إلا أن يكون الولي ممدوحا، والفاسق ليس بممدوح.
قيل: قوله "مرشدا" يقتضي إيقاع الرشد في الغير، وهو أن يرشده، هذا حقيقته، وليس حقيقته أن يكون رشيدا في نفسه، كقولك: مكرم ومحسن، فإذا أرشد إلى الكفء؛ فهو مرشد، ولم يقل: رشيد"، وإنما قال: "مرشد"، فهو ممدوح بإرشاده إلى وضعها في كفء.
فإن قيل: هو وإن كان يقتضي إيقاع الفعل في الغير؛ فإنه يقتضي أن يكون ممدوحا، وليس الفاسق بممدوح.
قيل: إنما يقتضي أن يكون ممدوحا فيما أرشد إليه، وهذا قد احتاط وأرشد وفعل ما يفعله العدل، فهو ممدوح على ما فعله، مذموم على غير هذا الفعل.
وأيضا فإن كل من جاز له أن يقبل نكاح نفسه بنفسه؛ جاز له أن يزوج، دليله العدل.
وأيضا فإن الولي إنما يحتاج إليه للاحتياط وطلب الكفاءة، فإذا أصاب ذلك؛ فقد وقع موقعه، وهو يغار على نفسه لبنته كما يغار العدل، بل لعله
стр. 2460
يغار أكثر لما قد رأى من ذلك وعرفه.
وأيضا فإن ولاية القصاص لا تزول بالفسق؛ لأن أباه لو قتل و [هو] (١) ابنه وهو فاسق؛ كان له الاقتصاص واستيفاؤه، ولا يستوفيه إلا بولاية؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾، فإذا جاز له أن يكون وليا في استيفاء القصاص؛ جاز أن يكون وليا في النكاح مع كونه حرا مسلما.
وأيضا فإن القصاص أضيق من التزويج؛ لأن القصاص قد سقط بالشبهة والخطأ، والنكاح لا يقدح فيه النكاح الخطأ، فإذا كان أضيق الأمرين وأبلغه في الإسقاط [يجوز] (٢) للفاسق أن يستوفيه ولا يسقط بفسقه؛ فالتزويج الذي هو أوسع أولى أن يستوفيه ولا يسقط.
وأيضا فإن الفسق لو كان يزيل ولاية النكاح؛ لأزالها عن السيد في أمته، فلما جاز له أن يزوج أمته وإن كان فاسقا؛ علم أن الفسق لا يزيل ولاية التزويج.
وأيضا فإن الكافر من أفسق الفساق، لا تزول ولايته عن وليته في النكاح، فثبت أن جنس الفسق بمجرده لا يزيل ولاية النكاح.
وأيضا [فإن عقده] (٣) على وليته، وعقده على نفسه بمنزلة واحدة في شرائط النكاح، لا يفترقان بوجه، فلو بطل عقده على وليته لفسقه؛ لوجب بطلانه على نفسه؛ لأن الشيئين إذا اشتركا في المعنى من جميع الوجوه؛ وجب اشتراكهما في الحكم.
стр. 2461
وأيضا فإن النكاح مندوب إليه في الشرع، فقد ندب الرجلَ والمرأة إلى التزويج، وندب الولي أيضًا إلى [إنكاح] (١) وليته، ووجدنا الفاسق والولي يشتركان في المندوبات وفعلها كالصلاة، والصيام، والحج، والعتق، والهدي، والأضاحي، وغير ذلك، فكذلك يشتركان في إنكاح من ينكح من نسائهما.
وأيضا فإن الولية مضطرة إلى من يعقد عليها، وهذا الولي قد فعل سدادا في أمرها، فيجب أن يكون صحيحا كالعدل.
فإن قيل: فإنها ولاية تزويج في حق الغير، فوجب إذا فسق في دينه أن تزول ولايته، أصله الحاكم (٢).
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه قد قال أصحابنا: إن الحاكم لو ارتشى على حكومة بعينها؛ لفسق في دينه، ولم تبطل ولايته أصلا، ولكن تلك الحكومة تكون مردودة، وإن حكم بعدها بالحق؛ مشى حكمه، وكذلك يقولون في الإمام نفسه: إن فسقه في شيء لا يزيل ولايته جملة، وكذلك الولي في النكاح إن تعمد تركها في غير كفء؛ بطل ذلك، وإذا وضعها في كفء؛ صح، كالعدل.
والجواب الآخَر: هو أن الحاكم [توليته ليست] (٣) على شيء مخصوص،
стр. 2462
فإن انحلت ولايته بفسقه؛ فليس يختص بها النكاح دون غيره.
على أننا قد بينا موضع الحاجة في ولايته بالعصبة، وأن الفاسق يلحقه من الغيرة ويطلب من الاحتياط ما يطلبه العدل، فإذا وضع الشيء موضعه؛ فقد أتى بما من أجله جعل وليا.
فإن قيل: فإنه نكاح مسلمة بحق النسب، فوجب أن لا يصح من فاسق، أصله الكافر يكون له بنت مسلمة.
قيل: الكافر منقطع الولاية عن المسلمة؛ لأن الله جل وعز قال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١)، وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٢)، ألا ترى أنه تنقطع الولاية في القصاص من بنته المسلمة، فكذلك هو منقطع الولاية من تزويجها.
فإن قيل: فإن الولي إنما طُلب في النكاح ليَطلب الحظ لها، وهي أن لا تضع هي نفسها في غير كفء، فإذا كان لهذا المعنى؛ لم يجز [من] (٣) الفاسق؛ لأنَّهُ لما ضيع حظ نفسه؛ فلأن لا يحفظ حظ غيره أولى.
قيل: قد ذكرنا أن الفاسق يحتاط لبنته ووليته، ويغار عليها كالعدل، فإذا وضعها في كفء؛ رجب أن يُمضى، وإن وضعها في غير كفء؛ فسخناه إن كانت بكرا، كما يعمل في العدل، وإن كانت ثيبا ولم يكن غيره ورضيت
стр. 2463
ورضي؛ فإن الحق لم [يخرج] (١) عنهما، فهو كالعدل، وإن كانت ثيبا وهناك غيره فلم يرض؛ اعترض عليه كما يعترض على العدل.
فإن قيل: فإن هذه المسألة مبنية لنا على أن النكاح لا يصح إلا بشهود عدول، ولا يصح بشهود فساق، فإذا ثبت لنا هذا؛ قلنا: إنه لا يصح إلا بولي عدل؛ لأن أحدا لا يفرق، وكل من قال: لا يصح بولي فاسق؛ قال: لا يصح بشهود فساق، وكل من قال: يصح بولي فاسق؛ قال: يصح بشهود فساق، وهذا قول أبي حنيفة (٢).
قيل: ليس يفتقر صحة النكاح عندنا إلى شهود أصلا، فليس بأصل لمسألتنا، والفرق بين الشهادة -وإن كانت من مندوبات النكاح- وبين الولي؛ هو أن الشهادة إنما يفتقر إليها لتقام عند التناكر فيثبت النكاح، أو لإظهاره، والولاية لما ذكرناه من طلب الكفاءة والاحتياط، والوليُّ الفاسق في ذلك كالعدل سواء.
فإن قيل: المعنى في العدل أنه يجوز إقرار مال الغير في يده، فلذلك جاز له أن يزوج.
قيل: هذا منتقض؛ لأن العدل قد يجوز أن يكون عاجزا عن القيام بالمال، فلا يقر في يده، ولا تبطل ولايته من التزويج، فإن أرادوا أنه [تورع] (٣)؛ فالفاسق قد [يورعه] (٤) صاحب المال فيجوز ذلك.
стр. 2464
فإن قيل: فإن العدل يرجى منه المعنى الذي لأجله طلب الولي، وهو طلب الحظ لها ووضعها في كفء.
قيل: مثله يحصل من الفاسق على ما بيناه فيما تقدم.
فإن [قيل] (١): قولكم: إن الفاسق يقتص، ولا يستوفي ذلك إلا بولاية بدلالة الأمة.
فإننا نقول: إن الفاسق إنما يستوفي قصاص نفسه، ونحن نقول: إن الفاسق يزوج نفسه، وإنما الكلام في تزويج الغير، فأما الفاسق فلو أراد أن يستوفي قصاص غيره؛ لم يجز كالنكاح سواء.
قيل: القصاص هو حق المقتول عندنا، بدلالة أنه لو عفا عن قاتله قبل موته؛ سقط القصاص، فإنما هو بدلٌ نفسه، وكذلك الدية بدل نفسه، وإنما يرثون المال الذي كان يملكه لو كان له في حياته، والدية يستحقها المقتول بأحد أجزاء حياته، فإذا ملكه؛ ورثوه عنه، وكذلك القصاص هو للمقتول.
على أننا قد قلنا: إن كل من جاز له أن يزوج نفسه؛ جاز له أن يزوج وليته، كالعدل.
فإن قيل: فإن احتجاجكم بالكافر في بنته ووليته؛ لا يلزم؛ لأننا نقول: إنما جاز له أن يزوجها؛ لأنَّهُ ليس بفاسق في دينه، وإنما هو فاسق في ديننا، ولو كان فاسقا في دينه؛ لم يجز له أن يزوج كالفاسق عندنا (٢).
стр. 2465
قيل: هذا غلط؛ لأن الكافر عندنا فاسق في دينه وديننا؛ لأنَّهُ قد ثبت عندنا أنهم يحرفون، وأنهم علموا من كتابهم أن نبينا ﵇ مبعوث، وأن شريعتهم منسوخة، وعقد دينهم أن يقبلوا ما جاء به نبيهم، فإن عدلوا عنه؛ فسقوا، فقد فسقوا بتكذيبهم نبينا ﵇ وبما جاء به، فهم فساق في دينهم وديننا على ما قلناه.
على أننا قد ذكرنا دلائل وقياسات لا يثبت بإزائها شيء.
فإن استدلوا بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ (١)، وأنه تعالى نفى [أن] (٢) يسوى بينهما في كل شيء، وقال ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (٣).
قيل: هذا وارد في المؤمنين وفي الكفار، وهم لا يستوون.
على أن هذه الظواهر مخصوصة بما ذكرناه من قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٤)، وقوله ﵇: "لا نكاح إلا بولي" (٥)، وبالقياس على العدل، وبما ذكرناه من الاستدلال والمعاني.
فإن قيل: لما زالت ولايته عن مالها؛ فكذلك عن بضعها أيضًا لوجود الفسق فيه.
قيل: إن ولايته لا تزول عندنا عن مالها إذا كان ضابطا له مصلحا،
стр. 2466
[وإن] (١) كان فاسقا في دينه، ومن هذه صفته يفك الحجر عنه إذا بلغ وضبط ماله، على ما رواه ابن القاسم عن مالك.
وما ذكروا من القياس على الكافر؛ فقد عارضناهم بالقياس على المسلم العدل، ويرجح بأن رد المسلم إلى مثله أولى، وأن المعاني التي تبتغى من الولي العدل هي فيه، من الغيرة، والاحتياط في طلب الكفاءة، وبالله التوفيق.
ويدل على ما قلناه أن الآباء قد كانوا يعقدون بعد النَّبِيّ ﵇ على أولادهم، ولم ينقل أنهم كانوا يفصلون بين العدل والفاسق، فلو كان الحكم يختلف؛ لنهانا عن ذلك، ولو وقع البيان؛ [لنقل] (٢).
وكذلك في زمن الصحابة ﵃ كان الناس يزوجون أولادهم، مع وجود هذا المعنى في كثير منهم، فلو كان هذا مانعا؛ لم يخل عصر عصر الصحابة من [تمييز] (٣) ذلك، وإنكاره على بعض من يفعله.
وكذلك في عصر التابعين حيث انتهينا، فلما لم يظهر نكير في ذلك؛ دل على ما قلناه.
فإن قيل: فقد روي عن ابن عباس: "لا نكاح إلا بولي عدل" (٤)، فقد وجد في الصحابة خلاف قولكم.
قيل: هذا غير ثابت عن ابن عباس، فإن قبلناه؛ حملناه على الأولى والكمال، فيسقط السؤال، وبالله التوفيق.
стр. 2467
* مَسْألة (١٠):
النكاح يصح عند مالك وإن لم يحضره شهود (١).
واختلف الناس في هذه المسألة على مذاهب:
فذهب أبو حنيفة إلى أن العقد لا بد فيه من شاهدين (٢)، ولكن يجوز أن يكونا فاسقين، ومحدودين في قذف، ويجوز فيه رجل وامرأتان (٣).
وقال الشافعي: لا يصح إلا بشاهدين عدلين (٤).
وبمثل قوله قال الأوزاعي، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل (٥)، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، والنخعي (٦).
وقولنا هو قول عبد الله بن عمر، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن الزبير، والحسن بن علي (٧).
стр. 2468
ومن الفقهاء عبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون (١).
وهو مذهب داود (٢).
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٣).
وقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٤).
والنكاح في الشريعة عبارة [عن] (٥) التزويج، ولم يقل: بشهود.
وقول النَّبِيّ ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" (٦).
فدليله أنه إذا عقد بولي؛ فهو نكاح شرعي، ولم يُذكر فيه شهود.
فإن قيل: فإننا لا نسميه نكاحا إذا لم يحضره شهود.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه ﵇ سماه نكاحا بالولي.
стр. 2469
والثاني: أنه إذا عقد وأشهد؛ قيل فيه: قد نكح بشهود، وإذا لم يُشهِد؛ قيل فيه: قد نكح بغير شهود، فعدم الشهود لا يمنع الاسم في الشريعة؛ لأنّها عبارة عن العقد، والعقد هو الإيجاب والقبول.
ولنا أيضًا ما رواه ابن وهب قال: أخبرني يزيد بن عاصم، عن أبيه، عن جده أن النَّبِيّ ﷺ قال: "ألا أنكحك أميمة بنت ربيعة بن الحارث، قال: بلى، قال: قد أنكحتكها، ولم يشهد" (١).
ولا نُقل أنه قال: اشهدوا، فدل على أن العقد يصح وإن خلا من شهود (٢).
وقد روى عبد الوارث قال: حَدَّثَنَا أيوب، عن علي بن نافع، قال: بعثني عروة بن الزبير إلى عبد الله بن عمر لنخطب له ابنة عبد الله، فقال: نعم، فأتاه فزوجه وما شهد غيري" (٣)
وأيضا فقد روي "أن النَّبِيّ ﷺ لما اشترى صفية شكَّ الناس في ذلك،
стр. 2470
هل أعتقها وتزوجها، أو هي مملوكة، فلما أرادت أن تركب؛ أحجبها حجاب الحرائر والزوجات، فأخذت إزارها تحتها" (١).
فموضع الدلالة منه أنهم استدلوا باحتجابها على أنها زوجته، فلو كان هناك شهود؛ ما خفي ذلك.
فإن قيل: قد اختلف أصحاب الشافعي هل النَّبِيّ ﷺ مخصوص بترك الشهادة في النكاح أم لا، فعلى قول من يقول: إنه لا يفتقر إلى شهادة؛ لا يلزم (٢)، وعلى القول الآخَر: يجوز أن يكون خفي على هؤلاء وإن كان قد شهده غيرهم (٣).
قيل: النَّبِيّ ﵇ غيره في النكاح سواء، إلا ما قامت الدلالة على أنه مخصوص به.
وأيضا فإن هذا لم ينقل ويحكى إلا بعد عدم الشهود، إذ لو كان حضره شهود؛ لم يخف، وانكشف حتَّى لا ينقل مثل هذا.
وقول الراوي "شكَّ الناس"؛ عموم في الصحابة، ولا يجوز أن يذهب تزويجه على الصحابة كلهم حتَّى يقال فيه "شكَّ الناس"، ولو كان خفي على قوم؛ لقالوا شككنا، ولم يقولوا: "شكَّ الناس".
стр. 2471
وقد روى أيضًا سهلُ بن سعد الساعدي أن امرأة قامت فقالت: "يا رسول الله! وهبت نفسي منك، فقال النَّبِيّ ﷺ : "ما لي اليوم في النساء من حاجة، فقام رجل فقال: زوجنيها، فزوجها منه" (١).
ولم ينقل أنه أشهد، ولا أنه حضره شهود، ويجوز أن يكون بحضرته أحد من الصحابة، وهو الذي روى عنه، وهو سهل بن سعد وحده، إذ هو الراوي وحده لهذا الحديث، فلو كان من شرطه الشهود؛ لكان ينبغي أن يذكر أو ينقله من حضره عن سهل بن سعد (٢).
فإن قيل: فإن المقصود من الخبر هو جواز العقد بالشيء اليسير، وبما معه من القرآن.
[قيل] (٣): لو كان من شرطه حضور الشهود؛ لكان مقصودا فيه أيضًا، يستفاد كما يستفاد ما ذكرتم، فإن صرفوه إلى ما قالوه بدليل؛ تكلمنا عليه بعد هذا.
ونقول أيضًا: إنه [عقد] (٤) لاستباحة البضع، فلا يفتقر إلى الشهادة، دليله الرجعة وشراء الأمة.
وأيضا فإنه عقد معاوضة، فلا يفتقر إلى الشهادة؛ دليله سائر عقود المعاوضات.
ونقول أيضًا: العقود في الشريعة على ضروب؛ منها على معاوضة،
стр. 2472
وغير معاوضة، ومنها ما هو على الرقاب، ومنها ما هو على المنافع، ومنها ما يتعلق به حق الله تعالى، ومنها ما يتعلق بحق الآدمي، وكل نوع من العقود على تصاريف أحوالها غير مفتقرة إلى الشهود، فعقد النكاح لا يخرج عن نوع منها، فينبغي أن لا يفتقر إلى الشهود، وهذا قياس الأصول الذي هو أقوى من كل قياس (١).
فإن قيل: فقد روى سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن النَّبِيّ ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (٢).
стр. 2473
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل" (١).
فنفى أن يكون نكاحا شرعيا بغير شاهدي عدل.
وكذلك روى أنس عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين" (٢).
قيل: في الخبر إضمار محذوف؛ لأن الاستثناء لا يصح إلا من كلام تام مكتف بنفسه، فلو قال: "لا نكاح" ولم يقل شيئًا آخر؛ لم يفد، ولم يكتف بنفسه، ألا ترى أنه لو قال "زيد" وسكت؛ لم تكن فيه فائدة حتَّى يخبر عنه بقول: قائم، قاعد، خرج، ضرب، أو ما تتم به الفائدة، فكذلك قوله "لا نكاح" حتَّى يخبر عنه بشيء تتم به الفائدة، ثم يصح الاستثناء، فإذا ثبت أن هناك خبرًا محذوفا؛ احتمل أن يكون المراد به الإجزاء أو الكمال (٣)، ولا نكاح يثبت في الحكم، ولا يدعى في المحذوف العموم؛ لأنَّهُ يدعى في صريح اللفظ لا في إضماره، فإن تأولوه على الإجزاء؛ جاز أن نحمله على
стр. 2474
الكمال؛ فنقول: "لا نكاح كامل إلا بشاهدي عدل" (١).
فإن قيل: فإنكم تقولون بالعموم في المعاني، فقولوا بالعموم في هذا المضمر المحذوف، فيكون تقديره: "لا نكاح مجزئ ولا كامل إلا بشاهدين".
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن العموم في المعاني التي يحتملها صريح اللفظ، فأما في معاني المحذوف؛ ففيه كلام.
على أننا قد ذكرنا القياس فنخصه فنقول: معناه "لا نكاح كامل".
أو نقول: لا نكاح يثبت عند الشارع إلا بشاهدي عدل، وتخصيصُ النكاح بذكر شاهدي عدل؛ ليعلمنا أن شهادة النساء والشاهد واليمين لا تقبل فيه.
فإن قيل: فقد روي أن رسول الله ﷺ قال: "كل نكاح لم يحضره أربع؛ فهو سفاح: خاطب، وولي، وشاهدان" (٢).
قيل: إن ثبت هذا الحديث وصح؛ فقد علمنا أن نفس العقد ليس
стр. 2475
بسفاح، وإنما إذا حصول الوطء فيه صار في بعض أحكام السفاح، فليس المراد منه ظاهره. فإن كان المقصود منه ما ذكرناه من حصول الوطء فيه؛ فإن الحاجة إلى حضور الشهود عند التنازع في العقد لئلا يطأ ثم يقع التناكر في الزوجية من أحدهما، وقد علم الوطء، فحينئذ يجعل حكم الزنا حقيقة عندنا؛ لأن رجلا وامرأة لو وُجدا في بيت، واعترفا بالوطء، وادعيا الزوجية؛ لم يقبل، وحددناهما إلا أن يقيما بينة على التزويج، وكذلك لو تقدما إلى الحاكم فادعيا الزوجية؛ لم يقبل الحاكم قولهما، ولا حكم بالزوجية حتى يثبت عنده بغير قولهما، فإنما يحتاج إلى الشهود لهذا المعنى، فإذا شهدوا بعد العقد؛ جاز، ولم يكن العقد في نفسه مفتقرا إلى حضور الشهود، وكذلك يقول مالك ﵀: إن عقدوا بلا شهود؛ صح، ثم يُشهد هذا من لقي، وهذا من لقي.
وعلى أننا قد ذكرنا القياس فنحمله على الاستحباب، وعلى ما ذكرناه بالقياس.
وقد يجوز أن يكون المقصد منه حضور الولي، ألا ترى أن الخاطب اسم لمن يخطب لا للزوج حقيقة، فإن أراد به الزوج؛ فليس حضوره [شرطا] (١) فيه؛ لأنَّهُ لو وكل الولي في تزويجه ولم يحضر؛ لجاز، و [حضر] (٢) العقد ثلاثة، وهو صحيح.
فإن قيل: فقد روي أن رسول الله ﷺ قال: "البغي من زوجت نفسها بلا ولي ولا بينة".
стр. 2476
رواه ابن سيرين عن ابن عباس عنه ﵇ (١).
قيل: معنى هذا معنى الخبر الذي قبله، والكلام عليهما واحد؛ لأن نفس عقدها على نفسها هو المقصود، والبيئة لما ذكرناه، لأن العقد على هذا الوجه بمجرده وخلوه عن الوطء لا يكون زنا، ولا في معناه حتَّى يحصل الوطء فيه، فيحصل له بعض أحكام الزنا، فلهذا تراد البينة، وإن خلا العقد منها؛ صح.
على أنه أيضًا محمول فى البيئة على التغليظ بالدلائل التي ذكرناها.
فإن قيل: فإنه عقد نكاح عري عن الشهود، فوجب أن لا يصح، أصله إذا لم يحضر الشهود وتواصوا بالكتمان.
قيل: النكاح صحيح بغير شهود، وإنما [يفسخ] (٢) لتواصيهم بالكتمان لا لعدم الشهود.
على أن القياس الذي ذكرناه أولى؛ لأنَّهُ قياس الأصول.
فإن قيل: فإن سائر العقود لا يخرج من بين المتعاقدين، وفي النكاح يخرج إلى ثالث وهو النسب، فافتقر فيه إلى الولي ليطلب لها حظها، واعتبرت فيه الشهادة ليحفظ النسب؛ لأنَّهُ لو لم يكن فيه شهود؛ لكانت تأتي بالولد على فراشه، فيجحده، فيضيع نسبه، وهو حق لغائب، فلما كان حفظ النسب واجبًا؛ كان الإشهاد الذي به يحفظ النسب واجبًا.
قيل: أما الوطء لطلب الحظ؛ فصحيح، وليس لتعلق النسب، كما أن
стр. 2477
ولي الصغير يحتاط له ويحفظ عليه.
وأما حفظ النسب؛ فهو موكول إلى الزوج مؤتمن عليه، ألا ترى أنه يمكن مع حضور الشهود أن ينفي الولد باللعان بعد أن يدعي أنها زنت، وينفي حملها منه، فلم ينفع الشهود في العقد شيئًا، فثبت بهذا أن النسب موكول فيه إلى أمانته، فهو إذا عقد النكاح؛ ثبت الفراش في الحكم، ولزمه ما يلحق به من الولد فإن أرادا الاحتياط؛ أشهدا على العقد عند وقوعه أو بعده، وإن لم يشهد؛ فإن العقد يظهر بالدخول والخروج، أو بإشادته.
وعلى أن هذا يلزم في شراء السراري التي يبتغى منهن الأولاد، فيجب أن يفتقر العقد في ابتياعهن إلى الشهود لما ذكرتم.
فإن قيل: العقد في الشراء لا يصير به فراشا، وإنما هو بإقداره بالوطء، وعند النكاح يثبت له الفراش.
قيل: الفرق بينهما من هذا الوجه لا يقنع فيما قلنا من باب النسب، ألا ترى أنه لو قال بعد أن عقد الشراء وأشهد على العقد في حضوره: ما وطئتها، والحمل ليس مني؛ لكان له أن يلاعن، ولو قال في الأمة: ما وطئتها، والولد ليس مني؛ لا ينفى عنه، وقد يجوز أن يكون كاذبا فيهما جميعًا، ومن استجاز واستحل أن ينفي ولد الأمة بقوله: ما وطئتها؛ استحل أن يلاعن وينفي ولد الحرة، فلما لم يفتقر عقد شراء الأمة إلى الإشهاد؛ فكذلك النكاح، والنسب يكون منهما جميعًا.
فإن قيل: فإن الوطء في النكاح على [صورة] (١) الوطء في الزنا، ولو
стр. 2478
قلنا: لا تعتبر فيه الشهادة؛ لأدى إلى أن تصير ذريعة إلى الزنا؛ لأنَّهُ يزني فيقال له: زنيت، فيقول: لا، بل وطئت في نكاح، كما يزعمون، ولا يلتفت إلى قوله، فيجب أن تكون الشهادة فيه واجبة لكي لا يكون ذريعة إلى الزنا.
قيل: هذا يفسد من وجوه:
أحدها: أنه ينبغي على هذا الحساب أن يشهد على العقد جماعة كثيرة، ولا يبرح من البلد الذي هو فيه؛ لئلا يطأ في الزنا، فيحتاج أن يقيم الشهادة على وطئه في النكاح، فلما جاز له أن يشهد؛ لم يخرج إلى بلد شاسع ويطأ بحيث لا يكون من شهد على نكاحه حاضرا، وقد يموت الشهود أيضًا في بلده، فيطأ في الزنا على صورة الوطء في النكاح، فيكون ذلك ذريعة إلى الزنا، فينبغي أن يشهد في كل يوم، وكل وقت، ولا يبرح من بلده.
وأيضا فإنه فاسد بسيد الأمة؛ فإن الوطء في الملك على صورة الوطء في الزنا، فينبغي أن تعتبر فيه الشهادة لئلا يؤدي إلى الزنا؛ لأنَّهُ يزني فيقال له زنيت؟ فيقول: لا، بل وطئت بالملك، كما يقول: وطئت في النكاح، فلما لم تعتبر الشهادة في الملك؛ لم تعتبر في النكاح، ويكفي في هذا أنه في النكاح يظهر إما [بالإشادة] (١)، أو بغيرها من الدخول والخروج، ومثلُه في الملك، والنسب، والزنا، وما أشبه ذلك؛ موكول إلى أمانته أن لا ينفي نسبا ولا يزني.
فإن قيل: فإنكم اعتبرتم أن لا يتواصوا بالكتمان، ونحن اعتبرنا الشهادة، فما اعتبرناه أولى؛ لأنَّهُ يقارن العقد، وما اعتبرتموه فيتقدم ويتأخر، وما من
стр. 2479
شرط اشترط إلا وهو يقارن العقد، لا يتقدمه، ولا يتأخر عنه.
قيل: فعلى موضوعكم التواصي بالكتمان أولى؛ لأنَّهُ قد يتقدم العقد ويقارنه ويتأخر عنه؛ لأنهم لو تواصوا بكتمانه قبل عقده، وعقدوه على هذا الشَّرط؛ فسخناه، كما [نفسخه] (١) إذا شرطوه بعد عقده في مجلسهم، والشهادة إن كانت قولهم "اشهدوه"؛ فهو كقولهم عند الفراغ من العقد: اكتموا العقد، فإن كان إنما هو حضور الشهود العقد؛ فهو كقولهم للشهود: هو ذا نعقد [فتكتمون] (٢) علينا، أو يشترطون هذا مع الولي قبل حضور الشهود والعقد، فالتواصي بالكتمان أبلغ من ترك الإشهاد.
على أن التواصي بالكتمان يخرج العقد من موضوعه؛ لأن موضوع العقد في الشريعة إما على إشادته كما قال ﷺ : "أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالغربال" (٣)، أو بعقده بلا إعلان فإنه يظهر وينتشر، وإذا تواصوا بكتمانه؛ فقد بالغوا وتناهوا في المخالفة، فلو أشهدوا وتواصوا مع الشهود بكتمانه؛ فسخناه، كما يتواصون بكتمانه وإن لم يشهدوا.
стр. 2480
فإن قيل: فإن القياس على الرجعة لا يلزمنا على أحد القولين؛ لأن الإشهاد فيها واجب.
وعلى القول الآخَر فإن الفرق بينها وبين النكاح هو؛ أن النكاح افتقر إلى الولي، فكانت الشهادة شرطا فيه، ولما لم تفتقر الرجعة إلى الولي؛ لم تفتقر إلى الشهادة.
وفرق آخر: وهو أن الشهادة إنما افتقر النكاح إليها لإثبات الفراش لحفظ النسب، والفراش ثابت في الرجعة، فلم يفتقر إلى شهادة.
قيل: الصحيح من مذهبكم أن الرجعة لا تفتقر إلى شهادة (١)، فإن اخترتموه؛ وإلا فقد ذكرنا قياس الأصول.
وقد تكلمنا على الحكم في ثبوت الفراش بما فيه كفاية، ويجب على هذا أن كل موضع يثبت به الفراش يفتقر إلى الشهادة، فيلزم على هذا مشتري الأمة -إذا وطئها- أن يشهد على إقراره بالوطء، فإن الفراش يثبت به.
وعلى أن حكم الفراش في العقد الصحيح ثابت، فإذا طلق فيه طلقة رجعية؛ فقد أوقع ثلمة في العقد، وثلمة في حكم الفراش، فلا تصلح هذه الثلمة إلا بالرجعة، فينبغي أن يشهد على تكامل حكم الفراش بالرجعة.
فإن قيل: فإن قياسكم على سائر العقود؛ لا يصح؛ لأنّها مما يدخله الخيار، ألا ترى أنها لا تختص بالإعلان، فلما كان النكاح لا يدخله الخيار ويختص بالإعلان؛ وجب أن يختص بالشهود.
стр. 2481
قيل: إن من العقد ما لا يدخله الخيار؛ وهو عقد الصرف والسلم عندكم، وليس من شرطها الإشهاد، [وأما] (١) اختصاص النكاح بالإعلان؛ فلا يوجب الشهادة؛ لأن الإعلان مسنون، والإشهاد مسنون.
ومن أصحابنا من قال: من تمام عقد النكاح الإشهاد بعده، يُشهد هذا من لقي، وهذا من لقي، إذا لم يشهدوا في حال العقد.
ولست أختار هذا، بل أقول: إنه يتخصص من بين سائر العقود بأن الإعلان والإشهاد مسنون فيه، ومن غير الإشهاد مستحب.
فَصْل
في نكاح السر إذا اشترطوا كتمان النكاح؛ فسخناه (٢).
وقال أبو حنيفة والشافعي (٣): "لا يبطل إذا حضره الشهود (٤)، وكتمانهم لا يضر" (٥).
стр. 2482
والدليل القولنا أن النبي ﷺ نهي عن نكاح السر (١).
والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
ثم لم يقنع ﵇ بذلك حتَّى قال: "أعلنوا بهذا النكاح واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدف" (٢).
وإعلانه ضد كتمانه، فمن استكتم؛ فقد أتى به على خلاف ما أمر به في الشريعة، وقد نهي عن ذلك، ومن نهي عن شيء؛ لم يجز له فعله إلا أن تقوم دلالة.
وأيضا فقد قال ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو مردود" (٣).
وإنما يعني أن حكمه مردود، لأن ما يقتضي من العقد لا يمكن رده، وإنما معناه: من عمل عملا نهيناه عنه أو أمرنا بتركه؛ فإنه خارج عما عليه شريعتنا.
وأيضا فإن ما قلناه هو إجماع الصحابة؛ لأن عمر ﵁ قال على المنبر بحضرة الصحابة: "بلغني أن ربيعة بن أمية تزوج امرأة سرا فحملت منه، وأنا والله لو تقدمت فيه لرجمت" (٤).
стр. 2483
وروى ابن لهيعة عن يعقوب بن إبراهيم، عن الضحاك بن عثمان، أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: "لا يجوز نكاح السر حتَّى يعلن به ويشهد عليه" (١).
وليس السر بأكثر من التواصي بكتمانه، والتواصي بكتمانه هو أن يقول: اكتموه، أو يقولوا: ننكح بحيث لا يعلم غيرنا ونكتم ذلك، فسواء كان هناك شهود فعلموا على هذا، فهو بمنزلة ما لم يحضر شهود وتواصوا به، فإنهم أوقعوه على أن لا يظهر، فهو خلاف الشريعة.
وأيضا فإن السفاح الذي هو حرام يوقعونه مكتوما، فوجب أن يكون النكاح بالضد منه، حتَّى يَبِين الفرق بينهما في الحلال والحرام (٢).
فإن احتجوا بالظواهر من قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣) ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٤).
стр. 2484
وبقول النبي: ﷺ "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (١).
و"كل نكاح لم يحضره أربع فهو سفاح" (٢).
وأن هذا نكاح بولي وشهود وقد حضره أربع.
قيل: لا نسميه نكاحا شرعيا مع التواصي بالكتمان، والمذكور إنما هو ما يسمى نكاحا شرعيا، وقد اختلفنا في هذا العقد.
وعلى أن الظواهر مخصوصة، فمعناها: إذا لم يتواصوا بالكتمان، بما ذكرناه من الدلائل؛ لأنّها صريحة فيما تنازعنا فيه، فهي أخص من الظواهر.
فإن قيل: فإنه عقد يستباح به البضع، فوجب أن لا يفتقر إلى إعلان، أصله الرجعة وشراء الأمة.
قيل: ليس الإشادة من شرط صحة النكاح عندنا، وإنما الذي نراعيه أن لا يتواصوا بكتمانه، فيكون هذا فرقا بين النكاح وبين الرجعة وشراء الأمة، كما فرقوا هم بينهما في وجوب الشهادة في النكاح، وإسقاط وجوبها في الرجعة وشراء الأمة.
فإن قيل: فإنكم خالفتم الخبر من وجهين:
أحدهما: أنكم أسقطتم ما اعتبره النبي ﷺ وهو الشهادة.
والثاني: أنكم اعتبرتم ما [لم] (٣) يعتبره النبي ﷺ ، وهو عدم التواصي بالكتمان.
стр. 2485
قيل: هذا غلط؛ لأننا اعتبرنا ما اعتبره النبي ﷺ في استحباب الشهرة لا في وجوبها، بدليل قياس الأصول التي تكشف عن الحكم ويسقط معها الوجوب، فأدانا ذلك إلى [أن] (١) النبي ﷺ اعتبر الشهادة في أنها مسنونة لا واجبة، واعتبرنا أيضًا ما اعتبره هو ﵇، وأن نكاح السر منهي عنه، فمن أي وجه اعتبرنا ما لم يعتبره ﵇، وتركنا ما اعتبره؟! بل أنتم فعلتم ذلك.
فإن قيل: فإن هذا ليس بنكاح سر لا شرعا، ولا لغة، فأما من حيث الشرع؛ فهو أن النبي ﵇ الأمر فيه بأربعة فقال: "كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح" (٢)، وهذا قد حضره خمسة.
وأما من حيث اللغة؛ فهو أن السر ما يكون بين نفسين، فأما بين ثلاثة وأربعة وخمسة؛ لا يقال له سرا، ألا ترى أن قول الشاعر:
وسرك ما كان عند امرئ … وسر الثلاثة غير الخفي
وقال آخر:
فلا تَمْذَل بسرك كل سر … إذا ما جاوز الاثنين فاش (٣)
قيل: أما في الشريعة؛ فإن النبي ﷺ قال: "كل نكاح لا يحضره أربعة فهو سفاح" (٤)، ولم يَرد فيه إذا تواصوا بالكتمان، فإذا حضره أربعة ولم يتواصوا به؛ فهو الشرعي الذي ذكره ﵇، وإذا تواصوا بكتمانه؛ فليس هو
стр. 2486
الذي أطلقه ﵇، فخرج أن يكون شرعيا.
يقوي هذا ما نهي عنه من نكاح السر، فإذا أضفنا هذا إلى خبركم؛ فكأنه ﵇ قال: "كل نكاح لا يحضره أربعة ويكون سرا؛ فهو سفاح، وإذا حضره أربعة ولم يوقعوه سرا؛ فهو نكاح".
وأما في اللغة؛ فإن السر ما استكتم، أو قصد كتمانه، سواء كان اثنين، أو أكثر، وقول الشاعر: "وسر الثلاثة غير الخفي" معناه: إذا لم يتواصوا بكتمانه، فأما إذا تواصوا؛ فإنه يخفى كما يخفى إذا استكتمه الواحد والاثنان، وربما قصد الإنسان كتمان شيء، فحدث به الواحد والاثنين، ولم يعلمهما أنه يريد كتمانه فإنه يفشوا، فإذا استكتمهما وأعلمهما أنه يريد كتمانه؛ [فإنه لا يفشو] (١).
وعلى أنه لا يمتنع أن يقع النهي عن الاستكتام وإن كان ربما ظهر، فالنبي ﵇ منع من استكتامه وإن كان قد ظهر في ثاني، وقد يغلظ في الشريعة الشيء لأجل غيره، وإن كان ذلك الشيء ربما وقع، وربما لم يقع، ألا ترى أن وطء الحائض ممنوع في الفرج وقد منع مما قاربه (٢)، والمُحرِم مُنِع الطيب وعقد النكاح؛ لأن لا تدعوه نفسه إلى الوطء فيطأ، وربما لم يطأ، ولم يمنع من ذلك، ولا يمتنع أن يكون النهي عن الاستكتام واجبًا؛ لأنَّهُ ربما انكتم، وقد يجوز أن لا ينكتم.
فإن قيل: فإنه نهى عن نكاح السر يعني عن الزنا (٣)، ويكون كناية عنه
стр. 2487
كما قال امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة القوم أنني … كبرت وأن لا يشهد السر أمثالي (١)
قيل: المراد من هذا المعنى الجماع (٢) كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ (٣) قال المفسرون: كثرة الجماع، والنبي نهى عن نكاح السر ولم ينه عن السر، ولو ثبت أنه أراد وطء السر؛ لكان محالا؛ لأن الوطء لا يجوز أن يظهر حلاله فضلا عن حرامه.
وعلى أن النهي عن الزنا قد استفدناه بالقرآن، فلا ينبغي أن يحمل قوله ﵇ على التكرار، بل نحمله على فائدة محدودة، وهي ما ذكرناه. وبالله التوفيق.
وعلى أننا قد ذكرنا عن أبي بكر وعمر -﵄- ما يسقط قولهم ويقوي قولنا.
فإن قيل: فإن نهيه ﵇ عن نكاح السر دلالة عليكم؛ لأنهما إذا تعاقدا بغير شهود -وعزمهما إظهاره- فهو في حال ما عقد السر وإن كان عزمهما إظهاره.
стр. 2488
قيل: السر منه أن يقول: نعقد حيث لا أحد، ويتواصيا بأن لا يظهر، فهذا نكاح السر، وأما إذا تعاقدا ولم يقصدا هذا؛ فإنه يظهر، ألا ترى أنهما إذا قصدا كتمانه؛ اختفيا في الإجماع عمن يراهما، وليس كذلك إذا لم يقصدا كتمانه. والله أعلم (١).
* مَسْألة (١١):
لا يقبل شهادة النساء في النكاح، والطلاق، والرجعة، ولا يثبت إلا بشاهدين ذكرين (٢).
وبه قال الشافعي (٣).
وجوز في ذلك أبو حنيفة شهادة رجل وامرأتين (٤).
стр. 2489
والدليل لقولنا هو أن الله تعالى رتب الشهادات، فقال في آية الدين ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (١). فكان هذا حقا في الأصول.
فلما قال: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ بعد ذلك؛ حملت الشهادات في التبايع على ما ذكرنا في الدين، فكان كل ما تعلق بالأموال مثل ذلك (٢).
وقال تعالى في موضع: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣)، ولم يذكر شهادة النساء فقيل: إن هذا في الطلاق، وقيل: في الرجعة، فكان هذا في موضع يتعلق به الحكم في الأبدان، فصارت شهادة الرجال دون النساء في كل موضع يثبت به حكم في البدن، وغلظ في شهادة الزنا بزيادة في العدد، وخص الموضع الذي لا يطلع عليه الرجال بقبول شهادة النساء منفردات للضرورة، فلما كانت هذه الشهادات قد رتبت هذا الترتيب؛ وجب أن لا يقبل في النكاح والطلاق والرجعة إلا الرجال؛ لأنَّهُ إثبات حكم يتعلق بالأبدان.
وأيضا قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤) فقيل: هو في الطلاق، وقيل: في الرجعة، فلما نص على ذَوي عدل؛ لم يجز تعديهما إلى
стр. 2490
غيرهما إلا بدلالة، ودليله أن غير ذوي عدل لا تقبل إلا بدلالة.
ونقول أيضًا: إن الله تعالى لما ذكر [شهادة] (١) رجل وامرأتين في موضع مخصوص -وهو الدين-؛ دل على أن ما عداه فيما ليس بدين بخلافه، إلا أن تقوم دلالة.
وأيضا ما رواه سفيان الثوري، عن عبد الله بن عثمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل" (٢).
فنفى أن يكون نكاحا لعدم شاهدي عدل، فلا يخلوا أن يكون أراد نفي العقد، أو نفي ثبوته في الحكم، أو أرادهما جميعًا، فإن أراد العقد؛ فقد نفاه بعدمهما، وانعقاده بشاهد وامرأتين [ليس] (٣) هو شاهدي عدل، وإن أراد نفي ثبوته في الحكم؛ فهو كذلك، وإن أرادهما جميعًا؛ فهو كذلك؛ لأن شاهدين إنما هو تثنية شاهد، وشاهد اسم للذكر؛ لأن الأنثى شاهدة.
فإن قيل: فإن الرجل والمرأتين [يطلق] (٤) عليهم اسم شاهدين؛ لأن التذكير والتأنيث إذا اجتمعا؛ غلب التذكير (٥).