الذي أطلقه ﵇، فخرج أن يكون شرعيا.
يقوي هذا ما نهي عنه من نكاح السر، فإذا أضفنا هذا إلى خبركم؛ فكأنه ﵇ قال: "كل نكاح لا يحضره أربعة ويكون سرا؛ فهو سفاح، وإذا حضره أربعة ولم يوقعوه سرا؛ فهو نكاح".
وأما في اللغة؛ فإن السر ما استكتم، أو قصد كتمانه، سواء كان اثنين، أو أكثر، وقول الشاعر: "وسر الثلاثة غير الخفي" معناه: إذا لم يتواصوا بكتمانه، فأما إذا تواصوا؛ فإنه يخفى كما يخفى إذا استكتمه الواحد والاثنان، وربما قصد الإنسان كتمان شيء، فحدث به الواحد والاثنين، ولم يعلمهما أنه يريد كتمانه فإنه يفشوا، فإذا استكتمهما وأعلمهما أنه يريد كتمانه؛ [فإنه لا يفشو] (١).
وعلى أنه لا يمتنع أن يقع النهي عن الاستكتام وإن كان ربما ظهر، فالنبي ﵇ منع من استكتامه وإن كان قد ظهر في ثاني، وقد يغلظ في الشريعة الشيء لأجل غيره، وإن كان ذلك الشيء ربما وقع، وربما لم يقع، ألا ترى أن وطء الحائض ممنوع في الفرج وقد منع مما قاربه (٢)، والمُحرِم مُنِع الطيب وعقد النكاح؛ لأن لا تدعوه نفسه إلى الوطء فيطأ، وربما لم يطأ، ولم يمنع من ذلك، ولا يمتنع أن يكون النهي عن الاستكتام واجبًا؛ لأنَّهُ ربما انكتم، وقد يجوز أن لا ينكتم.
فإن قيل: فإنه نهى عن نكاح السر يعني عن الزنا (٣)، ويكون كناية عنه
стр. 2487
كما قال امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة القوم أنني … كبرت وأن لا يشهد السر أمثالي (١)
قيل: المراد من هذا المعنى الجماع (٢) كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ (٣) قال المفسرون: كثرة الجماع، والنبي نهى عن نكاح السر ولم ينه عن السر، ولو ثبت أنه أراد وطء السر؛ لكان محالا؛ لأن الوطء لا يجوز أن يظهر حلاله فضلا عن حرامه.
وعلى أن النهي عن الزنا قد استفدناه بالقرآن، فلا ينبغي أن يحمل قوله ﵇ على التكرار، بل نحمله على فائدة محدودة، وهي ما ذكرناه. وبالله التوفيق.
وعلى أننا قد ذكرنا عن أبي بكر وعمر -﵄- ما يسقط قولهم ويقوي قولنا.
فإن قيل: فإن نهيه ﵇ عن نكاح السر دلالة عليكم؛ لأنهما إذا تعاقدا بغير شهود -وعزمهما إظهاره- فهو في حال ما عقد السر وإن كان عزمهما إظهاره.
стр. 2488
قيل: السر منه أن يقول: نعقد حيث لا أحد، ويتواصيا بأن لا يظهر، فهذا نكاح السر، وأما إذا تعاقدا ولم يقصدا هذا؛ فإنه يظهر، ألا ترى أنهما إذا قصدا كتمانه؛ اختفيا في الإجماع عمن يراهما، وليس كذلك إذا لم يقصدا كتمانه. والله أعلم (١).
* مَسْألة (١١):
لا يقبل شهادة النساء في النكاح، والطلاق، والرجعة، ولا يثبت إلا بشاهدين ذكرين (٢).
وبه قال الشافعي (٣).
وجوز في ذلك أبو حنيفة شهادة رجل وامرأتين (٤).
стр. 2489
والدليل لقولنا هو أن الله تعالى رتب الشهادات، فقال في آية الدين ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (١). فكان هذا حقا في الأصول.
فلما قال: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ بعد ذلك؛ حملت الشهادات في التبايع على ما ذكرنا في الدين، فكان كل ما تعلق بالأموال مثل ذلك (٢).
وقال تعالى في موضع: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣)، ولم يذكر شهادة النساء فقيل: إن هذا في الطلاق، وقيل: في الرجعة، فكان هذا في موضع يتعلق به الحكم في الأبدان، فصارت شهادة الرجال دون النساء في كل موضع يثبت به حكم في البدن، وغلظ في شهادة الزنا بزيادة في العدد، وخص الموضع الذي لا يطلع عليه الرجال بقبول شهادة النساء منفردات للضرورة، فلما كانت هذه الشهادات قد رتبت هذا الترتيب؛ وجب أن لا يقبل في النكاح والطلاق والرجعة إلا الرجال؛ لأنَّهُ إثبات حكم يتعلق بالأبدان.
وأيضا قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤) فقيل: هو في الطلاق، وقيل: في الرجعة، فلما نص على ذَوي عدل؛ لم يجز تعديهما إلى
стр. 2490
غيرهما إلا بدلالة، ودليله أن غير ذوي عدل لا تقبل إلا بدلالة.
ونقول أيضًا: إن الله تعالى لما ذكر [شهادة] (١) رجل وامرأتين في موضع مخصوص -وهو الدين-؛ دل على أن ما عداه فيما ليس بدين بخلافه، إلا أن تقوم دلالة.
وأيضا ما رواه سفيان الثوري، عن عبد الله بن عثمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل" (٢).
فنفى أن يكون نكاحا لعدم شاهدي عدل، فلا يخلوا أن يكون أراد نفي العقد، أو نفي ثبوته في الحكم، أو أرادهما جميعًا، فإن أراد العقد؛ فقد نفاه بعدمهما، وانعقاده بشاهد وامرأتين [ليس] (٣) هو شاهدي عدل، وإن أراد نفي ثبوته في الحكم؛ فهو كذلك، وإن أرادهما جميعًا؛ فهو كذلك؛ لأن شاهدين إنما هو تثنية شاهد، وشاهد اسم للذكر؛ لأن الأنثى شاهدة.
فإن قيل: فإن الرجل والمرأتين [يطلق] (٤) عليهم اسم شاهدين؛ لأن التذكير والتأنيث إذا اجتمعا؛ غلب التذكير (٥).
стр. 2491
قيل: عن هذا أجوبة:
أحدها: أنه يحتاج إلى دلالة تدل على أن المرأة داخلة فيه حتَّى يغلب التذكير، وإلا فالأصل إذا تجرد تناول الذكران حتَّى يقوم دليلٌ (١).
وجواب آخر: وهو أن هذا يمكن إذا قال: "وأشهدوا عدلا أو ذَوي عدل أو شهودا"؛ لأن الرجل والمرأتين ثلاثة في العدد، فلما قال: ﴿ذَوَىْ عَدْلٍ﴾؛ علم أنه أراد شخصين، [فلو] (٢) أراد الذكر والأنثى؛ لكان يقتضي رجلا وامرأة واحدة حتَّى يكونا ذوي عدل، ويغلب المذكر على المؤنث.
وجواب آخر وهو أن قوله ﵇: "بولي وشاهدي بولي" (٣) عبارة عن شخصين، كل واحد منهما على انفراده، بانفرادهما شخصان لا يتناولهما
стр. 2492
اسم (١) شاهد هو شخص واحد، فإذا ثبت أن شاهدين اسم لشخصين؛ فقد صح ما قلناه أنه للذُّكران، إذ رجل وامرأة واحدة لا يثبت لهما حكم، فقد صح أن الحكم لشخصين ذكرين.
فإن قيل: فإن الرجل والمرأة يقع عليهما اسم الشهيدين في الشرع؛ بدلالة قوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾؛ أي فإن لم يكن الرجلان اللذان هما شهيدان؛ فليكونا [رجلا وامرأتين] (٢)، فالألف التي في "يكونا" هي ضمير الشهيدين.
قيل: إنما كان هذا يسوغ لو قال تعالى: "فإن لم يكونا رجلين فليكن الشاهدان رجلا وامرأتين"؛ حتى يصح ما قلتم، فلما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ فأضمر اسم الشهيدين، ونصب رجلين؛ لأنَّهُ خبر "كان"، ثم رفع بعد النصب الذي هو الخبر فقال: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾؛ علم أنه مبتدأ له خبر مطلوب، أو يكون خبرًا لشيء مرفوع بمضمر، فيكون تقديره: "فإن لم يكونا رجلين فيقوم مقامهما في الحكم رجل وامرأتان"، إذ رجل وامرأتان يقومان مقامهما في الحكم لا في التسمية، وهذا مخصوص في الشهادة في الدين، ولا يجب إذا قام الرجل والمرأتان مقام شهيدين في الدين أن يتناولهما اسم شهيدين حتى يجوز في كل شيء؛ لأن القصاص لا يثبت إلا بشاهدين، ولا يقوم مقامهما رجل وامرأتان.
ونقول أيضًا: إن النكاح ليس المقصود منه المال، وكل ما لم يكن
стр. 2493
المقصود منه المال فإذا لم يثبت بشهادة النساء على الانفراد؛ لم يثبت بشهادتهن مع الرجال؛ أصله إثبات الحدود والقصاص.
وقولنا: "كل ما لم يكن المقصود منه المال"؛ احتراز من الديون، والأروش (١)، وجنايات الخطأ؛ لأن المقصود من إثباته المال، فقبل فيه شاهد وامرأتان (٢)، وإن لم يحكم فيه بشهادة النساء منفردات.
وقولنا: "وإن لم يحكم فيه بشهادة النساء على الانفراد"؛ احتراز من الولادة؛ لأنّها تثبت بشاهد وامرأتين، ولأنها تثبت بالنساء منفردات.
وأيضا فإن كل جنس لا يثبت النكاح بشخصين فيه؛ فإنه لا مدخل لذلك الجنس في ثبوته، أصله العبد؛ لما لم يثبت النكاح بعبدين ورجل؛ فكذلك لا يثبت بامرأتين ورجل.
وأيضا فإن النكاح عقد يستباح به إتلاف عضو، وما يجري مجرى الإتلاف لا يستباح به الوطء، فإن كانت بكرا؛ فهو إتلاف في الحقيقة، وإن كانت ثيبا، فالوطء يجري مجرى الإتلاف، وكل معنى يستباح به إتلاف عضو
стр. 2494
فإن إثباته يفتقر إلى ذكرين، كالقطع في السرقة (١).
وأيضا فإن النكاح بني أمره على الكمال والتمام، ألا ترى أنكم اعتبرتم في صحته عقد الشهادة [واعتبرناها] (٢) كماله، فوجب أن يعتبر فيه الذكور؛ لأن الذكر أكمل حالًا من الأنثى.
وأيضا فإنه حق يثبت في البدن مما يطلع عليه الرجال في الأغلب، فوجب أن لا يثبت بشهادة النساء، أصله إثبات الحدود والقصاص.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ (٣).
فأقام الرجل والمرأتين مقام الرجلين ولا يخلو إما أن يكون أقامهم مقام الرجلين عند عدم الرجلين (٤)، أو أقامهم مقامهما في الاسم، فبطل أن يكون أقامهم مقامهما عند عدمهما؛ لأن الرجل والمرأتين يقبلان مع وجود
стр. 2495
الذكرين (١)، فدل على أنه أقامهم مقامهما في التسمية، وهو أن الرجل والمرأتين شهيدان كالرجلين، وإذا كانا شهيدين؛ ثبت النكاح بهم؛ لأن النكاح يثبت بالشهيدين، فيكون تقدير الآية على هذا: "فإن لم يكن الشهيدان رجلين".
والدلالة الثانية منها هو أنه قد قال: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ فقد قرئ "فتُذْكِر" خفيفة (٢)، وقرئ "فتذكِّر" مشددة (٣)، فمن قرأ "فتُذْكِر" مخففة؛ أراد أنها تُذكر الأخرى الشهادة إذا نسيت، ومن قرأ فتذكِّر مشددة؛ معناه: أن تُصيِّر إحداهما الأخرى في حكم الذكر (٤)، فإذا [صيرتها] (٥) في حكم الذكر؛ انعقد به النكاح، فثبت حكمه؛ لأنَّهُ ذكر انضم إلى من هو في حكم الذكر.
قيل: أما الوجه الأول فقد أجبنا عنه، وقلنا: لا يخلو أن يكون قوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ بدلا من قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾، فينبغي أن تكون القراءة "فرجلا وامرأتين" بالنَّصب، أو يكون مبتدأ له خبر بعده محذوف، أو يكون هو خبر شيء محذوف يرتفع به، فيكون تقديره: "فإن لم يكونا رجلين فيقوم مقامهما رجل [وامرأتان] (٦) "، أو "رجل وامرأتان
стр. 2496
يقومان مقامهما في الحكم"، وليس هما شهيدين حقيقة؛ لأن هذا اسم لشخصين، والرجل و [المرأتان] (١) ثلاثة أشخاص.
وأما قوله تعالى: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ أي تجعلها في حكم الذكر؛ فإنه محال (٢)؛ لأنَّهُ لا يخلو أن يكون كل واحد منهما يجعل الأخرى في حكم الذكر، ويكون ذلك منهما جميعا في حال واحدة، فيجب أن يصيرا في حكم ذكرين، ولو صارا في حكم ذكرين؛ استغنيا عن دخول رجل معهما، فإن كانت إحداهما تصير الأخرى في حكم ذكر في حال الانفراد في إحداهما عن الأخرى؛ فإحداهما إذن في حكم الذكر، ولو كانت إحداهما في حكم ذكر؛ لاستغني بها مع الذكر، ولا يكون للأخرى تأثير في الحكم ولا في ثبوته، وإنما تدخل لتصير الأخرى في حكم ذكر، ولا تكون لها هي تأثير في إثبات الحكم، فثبت أن معنى ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ بالتشديد إنما هو لتكرار التذكر لما وقع نسيان في شيء مما يشهدان به، و"تذْكر" بالتخفيف إذا وقع في شهادة واحدة.
وعلى أن هذا لو ثبت؛ لكان مخصوصا في المداينات والأموال؛ لأنَّهُ أخفض مرتبة من الأبدان، فيجوز فيها ما هو في حكم الذكر وإن لم يكن ذكرا في الحقيقة، كما جاز فيها الحكم عندكم بالنكول (٣)، وبالنكول واليمين، والشاهد واليمين عندنا، ولم يجز شيء من ذلك في النكاح، فكذلك لا تجوز فيه المرأة وإن كانت في حكم الذكر.
стр. 2497
فإن قيل: فقد روي أن النبي ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي وشهود" (١).
وهذا اسم الجمع، والرجل والمرأتان يتناولهم اسم شهود.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن شهود جمع شاهد، فهو [للذكران] (٢) حتى يقوم الدليل على أن النساء يدخلن فيه.
والجواب الآخَر: هو أنه لو ثبت فيه العموم؛ لكان مخصوصا ببعض ما ذكرناه، فيكون معناه: "بولي وشهود ذكور".
فإن قيل: فإن النكاح معنى لا يسقط بالشبهة، فجاز أن يثبت بشاهد وامرأتين، كالديون، والأروش، وجنايات الخطأ.
وقولهم: "لا يسقط بالشبهة"؛ احتراز من القصاص والحدود؛ لأنّها تسقط بالشبهة، ولا تثبت بشهادة رجل وامرأتين.
ولأنه عقد يقتضي عوضا ومعوضا، فجاز أن يثبت بشاهد وامرأتين كالبيع.
ولأنه عقد على منفعة، فجاز أن يثبت بشاهد وامرأتين كالإجارة.
قيل: أما القياس على الأموال والأروش؛ فإن المعنى فيها أنه ليس المقصود منها الإتلاف أو ما يجري مجراه، فهو كالقطع والحدود التي هي
стр. 2498
استباحة إيقاع فعل يتعلق بالبدن، ولأن الأموال تتسع وتكثر، فتقع على قصد وغير قصد، ألا ترى أن الإنسان يخذف (١) خطأ فيرمي شيئًا فيصيب غيره، فلما كثر [ووقع] (٢) عن قصد وغير قصد؛ جاز فيه شهادة النساء؛ لأنَّهُ لو اعتبر فيه الذكران على الانفراد؛ شق وضاق، والنكاح لا يقع إلا عن قصد، فلا يشق اعتبار الذكران فيه.
وأما القياس على البيع والإجارة؛ فإن المقصود من ذلك المال، فلهذا جاز فيه النساء على الانفراد، فلم يقبلن مع الرجال.
وعلى أنهم ردوا النكاح إلى البيع والإجارة والأموال، ورددناه نحن إلى إثبات القصاص والحدود، فكان قياسنا أولى من وجوه:
أحدها: قياس الجنس؛ لأنَّهُ يستباح به إيقاع فعل في البدن كالحدود، ولأنه محتاط.
ولأنه حاظر وقياسهم مبيح، والحاظر أولى من المبيح.
فإن قيل: فقد روي عن عمر جواز النكاح بشهادة رجل وامرأتين (٣)، ولا مخالف له في الصحابة، فصار كالإجماع.
قيل: لا نعرفه، فإن صح؛ فجواز النكاح عندنا لا يفتقر إلى الشهادة، فحضورهم العقد أفضل لعل التنازع يقع في المهر أو مبلغه، فيقبلن مع الرجل
стр. 2499
فيه، وتنازعنا هو في ثبوت النكاح، وليس مذكورا في الخبر، وإنما فيه جواز النكاح، فهو يجوز بهن ومع عدمهن، وقد خرّجنا بحضورهن مع الرجل فائدة.
فإن قيل: كل من جازت شهادته في الدين جازت في النكاح، أصله الرجل، فكذلك النساء.
قيل: الشهادة عندك شرط في صحة النكاح، ومسنونة عندنا، وليست كذلك في الدين، فينبغي أن يتخصص النكاح بالرجال في الشهادة لتأكيد أمره.
* مَسْألة (١٢):
وللسيد أن يُجبِر عبده على النكاح إن أباه (١).
وللشافعي -﵀- قول إنه لا يجبره (٢).
وأبو حنيفة يوافقنا فيه (٣).
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٤).
стр. 2500
فأمر بإيقاع النكاح عليهم وهو بأن يُنكَحوا، والأمر ظاهره الوجوب لنا، فقامت الدلالة على أنه لا يجب علينا نحن أن نزوج عبيدنا (١)، فحُمل على الندب، ولم يمكن أن نفعل الندب إلا بإجبارهم على النكاح (٢)، وكذلك لو قامت الدلالة فصرفنا الأمر عن الوجوب والندب بقي الجواز، فيجوز لنا أن نُنكح عبيدنا وإن أبوا ذلك (٣).
وأيضا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٤)، فدليله أنا نُنكح المؤمنين أحرارا كانوا أو عبيدا، رضوا أو كرهوا إلا أن تقوم دلالة؛ لأن إيقاع النكاح أضيف إلينا في أن (٧٧) نفعله بهم.
وأيضا فإنه رقيق يملك بيعه، فوجب أن يكون له إجباره على النكاح، أصله الأمة.
أو نقول: مولى حجره، يملك رقبته ملكا تاما، فإذا لم يرد به ضررا؛ جاز أن يجبره عليه كالأمة.
ولأن السيد أيضًا يُمنع أن يجبره ويكلفه ما لا يطيقه، وما فيه ضرر عليه، ولا ضرر عليه في النكاح، فكان [له] (٥) أن يجبره.
стр. 2501
فإن قيل: يلزمه المهر والنفقة، وعليه فيهما ضرر.
قيل: لا يخلو أن يبيحه السيد دفع المهر من ماله في يديه، أو من مكسبه، أو من فوائد تطرأ له، وجميع ذلك للسيد أن ينتزعه منه بغير التراد من العبد، فإخراجه على وجه الله، والذي يحصل له (١)، لا ضرر عليه فيه، بل أخذ سيده ذلك منه أضر عليه، وإن لم يبحه السيد المهر والنفقة؛ فإننا لا نوجب عليه المهر والنفقة، بل يكون ذلك من فوائد تطرأ له من غير المال الذي في يده، ومن غير مكسبه.
وقد قلنا: إن الفوائد أيضًا للسيد أن ينتزعها منه، فصرفها إلى زوجته أسهل من أخذ مولاه ذلك منه.
وعلى أن الشافعي يقول: إن العبد لا يملك، وإن ماله لسيده، فينبغي إذا زوجه السيد أن يكون الضرر لاحقا بالسيد؛ لأن العبد ينفق على زوجته من مال هو لسيده، فأي ضرر عليه في هذا.
ونقول أيضًا: لما كان له أن يزوج عبده الصغير (٢) لأنَّهُ محجور عليه يملك رقبته؛ فكذلك عبده الكبير إذا لم يرد به ضررا، ولما كانت الحرة البكر البالغة يعقد عليها أبوها جبرا؛ لأنّها في حجره، وهو أعرف بمصالحها، وكان حجر العبد آكد، فلما جاز للأب ذلك في ابنته البكر مع عدم الضرر؛ كان السيد في عبده أولى.
стр. 2502
فإن قيل: فقال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (١)، والتزويج من الدين، وقد نفى الإكراه فيه.
قيل: هذا ورد في الكفار إذا بذلوا الجزية (٢)، يبين ذلك ما قاله في الآية ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ (٣).
على أنه لو كان عمومًا؛ لكان مخصوصا بما ذكرناه، كما خص منها الأمة، والعبد الصغير، والبكر البالغة مع أبيها.
فإن قيل: فقد قال ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٤).
قيل: المراد به رفع الإثم فيما لو تعمدوه من غير إكراه أثموا، بالدلائل التي ذكرناها في الأمة، والبكر البالغ مع أبيها.
فإن قيل: فإنه أمر المقصود منه الاستمتاع، فوجب أن لا يجبره عليه، أصله القسم، وهو إذا كان للعبد امرأتان ليس للسيد أن يجبره على أن يقسم بينهما.
قيل: أما القسم؛ فهو حق الزوجات بعد عقد النكاح، كالنفقات وغيرها، فإن طولب الزوج به؛ نظر فيه الحاكم، لا مدخل للسيد فيه.
فإن قيل: فإنه لما لم يكن للسيد أن يجبره على الوطء؛ لم يكن له
стр. 2503
إجباره على النكاح؛ لأن المقصود من النكاح الوطء.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أننا قد ذكرنا أن ما بعد العقد وما هو من حقوق العقد؛ فهو ينقسم، فالوطء منه حق للمرأة، ألا ترى المُولِي (١) يُضرَب له الأجل، ولها أن تطالبه به، فهو كنفقتها ومهرها إن امتنع منه حر لزمه؛ نظر فيه الحاكم، ألا ترى أنه يجبر عبده الصغير وإن لم يحصل منه وطء أصلا، وكذلك يجبر بنته البكر على النكاح ولا يجبرها على الوطء، والمقصود من النكاح الوطء.
فإن قيل: فإن للسيد أن يجبر عبده على ما له فيه غرض، فأما ما ليس له فيه غرض ونفع، ولا للعبد [فيه] (٢) نفع؛ فإجباره عليه سفه.
قيل: للسيد أغراض في ذلك:
منها: أن نفعه [يعود عليه] (٣).
ومنها: أن يأمنه على حرمه وبناته.
ومنها: أن لا تدعوه نفسه إلى الزنا فيحد، فيلحق السيد في ذلك التقصير في ماله، وليس يفعل السيد (٧٩) ذلك إلا لأغراض له ونفع.
وقد يحدث أيضًا للعبد أولاد فيعتق السيد عبده يوما ما، ويعتق الأولاد
стр. 2504
إن كانوا مماليك، فيجر العبد ولاءهم إلى سيده، وكذلك يجر ولاء ولده الأحرار أيضًا، ولو لم يكن للسيد غرض في ذلك؛ جاز أن يكون للعبد، وهو أن يكون له زوجة يسكن إليها، ولعلها أن تخفف عنه بمفارقة منها له (١) على ما جرت به العادة، فإنه مشغول بخدمة سيده، متعوب فيها، وليس يفعل السيد العاقل ذلك بعبده إلا لغرض صحيح.
* مَسْألة (١٣):
ولا يُجبَر السيدُ على إنكاح عبده (٢) إذا طلب العبد ذلك (٣).
وللشافعي قول إنه يجبَر (٤).
وقول أبي حنيفة مثل قولنا (٥).
والدليل لقولنا أن الجبر إنما يكون على فعل واحب، والوجوب يحتاج إلى دليل، ولم تقم دلالة على وجوب ذلك على السيد.
стр. 2505
وأيضا فإنه شخص يملك رقبته، فوجب أن لا يلزمه تزويجه، دليله الأمة.
فإن قيل: إنما لم يجب عليه تزويج أمته إذا دعت إليه؛ لأنه يستبيح بضعها، ويملك الاستمتاع بها، ويفوته ذلك إذا زوجها، ولا يملك ذلك [في] (١) العبد.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه قد يملك من لا يجوز له وطؤها، ومع ذلك لا يجب عليه تزويجها إذا طلبته.
والجواب الآخَر: هو أنه لا فرق بينهما؛ لأنه كما يملك من أمته منفعة الاستمتاع؛ فهو يملك من عبده منفعة الاستخدام، وهو بالتزويج يفوته منفعة الاستخدام؛ لأن منفعته ينصرف أكثرها في تشاغله بزوجته.
فإن قيل: فأنتم لا توجبون النفقة من مكاسبه، ومكاسبه لسيده إلا أن يأذن له في النفقة منها.
قيل: هو كذلك، ولكنه لا بد أن يتشاغل بأمور زوجته، فيقصر فيما يجب عليه ويتوانى، ويشتغل قلبه بها، وربما أضعفه الوطء عن كثرة العمل.
وأيضا فإن النكاح معنى تراد منه اللذة والاستمتاع، فوجب أن لا يجب على السيد ذلك، كسائر أنواع الملاذ من اللباس الفاخر، وما فيه كثرة اللذة من الأطعمة والطيب.
стр. 2506
فإن قيل: فقد أوجب الله علينا إنكاحهم بقوله ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (١).
وهذا أمر ظاهره الوجوب.
قيل: هو محمول على الندب والاستحباب (٢)، أو يكون معناه: إن اخترتم، لما ذكرناه من الدلائل.
فإن قيل: فإنه مكلف محجور عليه، دعا إلى النكاح وهو محتاج إليه، فوجب أن يجب على الولي تزويجه، أصله المحجور عليه بفسقه إذا دعا إلى النكاح؛ وجب على وليه أن يزوجه إذا كان ذلك نظرا، ولأن السيد يلزمه القيام بكفاية عبده، ألا ترى أنه يلزمه أن ينفق عليه ويكسوه، وكذلك أيضًا يلزمه أن يزوجه، ألا ترى أن الابن [لما] (٣) لزمه أن ينفق على أبيه ويكسوه؛ لزمه أن يعفه (٤).
قيل: أما السفيه؛ فإنما لزمه أن يزوجه لأجل الحجر عليه بحق نفسه،
стр. 2507
وحظه في التزويج إذا كان محتاجا إليه، لأنَّهُ ربما يزني فيقام عليه الحد، فيكون فيه إتلافه، فإتلاف ماله وله فيه حظ؛ أولى، وليس كذلك العبد؛ [لأنَّهُ محجور] (١) عليه لحق سيده وحظه، ولا حظ للسيد في تزويجه، فلم يجب عليه.
وأما النفقة على العبد؛ فإنما لزم السيد أن يقوم بنفقته وكسوته؛ لأن هذا كفايته وما تقوم به نفسه، وليس النكاح كذلك؛ لأنَّهُ زيادة؛ لأنَّهُ من الملاذ الزائدة على ما تقوم به النفس؛ لأنّها [تقوم] (٢) بدونه، فهو يجري مجرى اللباس الفاخر، والطيب الرائح، والمآكل الطيبة، وليس من حيث لزمه أن يقوم بما تقوم به نفسه؛ [ما يوجب] (٣) عليه القيام بما هو (٨١) زائد عليه من سائر الملاذ، كالابن ينفق على أبويه ما يكفيهما، ولا يلزمه الزيادة عليه كسائر الملاذ.
فإن قيل: فأنتم توجبون عليه أن يُعِف أباه، وهذا زائد على مقدار كفايته على ما زعمتم، فيكون العبد مثله.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه لا يجب عليه أن يبتدئ تزويج أبيه، فسقط هذا.
وقد قيل: إن عليه أن يعفه، والفرق بينهما هو أن أباه حر لا يستحق عليه خدمة، ولا شيئًا إذا زوجه قطع به فيه ولايته من الحق عليه ما ينبغي أن يؤثره على نفسه، وسببه لا ينقطع، وليس كذلك العبد.
стр. 2508
* مَسْألة (١٤):
وإذا أذن السيد لعبده في التزويج؛ تعلق المهر بذمة العبد، وكانت النفقة والمهر من فوائد نظر العبد، لا من مال في يده قبل التزويج، ولا من مكاسبه التي هي عوض حركاته (١).
وقال الشافعي: يكون ذلك من مكاسبه التي هي عوض حركاته (٢)، سواء كان من صنيعه بيده أو خدمة (٣).
والدليل لقولنا هو أن رقبة العبد وجميع حركاته ومنافعه ملك للسيد، فلا يخرج عنه شيء من ذلك إلا بدليل.
وأيضا فإنه لما كان إذنه له في التزويج أن لا يخرج عنه شيء من رقبته؛ كذلك لا يخرج عنه شيء من حركاته إلا ما قامت عليه دلالة من إذنه فيها، ومما لم يكن مستحقا مثل (٤) وظهارته، وغير ذلك مما لا يملكه السيد.
وأيضا فإن إذنه له في التزويج ليس هو إذنا في إخراج مكاسبه التي هي عوض حركاته التابعة لرقبته، وإنما هو إذن في العقد، فإن انجر منه عوض؛ فإنما هو ذمة العبد ليس للسيد إبطاله عنه، كما لو أذن له في الإجارة لم يلزمه ما انجر منها في مكاسبه التي هي عوض حركاته، بل إن طرأت ديون
стр. 2509
وجناية تذهب بالمال المدفوع إليه بمراضاة أصحابه؛ تعلق ذلك بذمته إن أعتق يوما ما أخذ به، فكذلك المهر والنفقة اللذان هما حق للزوجة كالديون التي تدفع إليه بمراضاة أصحابها، فالمرأة تدخل على هذا.
فإن قيل: فإن الإذن بالشيء إذن به وبمقتضاه، ألا ترى أنه إذا أذن له في البيع والشراء؛ كان إذنا في البيع والشراء، والقبض والتسليم؛ لأنَّهُ من مقتضى البيع، وكما إذا أذن له في الإحرام؛ كان إذنا له في الوقوف وأعمال الحج.
كذلك أيضًا إذا أذن له في النكاح والمهر والنفقة من مقتضاه؛ كان إذنا بأن ينفق، ويعطي المهر من كسبه.
قيل: لعمري إن الإذن بالشيء إذن به وبمقتضاه (١)، ومقتضى النكاح هو الإيجاب والقبول، والاستباحة للاستمتاع والوطء، وأن يفعل جميع ما يقتضيه النكاح مما صفة فيه، فأما المهر والنفقة؛ فليس هما من مقتضى النكاح، وإنما يجب أن [يبنونه] (٢) وبشيء آخر، ألا ترى أنهم لو لم يسموا مهرا ولم يدعوه إلى البناء؛ لم يجب مهر ولا نفقة، والنكاح ومقتضاه قد ثبت، ثم لو جعلنا المهر والنفقة مأذونا فيهما؛ لم يكن إذنا فيهما، على أنها من مكاسبه، وإنما هو إذن يتعلق بذمته، وهو أنه إن طرأت له من غير هذا الوجه؛ فمن أين يثبت أنه إذن فيهما من مكاسبه.
وأما إذا أذن له في الإحرام؛ فهو إذن في الوقوف والطواف، فأما ما يطرأ من لبس أو قتل صيد؛ فإن الهدي وما يجب لا يخرجه من مكاسبه إلا
стр. 2510
بإذن سيده، فهو كالنفقة والمهر.
فإن قيل: فإنه لا يخلو إما أن تقولوا: إن المهر والنفقة يتعلقان بذمة السيد، أو بذمة العبد يتبع به إذا أعتق، أو رقبته، أو بكسبه، ولا يجوز أن يكون في ذمة السيد إلا بالضمان وهو لم يضمن، وإنما أذن في العقد، ولا يجوز أن يكون في ذمة العبد يتبع به إذا أعتق؛ لأن المهر والنفقة في مقابلة البضع والاستمتاع، وعقود المعاوضة مبنية على أنه إذا أسلم أحد البدلين؛ وجب تسليم الآخَر الذي في مقابلته معجلا، فإذا أسلمت المرأة نفسها ومكنت؛ اقتضى تعجيل المهر والنفقة، فلم يجز فلم يجز أن يكون في ذمته يتبع به بعد العتق، ولا يجوز أن يتعلق برقبته حتى يثبت عليه برضا من له الحق وهو المرأة، والحق إذا ثبت برضا من له الحق لم يتعلق بالرقبة، كما لو اشترى شيئًا، وإنما يتعلق بالرقبة ما وقع بغير اختيار من له الحق كأرش الجناية، فإذا بطلت الأقسام الثلاثة لم يبق إلا أن يكون في كسبه.
قيل: الصحيح من الأقسام هو أن يتعلق [بذمته] (١) على شرط أنه إن طرأت له فوائد من هبات وغيرها؛ عجل ذلك، وإلا كانت في ذمته إلى أن يعتق، وليس [كل ما] (٢) كان بدلا وكان في مقابلة الآخَر؛ يجب تسليمه معجلا، ألا ترى أن العبد لو لم يكن في يده مال في الحال؛ فإنكم تترقبون في أن يكسب في ثان، ولو كان أيضًا في يده مال قبل النكاح؛ لم يلزمه أن يعجل المهر منه، بل يترقب كسبه في ثان، فإن لم يجب عليها تسليم بضعها
стр. 2511
حتى يكسب ثم يسلم؛ فقد يقع أحد البدلين أيضًا [المؤخر] (١)، ألا ترى أنها لو رضيت بذمته وتركت تعجيل المهر؛ لجاز ذلك، فكذلك نقول: إنها تدخل مع العبد على هذا، وهو أنه يكون في ذمته على الشَّرط الذي ذكرناه وإلا لم يدخل، فليس أحد يجبرها على ذلك، وهذا كما قلناه في مداينة العبد المأذون له في التجارة فإنها لا تكون في مكاسبه؛ لأن المداين على هذا يدخل باختياره، لا يجبره أحد عليه، وكلاهما مأذون فيه.
فإن قيل: الفرق بين المهر والنفقة من (٢) وجهين:
أحدهما: أن الدين إنما تعلق بذمته دون (٨٤) كسبه؛ لأن السيد لم يأذن له في الاستدانة، وذلك أنه إذا أذن له في التجارة؛ فلا يخلو إما أن يعطيه المال [ليتجر] (٣) بذلك المال، [أو] (٤) أذن له أن يتجر بجاهه ووجهه، فإن كان دفع إليه مالا؛ فإنما قال له: خذ وادفع من هذا المال، وإن كان أذن له في التجارة [بوجهه] (٥)، فإنما قال له أيضًا، خذ وادفع مما تأخذ، فلم يأذن له أن يستدين بحال، فلم يتعلق بكسبه، وتعلق بذمته يتبع به إذا أعتق، وليس كذلك المهر والنفقة؛ لأنَّهُ إذا أذن له في النكاح؛ فقد أذن له في أن ينفق ويعطي المهر من كسبه؛ لأنَّهُ من مقتضاه، فلهذا لم يتعلق بذمته.
والفرق الثاني: هو أن السيد [يعرف] (٦) أن المقصود من النكاح
стр. 2512
الاستمتاع، والنفقة في مقابلة الاستمتاع، فإذا أذن له في الاستمتاع؛ كان له أن ينفق؛ لأن المنع من الإنفاق يمنع الاستمتاع، فلم يعلق على ذمته؛ لأن تعليقه على ذمته يمنع الاستمتاع المقصود بالنكاح، وليس كذلك التجارة؛ لأن المقصود منها الفضل والربح، وتعليق الدين على ذمته لا يمنع الربح والفضل، فجاز أن يعلق بذمته.
قيل: أما الفرق الأول؛ فلا فرق بينهما، وذلك أن السيد كما لم يأذن له في الاستدانة؛ فإنه لم يأذن له في أن ينفق من كسبه، فهو كما يأذن له في التجارة بوجهه، فإنما يدخل على أنهم إن رضوا بذمته؛ أعطوه ورضوا به، فربما أعطاهم مما أخذ منهم، وربما أتلف ما أخذه، أو تلف بغير صنعه، فتتعلق ديونهم بذمته، كذلك إذا أذن له في النكاح؛ فإنما يقول له: إن رضوا منك بما يطرأ لك من فائدة أو بأن يكون في ذمتك؛ فقد أذنت لك في النكاح، وليس يلزمني أن [أصلى بك والزيت من عندي] (١)، فأحسن أحوالك أن تكون كالحر المطلق يتزوج، فإن وجد ما ينفق مما لا يتعلق به حق لغيره؛ أنفق وأمهر، وإن لم ترض الزوجة بذلك وأنت عبد؛ فلها أن تصبر عليك بالنفقة، أو تطلب الفراق، ولو طلق قبل الدخول فلم يقدر على نصف الصداق؛ كان في ذمته فصورة العبد هذه الصورة؛ لأن مكاسبه حق لسيده، ولم يأذن له في النفقة منها.
وأما الفرق الثاني الذي هو السيد عندكم؛ فإنه ضعيف، وذلك أن الاستمتاع وإن كان مقصودا من النكاح والنفقة في مقابلته؛ فإنه إذا أذن له في الاستمتاع فإنما أذن له على صفة، وهو أن لا تكون النفقة من مكاسبه، وإنما
стр. 2513
يكون مما يطرأ له من الفوائد، أو بأن لا يلزموه النفقة، أو ترضون بها في ذمته، ألا ترى أن الحر الصانع المكتسب إنما يتزوج رجاء أن يجد ما ينفق مما لا يتعلق بحقوق غيره، فإن وجد ما ينفق؛ وإلا كانت الزوجة بالخيار بين أن تصبر عليه، أو تطالبه بالفرقة، وإن كان في يده شيء للناس؛ لم ينفق منه إلا بإذنهم، فكذلك العبد مكاسبه لسيده، فإن أذن له في النفقة من مكاسبه؛ فذاك، وإلا كانت الزوجة بالخيار أن تصبر عليه، أو تطالبه بالطلاق إن لم يجد.
وأما قولهم: "إن تعلق النفقة بذمته يمنع الاستمتاع"؛ فليس كذلك؛ لأن الزوجة تدخل على أحد أمرين: إما أن ترضى بذمته فلا تمنعه الاستمتاع، أو لا ترضى؛ فهو كالحر إذا لم يجد ما ينفق.
على أننا لو قلنا: إن الزوجة إذا رضيت بالعبد وهي تعلم أنه لا يملك شيئًا، وإنما ينفق مما يستفيده من غير مكاسبه؛ فإن لم يجد شيئًا فليس [لها] (١) أن تمنعه الاستمتاع، وهذا كما نقوله فيمن تزوجت بسائل يتكفف الناس، وهي تعلم ذلك، فليس لها أن تمنعه نفسها إذا لم يفتح له بما ينفقه؛ [لأنّها] (٢) على هذا دخلت، وكذلك نقول في زوجة العبد: إنها تدخل على هذا، فسقط ما ذكروه.
وهذا كما نقول في السيد إذا زوج أمته فإنه [يحرمها] (٣) واستعمال حركاتها في النهار وليس عليه أن يثويها مع زوجها نهارا وليلا من أن
стр. 2514
للزوج حق الاستمتاع، بل يلزمه أن يثويها معه ليلا، ويستخدمها سيدها نهارا ويؤاجرها، فكذلك إذنه لعبده في النكاح لا يلزمه إخراج خدمته عن يده، وإن سأله نهارا ليكتسب نفقة زوجته، بل يستخدمه هو ويؤاجره نهارا كالأمة.
فإن قيل: الفرق بين العبد والأمة هو: أنه إذا أذن لعبده في التزويج فتزوج؛ فإن حق النفقة للمرأة والاستمتاع للعبد، فلم يكن له منع حق العبد إذا أذن له فيه؛ لأنَّهُ إذا منعه من الاكتساب والنفقة؛ امتنع عليه الاستماع، فلهذا لزمه تخليته، وليس كذلك في الأمة؛ لأن الحق للسيد، وللإنسان أن يترك حق نفسه.
قيل: النفقة في الأمة حق لها، والاستمتاع بها حق للزوج، فلما كان للمولى أن يقطع حق الزوج ويستخدمها بالنهار؛ كان له أن يقطع حق العبد واستخدامه بالنهار؛ لأن الخدمتين منهما للمولى.
وقولهم: "إن منعه من النفقة يقطع عليه الاستمتاع"؛ فقد أجبنا عنه، وقلنا: هو كالحر المعسر، ولو قطعه عن الاستمتاع على هذا الوجه؛ لأنَّهُ [إن] (١) دخل على أن لا ينفق من مكاسبه؛ لم يكن هذا بأسوأ حالًا منه لو امتنع من تزويجه أصلا، فإن السيد لا يجبر على ذلك، فإذنه له في النكاح على أن لا ينفق من مكاسبه أشد على العبد من [منعه] (٢) التزويج أصلا؛ لأنَّهُ إذا أذن له في النكاح؛ فقد يجد ما ينفق من غير مكاسبه، وقد ترضى الزوجة منه بترك النفقة، وقد تصبر عليه، فلم يلزم ما ذكروه.
стр. 2515
* مَسْألة (١٥):
إذا قالت له أمته: أعتقني على أن أنكحك، واجعل عتقي صداقي، فأعتقها؛ فإنها بالخيار في أن تتزوج به أو تدع (١).
وحكي عن الأوزاعي أنه قال: يجب عليها أن تتزوج به إذا أعتقها على هذا الشَّرط (٢).
وقد حكي أنه مذهب أحمد، وداود (٣).
وأصحاب أحمد يحكون خلاف هذا ويقولون: إنها إذا استدعت منه عتقها بشرط أن يتزوجها ويكون عتقها صداقها؛ فبنفس قول السيد "أعتقتك"؛ تُعتق، وينعقد النكاح (٤).
وبمثل قولنا قال أبو حنيفة والشافعي (٥).
والدليل لنا على الأوزاعي؛ أن الفروج في الأصل محظورة حتى يقوم دليل.
والثاني: أنه لا يجب على المرأة شيء إلا بدليل، فمن قال: يجب عليها أن تتزوج به؛ فعليه الدليل.
стр. 2516
وأيضا فإن هذا يحصل سلما ونكاحا، فوجب أن لا يلزم، دليله إذا قال لها: خذي هذه العشرة سلما في نكاحك على أن أتزوج بك، أو أسلمت إليك هذه العشرة على أن أتزوجك؛ فإنه لا يلزمها؛ لأن السيد بذل ملكه الذي هو الرق على شرط أن تتزوج به، وهذا غير السلم.
وأيضا فإن الذي يثبت في الذمم أحد أمرين: إما فعل، أو عين، فالفعل مثل الخياط يتسلم في الخياطة، والبَنّاء في بنيان، وما أشبه هذا من الأعمال، مثل أن يقول له: خذ هذه العشرة على أن تخيط لي ثوبا على صفة كيت وكيت، أو تبني لي حائطا صفته كيت وكيت، فيثبت العمل في ذمته.
وأما العين؛ فمثل أن يقول: أسلمت إليك مِائَة درهم في كذا وكذا مكيال من الحنطة والتمر على صفات السلم.
فأما العقود؛ فلا تثبت في الذمم، يدلُّ على ذلك أنه لو أعطاه عشرة دراهم على أن يعقد معه عقد بيع، أو عقد شراء، أو غير ذلك من العقود؛ لم يلزمه أن يعقد، وهذا إثبات عقد نكاح في الذمة؛ لأنَّهُ أعتقها على أن يتزوج بها.
وأيضا فإن خيار الامتناع من النكاح أو إيقاعه إنما يثبت لها بعد العتق، وبه يجب، فإذا [طلبت] (١) الخيار قبل العتق؛ لم يبطل، وكان ثابتا بعده؛ لأنّها تطلبه قبل وجوبه، كما نقول: إن الأمة إذا أعتقت تحت عبد؛ وجب لها الخيار بعد العتق، فيجب لها خيار الفسخ، فلو أبطلت خيارها قبل العتق؛ لم يبطل، [و] (٢) كان الخيار لها بعد العتق، فلو قالت: إذا أُعتقت قد
стр. 2517
اخترت المقام على زوجي العبد؛ لم يلزمها، فكان لها بعد العتق أن تفارقه أو تقيم معه، وفارق هذا الخياطة لأنَّهُ فعل، والأفعال على الصفات تثبت في الذمم على ما بينا، والعقود لا تثبت في الذمم كما بينا.
والدليل على أحمد وداود وهو أن يقال: إن العتق إزالة ملك، وإزالة الملك عن شيء لا يتضمن ملكه واستباحته، والدلالة عليه سائر الأصول، ألا ترى أنه لو باع أمته أو وهبها هبة صحيحة؛ لم يتضمن بيعه وهبته ملكها، واستباحتها، والاستمتاع بها، كذلك أيضًا ما دامت في رقه هو مالك للاستمتاع، فإذا قال: أعتقتك؛ فقد زال ملكه عن رقبتها، والاستمتاع بها لا يجوز أن يتملكه بها.
ولنا أيضًا قول النبي ﵇: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، كتاب الله أحق" (١).
وهذا الشَّرط ليس في كتاب الله.
فإن قيل: فقد قال ﵇: "المؤمنون على شروطهم وعند شروطهم" (٢).
قيل: إذا كان هذا الشَّرط في كتاب الله؛ لأنَّهُ ﵇ قد أبطل كل شرط ليس في كتاب الله .
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣)؛ أي بأحكامها، وهذه قد عقدت بالشرط على نفسها، وكذلك هو أيضًا.
стр. 2518
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن العتق حل وليس بعقد، ولو كان عقدا؛ لوجب الوفاء بحكمه؛ لأن حكمه أن يزيل حكم الاستمتاع والملك، فيجب الوفاء بذلك، وأما ما عقدته هي على نفسها من قبول العتق على شرط النكاح؛ فإن الحكم لم يتعلق بقبولها العتق؛ لأنَّهُ يثبت وإن لم تقبله، وأما العقد في النكاح؛ فإنه عقد بين متعاقدين لا يصح إلا منهما، فإذا بطل الشَّرط الذي شرطاه بما بيناه؛ لم يحصل العقد.
على أنه لو كان عمومًا؛ لخصه قوله ﷺ : "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (١)، فإذا بطل شرط تزويجها؛ لم يبق إلا العتق الذي يزيل الملك.
وأيضا فإنها [مالكة] (٢) لنفسها بالعتق، فوجب أن لا تجبر على النكاح، دليله إذا لم يشترط عليها ذلك.
فإن قيل: فقد أعتق النبي ﷺ صفية وجعل عتقها صداقها" (٣).
ولم ينقل أنه عقد عقد النكاح، والإجماع أن صفية كانت زوجته ﵇، فدل على أن العقد انعقد بقوله: أعتقتك على أن يكون عتقك صداقك.
قيل: قد نقل "أنه ﵇ أعتق صفية ونكحها، وجعل عتقها صداقها" (٤)،
стр. 2519
فدل على أن النكاح وقع بعد العتق، ثم كان مخصوصا بترك الصداق كما في الموهوبة (١)، وكما خص بأشياء لم تجز لنا.
فإن قيل: فلم نفذتم هذا العتق ولم يوجد شرطه الذي هو التزويج.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن العتق إذا وقع على بدل لا يصح أن يكون عوضا في الشرع؛ نفذ العتق ومضى، ألا ترى أنه لو أعتقها على زق (٢) خمر؛ نفذ العتق، ولم يجب له البدل.
والجواب الثاني: هو أن العتق إذا علق وقوعه على شرط؛ فإنه لا يلزم ما لم يوجد الشَّرط، فأما إذا [أوجده] (٣) وجعل في مقابله العتق بدلا يصح أن يكون عوضا؛ فإن العتق ينفذ، ويلزم ما في مقابلته عند مالك، مثل أن يقول لها: أنت حرة وعليك خمسون درهما، وعند ابن القاسم تعتق ولا يلزمها شيء، وأما إذا كان في مقابلته ما لا يصح أن يكون بدلا؛ نفذ العتق، ولم يلزم البدل عند مالك وابن القاسم، كما يعتقها على زق خمر.
وأيضا فإنه عقد من العقود التي لها الإذن فيه، فلم يجز أن تُجبر عليه، دليله البيع وغيره.
وأيضا فإنه عقد على استباحة منافعها، ولهذا أذن فيه، فوجب أن لا
стр. 2520
تُجبر عليه، دليله الإجارة.
وأيضا فإنها مالكة نفسها بالحرية، فوجب أن لا تجبر على النكاح كسائر الحرائر.
فَصْل
على الشافعي فإنه يوافقنا في أن النكاح لا يلزمها، ولكن يلزمها فيه قيمة العتق، وعندنا لا يلزمها شيء (١).
والدليل لقولنا براءة الذمة من وجوب شيء حتى يقوم دليلٌ به.
وأيضا قول النبي ﷺ : "ليس في المال حق سوى الزكاة" (٢).
فنفى أن يجب في مالها شيء سوى الزكاة عمومًا إلا أن تقوم دلالة.
فإن قيل: إنما يتعلق ذلك بذمتها لا بمالها؛ لأن مالها لو تلف لم يسقط ذلك عن حصتها.
قيل: هو وإن تعلق بذمتها؛ فإنها لا تدفعه إلا من مال، وقد قال: "ليس في المال حق سوى الزكاة" (٣)، فهو عام في كل مال، سواء كان لها أو طرأ لها، وقوله ﵇: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه" (٤)، فإذا لم تطب نفسها؛ لم يحل أخذه منها.
стр. 2521
فإن قيل: فإن السيد أزال ملكه على بدل، وكل من أزال ملكه على بدل يحصل له وتعذر تسليم ذلك البدل؛ [رد] (١) قيمة المبدل إن كان تالفا، ورد المبدل نفسه إذا كان قائما، ألا ترى أنه لو ابتاع سلعة بسلعة، واستحقت السلعة التي هي الثمن، وخرجت مغصوبة؛ رد السلعة التي ابتاعها إن كانت قائمة، وإلا قيمتها إن كانت تالفة، وكذلك لو طلقها على أن تعطيه عبدا واستحق؛ ردت مهر مثلها وهو قيمة البضع؛ لأن البضع متلف، كذلك أيضًا لما لم يمكن رد العتق؛ رجب أن ترد قيمة العتق.
قيل: إن السيد أزال ملكه إلى ما لا يصح أن يكون عوضا عن العتق وهو النكاح، ولا أن يكون العوض أيضًا في النكاح هو العتق، فنفذ العتق ولم يثبت العوض، كما لو تزوجها على زق خمر عندنا، أو أعتقها على زق خمر عندنا وعندكم، فإن العتق ينفذ، والسيد قد زال ملكه على عوض لم يصح أن يكون عوضا.
وعلى أن هذا ينتقض عليهم في أنه أزال ملكه إلى بدل يملكه [رقيقه] (٢)، ومع هذا فلا يلزم فيه البدل، فأما الخلع؛ فكذلك لو خالعها على ما لا يصح أن يكون عوضا مثل الخمر أو الخنزير؛ نفذ الخلع، ولم يكن له شيء، فأما إذا خالعها على عبد فاستحق؛ فإنه يوضع عندنا بقيمته لا بصداق المثل؛ لأنَّهُ خالع على ما لا يصح أن يكون عوضا، والخلع يقع بعوض وغير عوض، فإذا لم يصح العوض؛ وقع الطلاق، ولم يكن له شيء في العبد، لما صح أن يكون عوضا رجع بقيمته إذا استحق؛ لأن الخلع لا يتقدم ولا
стр. 2522
البضع، فلم يرجع فيه إلى صداق المثل.
وعروض مسألة الخلاف بيع سلعة بسلعة، فإذا استحقت إحداهما؛ رجع الآخَر إلى سلعته، وكان ينبغي أن يرجع في العتق إلى الرق، وفي الخلع إلى الزوجية، فلما نفذ ذلك ولم يرجع فيه مع إمكان جواز ذلك في الشريعة ولم يكن البدل مما يتملكه على وجه العوض؛ لم يثبت حكمه كما ذكرناه في العتق على الخمر والخنزير. وبالله التوفيق.
* مَسْألة (١٦):
الأخ عندنا أولى بإنكاح أخته جدها (١).
وعند الشافعي أن الجد أولى (٢).
والدليل لقولنا أن ولايات النكاح تختص بالتعصيب، فكل من كان تعصيبه أقوى؛ كان أولى، والأخ أولى تعصيبا من الجد؛ لأن الأخ يدلي بالبنوة، [والجد يدلي بالأبوة] (٣)، والأخذ [بالبنوة] (٤) أقوى؛ لأن الأخ يقول لأخته: أنا ابن أبيك، والجد يقول: أنا أبو أبيك، فهو أقوى تعصيبا، وعندنا
стр. 2523
أن ابنها أولى من أبيها بإنكاحها.
ونستدل عليه بعد هذا (١)، فقد استمر ما نقصده من قوة التعصيب في النكاح في الأخ على الجد.
فإن قيل: فإن أمر النكاح مبنيّ على التعصيب والشفقة، والجد أشفق من الأخ، ألا ترى أن الأب أولى من كل ولي لهذا المعنى، فهو في طلب الحظ لها أقوى من الجد (٢)، فكذلك يجب أن يكون الجد أولى من الأخ بهذا المعنى.
قيل: الأخ أغير على أخته من جدها في طلب الحظ والاحتياط لها أكثر من الجد، وليس أمر النكاح مبنيا على الشفقة، وإنما هو مبنيّ على طلب الكفاءة، ولئلا يدخل العار، والأخ أبلغ في الغيرة على أخته من جدها، فهو محتاط لها في الكفاية أكثر من احتياط الجد، ولهذا المعنى اختص الأب في بنته.
فإن قيل: فإن للأب تعصيبا وولادة، والجد كذلك، فلما كان الأب أولى من الأخ؛ كان كذلك الجد.
قيل: الأب له تعصيب وولادة محضة، يحوز [بها] (٣) الميراث والولاء مع وجود الأخ، والجد ليس كذلك، فلما استوى حكم الجد مع الأخ في الميراث وقوي تعصيب الأخ -لأنَّهُ يحوز الولاء دون الجد عندنا-؛ كان أولى بإنكاحها.
стр. 2524
وقد قلنا: إن أمر النكاح يختص بالتعصيب، فمن كان تعصيبه أقوى مع كونه أطلب لها في طلب الكفاءة؛ كان أولى (١).
على أن قياسهم سقط على أصلنا؛ لأن للأب تعصيبا وولادة، والأب له تعصيب محض، وعندنا أن الابن أولى بإنكاح أمه من أبيها لقوة تعصيبه.
فلو قاسوا ذلك على الأخ للأب مع الأخ للأب وللأم، وأن الأخ للأب والأم لما جمع التعصيب وزاد بالرحم؛ كان أولى من الأخ للأب، فكذلك الأخ مع الجد.
قيل: إن التعصيب في الأخ للأب والأم والأخ للأب من جهة واحدة متساوية، وللأخ للأب والأم مزية (٩٣) من جهة الرحم، فيقدم عليه لذلك، وليس كذلك الجد؛ لأن تعصيبه يضعف عن تعصيب الأخ، ورحم الجد أقوى من رحم الأخ، فاعتدلا في الميراث بذلك، وليس هكذا حال الأخوين، فعلم أن الرحم لها مدخل في الميراث، وليس لها مدخل في المناكح [] (٢) بالتعصيب المحض أو به وبالرحم يكون دخول الرحم كالتبع للتعصيب.
فإذا تقرر هذا؛ فالذي ينبغي أن يراعى من قوي تعصيبه، مع كونه أغير عليها في طلب الكفاءة، وهنا في الأخ موجودة.
فإن قيل: فإن الجد له الولاية في مالها بنفسه، ويجبرها على النكاح كالأب.
стр. 2525
قيل: ليس هكذا عندنا، وهو والأخ في ذلك سواء، وقد تقدم الكلام في ذلك.
وعلى أن مالكا قد قال فيمن لا تزوج إلا بإذنها: إن الأولياء كلهم سواء، وإن من عقد عليها منهم بإذنها؛ جاز، لا فرق في ذلك بين الأب والجد والأخ والعم؛ لأن كل واحد منهم لا يصل إلى العقد عليها إلا بإذنها، وأن من كان منهم وضعها في غير كفء؛ فللناس الاعتراض عليه، وإن كان لها ولي واحد فرضيا بغير كفء؛ لأن الحق لا يخرج عنهما جميعا.
فعلى هذه الرواية يصير تقديم بعضهم على بعض مستحبا.
مسألة (١٧):
الابن أولى بإنكاح أمه من أبيها ومن سائر الأولياء عندنا (١) وعند أبي حنيفة (٢) وسائر الفقهاء، إلا الشافعي.
غير أن أبا حنيفة يقول: الابن والأب سواء، من شاء منهما زوجها (٣).
وروي عنه: [الابن] (٤) أولى من الأب والجد.