← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

فإن قيل: فإن السيد أزال ملكه على بدل، وكل من أزال ملكه على بدل يحصل له وتعذر تسليم ذلك البدل؛ [رد] (١) قيمة المبدل إن كان تالفا، ورد المبدل نفسه إذا كان قائما، ألا ترى أنه لو ابتاع سلعة بسلعة، واستحقت السلعة التي هي الثمن، وخرجت مغصوبة؛ رد السلعة التي ابتاعها إن كانت قائمة، وإلا قيمتها إن كانت تالفة، وكذلك لو طلقها على أن تعطيه عبدا واستحق؛ ردت مهر مثلها وهو قيمة البضع؛ لأن البضع متلف، كذلك أيضًا لما لم يمكن رد العتق؛ رجب أن ترد قيمة العتق. قيل: إن السيد أزال ملكه إلى ما لا يصح أن يكون عوضا عن العتق وهو النكاح، ولا أن يكون العوض أيضًا في النكاح هو العتق، فنفذ العتق ولم يثبت العوض، كما لو تزوجها على زق خمر عندنا، أو أعتقها على زق خمر عندنا وعندكم، فإن العتق ينفذ، والسيد قد زال ملكه على عوض لم يصح أن يكون عوضا. وعلى أن هذا ينتقض عليهم في أنه أزال ملكه إلى بدل يملكه [رقيقه] (٢)، ومع هذا فلا يلزم فيه البدل، فأما الخلع؛ فكذلك لو خالعها على ما لا يصح أن يكون عوضا مثل الخمر أو الخنزير؛ نفذ الخلع، ولم يكن له شيء، فأما إذا خالعها على عبد فاستحق؛ فإنه يوضع عندنا بقيمته لا بصداق المثل؛ لأنَّهُ خالع على ما لا يصح أن يكون عوضا، والخلع يقع بعوض وغير عوض، فإذا لم يصح العوض؛ وقع الطلاق، ولم يكن له شيء في العبد، لما صح أن يكون عوضا رجع بقيمته إذا استحق؛ لأن الخلع لا يتقدم ولا

стр. 2522

البضع، فلم يرجع فيه إلى صداق المثل. وعروض مسألة الخلاف بيع سلعة بسلعة، فإذا استحقت إحداهما؛ رجع الآخَر إلى سلعته، وكان ينبغي أن يرجع في العتق إلى الرق، وفي الخلع إلى الزوجية، فلما نفذ ذلك ولم يرجع فيه مع إمكان جواز ذلك في الشريعة ولم يكن البدل مما يتملكه على وجه العوض؛ لم يثبت حكمه كما ذكرناه في العتق على الخمر والخنزير. وبالله التوفيق. * مَسْألة (١٦): الأخ عندنا أولى بإنكاح أخته جدها (١). وعند الشافعي أن الجد أولى (٢). والدليل لقولنا أن ولايات النكاح تختص بالتعصيب، فكل من كان تعصيبه أقوى؛ كان أولى، والأخ أولى تعصيبا من الجد؛ لأن الأخ يدلي بالبنوة، [والجد يدلي بالأبوة] (٣)، والأخذ [بالبنوة] (٤) أقوى؛ لأن الأخ يقول لأخته: أنا ابن أبيك، والجد يقول: أنا أبو أبيك، فهو أقوى تعصيبا، وعندنا

стр. 2523

أن ابنها أولى من أبيها بإنكاحها. ونستدل عليه بعد هذا (١)، فقد استمر ما نقصده من قوة التعصيب في النكاح في الأخ على الجد. فإن قيل: فإن أمر النكاح مبنيّ على التعصيب والشفقة، والجد أشفق من الأخ، ألا ترى أن الأب أولى من كل ولي لهذا المعنى، فهو في طلب الحظ لها أقوى من الجد (٢)، فكذلك يجب أن يكون الجد أولى من الأخ بهذا المعنى. قيل: الأخ أغير على أخته من جدها في طلب الحظ والاحتياط لها أكثر من الجد، وليس أمر النكاح مبنيا على الشفقة، وإنما هو مبنيّ على طلب الكفاءة، ولئلا يدخل العار، والأخ أبلغ في الغيرة على أخته من جدها، فهو محتاط لها في الكفاية أكثر من احتياط الجد، ولهذا المعنى اختص الأب في بنته. فإن قيل: فإن للأب تعصيبا وولادة، والجد كذلك، فلما كان الأب أولى من الأخ؛ كان كذلك الجد. قيل: الأب له تعصيب وولادة محضة، يحوز [بها] (٣) الميراث والولاء مع وجود الأخ، والجد ليس كذلك، فلما استوى حكم الجد مع الأخ في الميراث وقوي تعصيب الأخ -لأنَّهُ يحوز الولاء دون الجد عندنا-؛ كان أولى بإنكاحها.

стр. 2524

وقد قلنا: إن أمر النكاح يختص بالتعصيب، فمن كان تعصيبه أقوى مع كونه أطلب لها في طلب الكفاءة؛ كان أولى (١). على أن قياسهم سقط على أصلنا؛ لأن للأب تعصيبا وولادة، والأب له تعصيب محض، وعندنا أن الابن أولى بإنكاح أمه من أبيها لقوة تعصيبه. فلو قاسوا ذلك على الأخ للأب مع الأخ للأب وللأم، وأن الأخ للأب والأم لما جمع التعصيب وزاد بالرحم؛ كان أولى من الأخ للأب، فكذلك الأخ مع الجد. قيل: إن التعصيب في الأخ للأب والأم والأخ للأب من جهة واحدة متساوية، وللأخ للأب والأم مزية (٩٣) من جهة الرحم، فيقدم عليه لذلك، وليس كذلك الجد؛ لأن تعصيبه يضعف عن تعصيب الأخ، ورحم الجد أقوى من رحم الأخ، فاعتدلا في الميراث بذلك، وليس هكذا حال الأخوين، فعلم أن الرحم لها مدخل في الميراث، وليس لها مدخل في المناكح [] (٢) بالتعصيب المحض أو به وبالرحم يكون دخول الرحم كالتبع للتعصيب. فإذا تقرر هذا؛ فالذي ينبغي أن يراعى من قوي تعصيبه، مع كونه أغير عليها في طلب الكفاءة، وهنا في الأخ موجودة. فإن قيل: فإن الجد له الولاية في مالها بنفسه، ويجبرها على النكاح كالأب.

стр. 2525

قيل: ليس هكذا عندنا، وهو والأخ في ذلك سواء، وقد تقدم الكلام في ذلك. وعلى أن مالكا قد قال فيمن لا تزوج إلا بإذنها: إن الأولياء كلهم سواء، وإن من عقد عليها منهم بإذنها؛ جاز، لا فرق في ذلك بين الأب والجد والأخ والعم؛ لأن كل واحد منهم لا يصل إلى العقد عليها إلا بإذنها، وأن من كان منهم وضعها في غير كفء؛ فللناس الاعتراض عليه، وإن كان لها ولي واحد فرضيا بغير كفء؛ لأن الحق لا يخرج عنهما جميعا. فعلى هذه الرواية يصير تقديم بعضهم على بعض مستحبا. مسألة (١٧): الابن أولى بإنكاح أمه من أبيها ومن سائر الأولياء عندنا (١) وعند أبي حنيفة (٢) وسائر الفقهاء، إلا الشافعي. غير أن أبا حنيفة يقول: الابن والأب سواء، من شاء منهما زوجها (٣). وروي عنه: [الابن] (٤) أولى من الأب والجد.

стр. 2526

وروي عنه أنهما أولى منه. وأحمد بن حنبل يقول: الأب أولى من الابن، والابن أولى من الجد والأخ والعم وغيرهم (١). وإسحاق يقول مثل قولنا (٢). وقال الشافعي: (٩٤) لا يزوج الابن أمه بالبنوة، ولا ولاية له عليها، وإنما يجوز له أن يزوجها إذا كان مولى لها كان اشتراها فعتقت عليه، أو يكون حاكما، أو ليس لها من العصبات غيره، أو يكون عصبة لها مثل أن يكون أبوه ابن عمها، فيكون ابنها منه ابنَ ابنِ عمها، فهو عصبة لها (٣). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٤). فأمر المؤمنين أن يوقعوا النكاح على الأيامى منهم، ولم يفرق بين أن يكن أمهات أو غيرهن. فإن قيل: هذا خطاب للأولياء أو للحكام. قيل: هذا لجميع المؤمنين عموما؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٥).

стр. 2527

على أن الابن عندنا ولي كابنها الذي هو من عصبتها (١)؛ لأنه يحوز المال كله إلا السدس مع وجود الأب، ويختص بولاء مواليها دون أبيها كابنها الذي هو ابن ابن عمها، لا فرق بيّن بينهما في ذلك، فإذا كان التزويج بالولايات إلى العصبات؛ فأقرب العصبات البنون دون الآباء بما ذكرناه. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٢)، فدليله أنهم إذا آمنوا؛ أنكحناهم، ولم يفرق بين أن ننكحهم الأمهات أو غيرهن. فإن قيل: هذا خطاب للأولياء. قيل: ما قبل الآية يدل على أنها عموم. وعلى أن الابن ولي، ونذكر ما قدمنا ذكره، ثم نقول: هو [ذكر] (٣) بالغ، عاقل، حر، يحوز جميع المال في الولاء مع وجود الأب، فوجب أن يكون أولى بالعقد منه، أصله إذا كان ابن ابن عمها. ونقول أيضًا: هو ذَكر يستغرق جميع مالها إذا انفرد بالميراث، [فجاز] (٤) له أن يزوجها كالأب. فإن قيل: ينتقض بالأخ مع وجود الأب. قيل: عنه جوابان:

стр. 2528

أحدهما: أنه إن زوجها؛ جاز مع وجود الأب في إحدى الروايتين؛ لأنها ثيب (١)، وإذا قلنا: إنه مستحب أن يقدم الأب؛ فإن (٩٥) التعليل وقع لجواز العقد عليها في الجملة، ثم أيّ وقت يعقد؟ وفي أي حال؟ لم يقصده بالتعليل، وأنتم لا تجوزون له العقد عليها بكل حال، فلم ينتقض تعليلنا. وأيضًا فقد دللنا على أن الابن أقوى تعصيبا من الأب بحوزه جميع المال إلا السدس مع وجود الأب، ونفرض للأب معه السدس كما تفرضون للأب، ويختص الابن بالولاء دونه، فإذا جاز للأب أن يزوجها؛ كان الابن أولى بذلك منه. وأيضًا فقد روي "أن رسول الله ﷺ خطب أم سلمة فقالت: مالي ولي حاضر، فقال ﷺ : مالك ولي حاضر ولا غائب إلا ويرضاني، قم يا عمر فزوج أمك". وروي أنه قال: "قم يا غلام زوج أمك" (٢). وروي أن أنس بن مالك زوج أمه أم سليم (٣). فإن قيل: الاعتراض على حديث أم سلمة من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه كان خاصا للنبي ﵇ أن يتزوج بلا ولي (٤).

стр. 2529

وأيضًا قال لعمر: "زوج أمك" استطابة له، لا أنه جعله وليا في الحقيقة (١)، ألا ترى أن عمر كان صغيرًا، والصغير بالإجماع لا ولاية له على أمه (٢). والدليل على أنه كان صغيرًا؛ قولها: مالي ولي حاضر (٣). والثاني: أننا نسلم لكم أنه كان كبيرًا، ولكنه كان أبوه ابن عمها؛ لأن أم سلمة مخزومية، وأبو سلمة مخزومي، فابنها منه ابن ابن عمها؛ لأن نسبها يرجع إلى عبد الله بن مخزوم (٤). والثالث: أن وليها كان غائبا، والولى إذا كان غائبا؛ كانت الولاية إلى الحاكم والإمام، فالنبي ﵇ وكله في تزويجها منه ﵇، فكان عمر وكيله ﵇ (٥). قيل: أما الفصل الأول [بأنه] (٦) ﵇ مخصوص بأن يتزوج بلا ولي؛

стр. 2530

فإنه يحتاج إلى دلالة، وليس إذا خص بشيء في النكاح بدلالة؛ وجب أن يكون مخصوصا في كل شيء منه بغير دلالة. على أنه لو كان (٩٦) مخصوصا بذلك لقال لها: وما حاجتك إلى الولي، فإني أنا مخصوص بالتزويج بلا ولي، حتى يستفيد ذلك من جهته ﵇ ويعلمه من حضر، فلما قال لها: "مالك ولي حاضر ولا غائب إلا وهو يرضاني"؛ علم أنه اعتبر الولاية ورضاهم به، ثم لم يقنع بذلك حتى قال لابنها: "قم فزوج أمك". وأما قولكم: "إنه ﵇ استطاب قلب عمر"؛ فإن الصبي على قولكم لا يصح منه عقد (١)، ولا لاستطابة قلبه حكم، فعلم أنه اعتبر ولايته وإن كان صغيرًا، فلعله مراهق (٢)؛ لأنه ﵇ لا يأمر من لا يتعلق عليه حكم بأن يزوج (٣)، ولكنه كان في حكم البالغ العاقل فأمره بذلك. وقولها: "ما لي ولي حاضر"؛ فيجوز أنها لم تعلم بحضور عمر، ألا

стр. 2531

تراه ﵇ قد أثبت لها وليا حاضرا بقوله: "مالك ولي حاضر ولا غائب إلا وهو يرضاني"، ثم قال: "قم يا عمر فزوج أمك". ثم قد يجوز أن يكون علمت بحضور ابنها عمر، غير أنها لم تعلم أن الأبناء يزوجون أمهاتهم، وقد زعمتم أنه كان ابن ابن عمها وهي لم تعلم أنه يجوز له تزويجها. وأما الفصل الثاني وتسليمكم أن عمر كان كبيرًا ولكنه ابن ابن عمها فإنها مخزومية وأبو سلمة مخزومي؛ فإننا نقول: ليس كل من كان مخزوميا يجوز له أن يزوجها، ألا ترى أن العرب الذين يرجعون إلى عدنان وقحطان لا يجوز أن يزوج بعضهم بعضا حتى يعلم العصبة التي يتصل بعضها ببعض، ويرجعون إلى أب واحد يجمعهما بضبط ومعرفة، كما يعمل في المواريث، وأننا لا نورث بني عقيل كلهم من رجل [عقيلي] (١) يموت لا نعرف له عصبة مضبوطة، فنقول يأخذ ماله وتركته بنو عقيل؛ لأنهم يرجعون إلى أصل واحد، فإذا كان هذا هكذا؛ فالتزويج كذلك، وكيف يكون ابن عمها وهي تقول: لا ولي حاضر، ويقول النبي (٩٧) ﵇ ما قال، ولا يقول لها: هذا وليك. وأما الفصل الثالث وأن الولي كان غائبا فكانت الولاية إلى النبي ﷺ ، فوكل عمر؛ فإننا نقول: ليس يخلو حال عمر من أن يكون صغيرًا أو كبيرًا، عصبة لها أو غير عصبة، فإن كان صغيرًا (٢)؛ فوكالة الصغير لا تجوز، وإن كان كبيرًا لا ولاية له؛ لأنه ليس من عصبتها، فكان ينبغي أن يبين ﷺ بأن

стр. 2532

الولاية إليه، ويكون قوله لها: أنا وليك، ثم يوكل غير ابنها حتى يعلم أنه لا ولاية له أصلا، فلا يلبس على الحاضرين أن الابن يزوج أمه، فإنما قال لها: "ما لك ولي حاضر ولا غائب إلا وهو يرضاني"، فاعتبر الولاية من رضاهم، ثم أمر عمر بأمر يتعلق على البالغين [من] (١) أن له ولاية. وإن كان عمر كبيرًا وهو ابن ابن عمها؛ فكيف تقول المرأة: "لا ولي لي حاضر"، وكيف يغفل النبي ﷺ أن يقول لها: هذا عمر ابن عمك وهو كبير فهو وليك، ولا يكون النبي ﷺ موكلا له؛ لأنه بالغ وهو عصبة لها (٢). فإن قيل: فإنها قضية في عين، تحتمل ما نقول وما تقولون، فلا يكون

стр. 2533

لكم في ذلك دلالة. قيل: إنها وإن كانت قضية في عين؛ ينبغي أن يستفاد بها ما اختلفنا فيه، ولا تحمل على موضع الاتفاق إلا بدليل، فكيف وقد أزلنا الاحتمال. فإن قيل: فإن خبر أنس إنما جاز له ذلك لأنه كان ابن ابن عمها (١). قيل: الجواب عنه كالجواب الذي قبله، وأنه ينبغي أن يحمل على ظاهره في أنه ابنها يزوج بالبنوة؛ لأنه لم يذكر فيه أنه كان ابن ابن عمها، فالظاهر أن ابنها زوجها بالبنوة حتى تحصل الفائدة من غير موضع الاتفاق. فإن قيل: فإن البنوة لمعنى [لا يزوج الأب بحال] (٢) فوجب أن لا يجوز للابن أن يزوج بها، أصله الرضاع وغيره، وهو أنه إذا كانت (٩٨) له بنت من رضاع لما لم يجز لابنه أن يزوجها بحق الرضاع لم يجز أن يزوجها بحق [الرضاع] (٣). كذلك أيضًا لما لم يجز للأب أن يتزوج هذه إذا طلقها وكانت زوجته بالبنوة؛ لم يكن للابن أن يزوجها بها. قيل: هذا منتقض بالابن إذا كان حاكمًا فإنه يزوج أمه، وأبوه لا يزوجها. فإن قيل: فإن أباه أيضًا يزوجها بالحكم.

стр. 2534

قيل: وكذلك في مسألتنا أبوه يزوجها بأن يرد ابنه منها ذلك إليه، وإنما ينبغي أن يزوجها الأب بالمعنى الذي يعتبرونه من التعصيب، وكذلك الابن. فأما الرضاع؛ فلا حق فيه يثبت الولاية والتعصيب للأب ولا للابن. فأما مسألتنا؛ فقد دللنا على تعصيب الابن، وليس إذا لم يكن للأب أن يزوج لمعنى فيه؛ وجب أن لا يزوج الابن، ألا ترى أن الابن الذي هو عصبتها لو كان أبوه كافرًا أو مجنونًا؛ لم يكن له أن يزوجها، وإن كان ابنه يزوجها. فإن قيل: قد يكون الأب مسلمًا يزوجها. قيل: قد يكون الأب - وإن لم يكن عصبة - واليًا في النكاح بأن يكون حاكمًا، أو يأذن له ابنه في ذلك، وجملة الأمر أننا قد دللنا على أن الابن عصبة لها كابنها الذي هو ابن ابن عمها. فإن قيل: فإن العكس أنها تشهد لما قلناه؛ وذلك أن الولاء والنسب وغيره لما جاز للابن أن يزوج به؛ جاز للأب أن يزوج به، وذلك إذا أعتق إنسان أمته؛ جاز له تزويجها، فإن جن؛ كان لابنه أن يزوجها بذلك الولاء، وكذلك النسب. قيل: المراعي هو أن يكون الابن عصبة في نفسه، وقد دللنا عليه، وليس يعتبر الأب؛ لأن الابن لو كان من زنا بغير أب؛ لكان عصبة في نفسه يحوز جميع مالها، والولاء الذي لها بحيث كانت العصبة موجودة، وكان ممن (٩٩) يزوج؛ فإنه ولي في النكاح.

стр. 2535

فإن قيل: فإن النسب إلى الآباء لا إلى الأمهات، ألا ترى أن ولد العامي من العلوية والهاشمية عامي مثل أبيه، وولد العامية من العلوي علوي مثل أبيه، فإذا كان النسب إلى الآباء لا إلى الأمهات؛ فالابن لا ينسب إلى الأم؛ لأن نسبه ليس إليها، وهي أيضًا لا تنسب إليه، ولا هما ينسبان إلى شخص واحد، فصار الابن كالأخ للأم لا يجوز له أن يزوجها؛ لأنه لا ينتسب إلى أخيه من أمه، ولا هي تنسب إليه، ولا هما ينسبان إلى شخص واحد؛ لأن أبويهما أجنبيان، فنقول: إن المنكوحة لا تنسب إليه، ولا ينسب إليها، ولا هما ينسبان إلى شخص واحد، فوجب أن لا يجوز له أن يزوجها، أصله الأخ [للأم] (١)، ألا ترى أن الأب جاز له أن يزوجها لأنها تنسب إليه، والأخ يجوز له أن يزوجها؛ لأنهما ينسبان إلى واحد وهو الأب، ويجوز للعم أن يزوجها؛ لأنهما ينسبان إلى الجد، فصار الابن في مسألتنا، كالأخ للأم (٢). قيل: [أما] (٣) النسب الذي ذكرتموه وأنه لا يكون إلى الأم؛ فغلط؛ [لأنه] (٤) يجوز أن يكون إلى الأم، ألا ترى أنه لو كان من زنا؛ لكان نسبه إلى أمه، ولو كانت أمه ولد زنا؛ لصح أن تنسب إلى ابنها أيضًا، فليس كل نسب يرجع إلى أب. على أنه ليس المراعى في النكاح وقوع النسب، ألا ترى أن الحاكم يزوج ولا نسب بينه وبينها ولا بين ابنها، فالمعتبر الولاية، فحيث حصلت؛

стр. 2536

جاز التزويج، وقد بينا ولاية ابنها وتعصيبه في نفسه بما ذكرنا من ميراثه (١). ثم يشهد لما قلنا من اعتبار الولاية دون النسب أن ابنها الذي هو عصبتها تنسب معه أمه، [ولما] (٢) كان كافرًا أو مجنونًا أو صغيرًا؛ لم يزوجها وإن كان نسبه معها ثابتًا، وليس أنسابهما إلى شخص واحد ما يثبت معه الولاية في التزويج، (١٠٠) فالمراعي وجود الولاية سواء كانت من جهة التعصيب أو غيره. على أننا قد بينا أن ابنها أقرب عصباتها، ولا يجدُّ له معنى يستحق به المال كله منها، والولاء من جهتها؛ إلا كونه عصبة، فلا فرق بين أن يكون أبوه مناسبًا لها أو غير مناسب، فإذا ثبت هذا؛ ثبتت ولايته في إنكاحها، فأما الأخ للأم؛ فإنما لم يزوجها لأنه لا تعصيب له أصلًا، ألا ترى أنه يأخذ بالفرض كما تأخذ الأم، والزوجة، والجدة، والأخت للأم، ومن أشبههم ممن لا يأخذ إلا بالفرض حسب، وليس كذلك ابنها؛ لأنه لا يأخذ بالفرض أصلًا، فإنما يأخذ جميع ما يأخذ بالتعصيب التي لولاها لم يأخذ المال كله والولاء، ويأخذ الأب السدس من المال سواء [والولاء] (٣)، فهو أقوى من الأب، ولا فرق بينه وبين ابنها الذي هو ابن ابن عمها. فإن قيل: فإن الولاية إنما طلبت في النكاح احتياطًا لها، وطلبًا للحظ لها، ولا يجوز لابنها هذا أن يزوجها بحق البنوة؛ لأنها لا تنفك من العار والامتعاض، فلو جوزنا له تزويجها بتعصيب البنوة؛ لأدى إلى إبطال معنى

стр. 2537

الولاية؛ لأنه يؤخر تزويجها لما يتعلق من العار بالبنوة، وفي تأخير الإنكاح ضرر عليها، فلم يجز، ولا يدخل على هذا إذا كان ابنها عصبتها؛ لأنه اجتمع فيه تعصيبان: تعصيب البنوة، وتعصيب بني العمومة، ولا يتعلق العار بتعصيب بني العمومة، وإن كان يتعلق بتعصيب البنوة، فهو إذا زوجها وهو ابن ابن عمها؛ انفك من العار؛ لأنه يعتقد أنه يزوجها بتعصيب لا يتعلق عليه العار على الانفراد. قيل: قد قلتم الأمر على حقيقته؛ لأن الولاية جعلت في النكاح إلى العصبة لطلب الحظ والاحتياط لها في أن لا تضع نفسها في غير كفء، فيدخل عليها وعليهم العار في ذلك، والتعصيب (١٠١) لا يمنع دفع العار عن الأولياء، وإذا كان الولي الذي ليس بابن لها لا يختار دخول العار عليه في وضع أخته أو بنت عمه فيمن لا يشبهه، فإذا انضافت إليه البنوة؛ كان أولى بأن يدفع العار عن نفسه، فابنها الذي هو ابن ابن عمها يلحقه من العار أكثر من أبيها الذي اختلفنا فيه، فينبغي أن لا يزوجها ابنها الذي هو عصبتها، ويكون أبعد في تزويجها لما ذكرناه، ثم كيف ينفك من العار وإن كان ابن ابن عمها وهي أمه إن كان غرضهم أن عار تزويج أمه يلحقه من أجل أنها تزوجت حسب، سواء كان كفؤًا وغيره، فليس ينفك من هذا، سواء كان عصبتها أو غيره، وإن كان من أجل أن زوجها لا يكون كفؤًا؛ فهو في ابنها الذي هو ابن ابن عمها أولى لما ذكرناه، فسقط ما ذكروه. فإن قيل: فإنه لا يخلو ولايته عليها بالبنوة إما أن يكون استفادها بالأب أو بالأم، فيبطل أن يكون بالأب؛ لأن أباه أجنبي منها، وبطل أن يكون منها؛ لأنه لما لم يكن لها الإنكاح؛ لم يثبت له بها الإنكاح، فعلم أنه لا ولاية له

стр. 2538

عليها بحال، قالوا: وهذا على أصلنا. قيل: قد أخللتم بقسم آخر، وهو أنه استفاد تعصيبًا من جهتها وتعصيبًا من جهة أبيه؛ لأنه متولد منهما جميعًا، فإذا لم يثبت لأبيه أن يزوجها لعلة من العلل؛ لم يبطل حقه هو في تزويجها، ألا ترى أن أباه الذي هو ابن عمها لو كان عبدًا أو كافرًا؛ لم يجز له أن يزوجها، وكان لابنها منه أن يزوجها. على أننا قد بينا أنه قد استفاد التعصيب الذي به يأخذ المال كله إلا السدس مع وجود الأب، والولاء كله، كابنها الذي هو ابن ابن عمها، وإلا فأي شيء المعنى الذي يستحق به ذلك. فإذا ثبت أنه يأخذ بالتعصيب؛ فله الولاية، (١٠٢) سواء استفاد التعصيب من جهتها فجعل الله تعالى ذلك له في هذه المسألة، أو من جهة أبيه الذي هو عصبتها. وليس يُمنع أن يجعل الشرع تعصيبًا في هذه المسألة يأخذ به الميراث على الوجه الذي يأخذ به ابنها الذي هو ابن ابن عمها، فتكون له الولاية عليها به كما أخذ الميراث. [على أن ما ذكروه يبطل] (١) بامرأة أعتقت أَمتها فصارت حرة، ثم جُنَّت مولاتها التي أعتقتها ولها ابن؛ فإن المولاة المعتقة لا يزوجها بحال، وإذا جُنت (٢) فابنها يزوج. فإن قيل: فإن هذا يزوج بالولاء.

стр. 2539

قيل: الولاء يستحق بالتعصيب، وما استفاده إلا من جهة أمه، ألا ترى أن أمه لو ماتت؛ انتقل الولاء إليه من جهتها لا من جهة غيرها حتى صار به أحق من أبيها ومن كل عصبة. فإن قيل: فإن الولاء طُلب في النكاح لدفع العار [عن] (١) النسب؛ لأنه لو لم يجعل أمرها إلى الولي؛ لوضعت نفسها في غير كفء، وكان العار يلحق بالنسب، وإنما يدفع العار عن النسب من كان مناسبًا لها، وابنها ليس بمناسب لها، ولا هي مناسبة له. قيل: قد بينا أن ولد الزنا ينسب إلى أمه، وهي تنسب إليه لو كانت من زنا أيضًا. على أن الولاية حصلت للعصبة؛ لأنهم يدفعون العار عن نفوسهم، وهذا ابنها عصبة لها بما ذكرناه، فهو أحق بدفع العار عن نفسه من أبيها، ألا ترى أنه لو لم يكن لها ولي غير ابنها الذي هو ابن ابن عمها؛ لكان له أن يزوجها، ويدفع العار عن نفسه [إن] (٢) لم يكن لها مناسب غيره يدفع عنه ذلك. فإن قيل: فإن ابنها هذا أقوى تعصيبًا من أبيها في باب الميراث، فأما في التزويج؛ فلا؛ لأن باب الميراث أوسع من باب التزويج، ألا ترى أن الجد يمنع بالتعصيب (١٠٣) تارة، وبالرحم تارة، فالأخ للأم يرث ولا يزوج، كذلك الابن يرث منها لوجود الرحم، ولا يزوج لعدم النسب.

стр. 2540

قيل: نحتاج أولًا أن ننظر لأي معنى ورث، وقد علمنا أنه لا يرث بالرحم حسب؛ لأننا نعلم أن كل ذي رحم لا تعصيب فيه ولا معنى التعصيب لا يرث مع الأب كل المال إلا السدس، ولا يرث شيئًا من الولاء، وهذا الابن يأخذ ما ذكرناه كما يأخذه ابنها الذي هو ابن ابن عمها، فكيف يرث بالرحم، بل هو يدلي إليها بها وإن لم يُدْل بابنه، فقد بان بهذا صحة ما ذكرناه، ورد الابن إلى الابن الذي هو ابن ابن عمها؛ أولى من رده إلى ذوي الأرحام في باب القياس، وبالله التوفيق. ونقول أيضًا: إن هذا الابن ولي لها في استيفاء القصاص، فوجب أن يكون وليًا في النكاح كالأب. وأيضًا فإن الولاية متعلقة بالتعصيب أو الإرث الذي [يوجد] (١) على وجه التعصيب في ذوي الأنساب؛ بدليل ما ذكرناه: أن الأب والجد لو كانا عبدين، أو كافرين؛ لم يكن لهما ولاية لزوال المعنى الذي ذكرناه، وإلا يزوجها بالتعصيب، فينبغي أن يزوجها (٢). وأيضًا فإن الابن لا يحجب عن الميراث كالأب، فينبغي أن يكون سؤالكم بهما ممن يزوج، وكابنها الذي هو عصبة.

стр. 2541

مسألة (١٨): ويجوز تزويج العربية، علوية (١) كانت أو عباسية (٢) أو قرشية [بمولى] (٣) وغيره من المسلمين (٤)، لأن الكفء عندنا هو المسلم الديِّن، سواء اتفق الأولياء كلهم عليه ورضوا به [أو] (٥) اختلفوا، فإنها إذا أذنت في تزويجها به؛ فليس لواحد من الأولياء عليهم الاعتراض في ذلك (٦). وقال أبو حنيفة (٧) والشافعي: إنها إن رضيت هي والأولياء كلهم به؛ جاز، وإن أبوا كلهم ورضيت هي؛ لم يجز، وإن رضي الأولياء (١٠٤) وأبت هي؛ لم يجز، وإن رضيت هي والأولياء إلا واحد منهم؛ فله فسخه (٨). وللشافعي قول إنه يكون في نفسه مفسوخًا (٩).

стр. 2542

ومن الناس من يقول (١): إنها إن رضيت هي وجميع الأولياء بذلك؛ لم يصح؛ لأن العار يدخل على غيرهم من المناسبين ممن لم يوجد، ولعله أن يوجد في ثاني؛ لأن الكفاءة ودفع العار عنها وعن الأحياء ليس هو حقًّا لهم دون من يأتي بعدهم. والدليل لقولنا إنها إذا رضيت لم يكن للأولياء أن يمنعوا وأنه يجوز قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢). فأمر تعالى بإنكاحهن، ولم يخص عينًا من عين، فهو عموم إلا أن يمنع منه دليل. وأيضًا قوله جل اسمه: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٣). فدليله أنهم إذا آمنوا جاز أن يُنكحهم؛ لأنه تعالى إنما منع من إنكاحهم لكونهم مشركين، ولم يخص عينا من عين، فهو عموم إلا أن تقوم دلالة. وأيضًا قول النبي ﵇: "لا نكاح إلى بولي" (٤). فدليله أنه إذا عقد بولي؛ كان نكاحًا شرعيًا، ولم يفرق بين الناكحين، فهو عموم في الأزواج إلا أن يقوم دليل. وقوله ﵇: "البغايا اللاتي يزوجن أنفسهن" (٥).

стр. 2543

فدل على أنهن إذا زوجهن غيرهن؛ لم يكن بغايا، وفائدة الحديث أن التزويج يكون صحيحًا إذا لم يزوجن نفوسهن. وأيضًا فإن العقد إذا وقع على ما قلناه؛ وجب الوفاء به لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١)، والوفاء بحكمه هو إقراره لا إبطاله. وأيضًا قول النبي ﷺ : "إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" (٢).

стр. 2544

وروي: "وفساد عريض" (١). فاعتبر ﵇ الدين والأمانة، ولم يضف إلى ذلك النسب. وأيضًا فإنه إجماع الصحابة مع فعل النبي ﵇، وذلك أن النبي ﵇ زوج بنته رقية وأم كلثوم من عثمان (٢)، ونسبه ﵇ فوق نسبه. وزوج (١٠٥) بنته زينب من أبي العاص (٣)، وبينهما ما لا خفاء به. وتزوج أسامة بن زيد بفاطمة بنت قيس بعد قولها للنبي ﷺ : "قد خطبني معاوية وأبو جهم، قال لها ﷺ : أما معاوية؛ فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم؛ فلا يضع عصاه عن عاتقه، أنكحي أسامة بن زيد، فنكحته" (٤). وفاطمة بنت قيس قرشية من أعالي قريش (٥)، وأسامة كان مولى النبي ﷺ .

стр. 2545

وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب (١). وسالم مولى أبي حذيفة بفاطمة بنت أخت حذيفة (٢). وقد كان عمر ﵁ عزم على تزويج سلمان الفارسي بنته حتى قال عمرو بن العاص لسلمان: لقد تواضع لك أمير المؤمنين، فقال سلمان: لمثلي يُتواضع، والله لا تزوجتها (٣).

стр. 2546

فلولا أن ذلك جائز؛ لما فعله عمر؛ لأنه لا يدخل العار على نفسه وعشيرته، ولو لم يجز؛ لم يخل جمع من ذكرنا من ولي يعترض، أو يقال فيه: إنه غير جائز، ولو كان شيء من ذلك؛ لنقل حتى يعلم، فلما [جوزوا] (١) ذلك مع كثرة عشائرهم وأهلهم، ولم ينكر بعضهم على بعض؛ علم أنه لا معتبر بالنسب مع منع الجواز. وأيضًا فقد روي "أن أبا هند حجم النبي ﵇ على اليافوخ (٢)، فقال ﵇ لبني بياضة: أنكحوا أبا هند وانكحوا إليه" (٣). وبنو بياض من الأنصار، وأبو هند حجام، فدل أيضًا على جوازه، وأن لا تعتبر الصنعة (٤). فإن قيل: الأولياء والمرأة رضوا، وهذا يجوز عندنا. قيل: فلو كان النسب معتبرًا؛ لم يجز أن يحملهم النبي ﷺ على ما لا يختارونه مع دخول العار عليهم، وكان يستعلم رضاهم، فإن كرهوا سألهم، فدل على أن النكاح جائز. فإن قيل: فقد قال: "زوجوه"، ولعلهم لم يختاروا التزويج أصلًا.

стр. 2547

قيل: إنما أعلمهم جواز النكاح، ألا تراه قال: "أنكحوه وانكحوا (١٠٦) إليه" (١). وأيضًا فإنه قياس على العربي بعلة أنه مسلم ديِّن. فإن قيل: فقد روي أنه ﵇ قال: "زوجوا الأكفاء وتزوجوا إليهم" (٢). قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه رواه [الحارث بن عمران] (٣) عن هشام بن عروة، عن أبيه،، عن عائشة ﵂، عن النبي ﵇، و [الحارث] (٤) هذا قد عد فيمن يضع الحديث، فلم يلزم له حجة. والجواب الثاني: أن الكفاءة عندنا هي الدين لقوله ﷺ : "إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه" (٥). فمن أين لكم أن الكفاءة في النسب. فإن قيل: أراد إذا كان منهم.

стр. 2548

قيل: ليس هذا في الظاهر، فيحتاج إلى دليل يخصه. وقد روي عنه ﷺ : "لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى" (١). وقال [تعالى] (٢): ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣). فهو عموم في أمر الدنيا وفي أحكام الآخرة. فإن قيل: هو مذهب عمر؛ لأنه قال: "لقد هممت أن آمر الأولياء أن لا يضعوا إلا في الأكفاء" (٤). قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن الأكفاء في الدين لما ذكرنا عن النبي ﵇. والجواب الثاني: أنه هم ولم يفعل، وإنما قصد الاستحباب، ألا ترى أنه قد هم بتزويج سلمان ابنته (٥). وعلى أن الكفء يُحتاج إليه ليكفي الزوجة ما تحتاج إليه، وما يلزمه لها، ومن كان فيه دين وهو يقوم بكفايتها؛ لم يبخسها شيئًا من ذلك، فإن كان نسبه فوق نسبها؛ جاز وقد رضي بدون نسبه، وإن كان نسبها فوق نسبه أو مثله؛ جاز وقد رضيت بذلك، ومع الدين والصلاح لا يدخل العار على

стр. 2549

أحد، وفي النسب وعدم [الدين] (١) كل عار، وليس يكاد أن يتفق النسب والدين، وإنما يكون نادرًا، وقد يكثر الدين ويعدم فاخر النسب، فلا ينبغي أن يضيق الأمر مع وجود الكفاية والدين الذي يحرس من ظلمها عن مقدار كفايتها، وحسن عشرتها. وقد قال النبي ﷺ : "تنكح المرأة لدينها ومالها (١٠٧) وجمالها" (٢). فأخبر ﵇ أنها تنكح على هذا، ثم قال: "عليك بذات الدين تربت يداك" (٣). فجعل العمدة ذات الدين، فينبغي أن تكون العمدة في الرجل مثل ذلك. فإن قيل: فإنه معلوم أن العار يلحق العرب بمصاهرة النبط (٤).

стр. 2550

قيل: إذا حصل الدين؛ لم يحصل معه عار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١). وقال النبي ﷺ : "لا تأتوني بأنسابكم وأحسابكم وأتوني بأعمالكم" (٢). ألا ترى إلى تزويج النبي ﵇ بنته بعثمان (٣)، والنبي ﵇ هاشمي قرشي، وعثمان من بني عبد شمس. وقد ذكرنا حديث أمره ﵇ لفاطمة بنت قيس أن تتزوج بأسامة بن زيد (٤). وقول من قال: "إنها لو رضيت وجميع الأولياء بنسب ليس بعربي؛ لم يجز؛ لأن العار يدخل على من يوجد في ثان"؛ فقد بينا أن العار ينتفي مع الدِّين، ولو كان عارًا؛ لم يثبت إلا على الموجودين دون المعدومين. فإن قيل: فإن النسب معتبر في الكفاءة، بدليل ما روي عن ابن عباس أنه قال: "قريش بعضهم لبعض كفء، والعرب بعضهم كفء لبعض، والموالي بعضهم كفء لبعض إلا الحاكة والحجامين" (٥).

стр. 2551

فدل على أن قريشًا ليس بكفء لهاشم، والعرب ليس بكفء لقريش، والموالي ليس بكفء للعرب. قيل: عنه أجوبة: أحدها: أنه أراد أنهم أكفاء في النسب، فلا يفتخر بعضهم على بعضهم، ولعل هذا جرى على سبب، ولم يجر فيه ذكر النكاح. والجواب الآخر: هو أننا لا نمنع أن يكونوا أكفاء في النكاح، فيجوز نكاحهم، ولا يمنع هذا من جواز نكاح العزيز إلى المولى إذا كان هناك دين؛ لقوله ﵇: "إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" (١)، أي إن امتنعتم لأجل نسب وغيره كان فيه ذلك. والجواب الثالث: هو أن ابن عباس لو صرح بذلك، وأنه لا يجوز أن يزوج المولى بالعربية إذا اعترض أحد الأولياء؛ (١٠٨) لم يلزمنا قوله؛ لأنه

стр. 2552

يجوز أن يكون مذهبًا له، وأنتم وهو في الخلاف سواء؛ لأن معنا ما هو أقوى من قوله قد ذكرناه. فإن قيل: فإن الناس يعتقدون في العادة التفاضل في النسب، وأن الهاشمي أفضل من العامي، فإذا كان هذا في العادة موجودًا؛ وجب أن يكون معتبرًا في النكاح. قيل: إن أردت أنهم يريدون الأشراف؛ فلعمري، فأما في النكاح؛ فغير معتبر؛ لأن النبي ﷺ زوج بنته من عثمان (١). وقد ذكرنا حديث أسامة مع فاطمة (٢) وغير ذلك مما تقدم. وقدمنا أن الدين يتبعه كل شيء، فإذا تزوج المسلم التقي بالعربية؛ فإن كان هو مولى لم يدخل العار على الأولياء؛ لأنه معلوم أنهم رغبوا فيه لدينه الذي يُجمِّل كل شيء، وأن فيه كفاية لمصالحها وما يلزمه لها، لا يخاف منه أن يبخسها شيئًا منه، ولا يلحقها ضرر من جهته، والعار إنما يلحقهم بالفاسق. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣). وليس من المعروف تزويج العربية [التي] (٤) لها الفخر والنسب بزبال ولا حارس.

стр. 2553

قيل: ولا من المعروف والعادة أن ترضى هي والأولياء كلهم بهذا، ومع هذا يجوز، وكلامنا في جوازه. ومن المعروف أن تزوج العربية من له دين ومال وإن كان مولى يجوز؛ وقد تزوج زيد بن حارثة مولى النبي ﷺ زينب بنت جحش وهي قرشية (١)، وتزوج بلال امرأة قرشية (٢). فَصْل على أبي حنيفة فإنه جعل مهر المثل من الكفاءة، حتى لو [نقصت] (٣) من مهر مثلها؛ كان للأولياء فسخ ذلك إلى أن يتمم لها مهر مثلها (٤). وقلنا والشافعي (٥): إن المهر حق لها دونهم، لا حق (١٠٩) للأولياء فيه ولا نظر، فإن دعت إلى كفء ورضيت بدون مهر مثلها؛ وجب على وليها أن يزوجها، ولم يجز له الامتناع منه، وإن زوجها ولي ولها أولياء غيره؛ لم

стр. 2554

يكن لهم الاعتراض على العقد (١). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢). فأمر بإنكاحهن ولم يخص مهرًا من مهر، فهو عموم حتى يقوم الدليل. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٣). فدليله أنهم إذا آمنوا أنكحناهم، ولم يخص مهرًا من مهر. وأيضًا قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤). وهذا عقد قد حصل بدون مهر المثل، فيجب أن يوفى بحكمه. فإن قيل: من الوفاء بحكمه تمام مهر المثل. قيل: هذا غلط؛ لأن العقد [لما] (٥) لم يجرد عن ذكر المهر؛ صح، فحكم العقد ما تعلق به حكم حق الله تعالى على التجريد، مثل أن لا يكون إلى أجل، أو بخيار، أو شغار، أو ما أشبه ذلك. وأيضًا قول النبي ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" (٦). فدليله أنه إذا عقده الولي؛ كان نكاحًا، فليس لنا في الأول الاعتراض عليه.

стр. 2555

وأيضًا قوله ﵇: "من استحل بدرهمين؛ فقد استحل" (١) وهذا عندنا على وجه التنبيه في جواز النقص من مهر المثل، وقد كان الظاهر يقتضي أن يكون مستحلًا بالدرهمين حسب، ثم قامت الدلالة على أنه لا يجوز حتى يزاد عليه ما يبلغ ربع دينار، ولم تقم دلالة على أنه لا يكون بأقل من مهر المثل. وأيضًا فإن خير البشر ﵇ زوج ابنته فاطمة - رضوان الله عليها - بأربع مائة درهم (٢)، ونقصان مهر المثل عند أبي حنيفة عار يدخل على الأولياء (٣)، ولا يجوز في صفة النبي ﷺ إدخال العار على نفسه وولده وعشيرته، (١١٠) فدل على أنه لا حرج في ذلك. فإن قيل: على هذا سؤالان: أحدهما: أن الأب إذا رضي بذلك؛ جاز. والآخر: هو أن ذلك لعله كان صداق مثلها فيما بينهم. قيل: عنهما جوابان:

стр. 2556

أحدهما: أن ذلك لو كان عارًا؛ لم ينبغ أن يسقط برضى الأب وحده؛ لأن العار والغضاضة باق عليها وعلى باقي الأولياء. والجواب الثاني: أنه كان ينبغي أن يكون صداق بنات رسول الله ﷺ فوق كل هذا، ومما يبالغ فيه إذ ليس [لهن] (١) مثلٌ، فلما زوجها ﷺ بما لعله دون صداق مثل أدنى نسائهم؛ دل على أنه على وجه التكرم والتفضل، إذ الغرض من النكاح المواصلة والمكارمة وابتغاء النسل، والشراء الغرض منه المكايسة والمتاجرة والمغابنة، ثم إذا نقص من مهر مثلها؛ شاع في الناس التفضل في ذلك والتكرم، وكان فيه [] (٢) بالعدة لا محالة. وقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان مهر بنات رسول الله ﷺ وأزواجه اثني عشر أوقية ونش، أتدرون ما النش؟ قالوا: لا، قالت: نصف أوقية، وهي عشرون درهمًا" (٣). وأيضًا فإن كل من لا يكون له الاعتراض عليها في جنس المهر؛ لم يكن له الاعتراض عليها والنقصان عن مهر المثل؛ أصله ابن الأخ مع وجود الأخ، والجد مع وجود العم، وابن العم مع وجود العم، وجنس المهر هو أن تتزوج بقشور الرمان والزجاج المكسر، عكس ذلك الزوجة؛ لما كان لها الاعتراض في قدر المهر؛ كان لها الاعتراض في جنسه. وأيضًا فنقول: إنها رشيدة تتصرف في بذل منفعتها، فوجب أن لا يعترض

стр. 2557

عليها فيه (١١١)، دليله إذا أجّرت نفسها بدون أجرة مثلها. أو نقول: هو بدل مستفاد بعقد يجوز لها إسقاطه بعد العقد، فوجب أن يكون لها نقصانه عن مهر المثل، ما لم يسقط به ما يتعلق بحق الله تعالى من دفع دينار في العقد؛ دليله إذا باعت مالها بدون ثمن المثل. وأيضًا فإن المهر لها لا للأولياء، الدلالة عليه هو: أن المهر إذا ثبت بالعقد؛ صار ملكًا لها، فلها أن تسقط أو تستوفيه، ولها أن تأخذ البدل عنه بغير إذن الأولياء، فعلم أنه حق لها لا لهم، فلم يكن لهم الاعتراض عليها في نقصانه؛ لأنهم إنما يعترضون في حقوقهم لا في حق الغير. فإن قيل: إن نقصان المهر عار يلحق العصبات، فهو كما لو وضعت نفسها في غير كفء. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه لا عار عليهم في نقصان المهر؛ لأنه مال لها، ولا عار عليهم في النقص من مالها (١)، كما لو سامحت في البيع والإجارة، بل فيه صد للعار؛ لأن الناس يحملون هذا على التكرم والتفضل، مع علمهم بأن صداق مثلها أكثر منه. والجواب الثاني: هو أن هذا القدر من العار لا يوجب لهم الاعتراض عليها فيه؛ لأنه بمنزلة ما تأخذ مهرها قشور الرمان والزجاج المكسر، فإن هذا فيه ضرب من العار، ولا يوجب لهم الاعتراض فيه، بل [لعله] (٢)

стр. 2558

[أخس] (١) من نقصان مهر المثل، ثم لم يكن الاعتراض لهم في هذا وإن كان فيه من العار في العادة أكثر مما اختلفنا فيه. فإن قيل: فإن في نقصانها من مهر المثل إضرارًا بنساء العصبة؛ لأنه يعتبر مهورهن بهذا الناقص. قيل: إننا لا نعتبر نحن مهور نساء عصبتها إذا زوجت، وإنما يعتبر مهر مثلها من نظرائها، سواء كانوا من عصبتها أو غيرهم، ثم لو اعتبرنا مهور نساء (١١٢) العصبة؛ لم يجعل هذا أصلًا؛ لأنه قد علم أنه قد سومح فيه وتكرموا بالنقص منه، فهو مخصوص، وإنما هو كالسلعة إذا أتلفت قومت بقيمة مثلها لا بما اشتريت به، ولا بمثل سلعة قد سومح فيها ووقعت مخصوصة. على أنه لو كان المعنى ما ذكروه؛ لوجب أن يكون الاعتراض لنساء العصبات؛ لأن الضرر يدخل عليهن في أنفسهن لا على العصبة، ثم إنه يفسد به إذا رضيه الأب مع وجود الجد، أو الأخ مع وجود ابن الأخ، أو واحد من أوليائها الذين هم أقرب، فإنه لا اعتراض في ذلك، والضرر داخل على نساء العصبات كما ذكروا، فسقط هذا. فإن قيل: فإن اليسار قد اعتبر لأجل المهر. قيل: ليس الكفاءة عندنا في اليسار، وإنما هي الدين، ثم لا يلزم من اعتبر اليسار في الكفاءة؛ لأنه لم يعتبر لأجل المهر، وإنما اعتبر لأجل النفقة التي تختلف، فإن كان معسرًا؛ أنفق نفقة المعسرين، والمهر على جهة

стр. 2559

واحدة، وحدٍّ واحد. وهذه المسألة مفروضة في الثيب الرشيدة التي لها أن تتصرف في مهرها، وتنقص منه، وتهبه بعد العقد. فأما البكر؛ فإن كان لها أب ورأى أن ينقص من مهر مثلها؛ جاز (١)، وإن لم يكن لها فنقصت من مهر مثلها؛ فإن الرواية قد اختلفت فيها، عن مالك فيها، فقال: هي في الحجر، وإن كانت بالغة؛ فلا تزوج بأقل من مهر مثلها وإن رضيت. وقد قال: يجوز. مسألة (١٩): إذا غاب عن البكر أبوها، وعمي خبره، وضربت فيه الآجال، ولم يعلم له مكان (٢)؛ زوجها أخوها بإذنها (٣).

стр. 2560

وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (١). وقال (١١٣) الشافعي: يزوجها السلطان دون باقي أوليائها. وكذلك يقول في الثيب إذا غاب أقرب أوليائها؛ [زوجها] (٢) السلطان، فإن كان وليها الأقرب حاضرًا غير أنه فاسق أو مجنون؛ زالت ولايته، وانتقلت إلى الأقرب من باقي العصبة (٣). فنتكلم أولًا في البكر. والدليل لقولنا عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٤).
следующие страницы →