← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

أحدهما: أن ذلك لو كان عارًا؛ لم ينبغ أن يسقط برضى الأب وحده؛ لأن العار والغضاضة باق عليها وعلى باقي الأولياء. والجواب الثاني: أنه كان ينبغي أن يكون صداق بنات رسول الله ﷺ فوق كل هذا، ومما يبالغ فيه إذ ليس [لهن] (١) مثلٌ، فلما زوجها ﷺ بما لعله دون صداق مثل أدنى نسائهم؛ دل على أنه على وجه التكرم والتفضل، إذ الغرض من النكاح المواصلة والمكارمة وابتغاء النسل، والشراء الغرض منه المكايسة والمتاجرة والمغابنة، ثم إذا نقص من مهر مثلها؛ شاع في الناس التفضل في ذلك والتكرم، وكان فيه [] (٢) بالعدة لا محالة. وقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان مهر بنات رسول الله ﷺ وأزواجه اثني عشر أوقية ونش، أتدرون ما النش؟ قالوا: لا، قالت: نصف أوقية، وهي عشرون درهمًا" (٣). وأيضًا فإن كل من لا يكون له الاعتراض عليها في جنس المهر؛ لم يكن له الاعتراض عليها والنقصان عن مهر المثل؛ أصله ابن الأخ مع وجود الأخ، والجد مع وجود العم، وابن العم مع وجود العم، وجنس المهر هو أن تتزوج بقشور الرمان والزجاج المكسر، عكس ذلك الزوجة؛ لما كان لها الاعتراض في قدر المهر؛ كان لها الاعتراض في جنسه. وأيضًا فنقول: إنها رشيدة تتصرف في بذل منفعتها، فوجب أن لا يعترض

стр. 2557

عليها فيه (١١١)، دليله إذا أجّرت نفسها بدون أجرة مثلها. أو نقول: هو بدل مستفاد بعقد يجوز لها إسقاطه بعد العقد، فوجب أن يكون لها نقصانه عن مهر المثل، ما لم يسقط به ما يتعلق بحق الله تعالى من دفع دينار في العقد؛ دليله إذا باعت مالها بدون ثمن المثل. وأيضًا فإن المهر لها لا للأولياء، الدلالة عليه هو: أن المهر إذا ثبت بالعقد؛ صار ملكًا لها، فلها أن تسقط أو تستوفيه، ولها أن تأخذ البدل عنه بغير إذن الأولياء، فعلم أنه حق لها لا لهم، فلم يكن لهم الاعتراض عليها في نقصانه؛ لأنهم إنما يعترضون في حقوقهم لا في حق الغير. فإن قيل: إن نقصان المهر عار يلحق العصبات، فهو كما لو وضعت نفسها في غير كفء. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه لا عار عليهم في نقصان المهر؛ لأنه مال لها، ولا عار عليهم في النقص من مالها (١)، كما لو سامحت في البيع والإجارة، بل فيه صد للعار؛ لأن الناس يحملون هذا على التكرم والتفضل، مع علمهم بأن صداق مثلها أكثر منه. والجواب الثاني: هو أن هذا القدر من العار لا يوجب لهم الاعتراض عليها فيه؛ لأنه بمنزلة ما تأخذ مهرها قشور الرمان والزجاج المكسر، فإن هذا فيه ضرب من العار، ولا يوجب لهم الاعتراض فيه، بل [لعله] (٢)

стр. 2558

[أخس] (١) من نقصان مهر المثل، ثم لم يكن الاعتراض لهم في هذا وإن كان فيه من العار في العادة أكثر مما اختلفنا فيه. فإن قيل: فإن في نقصانها من مهر المثل إضرارًا بنساء العصبة؛ لأنه يعتبر مهورهن بهذا الناقص. قيل: إننا لا نعتبر نحن مهور نساء عصبتها إذا زوجت، وإنما يعتبر مهر مثلها من نظرائها، سواء كانوا من عصبتها أو غيرهم، ثم لو اعتبرنا مهور نساء (١١٢) العصبة؛ لم يجعل هذا أصلًا؛ لأنه قد علم أنه قد سومح فيه وتكرموا بالنقص منه، فهو مخصوص، وإنما هو كالسلعة إذا أتلفت قومت بقيمة مثلها لا بما اشتريت به، ولا بمثل سلعة قد سومح فيها ووقعت مخصوصة. على أنه لو كان المعنى ما ذكروه؛ لوجب أن يكون الاعتراض لنساء العصبات؛ لأن الضرر يدخل عليهن في أنفسهن لا على العصبة، ثم إنه يفسد به إذا رضيه الأب مع وجود الجد، أو الأخ مع وجود ابن الأخ، أو واحد من أوليائها الذين هم أقرب، فإنه لا اعتراض في ذلك، والضرر داخل على نساء العصبات كما ذكروا، فسقط هذا. فإن قيل: فإن اليسار قد اعتبر لأجل المهر. قيل: ليس الكفاءة عندنا في اليسار، وإنما هي الدين، ثم لا يلزم من اعتبر اليسار في الكفاءة؛ لأنه لم يعتبر لأجل المهر، وإنما اعتبر لأجل النفقة التي تختلف، فإن كان معسرًا؛ أنفق نفقة المعسرين، والمهر على جهة

стр. 2559

واحدة، وحدٍّ واحد. وهذه المسألة مفروضة في الثيب الرشيدة التي لها أن تتصرف في مهرها، وتنقص منه، وتهبه بعد العقد. فأما البكر؛ فإن كان لها أب ورأى أن ينقص من مهر مثلها؛ جاز (١)، وإن لم يكن لها فنقصت من مهر مثلها؛ فإن الرواية قد اختلفت فيها، عن مالك فيها، فقال: هي في الحجر، وإن كانت بالغة؛ فلا تزوج بأقل من مهر مثلها وإن رضيت. وقد قال: يجوز. مسألة (١٩): إذا غاب عن البكر أبوها، وعمي خبره، وضربت فيه الآجال، ولم يعلم له مكان (٢)؛ زوجها أخوها بإذنها (٣).

стр. 2560

وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (١). وقال (١١٣) الشافعي: يزوجها السلطان دون باقي أوليائها. وكذلك يقول في الثيب إذا غاب أقرب أوليائها؛ [زوجها] (٢) السلطان، فإن كان وليها الأقرب حاضرًا غير أنه فاسق أو مجنون؛ زالت ولايته، وانتقلت إلى الأقرب من باقي العصبة (٣). فنتكلم أولًا في البكر. والدليل لقولنا عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٤).

стр. 2561

فخاطب جميع المؤمنين في إيقاع النكاح على الأيامى، فهو عموم في كل مؤمن إلا أن تقوم دلالة، وأخوها مؤمن وهي أيم. فإن قيل: لا دلالة في هذه الآية على موضع الخلاف؛ لأن الظاهر خطاب لكل المؤمنين جماعتهم في كل الأيامى، والواحد مع الأيم الواحدة خلاف الجماعة، فلم يدخل تحت الظاهر. قيل: هذا لفظ الجماعة، والمقصود منه كل واحد منهم بالإجماع، وقد علم أنه تعالى لم يرد أن المؤمنين لجماعتهم من وقت آمنوا إلى أن تقوم الساعة يعقدون على كل أيم توجد في حال واحدة كذلك، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١)، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٢)، المقصود منه كل إنسان في نفسه، وكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣). فإذا تقرر هذا؛ فإن كل مؤمن مخاطب في أن يُنكح الأيم إلا أن تقوم دلالة، وهذا لا يحيله العقل، والأول يحيله العقل. وأيضًا قوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤) خطاب للمؤمنين كل واحد في نفسه، فإذا آمن المشرك؛ أنكحه من خوطب بذلك، إلا أن تقوم دلالة. وأيضًا فقد عقد الأخ برضائها، وقد قال تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٥)،

стр. 2562

والوفاء به إمضاؤه لا إبطاله. وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (١)، بعد أن ذكر تحريم من نص عليه ممن لم يحرم على هذا الزوج، وقد ابتغاها بماله، (١١٤) فيتناوله الظاهر. وأيضًا قول النبي ﵇: "لا يَنكِح المحرم ولا يُنكح" (٢). فدليله أنه يُنكح إذا لم يكن محرمًا، وهذا الأخ غير محرم، فله أن يُنكح أخته وغيرها إلا أن يقوم دلالة. وأيضًا نهيه ﵇ عن نكاح الشغار (٣). فدليله أنه إذا عدم الشغار؛ لم يكن منهيًا عنه، ولم يخص أحدًا ممن يصح منه أن يزوج. وأيضًا فقد "نهى أن ينكح المرأة على عمتها وخالتها" (٤). فدليله أنها إذا لم يكن كذلك؛ صح تزويجها من كل أحد إلا أن تقوم دلالة.

стр. 2563

وأيضًا قوله ﵇: "والبكر تستأمر" (١)، وهذه قد استؤمرت. وأيضًا فإن الأخ عصبة يجوز أن يزوجها بإذنها مع عدم أبيها بالموت بتعذر التزويج من جهته، فكذلك مع حياته إذا تعذر التزويج من جهته، دليل ذلك إذا جُن الأب، أو فسق عندهم الأمير؛ أن الأب إذا مات؛ كان الأخ أولى من السلطان، وكذلك إذا تعذر التزويج من جهته في حياته؛ كان الأخ أولى من السلطان، كما لو جن أو فسق عندهم. فإن قيل: فإنه إذا كان مفقودًا؛ فولايته باقية، ألا ترى أنه لو زوجها في مكانه؛ لصح، وليس كذلك إذا جن أو فسق. قيل: لا نسلم هذا على الإطلاق أن ولايته باقية حقيقة، وإنما تكون ولايته باقية حقيقة إذا علمنا موضعه، وكونه حيا؛ فلا يجوز للحاكم [أن يزوجها] (٢)، فأما مع هذه الحال؛ فلسنا نتحقق ولايته، فإذا لم نتحقق ولايته؛ كان أخوها أولى من الحاكم كما هو أولى منه مع جنون الأب وكونه فاسقًا. على أن المراعاة في تعذر العقد من جهته، فإذا تعذر ذلك؛ كان الأخ أولى من السلطان، فإن كان السلطان عندنا أحد الأولياء لأنه لو عقد عليها بإذنها جاز ولم يفسخه؛ لأن كل من له ولاية لا يصل إلى العقد عليها (١١٥) إلا من جهتها، فإن أذنت ممن له ولاية جاز. فإن قيل: فإن السلطان يستوفي لها سائر حقوقها، وينظر في مالها إذا فُقد أبوها، فكذلك هو أحق باستيفاء التزويج لها من أخيها.

стр. 2564

قيل: استيفاء حقوقها إلى السلطان، فهو يستوفي لها المهر، ويمنع أن توضع في غير كفء، وأما العقد فإلى الأخ، كما لو جن الأب، أو فسق؛ لكان النظر في حقوقها إلى السلطان، والعقد إلى أخيها، وكيف يستقيم هذا على أصولهم والوصي ينظر في حقوقها ويستوفيها، وعندهم الأخ أولى منه. فإن قيل: هذا يلزمك؛ لأنك تجعل الولاية في التزويج إلى الوصي؛ لأن استيفاء حقوقها إليه. قيل: هذا لا يلزمني أنا؛ لأن الأب قد أقامه مقام نفسه، فاستخلفه، فهو كما يوكله في حياته، بل هذا ينقلب عليكم؛ لأن الأب لو جن، أو فسق؛ انتقل استيفاء حقوقها إلى السلطان، والولاية في النكاح إلى الأخ، فكذلك مع تعذر التزويج من جهته وفقده إذا لم يوكل. فإن قيل: فإن الأب لو عقد على نفسه عقدًا؛ لصح، ولو عقد عليها وهو مفقود؛ لصح. قيل: لا ينبغي أن يحكم للمحال بحكم، على أنه لو كان على صفة غيرها كيف كان حكمه؛ لأن هذا يلزم في الفاسق والمجنون، فنقول: لو كان صحيحًا غير فاسق وعقد؛ لصح، فينبغي أن يجعل ذلك إلى السلطان، فلما لم يكن الأمر كذلك وحكمنا بحكم الحال لِتعذر وقوع النكاح من جهته وأنه لم يعقد؛ فكذلك مع فقده. وبالله التوفيق.

стр. 2565

فَصْل ويجوز للأخ تزويج أخته الثيب مع حضور أبيها إذا أذنت له في ذلك، وإن كره الأب (١). وبه قال أبو حنيفة (٢). ومنع منه الشافعي (٣). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٤). فالظاهر يقتضي أن يكون (١١٦) لكل مؤمن ولاية على كل مؤمنة، والأخ من جملة المؤمنين، فهو ولي لها إلا أن تقوم دلالة. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٦). وجميع الظواهر التي ذكرناها في البكر إذا غاب أبوها. وأيضًا قوله ﵇: "الثيب أحق بنفسها من وليها" (٧).

стр. 2566

ولم يكن لهم معها أمر، فلمن أذنت منهم؛ جاز إذا كانوا عصبة لها. وأيضًا فإنما جاز للأب أن يعقد عليها بإذنها لأنه ذكر، رشيد، له تعصيب وحرية، فكذلك الأخ مع سلامة الحال. أو نقول: هو حر، عاقل، مسلم، له تعصيب، لا يصل إلى العقد عليها إلا بإذنها، فالأب، والجد، والأخ، والعم؛ بمثابة واحدة. وأيضًا فإنما احتيج إلى الأب في البكر لأنه لا نظر لها، ولا خبرة بالرجال، فهو أنظر لها من غيره، والثيب لها من النظر والمعرفة ما تستغني به عن نظر الأولياء، فمن عقد عليها بإذنها؛ جاز. فإن قيل: فقد قال ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" (١)، والأخ ليس بولي لها مع وجود الأب. قيل: في هذا تنازعنا، لأن الأخ عندنا ولي لها مع وجود الأب لأجل تعصيبه، وأنه لا يعقد عليها إلا بإذنها كالأب. فإن قيل: فإن الحاكم يستوفي لها حقوقها لو امتنع الأب من تزويجها. قيل: وكذلك يستوفي لها حقوقها لو امتنع الأخ والأب من تزويجها. فإن قيل: لما كان الأب أولى في البكر من أخيها؛ فكذلك في الثيب؛ بعلة أنه أب بوجود شرائطه. قيل: قد بينا الفرق بين البكر والثيب، وهو أن الأب أحق في البكر

стр. 2567

لأنه يعقد عليها جبرًا، ولا يلتفت إلى إذنها وعدمه؛ لأنها لم تخبر الرجال، فهو أنظر لها من غيره، والثيب قد نظرت فهي أنظر لنفسها من أبيها وغيره، [فلمن] (١) أذنت منهم جاز. فإن قيل: فما (١١٧) تقولون في العم وابنه مع وجود الأب. قيل: هذا كالأخ مع الأب، من عقد عليها بإذنها؛ جاز. فإن قيل: فإن الأخ والعم والأجنبي في هذا سواء؛ لأنهم لا يصلون إلى العقد عليها إلا برضاها. قيل: الفرق بينهما أن الأجنبي لا تعصيب بينه وبينها، ولا هو ممن تنتقل ولايتها إليه، والأخ والعم عصبة، ألا ترى أن الأب لو مات أو جن أو فسق عندكم؛ انتقلت الولاية من الأب إليه، وليس الأجنبي كذلك، فسقط ما قالوه. وبالله التوفيق. مسألة (٢٠): اختلف قول مالك في الدنيئة مثل: المسلمانية، والمعتقَة، والفقيرة التي لا عصبة لها، [والغريبة] (٢)؛ إذا جعلت أمرها إلى رجل من المسلمين، فزوجها من يختاره، فقال في رواية: إنه يجوز. وقال في رواية أخرى: لا يجوز، ولا يزوجها إلا السلطان إن لم يكن

стр. 2568

لها ولي (١). ومذهب أبي حنيفة أنه يجوز، سواء كانت دنية، أو شريفة، إذا كانت حرة بالغة (٢). وقال الشافعي: لا يجوز أن يزوجها إلا ولي أو السلطان (٣). وهو مذهب مالك في الرواية الأخرى. والدليل على جوازه قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٤). فهو عموم في كل مؤمن، عصبة كان، أو سلطانا، أو غير عصبة، إلا أن تقوم دلالة. وقد قال ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" (٥). فدليله أنه إذا عقد بولي؛ كان نكاحًا، وهذا المؤمن ولي (٦) بقوله:

стр. 2569

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١). فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فيما ذكر في الآية من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك، دون النكاح. قيل: جعل تعالى الولاية عامة في كل شيء، ثم ذكر بعض [مهامهم] (٢) فقال: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣)، (١١٩) لا يمنع أن يكون أولى لأنه عام لم يخص أحدها (٤). وأيضًا فإن المسلم إذا عقد عليها بإذنها؛ وجب الوفاء به لقوله ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٥). فإن قيل: لم يحصل هاهنا عقد حتى يلزم الوفاء به. قيل: العقد من جهة اللغة قد وجد، والأحكام تُعلق على الأسماء اللغوية إلا أن تقوم دلالة، فيجب الوفاء بالعقد الموجود؛ لأن الاسم اللغوي يتناوله. وأيضًا قوله ﵇: "وإنما لامرئ ما نوى" (٦).

стр. 2570

وهذا العاقد والمعقود عليها قد نويا أن يكون نكاحًا، فلهما ما نوياه إلا أن تقوم دلالة. وأيضًا ما رواه المسيب بن [شريك] (١) عن محمد بن عمرو بن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي، فقيل: يا رسول الله، من الولي؟ فقال: هو رجل من المسلمين" (٢). فهو عام في كل نكاح، وفي كل رجل من المسلمين، عصبة أو غيره، إلا أن تقوم دلالة. وأيضًا فقد روى أبو بكر محمد بن شاذان الجوهري قال: حدثنا معلى بن منصور الرازي قال: حدثنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن نافع، عن ابن عمر قال: "إذا كان ولي المرأة مضارًا، فولت رجلًا فأنكحها؛ فنكاحه جائز" (٣). وغرضنا من هذا أن نثبت للأجنبي ولاية في النكاح ومدخلًا، فإذا ثبت ذلك؛ دخل تحت قوله ﵇: "لا نكاح إلا بولي" (٤). فإن قيل: فقد قال ﵇: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطل" (٥).

стр. 2571

فأضاف الولي إليها، وإذا أضيف الولي إليها؛ لم يتناول بحق الإطلاق إلا وليّها الذي هو عصبتها، [و] (١) الأجنبي لا ينطلق عليه اسم وليها بالإضافة. قيل: المقصود من هذا أن لا تعقد على نفسها، ووليها إنما سمي بذلك لأنه يتولى العقد عليها، وكل من تولى العقد (١١٩) عليها؛ فقد [حصل] (٢) وليا لها، ألا ترى أنه يحسن بعد أن عقد الأجنبي عليها أن يقال: هذا كان وليها في هذا العقد، أي هذا تولاه، ومن انطلق عليه الاسم بعد العقد؛ انطلق عليه قبل العقد، ألا ترى أنه يحسن أن يقال قبل العقد: من وليُّها في هذا العقد؟ فيقال: فلان، أي يتولاه لها وهو أجنبي. وجواب آخر: وهو أنه ﵇[قال] (٣) في آخر الخبر: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" (٤). فعلمنا بهذا أنه ورد في امرأة لها أولياء جماعة وقد اشتجروا، وفي مسألتنا ليس كذلك، فلم يدخل تحت الخبر. فإن قيل: فقد قال: "فالسلطان ولي من لا ولي له" (٥). وهذه لا ولي لها، فالسلطان وليها. قيل: عنه جوابان:

стр. 2572

أحدهما: أن هذا الرجل الذي يعقد عليها هو ولي بقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١)، وبقوله ﷺ : "إن الولي رجل من المسلمين" (٢) في الخبر الذي ذكرناه، فإذا كان لها ولي؛ لم يلزم قوله "فالسلطان ولي من لا ولي له"، لأن هذه لها ولي. فإن قيل: فإنه لا فائدة في الخبر إذن؛ لأن كل المسلمين أولياء، فهي لا تنفك من ولاية حتى يكون السلطان وليها عند عدمه. قيل: بلى، يمكن أن يمتنع عليها كل أحد من تزويجها، ولا يحصل لها من يتولى العقد عليها، فإن السلطان الذي لا يجوز له الامتناع هو وليها. والجواب الآخر: هو أن السلطان يكون وليها، ولكنه قد يتعذر عليها الوصول إليه لدناءة حالها، مع حصول كفء تخاف أن يخرج عن يدها إلى أن يتسبب إلى السلطان ويتوصل إليه، فهي ضرورة. ومن أصحابنا من قال: إنما يجوز ذلك لها في بلد لا سلطان فيه، فيلحقها الضرر مع حصول الكفء إلى أن يخرج إلى السلطان، ولعل الكفء (١٢٠) الذي رغب فيها لا ينشط للخروج معها، فاستحسنا جواز ذلك لها. وأيضًا فإن الولي العصبة احتيج إليه لأن العار يدخل عليه إن وضعت نفسها في غير كفء، وهذه ليس لها من يدخل العار عليه، وقد رضيت بالزوج. فإن قيل: فإن المولى المعتِق يخاف ذلك.

стр. 2573

قيل: إن العار لا يدخل على المعتِق في وضعها نفسها في غير كفء، كما لا تضره لو باعها من غير كفء، ألا ترى أن السلطان لا تضره لو رضيت بغير كفء، ولا له أن يمنع من تزويجها إذا رضيت، فلا حاجة إلى السلطان إذن في هذه المسألة. فإن قيل: فلا حاجة إلى السلطان في غير هذه على هذا التقدير، فلَمّا قلتم: إن من عضلها أولياؤها، وتمكنت من السلطان؛ أنه يزوجها؛ بطل هذا. قيل: إذا كان لها أولياء عصبة وعضلوا، أو اشتجروا؛ فإن السلطان يطلب لها كفؤًا، ولا يتركها واختيارها؛ لأنه إذا وضعها في غير كفء؛ اعترض الأولياء عليها لدخول العار عليهم، وليس في مسألتنا هذا شيء. وأيضًا فلو منعنا هذه من أن يزوجها غير سلطان - مع فقد الأولياء وتعذر وصولها إلى السلطان مع حاجتها إلى التزويج -؛ جاز أن تعدل إلى المحظور والدياثة فتدخل فيه؛ لأنها تكون قد هويت الراغب فيها وهويها، فيحملها تعذر التزويج على الدخول في المحظور، فاستحسنا لها أن ترد أمرها إلى من يزوجها. مسألة (٢١): إذا عقد الوليان النكاح على وليتهما، فلم ينكشف السابق منهما حتى دخل الثاني؛ [فالداخل] (١) منهما أولى بالنكاح عندنا (٢).

стр. 2574

وبه قال عطاء (١). وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: الأول أولى على كل حال (٢). وهو (١٢١) قول شريح، والحسن، وسفيان الثوري (٣). وقولنا هو قول عمر، ومعاوية (٤). وحكي عن علي ﵁ مثل قول المخالف (٥). والدليل لقولنا هو أن الجميع قد جوزوا للثاني في حالِ ما عقد أن يعقد، فمن أبطل عقده بعد ذلك؛ فعليه الدليل. وأيضًا فقد قال تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٦)، وقال: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٧).

стр. 2575

فإذا كان العقد قد وُجد؛ وجب الوفاء به ولم يبطل؛ لأنه عمل قد حصل. فإن قيل: فإن العقد جوز على شرط أن لا يكون قد تقدمه عقد. قيل: كل واحد من العقدين وقع على تجويز أن يكون قد تقدمه عقد الآخر، على أن العموم في قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١) لم يفرق بين عقد تقدمه آخر أم لا. فإن قيل: فقوله ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢) يتوجه إلى الأول كما يتوجه إلى الثاني، فيجب أن يوفى بالأول؛ لأنه السابق. قيل: إذا لم يمكن الوفاء بهما جميعًا؛ كان الثاني أولى؛ لأن الآية تناولته بعد الأول. فإن قيل: فإنك ونحن نبطل الثاني إذا انكشف الأول قبل الدخول. قيل: قامت الدلالة [على ما ذهبنا إليه] (٣)؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤) يقتضي استدامة الوفاء إلا أن يقوم دليل. وأيضًا فإن عمر ﵁ "قضى بذلك في الوليين ينكحان المرأة، ولم يعلم أحدهما بصاحبه أنها للذي دخل بها، فإن لم يدخل بها أحدهما؛ فهي للأول" (٥).

стр. 2576

وهذا إمام حكم بذلك بحضرة الصحابة رضوان الله عليهم، وكذا كان يحكم بحضرة جماعتهم، ووافقه معاوية ﵁ على ذلك. وقال ابن جريج: روي عن ابن أبي مليكة "أن موسى بن طلحة أنكح يزيد بن معاوية أم إسحاق بنت طلحة، وأنكحها يعقوب بن طلحة من الحسن بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فلم يمكث إلا ليلتين حتى [جامعها] (١) الحسن، وكان موسى بن طلحة أنكحها (١٢٢) من يزيد قبل أن ينكحها يعقوب من الحسن، فقال معاوية: امرأة جامعها زوجها، فدعوها" (٢). ولم يظهر خلاف. فإن قيل: فقد خالفهما علي ﵁ (٣). قيل: لم يظهر ولم ينتشر، وعلى أنه لم يثبت أن عليًا ﵁ قضى بذلك (٤)، ولعل هذا مذهبه، فينبغي أن يرجح حكم عمر بذلك بحضرة الصحابة وفيهم علي ﵁. وأيضًا فإن المرأة لا تصل إلى العقد على نفسها، فهي مضطرة إلى من يعقد عليها، ولها أن تأذن لكل واحد من أوليائها في العقد عليها، ولا يجب اجتماعهم في حال واحدة، خاصة إذا كانوا في مواضع مختلفة، ولا يمكن لأحد الأولياء أن يبطل حق صاحبه في الولاية لاستوائهم فيها، وإذنها لهم في النكاح.

стр. 2577

فإذا ثبت ذلك وجاز لكل واحد منهم أن يعقد؛ فهو يعقد مع جوازه أن يكون قد تقدمه عقد الآخر، فينبغي أن يكون كل واحد من العقدين مراعى لا مزية لأحدهما على صاحبه، فإذا حصلا مراعيَيْن؛ وجب أن يَقوى سبب أحدهما، فإن انكشف السابق منهما قبل دخول الثاني؛ قوي سببه بالسبق، وتقرر حكمه، وإن لم ينكشف إلا بعد دخول الثاني؛ فقد انكشف بعد قوة سبب الثاني بالدخول الذي إذا انضم إلى العقد كان أقوى من العقد المتجرد؛ لأن الدخول يثبت به جميع المهر المسمى، والحضانة، والنسب، و [تحليلها] (١) للأول إذا كانت مطلقة ثلاثًا، فتقرر حكمه لقوته على صاحبه. وأيضًا فإننا نقول: أتسلمون لنا أن الثاني دخل في نكاح شرعي؟ فإن سلموا؛ فالأمر على ما قلناه من حصول نكاح قد قوي سببه، وإن لم يسلموا؛ دللنا عليه من وجهين: أحدهما: أن النبي ﷺ قال: "إذا أنكح الوليان فالأول [أولى] " (٢).

стр. 2578

فسماهما نكاحين صاحب (١٢٣) الشريعة، لا [] (١) الأسماء، لأنهم يعرفونها وهي لغتهم، وإنما سماهما نكاحين شرعيين ينطلق الاسم على كل واحد منهما كانطلاقه على الآخر، ثم يتفرد حكم أحدهما. والوجه الآخر: أن قوله ﷺ : "فالأول أولى" (٢) يدل على أن الثاني نكاح، غير أن الأول أولى منه، و"أولى" كقولك "أحق" و"أفضل"، لا بد أن يكون في أحدهما معنى الآخر وإن كان يرجَّح عليه، كقولك: هذا أعلم من هذا، ففيهما جميعًا علم، وأحدهما أرجح من صاحبه، وكيف لا يكون شرعيًّا والأُمة قد جوزت إيقاعه في حالِ ما عقد. فإن قيل: فإنه عقد في الظاهر، وعقد الأول في الباطن، والظاهر عقد صحيح؛ بدليل أنه لو انكشف قبل عقد الثاني وقبل دخوله؛ فإن انكشف تقرر حكمه، وإن لم ينكشف حتى عقد الثاني، ودخل؛ تقرر حكمه، وبطل حكم الأول، وليس هذا مما تحيله [العقول] (٣)، ولو وردت الشريعة بجواز زوجين للمرأة؛ لم يحله العقل، فكيف بعقد مراعى واقف على أمر يكون في ثاني، وليس ينبغي أن يحكم لما لم يكن أن لو كان كيف يكون حكمه. فقولكم: "لو انكشف عقد الأول؛ لم يجز عقد الثاني"؛ فإنه في مسألتنا لم ينكشف إلا بعد دخول الثاني، ولو انكشف قبل ذلك؛ لكان الحكم فيه كما ذكرتم، غير أنه لم ينكشف، فلا يحمل حكم ما لم ينكشف عليه لو انكشف.

стр. 2579

فإن قيل: لو كان عقدًا صحيحًا؛ لكان قبل الدخول ثابتًا. قيل: عنه جوابان: أحدهما: إننا نقول لكم مثله: لو كان عقد الأول صحيحًا [والثاني] (١) غير مراعى؛ لم يجز للثاني أن يعقد. والجواب الآخر: هو أننا نقول: عقد الثاني مراعى كعقد الأول إلى أن ينكشف، فإن انكشف السابق قبل دخول الثاني؛ تقرر حكمه، وإن لم ينكشف حتى دخل الثاني؛ تقرر حكم الثاني، وبطل حكم الأول (١٢٤). فإن قيل: قوله ﷺ : "إذا نكح الوليان فالأول أولى" (٢)؛ لم يفرق بين دخول الثاني وغير دخوله. قيل: هو عام كما ذكرتم، خصصناه بما ذكرناه، فصار تقديره: "فالأول أولى [ما] (٣) لم يدخل الثاني". فإن قيل: فإنه ﵇ والأُمة بعده خَصُّوا إحدى حالتيه لأجل تقدم الأول بالعقد وهو موجود بعد دخول الثاني. قيل: إنما خص لأجل تقدمه مع عدم وجود الثاني بما ذكرناه من الدليل. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٤) إلى قوله

стр. 2580

﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١). فحرم تعالى ذوات الأزواج، وهذه لها زوج هي زوجة له، فوجب إذا زوجها الأول؛ أن تكون محرمة على الزوج الثاني. قيل: إن التحريم لا يتوجه في الابتداء إلا إلى من يعلم ويقدر على الانصراف من التحريم، والثاني في حال عقده لم يحرم العقد عليه؛ بدليل أن الأمة جوزت له أن يعقد وأن يطأ، فإذا وطئ؛ لم يتقرر للأول حكم، فلا هو زوج، ولا هي زوجة له. وليس لقائل أن يقول: إن الأول زوج؛ إلا ولآخر أن يقول: إن الثاني زوج؛ لتساويهما في جواز العقد على ما ذكرناه، بل لو تقرر حكم الأول؛ قلنا للثاني: قد حرمت هذه؛ لأنها زوجة لغيرك، وإنما يكون هذا إذا انكشف قبل دخول الثاني. فإن قيل: فإن الخبر روي من طريقين: أحدهما: رواه قتادة، عن الحسن، عن عقبة بن عامر، أن النبي ﷺ قال: "إذا نكح الوليان فالأول أحق" (٢). والطريق الآخر: رواه قتادة، عن الحسن، عن سمرة، أن النبي ﷺ قال: "فهي للأول منهما" (٣) وهذا ذكره أبو داود، فهو نص.

стр. 2581

قيل: قد بينا أنه عموم، سواء دخل الثاني أم لا، فجعلناه على أنها للأول ما لم يدخل الثاني [بما] (١) ذكرناه عن عمر في قضيته بحضرة الصحابة، وما ذكرناه (١٢٥) من الدلالة. فإن قيل: فإنه نكاح لو عري عن الوطء؛ لصح، فوجب إذا ضامه الوطء أن لا يصح؛ أصله النكاح في العدة والإحرام، والأصول على هذا؛ كل نكاح أو عقد كان صحيحًا؛ [لم يبطل] (٢) بتعريه عن الوطء، وكل ما كان فاسدًا؛ لم يصح بوجود الوطء. قيل: الفرق بين عدم الوطء ووجوده في النكاح له تأثير في الأصول أيضًا، وذلك أن النكاح لو تجرد عن الوطء لم تحل به للزوج الأول، ولم يقع به الحصانة، ولم يكمل به المهر المسمى، ثم إذا كان الدخول حصلت به هذه الأشياء ولم يجز أن يقال: هو نكاح لو عري عن الوطء لم تحل به للأول ولم تحصل به الحصانة، ولم يكمل به المهر، وكذلك إذا ضامه الوطء؛ فكذلك نقول نحن: هو نكاح قد ضامه الوطء، ولم يحكم في الأصل بفساده، بل كان مراعى، فوجب أن يكون الثاني كما قلنا في النكاح الذي ضامه الوطء أنه يحلها للأول، ويحصنها، ويكمل به المهر، ولو انكشف قبل الدخول؛ لم يكن كذلك، فأما النكاح في العدة والإحرام - سواء ضامه الوطء أو عري عنه -؛ فإنه لا يحلها، ولا يحصنها؛ لأنه فاسد بلا اختلاف. فإن قيل: فهل تقولون: إن هذا النكاح إذا تقرر بعد الدخول يحلها لزوج قبله ويحصنها.

стр. 2582

قيل: كذلك نقول: إذا حكمنا بصحته وتقرر حكمه؛ فإنه كذلك. وقولهم: إن الأصول كلها على هذا: أن كل نكاح أو عقد كان صحيحًا لم يبطل بتعريه عن الوطء، وكل ما كان فاسدًا لم يصح بوجود الوطء. فإننا نقول: الأمر على ما قلتموه في كل نكاح صحيح أو فاسد، فأما عقد مراعى؛ فقد [أخللتم] (١) بذكره، فلا يمتنع أن يكون عقد من العقود مراعى يطلب له حكم الدخول، فإذا حصل الدخول؛ حصلت له أحكام، بخلاف تعريه عن الدخول، منها ما ذكرناه من المطلقة (١٢٦) ثلاثًا إذا تزوجت آخر فإن العقد مراعى، فإن بانت منه قبل الدخول؛ لم تحل للأول، وإن حصل الدخول ثم بانت؛ حلت للأول، وكذلك العقد يراعى في باب الحصانة، فإن بانت قبل الدخول؛ لم تحصل الحصانة، وإن حصل الدخول؛ حصلت الحصانة، فكذلك هذا العقد مراعى فإن انكشف الأول قبل دخول الثاني؛ بطل حكم الثاني، وإن لم ينكشف حتى دخل الثاني؛ تقرر حكمه، وبطل حكم الأول، فيكون للوطء تأثير بخلاف عدمه. فإن قيل: فإنه نكاح بعد نكاح لو لم يوجد الوطء في الثاني؛ لم يصح، فوجب أن لا يصح وإن وجد فيه الوطء، أصله إذا كان [له] (٢) ثلاث نسوة، فوكل وكيلين [في حياته] (٣)، فزوجه أحدهما بامرأة، ثم زوجه الثاني بأخرى؛ فإن تزويج الثاني باطل، وإن دخل بها ثم انكشف أن الوكيل الآخر تقدمه بامرأة؛ لأنه لو لم يدخل بها كان باطلًا بوجود الرابعة قبلها.

стр. 2583

قيل: ليست هذه المسألة منصوصة، ولا لمالك فيها قول، غير أن الفرق بين المسألتين واضح، وذلك أن الرجل ليس بمضطر إلى التوكيل في تزويجه؛ لأنه يصل إلى العقد بنفسه، والمرأة مضطرة إلى من يعقد عليها، فلما أذنت لهما جميعًا في تزويجها؛ حصل العقد مراعى على ما بيناه، بمنزلة السلعة يدعيها رجلان يقيم كل واحد البينة أنها له، غير أنها في يد أحدهما، فهو أولى بها لقوة سببه. والمختار في مسألة الموكل للوكيلين [أنه] (١) بمنزلة سلعتين يدعيهما رجل واحد، فإن صح أن يجتمعا له؛ جاز، وإن لم يصح؛ بطل ما لم يصح، وبطل ما صح منها (٢)، كما لو زوجه أحدهما - وهو الأول - بأخته من الرضاع، أو من هي في عدة؛ فإن الثاني هو الصحيح، ويبطل الأول، وكذلك إن كان الأول هو الصحيح والثاني هو الباطل؛ صح الأول، وبطل الثاني، فلما تم (١٢٧) عقده بالأول على رابعة؛ بطل عقد الثاني، وفي مسألتنا ليس من هذا شيء، فبان الفرق. فإن قيل: فإن [الأولى] (٣) في عصمة زوج، فوجب إذا زُوِّجت أن لا يصح نكاحها، أصله إذا لم يدخل بها الثاني. قيل: لا نسلم أنها في عصمة زوج حين دخل الثاني؛ لأن الأمر مراعى [قبل] (٤) أن ينكشف، فليست في عصمة أحدهما حتى ينكشف الأمر، فإن

стр. 2584

انكشف السابق قبل دخول الثاني؛ كانت في عصمته، وإن لم تنكشف حتى دخل الثاني؛ كانت في عصمته. فإن قيل: هي في عصمة الأول في علم الله تعالى. قيل: ليس يمتنع أن يكون الحكم عند الله تعالى في هذه المسألة مراعاة العقد، فإن انكشف لنا السابق قبل دخول الثاني؛ تقرر العقد له، وإن لم ينكشف حتى دخل الثاني؛ تقرر العقد له، والعقول لا تمتنع من هذا. فإن قيل: فإننا وجدنا الوطء في النكاح كالقبض والتسليم في البيع؛ لأنه يستقر البدل بكل واحد منهما؛ المهر في النكاح، والثمن [في] (١) التسليم، ثم لو وكل وكيلين في بيع عبده فباعه أحدهما من رجل، ثم باعه الآخر من آخر وسلمه له؛ كان البيع الثاني باطلًا بإطلاق الأول صحيحًا، وإن كان قد وُجد التسليم في الثاني الذي هو كالدخول، كذلك أيضًا إن دخل بها الثاني؛ لم يصح، وإن وُجد فيه ما يستقر به البدل. على أنه لو كان الدخول كالبدل؛ لوجب إذا دخل بها أن يكون لها كما كانت الدار في يديها. قيل: أما السلعة إذا باعها الوكيلان وقبضها الثاني؛ فهي له، فلا فرق بين المسألتين عندنا. على أنه لا يلزم على ما قدمناه؛ لأن رب السلعة لا ضرورة به إلى التوكيل؛ لأنه يصل إلى عقد البيع بنفسه، وليست المسألة كذلك، فأما إذا [عقدا] (٢) جميعًا

стр. 2585

بالمرأة؛ فإن الأول بدخوله (١٢٨) وسبقه أولى؛ لأن عقده تقرر بدخوله قبل دخول الثاني، فإن دخل بها الأول بعد دخول الثاني؛ فإنه وطء بعد تقرر عقد الثاني بدخوله، والمرأة لا يصح أن تكون بين زوجين، فلا بد أن يتقرر الحكم لأحدهما، أو أن يبطل جميعًا، والدار يصح أن تكون لمالكين وتقسم بينهما، فإذا كانت في أيديهما، وتساويا، ولم يقو سبب أحدهما؛ كانت بينهما. فإن قيل: فإنه إذا زوجها الأول، ثم زوجها الثاني؛ لم يخل النكاح الثاني من أن يكون صحيحًا، أو موقوفًا، أو فاسدًا، فبطل أن يكون صحيحًا؛ لأنه لو كان صحيحًا؛ لم يبطل بتعريه عن الوطء، وبطل أن يكون موقوفًا؛ لأن من أجاز النكاح الموقوف فإنما يجوز نكاح من كانت خالية من زوج (١)، فأما من لها زوج؛ فلا يقف نكاحها بالإجماع، فإذا بطل القسمان؛ صح أنه فاسد. قيل: هذا وهم من قائله؛ لأن الجميع قد جوزوا للثاني أن يعقد مع جواز أن يكون قد تقدمه عقد آخر، فقد صار موقوفًا لا محالة لينظر هل تقدمه عقد الولي الآخر أم لا، فقد صار موقوفًا على من ليست خالية من زوج بالإجماع. ويقوي هذا قول أن الشافعي ﵀ يقول: لو لم تقم البينة ولكن ادعى كل واحد من الزوجين أنه سابق بالعقد، وذكر أن الزوجة تعلم بذلك؛ فإنها تحلف إن أنكرت، فإن نكلت وحلف أحد الزوجين وامتنع الآخر؛ حصلت زوجة الحالف (٢)، فكيف يكون وقوف العقد أكثر هذا ثم تحصل زوجةً

стр. 2586

لمن لعله كذب في يمينه. وعلى أننا قد دللنا على أن لكل واحد من الوليين أن يعقد مع جواز أن يكون قد تقدمه الآخر، فلا بد أن يقف مع كل واحد من العقدين، فبطل السؤال، وبالله التوفيق. مسألة (٢٢): يجوز للولي أن يزوج نفسه من وليته إذا أذنت له في ذلك (١)، وكذلك من أعتق أمة ثم أذنت له في عقد نكاحها من نفسه؛ جاز. هذا مذهب ربيعة، ومالك، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه إلا زفر (٢). وحكي عن المغيرة (٣) وأحمد أن وليها إذا أذنت له في ذلك، فولى رجلًا، ووكله أن يزوجها؛ جاز (٤).

стр. 2587

وقال الشافعي: لا يعقد عليه إلا الحاكم (١). وكذلك لو أن رجلًا له بنت صغيرة، خطبها منه رجل؛ جاز أن يوكله في تزويجها من نفسه عندنا وعند أبي حنيفة ومن ذكرناه (٢). وأباه الشافعي (٣). والدليل لقولنا إذا عقد لنفسه قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤). وهذا عقد قد وجد، فالوفاء بحكمه هو إقراره لا نقضه. فإن قيل: إنما أمر بالوفاء بأحكام العقود الشرعية، وهذا ليس بشرعي. قيل: الحكم معلق على الاسم اللغوي إلا أن تقوم دلالة، وقد وجد ما يسمى عقدًا في اللغة. وأيضًا قوله [ ﷺ ] (٥): "لا نكاح إلا بولي" (٦). فنفاه بعدم الولي وأثبته بالولي، وهذا نكاح بولي. وأيضًا فإن النبي ﵇ أعتق صفية وزوّجها من نفسه (٧)، وكان هو ﵇ مولاها ووليها.

стр. 2588

فإن قيل: لنا على هذا سؤالان: أحدهما: أنه ﷺ لم يتزوجها بولاية نفسه، وإنما تزوجها بلا ولي، والنبي ﷺ مخصوص بصحة نكاح بغير ولي. والسؤال الثاني: هو أن النبي ﷺ تزوجها بولاية نفسه، والفرق بيننا وبينه ﷺ أن ذلك يجوز له لأجل الضرورة؛ لأنه كان إمام الأئمة، والمرأة إذا لم يكن لها ولي إلا الإمام؛ جاز للإمام أن يزوجها من نفسه بولاية نفسه، إذ كل من تزوجها من الإمام يكون خليفة الإمام، ويزوجونها بولاية الإمام، فدعت الضرورة إلى أن تجوز بولاية نفسه، وليس كذلك (١٣٠) في غير الإمام؛ لأنه لا ضرورة فيه؛ لأن الحاكم يزوجها منه. قيل: أما السؤال الأول؛ فخطأ؛ لأنه ﵇ مولاها ومعتقها، فلم يحصل نكاحه بلا ولي، فدعواكم أنه تزوجها بلا ولي مع كونه وليا؛ محال، ولم نره ﵇ تزوج غيرها إلا بولي ما، ولا يجب أن يحمل فعله وقد حصل وليا فيه بأنه لم يفعله بالولاية إلا بأن يقول لنا ذلك، فعلم حينئذ خصوصه، واتباع فعله ﵇ إما أن يكون على الوجوب، أو على الندب، أو على الجواز، فأيها كان فهو يؤيد قولنا. على أن هذا لم يقله أحد، وإنما قالوا: خص بالنكاح بغير مهر، وبلفظ الهبة، فأما بغير ولي؛ فلا نعلمه. وأما السؤال الثاني؛ فقد سلمتم أنه تزوجها بولاية نفسه، والضرورة غير حاصلة؛ لأن هذا لو كان على ما قلتم؛ جاز أن يحكم الإمام لنفسه؛ لأن كل من يستخلفه على الحكم بينه وبين خصمه؛ فإنما يحكم مِن قبله وبخلافته،

стр. 2589

فلما كانت ولايته ثابتة عامة حتى إذا توجه له حكم؛ ولّى من يحكم بينه وبين خصمه، كذلك له الولاية في التزويج إذا أذنت له المرأة، سواء كانت أجنبية لا ولي لها وهو وليها كان ينبغي أن يستخلف من يزوجه، كما يستخلف من يحكم بينه وبين خصمه؛ لأنه شيء يخصه. فلما فرقتم بينه وبين غيره من سائر الحقوق؛ علمنا أنه ليس للضرورة، وإنما جاز لأن الحق لا يخرج عنهما؛ إذ المطلوب في الولاية أن يطلب لها الحظ، وأن لا تضع نفسها في غير كفء، فيدخل العار على الولي، فإذا كان الحق لها وللولي؛ فقد رضيا جميعًا، ولم يحتج فيه إلى غيرهما، ألا ترى أنها لو رضيت بغير وليها ورضيها الولي؛ جاز تزويجه، فكذلك إذا رضيت بالولي ورضيها؛ لم يكن بينهما فرق بحصول رضائها (١٣١) ورضاه مع باقي شرائط النكاح، وكذلك لو لم يكن لها ولي إلا الإمام، ورضيت بغير كفء؛ جاز له أن يزوجها به. ولنا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (١). قالت عائشة ﵂ وابن عباس ﵁: "نزلت في يتيمة في حجر وليها رغب في مالها وجمالها، ولم يقسط لها في صداقها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في صداقهن" (٢).

стр. 2590

فبينت عائشة ﵂ أنهم مُنعوا من التزويج بهن لأجل أنهم لا يقسطون في صداقهن، فعلم أنهم إذا عدلوا في الصداق؛ جاز لهم أن ينكحوهن (١). فإن قيل: لعمري إن مفهوم ذلك أنهم إذا أقسطوا لهن في الصداق؛ جاز أن ينكحوهن، ونحن نقول: يجوز أن يُنكحها، ولكن معنى يُنكحها أن يقبل نكاحها، ولم نقل يقبل نكاحها من نفسه أو من غيره. قيل: الظاهر لم يفرق بين أن يقبل من نفسه أو من غيره، فمن فرق بينهما؛ احتاج إلى دليل، ولولا أن القبول من نفسه لم ينه عن ذلك إذا لم يقسط في المهر؛ لأن غيره لا يزوجه إذا نقص من المهر؛ لأنه لا يخلو إذا كانت في حجره من أن يرد أمرها إلى غيره سوى الحاكم؛ فإنه يكون واليًا من قبله يزوجه بولايته، فيجيء من هذا جوازه من نفسه، أو يزوجه الحاكم، فالحاكم العدل [يقسط] (٢) في صداقها، فعلم أنهم نهوا أن يزوجوا أنفسهم بهن إذا لم يقسطوا في صداقهن، وأنهم إذا عدلوا؛ جاز ذلك. فإن قيل: إنها لا تسمى يتيمة إلا قبل البلوغ، ولا يجوز للولي أن يزوج يتيمة قبل البلوغ من نفسه ولا من غيره (٣).

стр. 2591

قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه يجوز على أحد وجهين: إما أن يكون وصيًا قد قيل له: زوجها من نفسك، فيكون الأب (١٣٢) قد عين له بعد موته أن يزوجها من نفسه، كما يعين له في غيره، فيجوز تزويجها وهي صغيرة، وهذا بلا خلاف على المذهب، أو يكون قال له: زوجها ممن رأيت على ما تراه من الحظ، فيجوز تزويجها وهي صغيرة، وهذا بلا خلاف على المذهب (١) قبل البلوغ على إحدى روايتين أو لا تكون كذلك، ولكنها يتيمة محتاجة وهو لها كفء، فيجوز أن يزوجها من نفسه ومن غيره على إحدى روايتين أيضًا، وهذا استحسان. والجواب الآخر: أن تكون قد بلغت بالقرب، فتسمى يتيمة، وتأذن في نكاحها من نفسه. ولنا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢)، وظاهره يقتضي أن أوقعوا النكاح من أنفسكم. فإن قيل: هذا معناه إذا ذكر الأيامى منا، أي من أهل ملتنا أنكحناهم. قيل: الظاهر ما قلناه، ولو ثبت على ما قلتموه؛ لم يسقط الحجاج به؛ لأنه قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ معناه: أوقعوا النكاح، ولم يفرق بين أن [نُنكحهن] (٣) من أنفسنا أو من غيرنا، فهو عموم إلا أن يمنع منه دليل.

стр. 2592

وأيضًا فإنه نكاح بولي، من كفء، برضاها إن كان لها رضا، فوجب أن يصح، أصله إذا زوجها من غيره مع سائر شرائطه. وأيضًا فقد ذكرنا أن الولاية طُلبت لطلب الحظ لها وللولي؛ لئلا تضع نفسها في غير كفء، فإذا رضيت ورضي الولي؛ فلا يخلو أن يكون كفؤًا قد رضيت به، فهو كالأجنبي إذا رضيت، ورضي الولي به؛ لأن الحق لا يخرج عنهما. فإن قيل: فإن الولي طُلب في النكاح بالحظ لها، ألا ترى أنها إذا دعت إلى النكاح؛ لم يجز للولي أن يمنع، وإذا دعا هو إلى النكاح؛ كان لها أن تمنع، فإذا كان الولي في النكاح طلب بحظها؛ لم يجز أن يزوجها من نفسه بولاية نفسه؛ لأن فيه إبطال موضوع الولاية؛ لأنه لا يطلب حظها؛ لأن كل إنسان (١٣٣) يختار حظه على حظ غيره. قيل: هذا حجة لنا؛ لأن الأجنبي لو كان مغرورًا غير كفء ورضيت ورضي الولي به؛ جاز؛ إذ لها الإذن، وله حق الولاية لأجل العار، فلو كان هو مغرورًا غير كفء رضيت به على بصيرة؛ كان كالأجنبي الذي قد رضي الولي به، فأما في الصغيرة أو الكبيرة البكر التي لم تجرب الرجال؛ فإنه إذا كان غير كفء لم يجز، كما لو زوجها من غير كفء لم يجز، وأبوها لو فعل ذلك بها؛ منعناه منه. فإن قيل: فإنه وإن كان المقصود ما ذكرتم؛ فإنه لا يدل على أنه إذا وجد من الولي صح، ألا ترى أن المقصود من البيع الثمن، والثمن يحصل من الوكيل إذا باع من نفسه، كما يحصل إذا باع من غيره، ولا يجوز أن يبيع

стр. 2593

من نفسه؛ لأن التهمة لا تنحسم فيه، كذلك النكاح. قيل: لا فرق بينهما؛ لأن الوكيل لو قال للموكل: هو ذا أبيعها من نفسي بكذا وكذا، ورضي الموكل؛ جاز ذلك. فإن قيل: فإنه لا يصح أن يكون بائعًا مشتريًا. قيل: بل يصح أن يبيع حق غيره من نفسه بإذنه، ويصح بيعه حقه من نفسه لغيره، كالأب يبيع حقه من ابنه الصغير، وهو البائع، وهو القابل للشراء، وكذلك يبيع حق يتيم في حجره ليتيم آخر في حجره، وهو البائع المشتري. فإن قيل: فقد روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "كل نكاح لم يحضره أربع؛ فهو سفاح: خاطب، وولي، وشاهدان" (١). فحكم ببطلان النكاح إذا لم يكن خاطب وولي، فإذا زوجها الولي من نفسه حصل خاطبًا هو ولي، وليس بخاطب وولي. قيل: إن صح الحديث؛ فإنه ﷺ ولم يقل بحضرة أربعة أشخاص، وإنما قال: "بحضرة أربع"، فأراد إن حصل فيه أربعة معان، والخاطب الولي فيه معنيان (١٣٤). ويحتمل أن يتوجه إلى نكاح يكون الخاطب غير الولي، أما إذا كان الخاطب هو الموالي؛ جاز؛ بدليل تزويج النبي ﷺ ، وبدليل القياس.

стр. 2594

على أن الشاهدين ليسا من شرط صحة النكاح عندنا على ما بيناه من مسألته (١). وقد ذكرنا قياسات تخص الخبر، فنحمله على الاستحباب إذا كان الخاطب غير الولي. على أن السفاح عبارة عن الزنا، وهذا العقد بإجماع ليس بزنا، فالخبر [ليس] (٢) على ظاهره، ولا يلزم الحجاج به. فإن قيل: فإن من لم يملك الإيجاب والقبول في عقد معاوضة بنفسه؛ لم يجز أن يكون موجبًا قابلًا في ذلك العقد، أصله الوكيل؛ لأن الوكيل لما ملك الإيجاب والقبول في البيع لغيره؛ لم يجز أن يبيعه من نفسه، وكذلك ابن العم إذا ملك الإيجاب والقبول بغيره؛ لأنه لا يزوجها إلا بإذنها، فلم يجز أن يزوجها من نفسه بإيجاب نفسه، عكسه الأب لما ملك الإيجاب والقبول في بيع مال ولده الصغير بنفسه؛ جاز أن يكون موجبًا قابلًا. قيل: هذا يفسد بالإمام؛ لأنه لا يملك بنفسه، ومع هذا فإنه يملك الإيجاب والقبول، ويكون موجبًا قابلًا في بيع مال الأصاغر. ويفسد على أصولنا أيضًا بالوصي يزوج الصغير. ويفسد أيضًا بابن العم إذا زوج بنت عمه بإذنها من ابنه الصغير؛ فإنه يكون موجبًا قابلًا.

стр. 2595

ويفسد على أصلنا وأصلهم بهذا الولي إذا زوجها من ابنه الصغير السليم؛ فإنه يملك بإذنها، وهو يملك الإيجاب والقبول لابنه الصغير. على أننا نقول: يصح بيع الوكيل من نفسه ويعتبر حاله، فإن كان قد اشترى بثمن مثله؛ لم ينقصه، فلم يسلم الأصل الذي قاسوا عليه. فإن قيل: فإنه ذَكر شرط في صحة النكاح احتياطًا للنكاح، فوجب أن لا يجوز كون ذلك الذكر زوجًا من نفسه، أصله الشهود لا يجوز أن يكون شاهدًا في النكاح (١٣٥) وهو زوج. قيل: هذا لا يلزمنا نحن؛ لأن الشهادة ليست شرطًا في صحة النكاح فسقط، وإنما يلزم هذا أصحاب أبي حنيفة. ونقول: إن الإيجاب والقبول في هذا النكاح حصل بتراضيهما، فأشبه إذا عُقِد من الأجنبي. وأيضًا فإنه عقد بدل، فيجوز أن يكون الواحد فيه مجيبًا قابلًا، دليله الأب في بيع مال الصغير من نفسه. مسألة (٢٣): النكاح بلفظ الهبة يصح إذا قُصد به النكاح (١)، وسواء عندي ذكروا المهر أم أطلقوه، بعد أن يعلم [أنه] (٢) قصدوا به النكاح، وكذلك بلفظ
следующие страницы →