← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه يجوز على أحد وجهين: إما أن يكون وصيًا قد قيل له: زوجها من نفسك، فيكون الأب (١٣٢) قد عين له بعد موته أن يزوجها من نفسه، كما يعين له في غيره، فيجوز تزويجها وهي صغيرة، وهذا بلا خلاف على المذهب، أو يكون قال له: زوجها ممن رأيت على ما تراه من الحظ، فيجوز تزويجها وهي صغيرة، وهذا بلا خلاف على المذهب (١) قبل البلوغ على إحدى روايتين أو لا تكون كذلك، ولكنها يتيمة محتاجة وهو لها كفء، فيجوز أن يزوجها من نفسه ومن غيره على إحدى روايتين أيضًا، وهذا استحسان. والجواب الآخر: أن تكون قد بلغت بالقرب، فتسمى يتيمة، وتأذن في نكاحها من نفسه. ولنا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢)، وظاهره يقتضي أن أوقعوا النكاح من أنفسكم. فإن قيل: هذا معناه إذا ذكر الأيامى منا، أي من أهل ملتنا أنكحناهم. قيل: الظاهر ما قلناه، ولو ثبت على ما قلتموه؛ لم يسقط الحجاج به؛ لأنه قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ معناه: أوقعوا النكاح، ولم يفرق بين أن [نُنكحهن] (٣) من أنفسنا أو من غيرنا، فهو عموم إلا أن يمنع منه دليل.

стр. 2592

وأيضًا فإنه نكاح بولي، من كفء، برضاها إن كان لها رضا، فوجب أن يصح، أصله إذا زوجها من غيره مع سائر شرائطه. وأيضًا فقد ذكرنا أن الولاية طُلبت لطلب الحظ لها وللولي؛ لئلا تضع نفسها في غير كفء، فإذا رضيت ورضي الولي؛ فلا يخلو أن يكون كفؤًا قد رضيت به، فهو كالأجنبي إذا رضيت، ورضي الولي به؛ لأن الحق لا يخرج عنهما. فإن قيل: فإن الولي طُلب في النكاح بالحظ لها، ألا ترى أنها إذا دعت إلى النكاح؛ لم يجز للولي أن يمنع، وإذا دعا هو إلى النكاح؛ كان لها أن تمنع، فإذا كان الولي في النكاح طلب بحظها؛ لم يجز أن يزوجها من نفسه بولاية نفسه؛ لأن فيه إبطال موضوع الولاية؛ لأنه لا يطلب حظها؛ لأن كل إنسان (١٣٣) يختار حظه على حظ غيره. قيل: هذا حجة لنا؛ لأن الأجنبي لو كان مغرورًا غير كفء ورضيت ورضي الولي به؛ جاز؛ إذ لها الإذن، وله حق الولاية لأجل العار، فلو كان هو مغرورًا غير كفء رضيت به على بصيرة؛ كان كالأجنبي الذي قد رضي الولي به، فأما في الصغيرة أو الكبيرة البكر التي لم تجرب الرجال؛ فإنه إذا كان غير كفء لم يجز، كما لو زوجها من غير كفء لم يجز، وأبوها لو فعل ذلك بها؛ منعناه منه. فإن قيل: فإنه وإن كان المقصود ما ذكرتم؛ فإنه لا يدل على أنه إذا وجد من الولي صح، ألا ترى أن المقصود من البيع الثمن، والثمن يحصل من الوكيل إذا باع من نفسه، كما يحصل إذا باع من غيره، ولا يجوز أن يبيع

стр. 2593

من نفسه؛ لأن التهمة لا تنحسم فيه، كذلك النكاح. قيل: لا فرق بينهما؛ لأن الوكيل لو قال للموكل: هو ذا أبيعها من نفسي بكذا وكذا، ورضي الموكل؛ جاز ذلك. فإن قيل: فإنه لا يصح أن يكون بائعًا مشتريًا. قيل: بل يصح أن يبيع حق غيره من نفسه بإذنه، ويصح بيعه حقه من نفسه لغيره، كالأب يبيع حقه من ابنه الصغير، وهو البائع، وهو القابل للشراء، وكذلك يبيع حق يتيم في حجره ليتيم آخر في حجره، وهو البائع المشتري. فإن قيل: فقد روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "كل نكاح لم يحضره أربع؛ فهو سفاح: خاطب، وولي، وشاهدان" (١). فحكم ببطلان النكاح إذا لم يكن خاطب وولي، فإذا زوجها الولي من نفسه حصل خاطبًا هو ولي، وليس بخاطب وولي. قيل: إن صح الحديث؛ فإنه ﷺ ولم يقل بحضرة أربعة أشخاص، وإنما قال: "بحضرة أربع"، فأراد إن حصل فيه أربعة معان، والخاطب الولي فيه معنيان (١٣٤). ويحتمل أن يتوجه إلى نكاح يكون الخاطب غير الولي، أما إذا كان الخاطب هو الموالي؛ جاز؛ بدليل تزويج النبي ﷺ ، وبدليل القياس.

стр. 2594

على أن الشاهدين ليسا من شرط صحة النكاح عندنا على ما بيناه من مسألته (١). وقد ذكرنا قياسات تخص الخبر، فنحمله على الاستحباب إذا كان الخاطب غير الولي. على أن السفاح عبارة عن الزنا، وهذا العقد بإجماع ليس بزنا، فالخبر [ليس] (٢) على ظاهره، ولا يلزم الحجاج به. فإن قيل: فإن من لم يملك الإيجاب والقبول في عقد معاوضة بنفسه؛ لم يجز أن يكون موجبًا قابلًا في ذلك العقد، أصله الوكيل؛ لأن الوكيل لما ملك الإيجاب والقبول في البيع لغيره؛ لم يجز أن يبيعه من نفسه، وكذلك ابن العم إذا ملك الإيجاب والقبول بغيره؛ لأنه لا يزوجها إلا بإذنها، فلم يجز أن يزوجها من نفسه بإيجاب نفسه، عكسه الأب لما ملك الإيجاب والقبول في بيع مال ولده الصغير بنفسه؛ جاز أن يكون موجبًا قابلًا. قيل: هذا يفسد بالإمام؛ لأنه لا يملك بنفسه، ومع هذا فإنه يملك الإيجاب والقبول، ويكون موجبًا قابلًا في بيع مال الأصاغر. ويفسد على أصولنا أيضًا بالوصي يزوج الصغير. ويفسد أيضًا بابن العم إذا زوج بنت عمه بإذنها من ابنه الصغير؛ فإنه يكون موجبًا قابلًا.

стр. 2595

ويفسد على أصلنا وأصلهم بهذا الولي إذا زوجها من ابنه الصغير السليم؛ فإنه يملك بإذنها، وهو يملك الإيجاب والقبول لابنه الصغير. على أننا نقول: يصح بيع الوكيل من نفسه ويعتبر حاله، فإن كان قد اشترى بثمن مثله؛ لم ينقصه، فلم يسلم الأصل الذي قاسوا عليه. فإن قيل: فإنه ذَكر شرط في صحة النكاح احتياطًا للنكاح، فوجب أن لا يجوز كون ذلك الذكر زوجًا من نفسه، أصله الشهود لا يجوز أن يكون شاهدًا في النكاح (١٣٥) وهو زوج. قيل: هذا لا يلزمنا نحن؛ لأن الشهادة ليست شرطًا في صحة النكاح فسقط، وإنما يلزم هذا أصحاب أبي حنيفة. ونقول: إن الإيجاب والقبول في هذا النكاح حصل بتراضيهما، فأشبه إذا عُقِد من الأجنبي. وأيضًا فإنه عقد بدل، فيجوز أن يكون الواحد فيه مجيبًا قابلًا، دليله الأب في بيع مال الصغير من نفسه. مسألة (٢٣): النكاح بلفظ الهبة يصح إذا قُصد به النكاح (١)، وسواء عندي ذكروا المهر أم أطلقوه، بعد أن يعلم [أنه] (٢) قصدوا به النكاح، وكذلك بلفظ

стр. 2596

البيع والصدقة (١). وبه قال أبو حنيفة (٢). وقال الشافعي (٣): لا ينعقد إلا بأحد لفظين: إما النكاح وإما التزويج (٤)، وهو أن يقول: قد أنكحتك، أو زوجتك (٥). وهذا الموضع يجوز باتفاق، وإنما الخلاف فيما عدا هذين اللفظين على ما ذكرناه (٦).

стр. 2597

والدليل لقولنا قوله ﵇: "وإنما لامرئ ما نوى" (١). وهذا قد نوى بلفظ الهبة أن يكون نكاحًا فله ما نواه. ولنا قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢). وهذا عقد قد عقد بلفظ الهبة فيجب الوفاء به. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٣). فعم الابتغاء ولم يخص فيه لفظًا من لفظ. وأيضًا قوله ﵇: "لا نكاح إلا بولي" (٤). فدل على أنه إذا حصل فيه الولي؛ سمي نكاحًا بأي لفظ كان. وأيضًا ما رواه أبو حازم عن سهل بن سعد الساعدي: "أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: قد وهبت نفسي منك يا رسول الله، فقال: ما لي اليوم في النساء من حاجة، فقام رجل فقال: زوجنيها يا رسول الله! فقال: قد ملكتكها بما معك من القرآن" (٥).

стр. 2598

ففيه دليلان: أحدهما: (١٣٦) أنها قصدت بلفظ الهبة التزويج برسول الله ﷺ ، ولم يقل لها: النكاح بهذا اللفظ لا ينعقد، وإنما عدل إلى أنه لا حاجة له إلى النساء في هذا الوقت، وقد قال تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ﴾ (١) أي بغير مهر في هذا النكاح الذي هو بلفظ الهبة. والدليل الثاني: هو أنه ﷺ قال للزوج: "قد ملكتكها بما معك من القرآن"، فدل على أن لفظ التمليك يقع به التزويج. فإن قيل: فإن الله تعالى جعل انعقاد النكاح بلفظ الهبة خاصًّا للنبي ﵇،

стр. 2599

فلو انعقد [أيّ] (١) نكاح به؛ لم يقع الخصوص له (٢)، فدل على أنه مخصوص به. قيل: إنما حصلت الخصوصية له لأنه بلا مهر؛ لأن اللفظ خرج بلفظ الهبة، فيحصل العقد بغير مهر. فإن قيل: السؤال على هذا من ثلاثة أوجه: أحدها: أن العوض لم يجر له ذكر، فعلم أن الخصوصية إنما وقعت بالمذكور، وهو النكاح بلفظ الهبة. وعلى أننا نقول: خصه بالأمرين معًا؛ بانعقاد النكاح بلفظ الهبة، وبتعريه عن العوض ابتداء وانتهاء. والسؤال الثالث: هو أنه لا يجوز أن يكون أراد به الخصوصية في التعري عن العوض؛ لأنه لو أراد به هذا؛ لم يقع التخصيص به؛ لأننا نشاركه ﵇ فيه؛ لأن الرجل إذا زوج عبده بلا مهر؛ فمن الناس من يقول: لا يجب أصلا، ومنهم من يقول: يجب، ويسقط، وهذا عبادة (٣). قيل: أما الفصل الأول فهو أن اللفظ بالهبة عبارة عن النكاح، وفي مضمونه العوض، وما في مضمونه كالمصرح به؛ بدليل قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ (٤)، ثم لما قال:

стр. 2600

﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ ثم قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾؛ (١٣٧) علم أن المخصوص في سقوط العوض الاستنكاح. وقولهم: "إنه ﷺ خص بالأمرين جميعًا"؛ فقد بينا أن قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً﴾ بالتأنيث إنما يتوجه إليها التي هي يستمتع بها، فالعوض عنه يقع اللفظ في ذلك، فدل على أنه إذا احتمل ما نقول؛ كان أكثر للفائدة؛ لأننا نخصه ﵇ بسقوط العوض، ونشاركه في اللفظ، فهو زيادة حكم فينا وفيه، لا نحمله على الأمرين بأمر محتمل. وقولهم: "إن سقوط العوض لا يكون فيه تخصيص إلى آخر ما ذكروه"؛ فإننا لا نجوز إيقاع النكاح بغيره (١) باشتراط سقوط العوض، فهو مخصوص بذلك، فأما اللفظ؛ فلا فائدة في الفرق بين الألفاظ فينا وفيه، ألا ترى أننا قد ساويناه في [ألفاظ] (٢) الطلاق بالصريح والكناية، فكذلك نشاركه في ألفاظ النكاح بكل ما يقصد به النكاح. فإن قيل: الفائدة فيما ذكرناه من تخصيصه باللفظ؛ لأن الهبة لفظ موضوع في الشرع لعقد من شرط لزومه القبض، فوجب أن لا ينعقد نكاحنا نحن. قيل: ليس من شرط الهبة القبض، وكذلك الرهن يصح عقداهما، على أن الرهن لا يوجب التمليك مؤبدًا إذا أطلق، ولفظ الهبة يوجب التمليك مؤبدًا إذا أطلق، فأشبه لفظ النكاح. فإن قيل: لا فرق بين الهبة والرهن؛ لأن الهبة وإن كان فيها تمليك؛

стр. 2601

فليس التمليك في الهبة من جنس التمليك في النكاح، فكانت هي والرهن سواء في عقد النكاح، ألا ترى أن الهبة لما لم يكن فيها التمليك الذي في البيع كالرهن في أنه لا ينعقد به البيع. قيل: قد يحصل في الهبة من التمليك مثل ما يحصل في النكاح، ألا أنه لو وهب له منافع الدار مدة؛ لصحت الهبة، ولو وهب لعوض بلفظ (١٣٨) الهبة؛ لكانت هبة الثواب عندنا صحيحة. وعلى أحد قولي الشافعي فهو لفظ يحصل به التمليك كالبيع، وقد قلنا: إن الهبة توجب التمليك مؤبدًا إذا أطلقت، فهي كلفظ النكاح، والرهن فليس فيه تمليك الشيء أصلًا، وإنما يفيد حق الوثيقة. فإن قيل: فما تقول في لفظ "أبحتك". قيل: قد قال أصحابنا (١): إنهم إن قصدوا به النكاح والعوض والتمليك مطلقًا؛ فإنه يصح. ويجوز أن يحترز من هذا فنقول: لفظ الهبة عقد يوجب التمليك مؤبدًا إذا أطلق، فهو كالنكاح، [و] (٢) لفظ البيع مثله، ولا يلزم عليه الإباحة؛ لأنها ليست بعقد. فإن قيل: فإنه لفظ لا يتضمن العوض، فوجب أن لا ينعقد به النكاح

стр. 2602

كالإحلال والإباحة (١). أو نقول: هو نكاح عري عن لفظ التزويج والنكاح، فلم ينعقد كما ذكرنا في الإحلال والإباحة. قيل: إذا قصد به النكاح تضمن العوض، فهو كالهبة للثواب الذي هو العوض، فلم يسلم الوصف الذي جعلوه علة. فأما الإحلال والإباحة؛ فقد ذكرنا ما قاله أصحابنا أنه إذا قصد به النكاح؛ صح وتضمن العوض، فإن كان في الإحلال والإباحة تمليك فهو كالهبة. فإن قيل: فإنه لفظ ينعقد به غير النكاح، فوجب أن لا ينعقد به النكاح، أصله الإجارة والعارية والوصية (٢) قيل: قد ذكرنا قياسًا بإزائه، وقلنا: لفظ الهبة يوجب التمليك مؤبدًا إذا أطلق، فأشبه لفظ النكاح، وليس هذا موجودًا في [الإجارة] (٣) والعارية، فأما الوصية؛ فليست بعقد لازم يوجب التمليك مؤبدًا إذا أطلق، فأشبهت الوعد بالتمليك. فإن قيل: فإن عقد النكاح يقتضي البدل وهو في معاوضة البضع، فلما كان عقد النكاح يقتضي البدل، والهبة (١٣٩) لا تقتضي البدل؛ لم ينعقد بلفظ لا يقتضي البدل، ألا ترى أن عقد البيع لما اقتضى العوض؛ لم

стр. 2603

ينعقد بلفظ الهبة. قيل: عنه جوابان: أحدهما: إننا قد بينا أن لفظ الهبة للثواب يقتضي البدل، فكذلك إذا [عقد] (١) به النكاح، [وكذا] (٢) إذا قال: قد وهبتها لك على صداق كيت كيت، وكذلك هبة الثواب هي بيع، وخاصة إذا قال: وهبت لك هذه السلعة لتثيبني عليها، فقد بان بهذا أنه ينعقد بلفظ الهبة كما ينعقد بلفظ النكاح. والجواب الآخر هو أن ما ذكروه يبطل به إذا قال: زوجتك على أن لا مهر، فإن النكاح ينعقد عندهم. وكذلك على رواية لابن القاسم؛ لأنه قال: يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده، وإن كان قد روي عن مالك أنه يفسخ قبل الدخول وبعده لاشتراطهما إسقاط المهر. فإن قيل: لم ينعقد النكاح بقوله على أن لا مهر لها، وإنما انعقد بقوله: زوجتك، وقوله: "لا مهر لها" شرط فاسد فسقط. قيل: قد بينا أن لفظ الهبة إذا قصد به النكاح؛ تضمن العوض، وخاصة إذا قال: على الصداق، أو على صداق كيت وكيت، ولا يمتنع أن يكون لفظ "أنكحتك وزوجتك" أقوى من قوله: وهبتها لك على صداق كيت كيت، غير أن هذا يجوز كما يجوز ذاك.

стр. 2604

فإن قيل: فإن النكاح يفتقر إلى أن يحملوا الشهادة في النكاح، ألا ترى أنهم لو تحملوا الشهادة في النكاح على غير النكاح؛ لم يصح النكاح، وهو أن يعقد بالولي والخاطب بلا شهود، ثم يفترقان بين يدي الشهود بالعقد لم يصح النكاح، ولم يتحملا الشهادة على العقد. فإذا كان النكاح لا يصح إلا أن يتحمل الشهود الشهادة على النكاح؛ لم يصح بلفظ الهبة؛ لأن الهبة والبيع كناية في النكاح وليسا بصريح، فلو قال السيد للرجل: وهبت منك (١٤٠) أَمتي، وزوجتك أمتي، أو بعتك أمتي بحضرة الشهود، والشهود حين الإيجاب والقبول لم يعرفا النكاح، فلم يتحملوا الشهادة على العقد، وإذا قال السيد والخاطب: نكحنا؛ حصلت الشهادة على العقد، ولم يصح على غير [ذلك] (١) العقد. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن عقد النكاح يصح بغير شهود، ولا يفتقر في صحته إلى الشهادة (٢). والجواب الآخر: هو أننا نجيز ذلك إذا علم أنهم يقصدون بلفظ الهبة النكاح حتى يعرف الشهود ذلك، وخاصة إن قال: وهبتها لك على صداق كذا وكذا درهمًا أو دينارًا، فلا إشكال في هذا أنهم يريدون التزويج، فتصح

стр. 2605

شهادة الشهود على العقد، وكذا إذا قال: بعتكها على صداق كيت وكيت، أو علم أنهم قصدوا بالبيع النكاح، وخاصة في حرة فإنها لا تباع، فإذا كان في النكاح معنى البيع - لأنه عقد على معاوضة يقتضي التمليك مؤبدًا إذا أطلق -؛ فلا فرق بين لفظ النكاح، والهبة للثواب، والبيع، بعد أن يعلم أنهم قصدوا بذلك النكاح، وهذا كما لو طلق بالصريح والكناية؛ لجاز للشهود أن يشهدوا أنه طلق، وإن كان قد طلق بالكناية كما يطلق بالصريح، خاصة إذا علموا أنه نوى الطلاق، كما أنهم قصدوا بلفظ الهبة النكاح. فإن قيل: فإن قول النبي ﷺ للرجل حين خطب المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ : "قد ملكتكها بما معك من القرآن" (١)؛ لا يصح؛ لأن النيسابوري قال: إنما روى "ملكتكها" معمر، وغلط فيه، والصحيح أنه ﵇ قال: "زوجتك". على أنه لو صح؛ لم يكن فيه حجة؛ لأنه روي "زوجتك"، وروي "ملكتك"، والقصة واحدة، ولما لم يعلم على أي وجه من اللفظين وقع؛ لم يصح الحجاج به (٢). قيل: أما ما ذكره النيسابوري؛ فلا يعمل عليه؛ لأنه يجوز أن (١٤١) يذهب عنه، ومعمر فوق النيسابوري (٣).

стр. 2606

وأما اختلاف اللفظين في قصة واحدة؛ فلا يسقط الحجاج به؛ لأنه يجوز أن يكون ﷺ قال: " [قد] (١) ملكتك"، ثم كرر فقال: "زوجتك" بعد قوله: "ملكتك"، فيكون تقديره أنه لما قال له: "ملكتك بما معك من القرآن"؛ قال: الذي معي منه يسير وهو كيت وكيت، فقال ﷺ : "قد زوجتك بما معك من هذا القدر"، وأعلمهم أن أحد اللفظين يقوم مقام الآخر (٢)، وإذا أمكن أن يحمل على هذا؛ استفدناه ولم يسقط الحجاج به. فإن قيل: فإن قولك: "إن لفظ الهبة يقتضي التمليك مؤبدًا إذا أطلق فأشبه لفظ النكاح"؛ لا يصح؛ لأن "زوجتك" و"أنكحتك" لا ينقل الملك أصلًا، ألا ترى أنه لو قال: زوجتك أو أنكحتك هذا الثوب أو هذه الدابة؛ لم ينقل الملك، وإنما يستباح به منفعة البضع، ويستحق بالاستباحة المهر، فسلم ما قلته. على أنه لو كان صحيحًا؛ لكان المعنى في قوله: "زوجتك وأنكحتك" أنه لفظ لا ينعقد به غير النكاح، فلهذا انعقد به النكاح، والهبة لفظ ينعقد به غير النكاح، فلم ينعقد به النكاح، كالإجارة والعارية. قيل: إنا لم نقل إن لفظ الهبة ينقل ملك الرقبة، وإنما قلت: التمليك أعني تمليك المنافع، والنكاح يفيد ذلك، فلا فرق بين أن يقول: وهبت لك منافعها على صداق كيت وكيت، وبين أن يقول أنكحتكها على صداق كيت

стр. 2607

وكيت، ولما كانت رقبتها وهي حرة لا يصح (١). على أن قوله: "وهبتها لك على صداق كذا" إنما يقصد به المنافع كالنكاح. وقولهم: "إنه لو صح؛ لكان معنى "زوجتك" أنه لفظ لا ينعقد به غير النكاح، فلو قلنا: إنهم لو قصدوا البيع بأن يقول: قد أنكحتك هذا الثوب بكذا وكذا درهمًا، وعُلم قصدهم لانعقد البيع؛ لم [يبق] (٢) منهم شيء. ولو قلنا ما قالوه أيضًا؛ لم يمتنع أن يكون لفظ النكاح بالنكاح أخص من الهبة، (١٤٢) ثم تقاس عليه الهبة بعلة صحيحة، فتكون علتنا أولى؛ لأنها متعدية إلى ما اختلفنا فيه. وأما الإجارة والعارية؛ فقد ذكرنا أنه لفظ لا يقتضي التمليك مؤبدًا؛ لأنها إن لم تقيد بمدة في الإجارة؛ لم يصح الرد بعد انتفاع. فإن قيل: قولكم: "إن النكاح كالطلاق في أنه يقع بالصريح والكناية"؛ ومعاذ الله، وليس كالطلاق؛ لأن النكاح تمليك، والطلاق [يرفع] (٣) التمليك ويحُل العقد. على أن الفرق بين الطلاق وعقد النكاح واضح، وهو أن الطلاق يقع بالشرط والصفة، فصح وقوعه بالكناية، والنكاح لم ينعقد بالصفة [والشرط] (٤)،

стр. 2608

فلم يجز أن ينعقد بكناية (١). قيل: إننا لم نقل: إن النكاح طلاق، ولا أنه كهو في كل شيء، وإنما قلنا: إن النكاح لفظ مخصوص، فإذا [أوقع] (٢) بغيره من الألفاظ التي تقتضي التمليك مؤبدًا وعلى أنه يقصد به النكاح؛ صح، ولا يُمتنع من الفرق بينهما، ألا ترى أن الإنسان إذا تزوج بامرأة؛ جاز أن يقول: قد أنكحتها أو تزوجتها، وتأهلت بها، واتصلت بها، فيفهم بهذه الألفاظ ما يفهم بقوله: نكحتها، فكذلك إذا قال له: قد زوجتكها، وأنكحتكها، وأهلتك بها، ووصلتك بها؛ جاز ذلك، وخاصة إذا قال على صداق كذا وكذا. وقولهم: "إن النكاح لا يقع بالصفة والشرط"؛ فإن البيع كذلك، وليس مقصورًا على لفظ بعتك؛ لأنه لو قال: "ملكتك هذا [الثوب] (٣) بكذا وكذا درهمًا"؛ صح، وكذلك وهبته لك بثمن ذكره. وأيضًا فلا يخلو عقد النكاح إما أن يكون كعقود الأعيان، أو عقود المنافع، وأيها كان؛ فإنه لا ينحصر على لفظ واحد. فإن قيل: هو أصل بنفسه، لا هو كعقود الأعيان ولا كعقود المنافع، ألا تري أنه اعتبر فيها الشهادة والإشادة، ولم يعتبر في عقود الأعيان والمنافع، فكذلك يعتبر (١٤٣) فيه لفظ بعينه.

стр. 2609

قيل: ليس من شرط صحته الشهادة عندنا، وعلى أنه لو اعتبر فيه ذلك؛ لم يخصصه بلفظ بعينه إذا فهم منه المقصود، ألا ترى أن في العقود ما خصص بأشياء تفارق غيره، ولم يخرجه ذلك عن نظرائه، ولم [يقصر] (١) فيه على لفظ واحد، من ذلك عقد الصرف، والسلم، والمضاربة، والمساقاة، وما أشبه ذلك، ثم لو قال: قد صارفتك؛ كان كقوله: بعتك، وقد أعطيتك هذا بهذا، وكذلك لو قال: قد أسلمت إليك هذه الدراهم في كذا كذا؛ كان كقوله: قد بعتك، وقد أعطيتك، فالباب كله في هذا واحد. ويجوز أن يقال: إن لفظ الهبة يقع بها التمليك إذا ذكر معها العوض، فوجب أن يقع بها النكاح إذا ذكر الصداق، دليله إذا قال: قد أنكحتكها، أو زوجتكها. فإن قيل: إن لفظ النكاح والتزويج لا يفتقر إلى ذكر الصداق، وهذه الألفاظ تفتقر إلى ذكره. قيل: لا يمتنع أن يكون ذكر النكاح والتزويج من أخص أسمائه؛ [لأنهما] (٢) لا يختصان إلا بهذا المعنى فقط، فمتى عريا بإطلاقهما عن ذكر الصداق؛ فُهم المراد منهما، وسائر الألفاظ موضوعها لغير النكاح، فإذا أطلقت؛ لم يفهم منها المعنى المقصود، فإذا ذكر معها الصداق؛ فهم المقصود منها، ولم تقع مبهمة. فإن فهم المقصود بلفظ الهبة وأنهم يريدون التزويج مع [الصداق] (٣)؛

стр. 2610

صح، وقد قلنا: إن العوض يفهم أنهم قصدوا النكاح بذلك. فإن قيل: فإن لفظة الهبة يقع بها الفرقة إذا قال الزوج: وهبتك لنفسك، أو لأهلك، فلا ينبغي أن يقع بها النكاح كالطلاق. [قيل] (١): لفظ الهبة يقع بها الملك، ولهذا هي موضوعة، فإذا قال الولي: "وهبتها منك"؛ فهو كقوله: وهبت لك هذا الثوب، وإذا قالها الزوج (١٤٤) للمرأة وأراد الطلاق؛ فقد ملكها نفسها، غير أنه يفهم منها من جهة الولي أنه قد ملكها للزوج كما يملكه بلفظ النكاح، ويفهم بها من جهة الزوج للزوجة أنه قد ملكها نفسها كما يملكها بالطلاق، فليس يخرج موضوع الهبة عن التمليك منها، والطلاق يختص به الزوج، فهو صريح في الحل من جهته. على أن لفظ البيع لما كان [للتمليك] (٢)؛ كان كالهبة، فلا فرق بين أن يقول لزوجته: قد وهبتك لنفسك، وبين أن يقول لها: قد بعتك، فيكون خلفًا، فإذا قال الولي للخاطب: بعتكها بصداق كذا؛ فهو كقوله: وهبتكها بكذا. فإذا ثبت لنا النكاح بلفظ الهبة على ما بينا؛ ثبت لنا في البيع مثله فإن قيل: فإن [العرف] (٣) لم يرد إلا بلفظ النكاح والتزويج، ولم يتزوج النبي ﷺ إلا بهذين اللفظين. قيل: هذا لا يمنع من إلحاق غيرهما بهما، وقد ذكرنا دلائل.

стр. 2611

وما ذكروه من القياسات؛ فقد ذكرنا بإزائه ما يعارضه. وعلى أن كل لفظ يذكر معه الصداق يفيد ما يفيد لفظ النكاح، إذا كان ظاهره يفيد التمليك مؤبدًا. فإذا ثبت هذا؛ قلنا: فكذلك إن لم يُذكَر معه المهر، وعلم منه أنهم يقصدون به النكاح؛ فإنه يصح. وبالله التوفيق. مسألة (٢٤): ولا يجوز لأحد أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة في النكاح، وهو عندنا إجماع (١). وقال قوم لا يُعَدون خلافًا: إنه يجوز الجمع بين تسع (٢). وقال قوم: يجوز أي عدد كان، قليلًا وكثيرًا (٣).

стр. 2612

والدليل لقولنا والجماعة؛ هو أن الفروج على الحظر حتى يقوم الدليل، فقام في الأربع ولم يقم فيما زاد. وأيضًا فإنهم محجوجون بالإجماع الذي لا يُعَد خلافُ من شذ عنه ممن لا يعتد به (١). وأيضًا ما روي أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة فقال له [النبي ﷺ : "أمسك أربعًا وفارق سائرهن" (٢).

стр. 2613

وأيضًا حديث نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال له] (١) النبي ﷺ : "فارق واحدة، (١٤٥) قال: فعمدت إلى أقدمهن صحبة ففارقتها" (٢).

стр. 2614

فالدلالة من هذا هو أن النبي ﷺ قطع استدامة نكاح الزيادة على أربع، والمخالف يجوزه، فدل ذلك على ما ذكرناه. فإن قيل: فإن الله تعالى قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (١). فظاهره يقتضي يجوز الضم بين الأعداد الثلاثة، وهي: المثنى، والثلاث، والرباع، فيكون تسعًا. قالوا: ولأن الله تعالى أمرنا بالاقتداء برسوله ﵇ فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢)، ومات ﷺ عن تسع (٣)، فدل أنه يجوز الجمع بين ذلك العدد تأسيًا به ﷺ . قيل: أما الآية في قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾؛ فالمراد به التخيير بين الأعداد الثلاثة، [ولا يراد به] (٤) الجمع من وجهين: أحدهما: أنه لو أراد الجمع بين تسع؛ لم يعدل عن لفظ الاختصار، وكان يقول: فانكحوا ما طاب لكم إلى تسع (٥)، فلما عدل عن ذلك وقال: ﴿مَثْنَى

стр. 2615

وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾؛ صار تقديره من مثنى وثلاث ورباع (١)، [فيفيد] التخيير كقوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٢). قيل في التفسير: من الملائكة من له أجنحة مثنى، ومنهم من [له] (٣) أجنحة ثلاثًا ثلاثًا، ومنهم من له أجنحة رباعًا رباعًا، وليس من له أجنحة تسعًا تسعًا. والوجه الثاني: هو أنه تعالى قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، واللغة لا توقع التخيير بين متباعدين متباينين [لا] (٤) يكون بينهما تقارب، وإنما توقع التخيير بين متقاربين، فلا يجوز أن يقول: "فإن خفتم أن لا تعدلوا في التسع فواحدة"؛ لأنه يصير بمنزلة من يقول: إن خفت أن تخرج إلى مكة على طريق الكوفة فامض إليها على طريق الأندلس أو الصعيد، وبالقرب من الكوفة طرق كثيرة لا يخاف منها، فعلم أنه أراد التخيير بين الإثنين والثلاث والأربع] (٥). (١٤٦) وأما قولهم: "إنه ﵇ مات عن تسع (٦)، وأن لنا التأسي به"؛ فإننا نقول:

стр. 2616

إنه ﵇ كان أفضل البرية، وكان يؤمَن منه الجور، ويقع منه العدل، فقال: "حبب إلي من دنياكم ثلاث، فذكر النساء" (١)، وكان مخصوصًا بالزيادة في العدد لما ذكرنا (٢)، كما خص بأن لا يُنكَح أزواجه من بعده. وعلى أنه ﵇ كان مباحًا له ما شاء من العدد، وإنما اتفق أنه مات ﷺ وفي حباله تسع، فإذا كان كذلك؛ صح ما ذكرناه والله أعلم. فإن قاسوا ما زاد على الأربع بمعنى يذكرونه؛ فإن القياس يَسقط مع النص، وهو ما فعله ﵇ مع غيلان ونوفل (٣).

стр. 2617

مسألة (٢٥): ويجوز للعبد أن يجمع بين أربع زوجات كالحر (١). وهو قول ربيعة، وأبي ثور، والزهري (٢).

стр. 2618

وقد حكي عن ابن وهب أن مالكًا قال: لا يجوز أن يجمع بين أكثر من ثنتين (١). وهذا مثل قول أبي حنيفة، والشافعي (٢). وهو قول الثوري وأحمد بن حنبل (٣). والدليل لجوازه هو أن العقد على الثالثة قد حصل إذا أوقعه، وقد قال تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤). فإن قيل: لا نسلم أن العقد قد حصل حتى يجب الوفاء به. قيل: العقد في اللغة هو الإيجاب والقبول، وقد وجد، فالوفاء به يتعلق؛ لأن الأحكام تتبع الاسم اللغوي إلا أن تقوم دلالة. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٥). ولم يخص عددًا من عدد، ولا عبدًا من حر.

стр. 2619

فإن قيل: فإنه قال: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾، والعبد لا مال له، فدل أنه أراد الأحرار. قيل: العبد عندنا يملك، إذا كان معه مال فهو له. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (١) بعد قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). (١٤٧) فهو عام في أن ينكح أيا منا من حر وعبد، ولم يخص عددًا من عدد. وكذلك قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ (٣)، ولم يقل بعدد دون عدد، فهو عموم. وأيضًا قول النبي ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" (٤) يدل على أنه إذا عقد بولي؛ كان نكاحًا، سواء كانت ثانية أو ثالثة. وقوله ﵇: "لا ينكح المحرم" (٥)، دليله أنه ينكح إذا لم يكن محرمًا ثانية كانت أو ثالثة. ولنا أيضًا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٦).

стр. 2620

ولم يفرق بين حر وعبد في ذلك (١). فإن قيل: الآية خطاب للأحرار، والدلالة عليه من وجوه: [أحدها] (٢): استفتح الخطاب بالحر فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، والعبد لا ولاية له على اليتيم. والثاني: أنه قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾، فأطلق ذكر النكاح، والعبد ليس بمطلق في النكاح (٣). والثالث: أنه قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، فخير بين ملك اليمين وبين الواحدة، ولا يكون العبد مخيرًا عندنا وعندكم بين ملك اليمين وبين النكاح، وإنما سيده مخير، فدل على ما ذكرناه. قيل: جميع ما ذكرتموه لا يلزمنا منه شيء؛ وذلك أن العبد يكون له ولاية على اليتيم، ويصح أن يكون [وصيا] (٤). وقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ﴾ فإن العبد عندنا مطلق في النكاح، ويكون عقده موقوفًا على إجازة السيد أو فسخه. على أنه لو قال: "فانكحوا ما طاب لكم إذا أطلقتم في النكاح"؛ يصح، فهو عموم تقديره: "ما طاب لكم إن احتجتم إلى إذن وإن لم تحتاجوا".

стр. 2621

والجواب عن الثالث: هو أن العبد مخير بين ملك اليمين وبين نكاح واحدة؛ لأنه عندنا يملك ويطأ بملك اليمين بغير إذن سيده، وليس سيده مخيرًا (١٤٨) بين ذلك؛ لأننا وإن قلنا: إن السيد يُجبِر عبده على النكاح؛ فليس له أن يجبره على أن يملك، أو يطأ بملك اليمين. فإن قيل: فإن قوله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ أي ما أحل لكم، فبيّنوا أن ذلك حلال للعبد حتى يدخل تحت الأمر (١). قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن الآية مفتتحة بذكر الناس، والعبد من جملة الناس، فقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ لم يخص حرًا من عبد، فما توجه إلى الحر؛ فمثله إلى العبد. والثاني: أن أمره تعالى بالنكاح لا يكون أمرًا إلا بما يحل، فقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ أي ما تستطيبونه، ولو أراد ما قلتم؛ لكان تقديره: "النكاح حلال فانكحوا ما حل لكم"، وهذا لغو من الكلام. فإن قيل: المراد بالآية الأحرار؛ لأن نفقة زوجة العبد على السيد وهو المطالب. قيل: بل النفقة على العبد من فوائد تطرأ له من مكاسبه (٢)، لا من مال سيده.

стр. 2622

فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي يكثر عيالكم (١)، والعبد لا يعول شيئًا. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه قيل في تفسيره: أن لا تجوروا، والعبد يكون منه الجور كالحر. والثاني: أن العبد إذا تزوج؛ فالنفقة عليه لزوجاته، فيكثر عياله. فإن قيل: فقد قال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٢) والعبد سيده يؤتي النساء الصداق. قيل: الصداق على العبد لا على سيده. فإن قيل: فقد قال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٣). والعبد لا يمكنه أن يأكل ذلك. قيل: العبد عندنا يملك ما يأخذه من المرأة ويأكل منه، ولا يستأذن سيده، ويطأ منه بملك اليمين بغير إذنه. على أننا لو سلمنا لهم جميع ما ذكروه؛ لم يمتنع أن يكون أول الآية

стр. 2623

في قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ عمومًا، ثم يكون آخرها خصوصًا بدليل، وقد ذكرنا أدلة. ولنا أيضًا أن نقول: إن النكاح طريقه الملاذ والشهوات، كالأكل، (١٤٩) والشرب، والطيب، واللباس، [لأن] (١) فيه استمتاعًا، ولم يقصر العبد عن الحر في ذلك، بل هو مباح لهما. وأيضًا فإننا رأينا العبد في باب المناكح قد وسع له ما لم يوسع للحر، من ذلك أنه يتزوج الأمة من غير خوف عنت، ويتزوجها على الحرة، والحر لا يتزوجها إلا خوف العنت، فلما وسع له في النكاح؛ جاز أن يساوي الحر في نكاح أربع. ألا ترى أنهما قد استويا في تحريم الأعيان من الأمهات وغيرهن، وكذلك هما في تحليل الأعيان المباحة. فإن قيل: هذا باطل كله؛ لأن العبد قد ساوى النبي ﵇ فيما طريقه الملاذ والشهوات، والنبي ﷺ لا يتزوج بأمة، وهو يتزوج بأمة، وقد حرم على النبي ﷺ الأمهات كالعبد، ثم لم يساوه في العقد. قيل: نحن نعلم أن النبي ﷺ قد أبيح له أن يتزوج أكثر من أربع، والحر ليس كذلك ولا العبد، وإنما غرضنا أن نسوي بين الحر والعبد، وهما منقوصان عن رتبة النبي ﷺ . ألا ترى أن الحر يتزوج الأمة كما يتزوجها العبد، والنبي ﷺ لا يجوز

стр. 2624

له ذلك، فلما كان للحر أن يتزوج أربعًا؛ كان العبد مثله. وأيضًا فإن العبد مسلم سليم من الآفات، فجاز أن يكون له أربع، مع كونه بالغًا، عاقلًا؛ كالحر. أو نقول: هو ذكر مسلم، فما جاز للحر من ذلك؛ جاز له مثله. وأيضًا فإن هذه المسألة لا تخلو أن تكون أصلًا أو فرعًا، وقد ثبت أنها ليست بأصل بحصول الخلاف فيها، وأنه لا نص عليها، فوجب أن تكون فرعًا أصلها الحر. وأيضًا فإن الأمر في الأنكحة المقصود منها الإعفاف، وتحصين الفروج، وابتغاء النسل، وهذا يستوي فيه الحر والعبد. وأيضًا فإن الحر والعبد قد استويا في شرائط النكاح، فيجب أن يستويا في العدد. فإن قيل: فقد قال تعالى (١٥٠): ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ (١). فنفى الله تعالى المساواة بيننا وبين ملك أيماننا، فيقتضي نفي المساواة بيننا من جميع الوجوه؛ لأنه تعالى أراد: أن عبيدكم لما لم يساووكم فيما رزقناكم؛ كذلك أنتم لا تساووني فيما أملكه. قيل: إنما أراد نفي المساواة في الملك، ألا ترى إلى قوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ

стр. 2625

كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١)، وهم لا يساووننا مساواة نخافهم فيها؛ لأن ملكهم ناقص عن ملكنا؛ لأن العبد عندنا يملك، ولكنه ملك غير مستقر؛ لأن للسيد أن ينتزع ماله، [بدليل] (٢) أنهم يملكون ملكًا لا نخافهم فيه كما يخاف الواحد منا من ليس بعبد له. وهذا لا يتوجه إلى التزويج، ولو توجه إلى التزويج أيضًا حتى يتزوج [من العدد مثلنا] (٣)؛ لم يشاركونا في أزواجنا، وهذا موضع المخالفة، فأما أن يحل لنا نكاح أربعة ولهم مثله؛ فليس هاهنا شركة، ألا ترى أن الحرة قد قصرت على زوج واحد، حرًا كان أو عبدًا، والأمة تساويها في ذلك، وليس هذه شركة، ولا فيها مخالفة، وإنما هذا مثل ضربه الله لمن جعل له شركاء آلهة أضدادًا فقال: الأصنام وكل من تجعلون شركاء هو ملك لي، كما أنكم وما تملكونه ملك لي، ألا ترون أني قد ملكتكم رقاب العبيد، فإذا ملكتموهم ملكًا لم يساووكم فيه؛ لأنهم ملك لكم وما يملكونه، كذلك أنتم وما ملكتكم إياه ملك لي ملك تام، كما أن عبيدكم وما ملكتموه ملك لكم أتم من ملكهم لما ملكتموهم إياه، فعبيدكم ليسوا بشركاء لكم فيما تملكونه، كذلك أنتم ومن تجعلونه شريكًا لي ليس بشركاء لي فيما أملكه. على أن العبد ليس مساويًا للحر في نفس التزويج بأربع ولا شريك؛ لأن نكاح العبد موقوف على إجازة سيده، أو على فسخه، وإن تزوج أربعًا، ولا يعقد ابتداء إلا بإذن سيده، فإذا أذن له؛ جاز أن يتزوج أربعًا، والحر لا يعقد

стр. 2626

نكاحه على ذلك. (١٥١) فإن قيل: فقد ساوى الحر في العقد. قيل: كما ساوت الأمة الحرة في التزويج بحر وعبد، ولم تقصر الآية على عبد دون حر. ثم لو ثبت العموم في نفي المساواة؛ لم يمتنع تخصيصه بدليل، وقد ذكرنا أدلة. فإن قيل: فإن المسألة فيها إجماع الصحابة وهو العمدة؛ لأنه روي عن علي ﵁ أنه قال: "ينكح العبد اثنتين" (١). وروي عن عمره ﵁ أنه قال: "ينكح العبد اثنتين، ويطلق تطليقتين، وتعتد الأمة حيضتين" (٢). وروي عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: "لا ينكح العبد إلا اثنتين" (٣). فحصل من هؤلاء الثلاثة أنه لا ينكح إلا ثنتين (٤). وروى [ليث بن أبي سليم] (٥) عن الحكم: "أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن العبد لا ينكح إلا اثنتين" (٦).

стр. 2627

فدل على ما ذكرناه. قيل: إنما يثبت الإجماع بأحد أمرين: إما أن يعلم أن القول قول للجماعة (١)، أو أن يظهر وينتشر القول من بعضهم فيما بينهم، وينقرض العصر عليه، فيصير كالإجماع (٢) وإن كنا نخالف في هذا، ويختلف الفقهاء فيه، ولسنا نعلم أن هذا قول جماعتهم، ولا أنه انتشر فيما بينهم حتى لا يحصل فيه مخالف، وانقرض العصر عليه، وكيف يكون كذلك ومذهب أهل المدينة [على خلافه] (٣). ويجوز أن تتأول أقاويلهم أن هذا على طريق الاستحباب في أن لا يزيد على ثنتين، والكراهية للزيادة بدليل، كما يعمل فما يروى عن النبي ﷺ ، وهذا ممكن. فإن قيل: فإنه أمر ذو عدد يبنى على التفضيل، فوجب أن لا يستأذن

стр. 2628

العبد الحر فيه، أصله الطلاق والعدد والحدود. وأيضًا فإن كل أمر يبنى على التفضيل؛ فإن العبد لا يساوي فيه الحر، فإن كان مما لا يتبعض؛ سقط [العدد] (١) فيه؛ كالرجم، والشهادة، والميراث، وإن كان مما يتبعض كان على النصف من الحر كالطلاق والعدة والحدود، وعقد النكاح ذو عدد يتبعض. وأيضًا فإن النبي ﷺ (١٥٢) لما كان أفضل الأمة؛ كان له الفضل في عدد النكاح، كذلك أيضًا لما كان الحر أفضل من العبد؛ وجب أن يكون له مزية وفضل على العبد في العدد. فالجواب عن الفصل الأول؛ هو أننا لا نسلم أن النكاح بني على التفضيل؛ لأن طريقه طريق الملاذ والشهوات، فالحر والعبد فيه سواء، وقد ذكرنا أنه للإعفاف وتحصين الفرج، فلم يختلف العبد والحر فيه. فأما الطلاق والعدد والحدود؛ فإنها في معنى واحد؛ لأن الحدود تؤلم وتؤذي، والطلاق في معناها، والعِدد في معنى الطلاق، وليس كذلك النكاح؛ لأنه للذة والاستمتاع. وما ذكروه من الرجم والشهادة والميراث؛ فإنما سقط حمله عن العبد والأمة على طريقة واحدة، ولم يفرق بين الأمة والحرة في النكاح، وإن كان قد افترقا فيما ذكروه، فكذلك لا يفترق العبد والحر في النكاح وإن افترقا فيما ذكروه.

стр. 2629

وما ذكروه من أن النبي ﷺ كان أفضل الأمة ففضل في العدد في النكاح كما فضل في الطلاق؛ فإنه ﷺ إنما فضل في العدد لأنه مأمون منه الجور، ولا يقع منه إلا العدل، وهذه المعاني لا تؤمن من الحر ولا من العبد، فهما سواء في ذلك. ألا ترى أنه ﷺ قد ساوى أمته الأحرار في عدد الطلاق، [وإن] (١) كان له الفضل عليهم في عدد الزوجات. فأما الفرق بين الحر والعبد في الطلاق؛ فقد ذكرنا أن الطلاق في معنى الحدود، فينقص فيه العبد عن الحر. ثم إن الطلاق حل لعقد، فلما ضعف عقد العبد - لأن نكاحه يقف على إذن مولاه -؛ ضعف حله عن حل عقد الحر، وليس للعبد في هذا مدخل ووجه الرواية التي حكيت عن ابن وهب عن مالك ما ذكرناه عن المخالفين، والله الموفق للصواب. (١٥٣) ويجوز قياس آخر في جواز ذلك فنقول: كل من جاز له الجمع بين اثنتين جاز له الجمع بين الثلاث والأربع، دليله الحر. أو نقول: كل [ذكر] (٢) أبيح له النكاح؛ جاز له الجمع بين الأربع، كالحر. وبالله التوفيق.

стр. 2630

مسألة (٢٦): إذا عقد على امرأة عقد نكاح؛ حرمت عليه أختها، [فلا] (١) يعقد عليها ما دامت الأولى في عصمته، وكذلك إذا تزوج أربعًا؛ حرم عليه أن يعقد على أربع سواهن، وعلى خامسة، فإذا طلق زوجته؛ فهل يحل أن يعقد على أختها، أو طلق الأربع هل يحل أن يعقد على أربع سواهن، أو طلق واحدة من الأربع هل يحل أن يعقد على أخرى مكانها أم لا؟ الحكم في هذه المسائل كلها واحد. فإن كان الطلاق رجعيًا؛ لم يجز بلا خلاف؛ لأن الزوجية باقية، وإن طلق قبل الدخول؛ حل له العقد على الأخت، وعلى الأربع سوى الأربع، بلا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة. فأما إذا دخل بها وبانت منه إما بخلع أو بالطلاق الثلاث، هل يحل له أن يعقد على أختها، وعلى أربع سوى الأربع، والمطلقة في العدة؟ فإنه يجوز عند مالك والشافعي (٢). وبه قال الزهري (٣). ومن الصحابة زيد بن ثابت (٤).
следующие страницы →