← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

نكاحه على ذلك. (١٥١) فإن قيل: فقد ساوى الحر في العقد. قيل: كما ساوت الأمة الحرة في التزويج بحر وعبد، ولم تقصر الآية على عبد دون حر. ثم لو ثبت العموم في نفي المساواة؛ لم يمتنع تخصيصه بدليل، وقد ذكرنا أدلة. فإن قيل: فإن المسألة فيها إجماع الصحابة وهو العمدة؛ لأنه روي عن علي ﵁ أنه قال: "ينكح العبد اثنتين" (١). وروي عن عمره ﵁ أنه قال: "ينكح العبد اثنتين، ويطلق تطليقتين، وتعتد الأمة حيضتين" (٢). وروي عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: "لا ينكح العبد إلا اثنتين" (٣). فحصل من هؤلاء الثلاثة أنه لا ينكح إلا ثنتين (٤). وروى [ليث بن أبي سليم] (٥) عن الحكم: "أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن العبد لا ينكح إلا اثنتين" (٦).

стр. 2627

فدل على ما ذكرناه. قيل: إنما يثبت الإجماع بأحد أمرين: إما أن يعلم أن القول قول للجماعة (١)، أو أن يظهر وينتشر القول من بعضهم فيما بينهم، وينقرض العصر عليه، فيصير كالإجماع (٢) وإن كنا نخالف في هذا، ويختلف الفقهاء فيه، ولسنا نعلم أن هذا قول جماعتهم، ولا أنه انتشر فيما بينهم حتى لا يحصل فيه مخالف، وانقرض العصر عليه، وكيف يكون كذلك ومذهب أهل المدينة [على خلافه] (٣). ويجوز أن تتأول أقاويلهم أن هذا على طريق الاستحباب في أن لا يزيد على ثنتين، والكراهية للزيادة بدليل، كما يعمل فما يروى عن النبي ﷺ ، وهذا ممكن. فإن قيل: فإنه أمر ذو عدد يبنى على التفضيل، فوجب أن لا يستأذن

стр. 2628

العبد الحر فيه، أصله الطلاق والعدد والحدود. وأيضًا فإن كل أمر يبنى على التفضيل؛ فإن العبد لا يساوي فيه الحر، فإن كان مما لا يتبعض؛ سقط [العدد] (١) فيه؛ كالرجم، والشهادة، والميراث، وإن كان مما يتبعض كان على النصف من الحر كالطلاق والعدة والحدود، وعقد النكاح ذو عدد يتبعض. وأيضًا فإن النبي ﷺ (١٥٢) لما كان أفضل الأمة؛ كان له الفضل في عدد النكاح، كذلك أيضًا لما كان الحر أفضل من العبد؛ وجب أن يكون له مزية وفضل على العبد في العدد. فالجواب عن الفصل الأول؛ هو أننا لا نسلم أن النكاح بني على التفضيل؛ لأن طريقه طريق الملاذ والشهوات، فالحر والعبد فيه سواء، وقد ذكرنا أنه للإعفاف وتحصين الفرج، فلم يختلف العبد والحر فيه. فأما الطلاق والعدد والحدود؛ فإنها في معنى واحد؛ لأن الحدود تؤلم وتؤذي، والطلاق في معناها، والعِدد في معنى الطلاق، وليس كذلك النكاح؛ لأنه للذة والاستمتاع. وما ذكروه من الرجم والشهادة والميراث؛ فإنما سقط حمله عن العبد والأمة على طريقة واحدة، ولم يفرق بين الأمة والحرة في النكاح، وإن كان قد افترقا فيما ذكروه، فكذلك لا يفترق العبد والحر في النكاح وإن افترقا فيما ذكروه.

стр. 2629

وما ذكروه من أن النبي ﷺ كان أفضل الأمة ففضل في العدد في النكاح كما فضل في الطلاق؛ فإنه ﷺ إنما فضل في العدد لأنه مأمون منه الجور، ولا يقع منه إلا العدل، وهذه المعاني لا تؤمن من الحر ولا من العبد، فهما سواء في ذلك. ألا ترى أنه ﷺ قد ساوى أمته الأحرار في عدد الطلاق، [وإن] (١) كان له الفضل عليهم في عدد الزوجات. فأما الفرق بين الحر والعبد في الطلاق؛ فقد ذكرنا أن الطلاق في معنى الحدود، فينقص فيه العبد عن الحر. ثم إن الطلاق حل لعقد، فلما ضعف عقد العبد - لأن نكاحه يقف على إذن مولاه -؛ ضعف حله عن حل عقد الحر، وليس للعبد في هذا مدخل ووجه الرواية التي حكيت عن ابن وهب عن مالك ما ذكرناه عن المخالفين، والله الموفق للصواب. (١٥٣) ويجوز قياس آخر في جواز ذلك فنقول: كل من جاز له الجمع بين اثنتين جاز له الجمع بين الثلاث والأربع، دليله الحر. أو نقول: كل [ذكر] (٢) أبيح له النكاح؛ جاز له الجمع بين الأربع، كالحر. وبالله التوفيق.

стр. 2630

مسألة (٢٦): إذا عقد على امرأة عقد نكاح؛ حرمت عليه أختها، [فلا] (١) يعقد عليها ما دامت الأولى في عصمته، وكذلك إذا تزوج أربعًا؛ حرم عليه أن يعقد على أربع سواهن، وعلى خامسة، فإذا طلق زوجته؛ فهل يحل أن يعقد على أختها، أو طلق الأربع هل يحل أن يعقد على أربع سواهن، أو طلق واحدة من الأربع هل يحل أن يعقد على أخرى مكانها أم لا؟ الحكم في هذه المسائل كلها واحد. فإن كان الطلاق رجعيًا؛ لم يجز بلا خلاف؛ لأن الزوجية باقية، وإن طلق قبل الدخول؛ حل له العقد على الأخت، وعلى الأربع سوى الأربع، بلا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة. فأما إذا دخل بها وبانت منه إما بخلع أو بالطلاق الثلاث، هل يحل له أن يعقد على أختها، وعلى أربع سوى الأربع، والمطلقة في العدة؟ فإنه يجوز عند مالك والشافعي (٢). وبه قال الزهري (٣). ومن الصحابة زيد بن ثابت (٤).

стр. 2631

وقال سفيان الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: لا يجوز له أن يعقد على أختها وهي في العدة (١)، ولا على أربع والأوائل في عدتهن (٢). وبه قال من الصحابة علي، وابن عباس ﵄ (٣). والدليل لقولنا قوله ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٤). فظاهره يقتضي جواز العقد على أي عدد من المثنى والثلاث والرباع، سواء كان عنده غيرهن أم لا، إلا أن يقوم دليل يمنع. (١٥٤) وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٥). فأمر بإيقاع نكاح الأيامى، ولم يخص في إيقاعه من له زوجة أم لا، فهو عموم. وأيضًا قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٦). فأحل لنا ما وراء الأعيان المحرمات ولم يخص. وأيضًا قول النبي ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" (٧)، وكل موضع عقد الولي

стр. 2632

فهو نكاح إلا أن تقوم دلالة. وأيضًا قوله ﷺ : "لا ينكح المحرم ولا ينكح" (١). فمن عدا المحرم ينكح وينكح على كل وجه، إلا أن يمنع منه مانع. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢). فمن عدا ذلك بخلافه في الجواز. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٣). فدليله أننا ننكح غيرهن على كل حال إلا أن يقوم دليل. وأيضًا قوله ﷺ : "تناكحوا تكثروا" (٤)، ولم يخص. وقوله ﷺ : "من استطاع منكم الباءة فليتزوج" (٥)، ولم يخص حالا من حال. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (٦). فدليله أن المرأة إذا قضت العدة؛ جاز له أن يتزوجها أي زوج كان، سواء كانت عنده أختها أو ثلاث سواها.

стр. 2633

وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١). فدليله أن المطلق لا يتربص، وهم يقولون: لا يتزوج حتى تخرج المرأة من العدة، وهذا تربص بالزوج. ودليله أيضًا أن المرأة إذا لم تكن متربصة بالعدة؛ جاز أن تتزوج من هذا أو من غيره، فهو عموم إلا أن يقوم دليل. ومن جهة القياس والاستدلال؛ فإنه جمع حرم على الزوج بعقد النكاح، فوجب أن يرتفع هذا النكاح بالبينونة من العقد المحرِّم، دليله إذا طلقها قبل الدخول؛ لأنه شيء ء عقد على امرأة (١٥٥) [حرم عليه] (٢) أن يعقد على أختها من أجل عقده المتقدم، ثم إذا طلق الأولى قبل الدخول؛ زال التحريم، وجاز له العقد الثاني على الأخت، كذلك إذا طلقها ثلاثًا بعد دخوله بها أو أبانها بالخلع. وقولنا: "جمع حرم"؛ احتراز من تحريم الأم؛ لأنه إذا عقد على امرأة؛ حرمت أمها عليه بنفس العقد، ثم لا يرتفع هذا أصلًا؛ لأنه ليس بتحريم جمع، ولكنه تحريم بائنة. وقولنا: "على الزوج"؛ احتراز من المرأة. وقولنا: "فوجب أن يزول بالبينونة"؛ احتزاز منه إذا طلقها طلاقًا رجعيًا فإنه لا يرتفع لعدم البينونة.

стр. 2634

فإن قيل: فإننا لا نسلم أن هذا الجمع حرم بعقد النكاح؛ لأنه حرم عندنا بالفراش لا بالعقد. قيل: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الفراش يزول بالطلاق الثلاث وبالبينونة، يدل على ذلك أنها لو حملت في حال عدتها ووضعته بعد انقضاء عدتها وبعد أكثر [مدة] (١) الحمل؛ لم يلحق به، فلو كانت فراشًا له وهي في العدة بعد البينونة؛ لوجب أن يلحق به ولدها إذا حملته في العدة، لأن معنى قولنا "إنها فراش له"؛ أي إنها متى حملت في حال هي فيها فراش له؛ لحقه. والجواب الثاني: هو أن هذا التحريم لو كان يثبت بالفراش لا بالعقد؛ لوجب أن لا يثبت في موضع لا يوصف بأنه فراش، وهو الصغيرة بنت يومها، فلما اتفقنا على أنه إذا عقد على صغيرة بنت يومها أنه قد حرم عليه أن يعقد على أختها وإن كانت غير موصوفة بأنها فراش له؛ لأن الفراش ما يلحق فيه النسب، والصغيرة لا تحمل أصلًا، فلا توصف بأنها فراش له. وعلى أن نفس العقد عندهم كناية عن الفراش؛ لأنه لو عقد على امرأة بحضرة الحاكم، ثم لم [يتزوج] (٢) حتى طلقها بحضرته، فأتت بولد لستة أشهر من وقت العقد الذي قد تعقبه (١٥٦) الطلاق؛ لحق به، وهذا عندنا لا يلحق به حتى [] (٣) كعقد الصغير الذي لا يولد له.

стр. 2635

فإن قيل: المعنى في المطلقة قبل الدخول أنه لا عدة عليها، فلما لم يحرم عليها أن تتزوج؛ لم يحرم عليه أيضًا، وإذا طلقها بعد الدخول بها؛ حرم عليها أن تتزوج ما دامت في عدتها، فحرم عليه أيضًا. قيل: إذا طلقها بعد الدخول بها؛ لم يجز لها أن تتزوج لأنها في عدة، والزوج لا عدة عليه، فلما انفردت بالعدة لاستبراء رحمها في الأصل؛ انفردت بالتحريم، فالزوج بعد دخوله بها وقبله على حد واحد إذا بانت منه؛ لأنه لا عدة عليه. وأيضًا فإن كل من تحل له أخت المبتوتة بعد انقضاء عدتها؛ تحل له وهي في عدتها، دليله إذا قال الزوج: قد أخبرتني بانقضاء عدتها، وقالت: لم أخبره؛ فإنهم يقولون: يجوز للزوج أن يعقد على أختها وهي لا تتزوج، ويلزمها أن تكمل العدة. فإن قيل: لأنها ليست بمعتدة في حق الزوج وإنما هي معتدة في حقها، فلهذا لم يُمنع الزوج من العقد على أختها. قيل: الدلالة على أنها معتدة في حق الزوج أنه يلزمه نفقتها وكسوتها عندكم ما دامت هي في العدة، كما يلزمه لو لم يقل: إنها أخبرته، فبطل قولكم. وعلى أن العدة ليست من حقها ولا حق الزوج، وإنما هي من أجل حق النسب؛ بدليل أنهما لو اتفقا على تركها؛ لم [يجز] (١). ونقول أيضًا: إن كل من لو طلق من كانت زوجته لم يلحقها طلاقه؛

стр. 2636

فإنه يجوز له أن يعقد على أختها، أصله إذا ماتت المرأة؛ لأنه لا يلحقها طلاقه، وكذلك لو ولدت أو طلقت قبل الدخول، وكذلك إذا أبانها بالثلاث لم يلحقها طلاقه، فلما كانت إذا ماتت جاز له أن يتزوج أختها عقيب الموت؛ كذلك إذا أبانها بالطلاق. (١٥٧) [] (١) العلل الثلاثة في جواز العقد على الأخت. ونقول أيضًا: هو رشيد لا زوجة في عصمته، فجاز أن يتزوج، دليله إذا لم يتزوج أصلًا، وهذه علة فيه إذا طلق أربع نسوة وهن في عدة. ولنا أن نستدل أيضًا ونجعله ترجيحًا أن نقول: إذا طلقها ثلاثًا؛ فقد صارت أجنبية منه؛ بدليل أن الأحكام المختصة بالنكاح قد زالت بينهما مثل الطلاق، والإيلاء، والظهار، وعدة الوفاة، والموارثة بالزوجية (٢)، فإذا صارت أجنبية منه بالبينونة بما ذكرناه من الدليل؛ جاز له أن يعقد على أختها، وعلى أخرى مكان الرابعة، وعلى أربع سوى الأربع البائنات؛ لأنه غير ممنوع من تزويج الأجنبيات. ولعل هذه التي قد بانت منه أبعد من الأجنبية؛ لأن الأجنبية تحل له من غير زوج، وهذه لا تحل له إلا بعد زوج، وهذا ترجيح قوي. فإن قيل: فإنها ليست بأجنبية منه ما دامت في العدة؛ لأنها لو أتت بولد في حال عدتها منه؛ لحق به. قيل: هذا باطل به إذا انقضت عدتها لستة أشهر؛ لحق به، وعندنا إلى

стр. 2637

تمام أربع سنين، ثم يجوز له أن يعقد على أختها. ثم نقول أيضًا: [إن] (١) كونها في العدة التي هي استبراء رحمها لا يمنع من تزويج أختها بعد البينونة؛ لأنه لو وطئ أمته؛ صارت عندنا فراشًا له، فلا يحل له وطء أختها، ثم إذا باعها؛ زال ملكه عنها، وعليها الاستبراء، ومع هذا يجوز له أن يطأ أختها أو يتزوجها وإن كانت هي في الاستبراء؛ لأن ملكه قد زال عنها. كذلك أيضًا في الحرة؛ لأن الوطء في الأمة نظير العقد، وهذا أيضًا ترجيح آخر. وأيضًا فلو وطئ امرأة بشبهة؛ وجب عليها الاستبراء، ويجوز أن يتزوج أختها وهي مستبرأة، ولو أسلم وتحته امرأة مشركة حبلى؛ جاز له أن يتزوج (١٥٨) أختها وهي حامل مستبرأة. وأيضًا فإنه إذا طلقها بعد الدخول ثلاثًا؛ لم يجز لها أن تتزوج؛ لأنها في عدة، ولا عدة على الزوج، فمن [مُنع] (٢) من التزويج حتى تنقضي عدتها؛ صار بمنزلتها في عدة، ولو كان في عدة بمنزلتها؛ لمنع من الزينة والطيب كما منعت في العدة عندهم. وأيضًا فإن المنع لا يخلو من أحد أمرين: إما لأنه يكون جامعًا بينهما في النكاح، أو لأنه يكون جامعًا بينهما في مائه بالوطء، فبطل أن يكون جامعًا بينهما في النكاح؛ لأنه [لا] (٣) نكاح بينهما، ولا يجوز أن يكون جامعًا بينهما

стр. 2638

في الماء؛ لأنه لا يجوز له وطء البائن منهما، ووقت وطئه لها قد سقط. فإن قيل: حكم مائه باق ما دامت في العدة. قيل: هذا باطل؛ لأنه لو خلا بها فطلقها قبل أن يطأها؛ لوجبت العدة عندكم، ولم يجز أن يتزوج أختها، ولم يحصل له ماء. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١). فحرم تعالى الجمع بين الأختين عمومًا، وإذا جمع بينهما في عقد واحد؛ يقال: جمع بينهما، وكذلك إذا كان أحد العقدين يلي الآخر؛ يقال أيضًا: جمع بينهما، كما يقال: جمع بين الصلاتين، وإن كانت أحدهما عقيب الأخرى. قيل: حقيقة الجمع أن يقعا معًا كالقران في الحج والعمرة هو الجمع بينهما، وإنما يقال في الشيء إذا فعل تلو الشيء: جمع بينهما؛ على طريق المجاز، وإنما قيل في جمع الصلاتين وإن كانت أحدهما تلي الأخرى؛ لأنه جمع بينهما في وقت أحدهما. وعلى أنه إذا عقد على أحدهما ثم بين أمرها وعقد على الأخرى عقيب ذلك؛ لا يقال: جمع بينهما، وإنما يكون جامعًا بينهما إذا جمعهما في عقد واحد حقيقة (١٥٩) وإذا عقد على إحداهما ثم على الأخرى قيل أن يجعل عقد الأول (٢) مجازًا، فأما إذا أبان أحدهما ثم عقد على الأخرى؛ فلا يكون

стр. 2639

جامعًا حقيقة ولا مجازًا. فإن قيل: فإنها معتدة في حق الزوج، فوجب أن لا يجوز له العقد على أختها، أصله المطلقة الرجعية. وقولهم: "معتدة وحق الزوج"؛ احتراز منه إذا قال الزوج: أخبرتني أن عدتها انقضت، وأنكرت هي؛ فإن عليها أن تكمل العدة، ويجوز للزوج أن يتزوج أختها قبل تمام عدتها؛ لأنها معتدة في حقها لا في حق الزوج. قيل: المعنى في الرجعية أنها زوجته بدلالة بقاء الأحكام المختصة بالنكاح بينهما، وهو غير ممنوع من أن يعقد على أخت امرأته وهي أجنبية منه. على أننا قد قلنا: إن العدة لا في حق الزوج ولا في حق الزوجة، بل هو حق للولد يتعلق به حق الله تعالى، فلا فرق بين أن يقول: أخبرتني أن عدتها انقضت أو لا تقول، ألا ترى أنهما لو اتفقا على ترك العدة؛ لم يجز. فإن قيل: فإنه تحريم جمع يمنع منه عقد النكاح، فوجب أن يمنع منه العدة؛ أصله المرأة لا يجوز لها أن تتزوج بزوجين تجمع بينهما، لا في حال النكاح، ولا في حال العدة. قالوا: ولأنه إذا عقد على امرأة؛ فقد حرمت عليه أختها بعقد النكاح، كما حرم عليها سواه بعقد النكاح، ثم إذا طلقها؛ كان تحريم التزويج بغيره باقيًا عليها ما دامت في عدتها، ووجب أيضًا أن يكون تحريم التزويج بأختها باقيًا عليه ما دامت في العدة؛ لأن المعنى الذي حرم عليها العقد على غيره هو الذي حرم عليه العقد على أختها.

стр. 2640

قيل: إنما لم يجز للمرأة أن تتزوج وهي في عدتها لوجود المعنى المانع لذلك وهو العدة، والزوج لا عدة عليه، فلا يمنع عليه، وعلى أنه فاسد بالمرتدة، فإنه يجوز أن يتزوج أختها. وقولهم: "إنهما (١٦٠) لما تساويا في المعنى الموجب للتحريم؛ وجب أن يتساويا في وقت ارتفاع التحريم" على ما ذكروه؛ فإننا نقول: إن التحريم الذي استويا فيه قد زال عنها وهو الزوجية، وإنما حرم عليها بعد الطلاق بمعنى آخر هو غير المعنى الأول، وهو العدة فخلفت [علة] (١) ولم يحدث من جهة الزوج معنى آخر يمنع منه، فلم يكن ممنوعًا من التزويج إذا زالت الزوجية، والله أعلم. فلو استدلوا باستصحاب الحال وأن الفروج محظورة في الأصل إلا بدليل. قيل: قد انتقلنا عن ذلك بالظواهر التي ذكرناها. وقد ذكر عنهم أنهم وافقونا في رجل قال لامرأته: إن تزوجت عليك فلانة؛ فهي طالق، ثم طلق التي حلف لها طلاقًا بائنًا وتزوج الأخرى والمطلقة الأولى في العدة؛ أن نكاح الثانية صحيح، فلو كانت باقية على حكم النكاح؛ ما جاز ذلك، وكانت الثانية يقع عليها الطلاق بيمينه. وبالله التوفيق.

стр. 2641

مسألة (٢٧): لا ينفسخ نكاح الزوجة إذا زنت وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، والفقهاء كافة (١). وحكي عن الحسن (٢) وأبي عبيد أنه ينفسخ النكاح بينها وبين زوجها متى زنت. وروي نحوه عن علي ﵁ (٣). والدليل لقول الجماعة أن العقد ثابت في الأصل قبل أن تزني، فمن زعم أنه ينفسخ بالزنا؛ فعليه الدليل. وأيضًا قول النبي ﵇: "الحرام لا يحرم الحلال" (٤) يدل على أن العقد المتقدم حلال، وما يتضمنه من الاستمتاع لا يحرمه الزنا الذي هو حرام. وأيضًا قوله ﵇: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (٥).

стр. 2642

فأثبت الفراش مع وجود الزنا، وألحق الولد بالفراش الثابت بالعقد (١٦١) [] (١) من الزنا، فإذا كان الفراش ثابتًا والولد به لاحق؛ دل على أن العقد لم ينفسخ، ولا زال حكم الفراش. وأيضًا فما روي "أن رجلًا قال: يا رسول الله! إن امرأتي لا ترد يد لامس، فقال ﷺ له: طلقها، فقال: إني أحبها، فقال: استمتع بها، وقيل: أمسكها" (٢). وإنما كنى الرجل به عن الزنا، أي إنها لا ترد زانيا (٣)، فقد أثبت

стр. 2643

النبي ﷺ النكاح بينهما، وأمره بالطلاق الذي لا يقع في غير نكاح، قال: "استمتع بها" بحكم العقد المتقدم. فإن قيل: فإنما أراد الرجل أنها مبذرة، كل من طلب منها شيئًا لا ترده. قيل: هو باطل من وجهين: أحدهما: أنه قال "يد لامس"، ولم يقل "ملتمس"، والسائل الطالب ملتمس. والوجه الثاني: أنه أمره بالطلاق عقوبة لها، فدل على أنها أتت المحرم، وكونها لا ترد مَن التمس منها شيئًا ليس بمحرم، فلا تعاقب على فعل المباح. فإن قيل: أراد أنها [تبذل] (١) ماله لكل من طلبه، فأراد ﵇ بطلاقه لها المباح صيانة ماله. قيل: هي قضية في عين، فقوله "لا ترد يد ملتمس"؛ لم يقل من مال، ويجوز أن تكون كثيرة الصدقة، فلا تعاقب على ذلك، فصرفه إلى ما قلناه أولى. مع أن الظاهر أن الملامس خلاف الملتمس، ألا ترى أنه قال: "لا ترد يد لامس"، فحقيقته حصول اللمس باليد والمباشرة، والملتمس لا يد له يلتمس بها، وإنما هو سائل، وطالب، فإن مد يده والتمس شيئًا بطريقة الصدقة كما قلنا؛ فقد طلب مباحًا لا يعاقب فاعله إذا أعطاه.

стр. 2644

وعلى أننا لو جعلناه للأمرين؛ لم [يتنافيا] (١)؛ لأنها لا ترد ملتمسًا للزنا وغير الزنا. وأيضًا فإنه ﷺ قال لما قال له الرجل: إن ابني زنا بامرأة هذا [فقالوا لي: على ابنك الرجم، ففديت ابني منه بمائة من الغنم ووليدة، ثم سألت أهل العلم فقالوا: إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام. فقال النبي ﷺ : لأقضين بينكما بكتاب الله، أما الوليدة والغنم؛ فرد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وأما أنت يا أنيس - لرجل -؛ فاغد] (٢) على امرأة هذا، فإن اعترفت؛ فارجمها" (٣) فسماها ﵇ امرأته مع جواز أن تكون زنت. فإن قيل: فإنها امرأته قبل (١٦٢) الاعتراف. قيل: قد يجوز أن تعترف وتكون قد زنت، فكان ينبغي أن يعدل [عن هذه] (٤) المرأة لجواز أن تكون غير زوجة بزنائها. وأيضًا فإنه وطء حرام من غير زوجها؛ فلم ينفسخ به النكاح، دليله إذا وطئها دون الفرج. وأيضًا فإن كل معنى إذا ثبت فانفسخ به النكاح؛ فإن الزوجة إذا أقرت به انفسخ النكاح؛ كالرضاع، والردة، والطلاق، واللعان، وغير ذلك، ألا

стр. 2645

ترى أن أمه لو أرضعت زوجته؛ انفسخ؛ لأنها أخت له، ولو قال لزوجته: هي أختي من الرضاعة؛ انفسخ النكاح، وكذلك في الردة والرضاع. فلما تقرر أن الزوجة لو أقرت أنها زنت لم ينفسخ النكاح؛ علم أنه لا ينفسخ أيضًا إذا ثبت أنها زنت، وهذه عمدة المسألة ونكتتها. [فإن قيل] (١): أما اللعان؛ فهو أيضًا حجة لنا؛ لأنه [إنما] (٢) انفسخ النكاح باللعان لتحقق الزنا وثبوته. قيل: هذا خطأ، إنما انفسخ لوجود الاشتباه؛ لأنه لما لاعن الزوج؛ فقد حلف أربعة أيمان، وحقق عليها الزنا، فإذا لاعنت هي؛ فقد حلفت أربعة أيمان، وحققت عليها [نفي] (٣) الزنا، فإذا [حقق عليها الزنا] (٤) وحققت نفي الزنا عن نفسها؛ فاشتبه الأمر، وقد يفسخ العقد لأجل الاشتباه وإن كنا نتحقق عدم الفسخ، كالمتبايعين إذا تحالفا؛ انفسخ العقد، وهو أن يختلفا في الثمن والمثمن. فإن قيل: فإنه معنى يوجب القتل، فوجب أن ينفسخ به العقد، دليله إذا ارتدت. قيل: هو منتقض بما لو قتلت إنسانًا حرًا عمدًا؛ فإنه معنى يوجب قتلها، ومع هذا لا ينفسخ العقد.

стр. 2646

فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). فإذا زنت؛ فمن وطئها لا يطؤها بنكاح، وإنما ينكحها بزنا، فثبت أن النكاح مرتفع. قيل: إنما أثبته الله تعالى زانيا أولا ثم منع نكاحه بزنائه، فعلم أنه أراد الذي يطأ (١٦٣) من ليست [له] (٢) بزوجة ولا أمة، وهي مطاوعة له، فإنه زان كما أنها زانية، ولم يرد الزوج الذي يقوم له عقد النكاح، وحقيقة الزاني أن يكون في حال زنا، فكذلك الزانية، فثبت أن الأمر على خلاف ما قرروه. وقد قال [سعد بن عبادة ل] (٣) رسول الله ﷺ : "أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلًا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء" (٤). فسماها زوجته وامرأته، مع كنايته عن الزنا، ولم ينكر النبي ﷺ ذلك، ولم يقل: إن النكاح بينكما منفسخ في الحال. فإن قيل: إنما قال: "مع امرأتي" لأنها امرأته قبل أن يجد معها رجلًا، فقال: لو وجدت، وهو بَعْدُ لم يجد. قيل: قد كان ينبغي أن يبين له ﵇ فيقول: إذا وجدت معها رجلًا؛ لم تكن امرأتك، وكيف لا تكون زوجته والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ

стр. 2647

أَزْوَاجَهُمْ﴾ (١) مع جواز أن يكون الرمي بالزنا صحيحًا، فكان ينبغي أن يقول: اللواتي كن أزواجًا. فإن قيل: هي حالَ ما يرميها زوجة. قيل: الله تعالى [يعلم] (٢) البواطن، فكان ينبغي إذا علم أنها زنت قبل [أن] (٣) يرميها أن لا تكون زوجة، فيقول: اللاتي كن زوجات، لمن علم أنها زنت منهن. فَصْل فأما الزانية؛ فإنه يجوز للزاني أن يعقد عليها النكاح، ويتزوجها، وإن كان زنا بها (٤)، ويجوز لغيره أيضًا (٥). وهو قول جميع الفقهاء (٦). وقال الحسن البصري (٧): لا يجوز للزاني بها أن يعقد عليها أبدًا (٨)،

стр. 2648

وإن عقد النكاح؛ كانا زانيين (١). ولست أعرف ما يقوله في غير الزاني بها. وقال قتادة وأحمد بن حنبل: إن تابت؛ جاز العقد عليها لكل أحد، وإن لم تتب؛ لم يجز (٢). قالوا: لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ (٣). (١٦٤) قالوا: فجعل الله نكاح الزانية زنا لأنه سمي العاقد زانيًا. قالوا: وروى شعبة عن سماك عن [حنش] (٤) بن المعتمر أن قومًا اختصموا إلى علي ﵁ في رجل تزوج امرأة فزنى، أو قال: زنت قبل أن يدخل بها، ففرق بينهما (٥)، ولا مخالف له. قالوا: وروى مرتد بن أبي مرتد الغنوي: "كانت له صديقة يقال [لها] (٦)

стр. 2649

عناق، وهي بغي بمكة، قال: فجئت رسول الله ﷺ فقلت: أنكح عناقًا؟ فسكت عني، فنزلت: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾، فدعاني فقرأها علي، وقال: لا تنكحها" (١)، وقال الله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. والدليل لقولنا الظواهر من قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٢). ولم يخص زانية من غيرها. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٣). وهذه أيم قد أمر بإنكاحها، ولم يخص ممن تنكح. وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ (٤). ولم يفرق بين مزني بها وبين غيرها. وقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٥). فدليله إذا كانت غير مشركة جاز نكاحها. وقوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٦). فدل أنهم إذا آمنوا أنكحناهم من هذه وغيرها، سواء زنا أم لا.

стр. 2650

وقوله ﵇ "لا نكاح إلا بولي" (١). فإذا عقد الولي؛ جاز من الزاني وغيره. وقوله ﵇ "لا ينكح المحرم" (٢). فدل أنه إذا لم يكن محرمًا؛ جاز أن ينكح هذه وغيرها. ولأنه إجماع الصحابة، وروي عن أبي بكر، وعمر، وابن عمر، وابن عباس، وجابر ﵃. فأما أبو بكر؛ فروي عنه صريحًا في رجل ضاف رجلًا فافتض أخته، فرفع إليه - وكان بكرًا - فجلده، وغربه إلى فدك (٣)، ثم إن الرجل تزوج بالمرأة بعد ذلك (١٦٥) باليمامة (٤). وقيل: إن أبا بكر أرسل إليهما فاعترفا، فجلدهما وزوجه منها، ثم نفاهما سنة (٥). وأما عمر؛ فروي عنه روايتان: أحدهما: [أن جارية فجرت فأقيم عليها الحد، ثم إنهم أقبلوا مهاجرين،

стр. 2651

فتابت الجارية فحسنت توبتها وحالها، فكانت تخطب إلى عمها فيكره أن يزوجها حتى يخبر ما كان من أمرها، وجعل يكره أن يفشي عليها ذلك، فذكر أمرها لعمر بن الخطاب ﵁] (١)، فقال له: أنكحها نكاح مسلمة عفيفة" (٢). وروي عنه "أن رجلًا له ابن تزوج بامرأة لها بنت، ففجر الصبي بالصبية، فجلدهما عمر، وحرص أن يجمع بينهما، وأبى الغلام" (٣). فدل على أنه يجوز للزاني أن يتزوج بالزانية. وأما ابن عباس؛ فروي عنه أنه سئل عن رجل زنى بامرأة، أيحل له أن ينكحها؟ فقال: "إذا سرق أحدكم من كرم؛ أفلا يحل له أن يشتريه" (٤). وأما ابن عمر؛ فإنه كان له مملوك وجارية، فاتهم المملوك بها، [و] (٥) ظهر الحبل بالجارية، فقال له: أمنك الحبل، فقال: لا، وكان للمملوك أصبع زائدة، فقال: إن كان للحمل أصبع زائدة؛ فهو منك، قال نعم: قال: فوضعت وبالحمل أصبع زائدة، فجلدهما، وزوجها به" (٦).

стр. 2652

وروي عن جابر نحو هذا (١). فأما الآية؛ فلنا [فيها] (٢) تأويلان: أحدهما: أنه قيل إنها منسوخة، وروي ذلك عن ابن عباس، وروي عن سعيد بن المسيب أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٣). والثاني: أن المراد بها نكاح الجاهلية (٤)، روت عائشة ﵂ "أن نكاح الجاهلية كان على أربعة أنحاء: نكاح الرايات، وهو أن الزانية كانت لها راية وعلَم تعرف بذلك، ويأتيها الرجال، فإذا أتت بولد؛ ألحقته بمن شاءت منهم" (٥). فقوله تعالى ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ (٦) أي لا ينكحها نكاح الجاهلية إلا زان؛ لأن ذلك النكاح زنا. وروي عن عكرمة أنه قال: قوله: ﴿لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ﴾ أي لا يطأها أي بالوطء الذي تكون هي به زانية يكون الواطئ به زانيا، لأن النكاح في اللغة الوطء (٧).

стр. 2653

وأيضًا فإنه عقد على منفعة؛ فوجب أن لا يمنع الزنا (١٦٦) منه، دليله الإجارة. ولأنه وطء؛ فوجب أن لا يمنع الواطئ من العقد عليها، كالوطء بشبهة في نكاح، أو ملك يمين، أو غير ذلك. وما رووه عن علي ﵁؛ فلا دليل لهم فيه؛ لأن النكاح لو كان قد انفسخ؛ لم يكن للتفرقة بينهما معنى. فأما تفريقه بينهما؛ فلعله لما رأى من الكراهية والتفاحش بينهما والشقاق لما قد جرى من الزنا (١)، ففرق بينهما لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٢). وهذه قضية في عين واحدة، فرأى علي ﵁ أن يفرق بينهما، وليس في هذا دليل على مسألتنا؛ لأنه ليس فيه أن الرجل زنا بالمرأة ولا زنت به؛ لأنهما زوجان، وإنما أحدهما زنا، فكان الأمر فيه على ما ذكرناه، وهذا لا يعترض على ما ذكرناه من الإجماع. وقد روى إبراهيم النخعي، عن همام بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود: في الرجل يفجر بالمرأة ثم يريد أن يتزوجها فقال: "لا بأس بذلك" (٣).

стр. 2654

فدل قول أبي بكر، وعمر، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وابن مسعود ﵃ على أن المسألة إجماع (١). مسألة (٢٨): ويجوز للولي (٢) غير الأب أن يزوج اليتيم قبل أن يبلغ، إذا كان ذلك نظرا له، كالأب. ومنع الشافعي من هذا (٣)، وجعله في الأب على وجهين، إن كان الابن سليمًا صحيحًا؛ جاز أن يزوجه، وإن كان الابن الصغير مجنونًا؛ لم يجز لأبيه ولا غيره أن يزوجه (٤).

стр. 2655

وأنا أتكلم على الولي أولا. والدليل على جواز تزويج الولي لليتيم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (١). فهو عموم إلا ما خصته الدلالة من اليتيمة على وجه، فإذا رأى الصلاح في تزويجه لصلته بمن يرغب في مثله، ولعلهم أن يكفلوه ويقوموا بإمساكه؛ جاز ذلك. وقوله (١٦٧) تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢). فأمر بإنكاحهن، ولم يفرق بين أن يُنكحوهن من صغير أو كبير. وقوله ﵇: "لا نكاح إلا بولي" (٣) فدل أن الولي من جهته وجهة المرأة إذا عقدا؛ حصل نكاحًا. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٤). فدليله أن من كان مؤمنًا؛ جاز أن نُنكحه صغيرًا كان أو كبيرًا. فإن قيل: هو متوجه إلى من يصح منه الإيمان وقد كان مشركًا. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن من هو في حكم المسلمين مسلم، ومن كان في حكم أبيه

стр. 2656

المشرك مشرك، فإذا أسلم أبوه؛ صار مسلمًا وإن كان صغيرًا. والثاني: أن الغلام إذا أعرب عن نفسه وأسلم؛ صار مسلمًا، وجاز أن يزوجه وليه. وقوله ﵇: "اليتيمة تستأمر" (١) دلنا على أن اليتيم لا يستأمر. وأيضًا قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢). وهذا قد عقد له وليه. وأيضًا قوله ﷺ : "لا ينكح المحرم ولا ينكح" (٣). فدليله أنه ينكح إذا لم يكن محرمًا، ولم يفرق بين إنكاحه من كبير أو صغير، فهو عموم. وأيضًا فإنه ذَكر مُولّى عليه في المال، فجاز لوليه أن يزوجه نظرًا له، كالأب. ونقول: لما جاز للأب أن يزوجه نظرًا واحتياطًا؛ جاز للولي لقيامه مقام أبيه، مع كونه ذكرًا مولى عليه. فإن قاسوه على اليتيمة بعلة يذكرونها؛ قلنا: يجوز تزويجها إذا كان نظرًا على إحدى الروايتين. على أن الفرق بينهما هو أن الذكر إذا بلغ وكره العقد؛ كان له أن يحله

стр. 2657

بنفسه؛ لأن الطلاق إليه، وليس كذلك اليتيمة؛ لأن الطلاق ليس إليها، فافترقا وترجح قياسنا بالأب، وبالفرق بين اليتيم واليتيمة. وأما الفرق بين الصغير السليم وبين المجنون (١)؛ فلا أعرف له معنى؛ لأن المصلحة فيهما واحدة، بل لعل مصلحة المجنون فيها أكثر؛ (١٦٨) لأنه يحتاج من المداراة والصلاح والخدمة والصبر عليه أكثر مما يحتاج إليه السليم، فإذا أرضيت المرأة بذلك ورضي وليها؛ جاز، ألا ترى أنه لو كان كبيرًا مجنونًا واحتاج إلى التزويج؛ جاز أن يزوج للمصلحة، وليست المصلحة في كونه محتاجًا إلى التزويج لأجل الجماع بأكثر من مصلحته في التزويج وهو صغير، وإن اختلفت وجوه المصلحة. فإن قيل: فإنه إذا كان سليمًا فإنه [لما] (٢) يبلغ يطلب النكاح والتزويج، فجاز تقديمه قبل البلوغ وإن لم تكن به حاجة إليه قبل البلوغ، لوجود حاجته إليه مع البلوغ، وليس كذلك الصغير المجنون؛ لأنه لا حاجة به إليه في الحال، وإذا بلغ؛ لا يعلم أنه يُفيق حتى يطلبه أو لا يفيق، فلم يجز تقديمه قبل البلوغ، ولم يسلم حاجته إليه بعد البلوغ. قيل: إنهما في حال الصغر لا حاجة بهما إلى الوطء، ولا يعلم ما يكون في ثاني، ألا ترى أن السليم يجوز أن يموت قبل البلوغ فلم يزوج لحاجته إلى الوطء بعد البلوغ، وإنما [جاز تزويجهما في الحالين للمصلحة] (٣)، فلا

стр. 2658

فرق بين السليم والمجنون في حال الصغر، ومع جواز أن يبلغ السليم صغيرًا يجوز أن يحدث له الجنون قبل بلوغه، كما يجوز أن يحدث للمجنون الصحة قبل بلوغه، فقد استويا، فما جاز لأحدهما في الحال من النظر والمصلحة؛ جاز للآخر مثله. والله أعلم. مسألة (٢٩): خُطبة النكاح ليست بواجبة عندنا (١) وعند جميع الفقهاء (٢). إلا داود فإنه قال: هي واجبة (٣). واحتج بأن النبي ﷺ خطب حين زوج فاطمة ﵂ (٤)، وأفعاله على الوجوب. وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٥). (١٦٩) وقال ﵇: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو مردود" (٦)، وقد عمل

стр. 2659

النكاح بخطبة. [قالوا: ويروى أنه ﷺ قال: "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بذكر الله؛ فهو أبتر" (١). والنكاح أمر ذو بال] (٢). [والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٣). ولم يذكر خطبة] (٤). وأيضًا قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٥). واسم النكاح يحصل وإن لم تكن فيه خطبة. وقال ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" (٦).

стр. 2660

فجعل شرطه حصول الولي، ولم يقل: "لا نكاح إلا بخطبة". ولنا أيضًا سائر الظواهر التي ذكرناها في المسألة المتقدمة من الكتاب والسنة، ليس في شيء من ذلك ذكر الخطبة. وقوله ﷺ : "قد زوجتكها بما معك من القرآن" (١). ولم ينقل عنه أنه خطب (٢)، وتزويجه سنة كأفعاله، فينبغي أن يتبع في الواجب والسنة والإباحة. وأيضًا فإنه عقد معاوضة فلا يفتقر في صحته إلى خطبة، دليله سائر العقود. أو نقول: هو عقد على منفعة فأشبه الإجارة. فأما خطبته ﷺ في تزويج فاطمة ﵍؛ فمحمول على الاستحباب والفضل؛ بدليل أنه قد ترك الخطبة في قوله "قد زوجتكها بما معك من القرآن" (٣)، وبدليل القياس. وقوله ﵇: "كل أمر ذي بال لا يبتدأ فيه بحمد الله فهو أبتر" (٤)؛ أي مقطوع أي ناقص، فلم يدل على أن العقد لا يتم وإن كان أبتر؛ لأنه ﵇ قد زوج ولم يخطب. فإن قيل: عقد النكاح مخصوص من بين العقود بالولي في جميعه،

стр. 2661

وبالشهادة، والإشادة. قيل: قد خصصناه باستحباب الخطبة فيه، كالإشادة التي ليست عندنا من شرط صحته. مسألة (٣٠): اختلف قول مالك ﵁ في نكاح المريض والمريضة المَخُوف عليهما، فقال: يفرق بينهما وإن صح المريض. فيدل على أن الفرقة واجبة (١). وروى ابن نافع عنه أنه لا يفرق بينهما إذا صح المريض منهما. وكذلك إن كانا مريضين (١٧٠) [ثم صحا] (٢). فهذا يدل على أن الفرقة بينهما [مستحبة غير واجبة] (٣).

стр. 2662

[والأول] (١) أظهر عنه وأشهر (٢). والثاني عندي أولى (٣). وقال أبو حنيفة والشافعي: إنه يجوز (٤). والدليل على المنع من جوازه هو أن الفروج في الأصل على الحظر حتى يقوم دليل الإباحة. وأيضًا فإن النكاح يقتضي وجوب المهر - إما معجلًا يذكر في العقد، أو مضمنًا فيه - بغير عوض يحصل للمريض المخوف منه، وهو محجور عليه في إخراج ماله على غير عوض يحصل له من أجل ورثته، فيجب أن يمنع من النكاح لأنه يؤدي إلى إخراج ماله الذي هو الصداق من غير عوض يحصل له؛ إذ لا يقدر على الاستمتاع. فإن قيل: فإن له أن يخرج ثلثه على غير [عوض] (٥)، ولا اعتراض لورثته فيه.

стр. 2663

وأيضًا فإنهم إن أجازوا له أن يخرج ماله؛ [] (١) فينبغي أن لا يمنع من النكاح. قيل: عنه جوابان: أحدهما: إن أمر الثلث مراعى واقف على الموت، فإذا حصل للورثة الثلثان؛ حصل الثلث. والثاني: أن الورثة ليسوا معينين؛ لجواز أن يموتوا ويحدث غيرهم (٢)، فالجميع مراعى واقف على الموت، والنكاح لا يقف صحته على الموت. فإن قيل: فإن النكاح الموقوف عندكم يجوز، فأجيزوا هذا النكاح ويكون موقوفًا (٣). قيل: النكاح الموقوف إذا أجزناه؛ فإنما يراعى حتى يتقرر إما من جهة الزوج، أو من ناحية المرأة، وبموت الزوج لا يبقى من يجيزه، وليس هو عقدًا يورث حكمه [لا] (٤) من جهة العقد ولا الفرقة، وإنما هو من جهة الزوج الذي يملك الاستمتاع والوطء، وبموته يبطل، فلا معنى لعقده. فإن قيل: فإنه يملك الخدمة.

стр. 2664

قيل: المقصود من عقد النكاح الوطء والخدمة تبع؛ بدليل لا يجوز أن يتزوج من لا يجوز له وطؤها لخدمة. فإن قيل: هو عقد معاوضة، فينبغي أن يكون كثمن الجارية. قيل: الجارية (١٧١) تحصل للورثة فهي العوض كالثمن. وأيضًا فإن موضوع الملك في الجارية للخدمة والوطء تبع؛ بدليل أنه يملك من لا يجوز له وطؤها كأخته من الرضاعة، فيحصل له منها الخدمة ويحصل بعده للورثة. فإن قيل: قد يجوز أن يطأها فتصير أم ولد، فيبطل ملكها عن الورثة. قيل: إن كان فيه من الاستمتاع ما يولد [لمثله] (١)؛ فإن نكاحه يصح (٢). فإن قيل: فإن الابن الصغير محجور عليه، ومع هذا يجوز أن يزوَّج. قيل: الابن الصغير محجور عليه لنفسه، كالسفيه المجنون، فجاز أن يعمل ما فيه مصلحته، وليس كذلك المريض؛ لأنه محجور عليه لأجل ورثته، ومصلحته هو في نفسه ليست في التزويج إذا كان مخوفًا، والصبي لا يتعلق بماله حق الغير، والمريض يتعلق بماله حق الغير. فإن قيل: فليس في الصبي استمتاع ولا المريض أيضًا.

стр. 2665

قيل: الصبي الغالب من حاله السلامة وحصول الاستمتاع، والغالب من المرض المخوف الموت، فافترقا، فلا يجوز أن يخرج مال المريض إلا على عوض يحصل له أو للورثة، كما أن الصبي لا يجوز إخراج ماله إلا عن عوض يحصل له، ولا عوض يحصل للمريض من النكاح مع الخوف عليه والغالب من أمره الموت. فإن قيل: فإن المريض يتطبب ويأكل الطيبات، ويكتسي برفيع الثياب، ويعطي الطب، ويخرج أمواله في ملاذه. قيل: ليس له أن يسرف، ولا يُخرج زيادة على ما يحتاج إليه مثله، فالقدر الذي يخرجه ينتفع به، والمقصود منه يحصل له، والنكاح لا يحصل له منه المقصود. ويجوز أن نقول: أتسلمون لنا أن المطلقة في المرض ترث وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي (١)، وإن لم تسلموا؛ دللنا عليه بما يأتي في موضعه، وإن سلموه؛ قلنا: إذا كانت المطلقة في مرضه ترث لأن سبب الميراث قد وجب لها؛ فليس (١٧٢) له أن يدخل [عليها] (٢) من يجوز أن يرث معها، فينقصها من حقها مع قدرته أن لا يفعل (٣)، وليس بواجب عليه؛
следующие страницы →