← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

وبالشهادة، والإشادة. قيل: قد خصصناه باستحباب الخطبة فيه، كالإشادة التي ليست عندنا من شرط صحته. مسألة (٣٠): اختلف قول مالك ﵁ في نكاح المريض والمريضة المَخُوف عليهما، فقال: يفرق بينهما وإن صح المريض. فيدل على أن الفرقة واجبة (١). وروى ابن نافع عنه أنه لا يفرق بينهما إذا صح المريض منهما. وكذلك إن كانا مريضين (١٧٠) [ثم صحا] (٢). فهذا يدل على أن الفرقة بينهما [مستحبة غير واجبة] (٣).

стр. 2662

[والأول] (١) أظهر عنه وأشهر (٢). والثاني عندي أولى (٣). وقال أبو حنيفة والشافعي: إنه يجوز (٤). والدليل على المنع من جوازه هو أن الفروج في الأصل على الحظر حتى يقوم دليل الإباحة. وأيضًا فإن النكاح يقتضي وجوب المهر - إما معجلًا يذكر في العقد، أو مضمنًا فيه - بغير عوض يحصل للمريض المخوف منه، وهو محجور عليه في إخراج ماله على غير عوض يحصل له من أجل ورثته، فيجب أن يمنع من النكاح لأنه يؤدي إلى إخراج ماله الذي هو الصداق من غير عوض يحصل له؛ إذ لا يقدر على الاستمتاع. فإن قيل: فإن له أن يخرج ثلثه على غير [عوض] (٥)، ولا اعتراض لورثته فيه.

стр. 2663

وأيضًا فإنهم إن أجازوا له أن يخرج ماله؛ [] (١) فينبغي أن لا يمنع من النكاح. قيل: عنه جوابان: أحدهما: إن أمر الثلث مراعى واقف على الموت، فإذا حصل للورثة الثلثان؛ حصل الثلث. والثاني: أن الورثة ليسوا معينين؛ لجواز أن يموتوا ويحدث غيرهم (٢)، فالجميع مراعى واقف على الموت، والنكاح لا يقف صحته على الموت. فإن قيل: فإن النكاح الموقوف عندكم يجوز، فأجيزوا هذا النكاح ويكون موقوفًا (٣). قيل: النكاح الموقوف إذا أجزناه؛ فإنما يراعى حتى يتقرر إما من جهة الزوج، أو من ناحية المرأة، وبموت الزوج لا يبقى من يجيزه، وليس هو عقدًا يورث حكمه [لا] (٤) من جهة العقد ولا الفرقة، وإنما هو من جهة الزوج الذي يملك الاستمتاع والوطء، وبموته يبطل، فلا معنى لعقده. فإن قيل: فإنه يملك الخدمة.

стр. 2664

قيل: المقصود من عقد النكاح الوطء والخدمة تبع؛ بدليل لا يجوز أن يتزوج من لا يجوز له وطؤها لخدمة. فإن قيل: هو عقد معاوضة، فينبغي أن يكون كثمن الجارية. قيل: الجارية (١٧١) تحصل للورثة فهي العوض كالثمن. وأيضًا فإن موضوع الملك في الجارية للخدمة والوطء تبع؛ بدليل أنه يملك من لا يجوز له وطؤها كأخته من الرضاعة، فيحصل له منها الخدمة ويحصل بعده للورثة. فإن قيل: قد يجوز أن يطأها فتصير أم ولد، فيبطل ملكها عن الورثة. قيل: إن كان فيه من الاستمتاع ما يولد [لمثله] (١)؛ فإن نكاحه يصح (٢). فإن قيل: فإن الابن الصغير محجور عليه، ومع هذا يجوز أن يزوَّج. قيل: الابن الصغير محجور عليه لنفسه، كالسفيه المجنون، فجاز أن يعمل ما فيه مصلحته، وليس كذلك المريض؛ لأنه محجور عليه لأجل ورثته، ومصلحته هو في نفسه ليست في التزويج إذا كان مخوفًا، والصبي لا يتعلق بماله حق الغير، والمريض يتعلق بماله حق الغير. فإن قيل: فليس في الصبي استمتاع ولا المريض أيضًا.

стр. 2665

قيل: الصبي الغالب من حاله السلامة وحصول الاستمتاع، والغالب من المرض المخوف الموت، فافترقا، فلا يجوز أن يخرج مال المريض إلا على عوض يحصل له أو للورثة، كما أن الصبي لا يجوز إخراج ماله إلا عن عوض يحصل له، ولا عوض يحصل للمريض من النكاح مع الخوف عليه والغالب من أمره الموت. فإن قيل: فإن المريض يتطبب ويأكل الطيبات، ويكتسي برفيع الثياب، ويعطي الطب، ويخرج أمواله في ملاذه. قيل: ليس له أن يسرف، ولا يُخرج زيادة على ما يحتاج إليه مثله، فالقدر الذي يخرجه ينتفع به، والمقصود منه يحصل له، والنكاح لا يحصل له منه المقصود. ويجوز أن نقول: أتسلمون لنا أن المطلقة في المرض ترث وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي (١)، وإن لم تسلموا؛ دللنا عليه بما يأتي في موضعه، وإن سلموه؛ قلنا: إذا كانت المطلقة في مرضه ترث لأن سبب الميراث قد وجب لها؛ فليس (١٧٢) له أن يدخل [عليها] (٢) من يجوز أن يرث معها، فينقصها من حقها مع قدرته أن لا يفعل (٣)، وليس بواجب عليه؛

стр. 2666

لأن منعها من بعض ميراثه كمنعها من جميعه، ألا ترى أنها ترث الربع أو الثمن لها وحدها، فإذا تزوج عليها في مرضه أخرى ثم مات؛ شاركتها في الربع أو الثمن، فلما لم يكن له أن يقطعها عن ميراثها جملة؛ لم يكن له أن يدخل عليها من ينقصها منه، مع كونه غير واجب عليه. فإن قيل: فإنه يستلحق ابنًا وبنتًا في مرضه، فينقصها من الربع إلى الثمن. قيل: هذا واجب عليه، والنكاح ليس بواجب عليه (١). فإن قيل: فجوِّزوا له أن يعقد على أمة أو كتابية؛ لأنهن لا يرثنه. قيل: عنه جوابان: أحدهما: إن المهر يلزم فيه، وقد ذكرنا أنه يخرجه على غير عوض (٢). والجواب الآخر: هو أنه يجوز أن يعتق الأمة وتسلم الكتابية قبل موته فيرثانه، فوجب أن يحسم الباب فيه. فإن قيل: فإن العبد يتزوج عندكم بغير إذن سيده، وهو محجور عليه لأجله، ونكاحه موقوف، فجوزوا هذا في المريض. قيل: العبد نكاحه صحيح، والمهر في ذمته لا يتعلق به حق، للسيد

стр. 2667

الخيار في فسخه، فعقده منبرم؛ لأن السيد لو لم يعلم بتزويجه حتى أعتقه؛ لم يكن له اعتراض على نكاحه ولا فسخه، فثبت أن نكاحه منبرم، وإنما يعرض بعده فسخ السيد ما دام في رقه. مسألة (٣١): لا يجوز عقد النكاح على الحامل من زنا حتى تضع، وسواء كان العاقد هو الزاني أو غيره (١). واختلفت الرواية عن أبي حنيفة (٢)، فقال مثل قولنا في أحد الروايتين عنه، وهو قول أبي يوسف (٣). وقال الشافعي: يجوز العقد عليها (٤) (١٧٣) وإن كنت لا أستحبه (٥). والدليل لقولنا أن الفروج في الأصل محظورة إلا بدليل، ولم يقم الدليل على هذا العقد. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٦). فهو عام في كل حامل من حلال أو حرام.

стр. 2668

وأيضًا قول النبي ﵇: " [لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض] (١) " (٢). ولم يفرق بين من وطئت بحلال أو حرام، فمنع من الوطء، فدل على ما ذكرنا؛ لأن كل من [جاز] (٣) العقد عليها؛ جاز وطؤها. وقد قال ﵇: "لا يحل لمؤمن أن يسقي ماءه زرع غيره" (٤). وقال ﵇: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو مردود" (٥). وأمره هو ما قدمناه من أقوال الله تعالى وأقواله ﷺ في ذلك. وأيضًا فقد روى سعيد بن المسيب عن رجل من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له [نضرة بن أكتم، وقيل: بصرة] (٦)، قال: تزوجت امرأة بكرًا في سترها فدخلت بها، فإذا هي حبلى، ففرق النبي ﷺ بيننا، وقال: "لها الصداق" (٧).

стр. 2669

وهذا كالنص في مسألتنا. فإن قيل: فإن قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ (١) إنما أراد به الحمل الذي يلحق بالوطء؛ بدليل قول النبي ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (٢)، فجعل للزاني الحجر، وهذه عبارة عن أنه لا شيء له، فلا حكم لفعله، هذا مقتضى كلام العرب، تقول: "بفيه الحجر" أي رجع خائبا، فجعل ﵇ الزنا كَلَا ماء، فدل على جواز العقد عليها؛ لأنه لو لم تزن جاز العقد عليها. قيل: إن الله تعالى لم يخص، وعم كل حامل، سواء كان الحمل لاحقًا بأحد أم لا. فإن قيل: هذا مذكور في سورة الطلاق بعد أن ذكر عدد المطلقات فقال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ (٣). قيل: لا يمتنع (١٧٤) أن يكون أول الآية خاصًّا في المطلقات، عامًّا في الحوامل، مطلقات كن أم غير مطلقات، فأما قوله ﷺ "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (٤)؛ فإنما المقصد منه أن يعلم أن الزاني لا فراش له ولا ولد، ولا يمنع هذا ما ذكرناه من أنها لا تتزوج ولا توطأ حتى تضع الولد الذي حملته وإن لم يلحق بأحد.

стр. 2670

وقولهم: "إنها لو لم تزن جاز العقد عليها، وماء الزاني كلا ماء"؛ فإننا نقول: إنها قد زنت وحملت، فهو بخلافها لو لم تزن، كما أن المطلقة الحامل لو لم تكن حاملًا؛ لكانت بخلافها إذا كانت حاملًا، ولو لم تتزوج وتوطأ وتحمل؛ لجاز أن تتزوج، فلا ينبغي أن يجعل ما قد وجد بمنزلة ما لم يوجد. وقولهم: "ماء الزان كلا ماء"؛ فغلط؛ لأن الحمل منه لا يلحق بمن يتزوجها كما لا يلحق به حمل من هو لاحق بأبيه من تزويج صحيح، فقد استوى الحملان جميعًا في أنهما لا يلحقان بالزوج الثاني، فلا ينبغي أن يتزوجها ولا يطأها؛ لأن في بطنها حملًا ليس منه (١)، كالحامل من زوج يلحق به النسب. فإن قيل: قول النبي ﷺ : "لا توطأ حامل حتى تضع" (٢)؛ عنه جوابان: أحدهما: أن هذا كلام في الوطء، وخلافنا في العقد. والجواب الآخر: إن هذا ورد في المسبيات، وحمل المسبية يلحق بالواطئ إذا علمنا أنها جارية مشرك أو زوجته، ولهذا منع من وطئها، والحامل من زنا لا يلحق حملها بالزاني، فلم يمنع من وطئها. قيل: قد يكون في المسبيات حامل من زنا، كما فيهن حمل من غير زنا، والنبي ﵇ عم ولم يخص، فكما لم يلحق الحمل بهذا الواطئ وإن كان

стр. 2671

الحمل من زوج أو مولى، فكذلك لا يلحق به الحمل الذي من زنا، فلا ينبغي أن يطأ حاملًا بوجه، سواء كان الحمل من حلال أو حرام؛ لأنهما جميعًا غير لاحقين به. وقولهم: "إن هذا ورد في الوطء (١٧٥) وخلافنا في العقد"؛ فإننا نقول: لا يخلو أمركم من أحد أمرين: إما أن تجوِّزوا الوطء بعد العقد، أو لا تجوِّزوه، فإن جوزتموه؛ فقد منع النبي ﷺ من وطئها ما دامت حاملًا لأجل الحمل، ومن منع من وطئها من أجل الحمل؛ لم يجوز العقد عليها كالعدة الصحيحة. أو لا تجوزوه؛ فإنما لا يجوز لأجل الحمل، فلا يجوز العقد عليها، كما لا يجوز العقد على حامل من حلال لأجل الحمل الذي لا يلحق به. ونحن نجوِّز هذا فنجعله قياسًا فنقول: هي حامل من غيره، فوجب أن لا يجوز عقده عليها حتى تضع حملها، أصله الحامل من غيره بنكاح، أو ملك يمين، أو شبهة، وإن تمنعوا من وطئها بعد العقد؛ قلنا: هي قياس المعتدة لأجل الحمل. أو نقول: هو منهي عن وطئها بعد العقد لأجل الحمل، فلا يجوز العقد عليها، أصله إذا كان الحمل من نكاح. فإن قيل: قوله ﵇: "لا يسقين ماءه زرع غيره" (١)؛ فإنه ليس هاهنا زرع الغير؛ لأن زرع الغير إنما يقال في الموضع الذي يكون الزرع للزارع، وهذا الحمل لا يلحق بالزاني، فعلم أنه أراد به الحمل الذي يلحق بالواطئ.

стр. 2672

قيل: ماؤه ليس بزرع له، فهو زرع لغيره لا محالة، وهذا قصده ﵇ حتى لا يدخل ماء الصحيح على ماء فاسد، فالزاني زرع هذا الزرع - وإن لم يلحق به في الحكم - فهو غيره (١)، ألا ترى أن هذا الزرع لا يكون لهذا الزاني تنازعنا فيه كما لا يكون له الحمل الذي زُرع بنكاح أو بملك يمين، وكما لا يعقد على حامل من حلال لا يعقد على حامل من حرام؛ لأن الزرعين جميعًا ليس له. فإن قيل: فإن كل وطء له حرمة ويوجب عدة؛ فإنه إذا طرأ على الزوجية؛ أوجب عدة تمنع الزوج منها، كالوطء بشبهة لما كانت له جهة في غير نكاح [] (٢) فإذا وطئت زوجة الرجل بشبهة؛ منع الزوج منها، وكانت عليها (١٧٦) العدة، فلما تقرر أن الزنا إذا طرأ على الزوجية لم يوجب عدة ولا يمنع الزوج منها؛ علم أنه لا حرمة لهذا الوطء، ولا يوجب عدة. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن الوطء بشبهة إذا طرأ على النكاح؛ وجب الاستبراء لأجل النسب الذي لا يلحق بالناكح الذي هو الزوج، فالزنا مثله عندنا، يجب أن لا يطأها الزوج إذا زنت حتى يستبرئ رحمها لأجل النسب الذي إذا ظهر من الزنا لم يلحق به، لا فرق بينهما عندنا. والجواب الثاني: هو أنه يمتنع الفرق بينهما من وجه؛ وهو إذا حصل الوطء بشبهة ولم يظهر الحمل، فيكون للشبهة من القوة ما ليس للزنا في باب

стр. 2673

الاستبراء؛ لأنها في الحال غير حامل، وقد يجوز أن لا تحمل منهما جميعًا، فأما إذا ظهر الحمل قبل النكاح؛ فهو كما يظهر بعده، سواء كان الواطئ بشبهة أو بزنا؛ لأن الحمل الذي ليس منه قد تحققه بظهوره، ففي أي موضع ظهر الحمل الذي ليس منه؛ يجب أن لا يطأ معه حتى تضعه. فإن قيل: فإنه إذا تحقق الحمل وأنه ليس منه؛ كان أولى بجواز العقد والوطء؛ لأنه قد تحقق أن الولد لا يلحق به، وقبل أن يظهر هو في شك. قيل: هذا يلزمك في التي حملت من شبهة، فسقط هذا. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١) بعد أن عد الأعيان المحرمات. قيل: هذا مخصوص بما ذكرناه من الكتاب والسنة في الحامل وبالقياس. فإن قيل: فقد روي [عن] (٢) عمر ﵁ أنه يحرص أن يجمع بين الزانيين (٣)، فإنما أراد الجمع بينهما في الحال. [قيل: ليس فيه أنه أراد أن يجمع بينهما في الحال] (٤)، وإنما فيه أنه حرص على الجمع بينهما، فينبغي أن يكون في الوقت الذي يجوز فيه الجمع، ألا ترى أنه لو قال له: إذا استبرأت نفسها من هذا الوطء؛ فتزوجها، فقال الغلام: لا أفعل؛ لكان قد حرص على الجمع بينهما ولكن في وقته.

стр. 2674

ثم لا [يمتنع] (١) أن يكون في المسألة (١٧٧) خلاف، فيجوز عند عمر كما يجوز عندكم، وليست مسألة إجماع. على أنكم تستحبون أن لا يعقد عليها حتى تضع، أفتستحبون خلاف ما حرض عليه عمر ﵁ (٢)، وهو لا يحرص إلا على مستحب، فقد خالفتموه. فإن استدلوا بالظواهر مثل قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٣) و ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ (٤)، وبقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ (٥) وأن دليله يقتضي أن من ليست بمطلقة لا تتربص، وبقوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" (٦) وهذا عقد عقده ولي، وما أشبه ذلك. قيل: هذا كله مخصوص بما ذكرناه، فتقديره ﴿فَانْكِحُوا﴾ ما لم تكن حاملًا، ودليل قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ (٧) يقضي عليه. وقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٨). وقوله ﵇: "لا توطأ حامل حتى تضع" (٩).

стр. 2675

والقياس الذي ذكرناه. فإن قيل: فقد قال ﵇: " [الحرام لا يحرم] (١) الحلال" (٢). والعقد حلال، فلا يحرمه الوطء الذي كان قبله حرامًا. قيل: حتى يثبت أن العقد في هذا الموضع حلال، ولم يثبت لما ذكرناه. فإن قيل: كل وطء لا يوجب مهرًا ولا تحريمًا؛ وجب أن لا يوجب عدة ولا يمنع من العقد، أصله الوطء دون الفرج. قيل: هذا معارض بقياسنا، ورد الحامل إلى الحامل أولى من ردها إلى غير حامل. فإن قيل: لو وطئها رجل بشبهة وهي زوجة فحملت أو زنت فحملت؛ لم يرتفع حكم العقد الصحيح، فقد ثبت أن ما لا حرمة له قد طرأ على العقد الذي له حرمة، فلم يرفعه، وإذا تقرر هذا؛ فالعقد له حرمة ينبغي أن لا يمنع بالحمل من زنا لا حرمة له. قيل: عنه جوابان: أحدهما: يلزمكم أن تجيزوا ابتداء العقد على حامل من شبهة كما تجوزوه على حامل من زنا؛ لأنهما جميعًا إذا طرءا على العقد لم [] (٣) حكم، فلما منعتم العقد (١٧٨) على الحامل من شبهة؛ لزمكم أن تمنعوه على الحامل بزنا.

стр. 2676

والجواب الآخر: هو أنه ينبغي أن يثبت العقد على الحامل من زنا، ثم ينظر في رفعه، ولم يثبت أنه حلال له حرمة في مسألتنا ثم طرأ عليه ما لا حرمة له لم يرتفع حكمه، كما إذا ثبت أن من له زوجة طرأ عليها وطء لا حرمة له؛ لم يرفع حكم زوجيته. وقد ذكرنا في خبر نضرة عن النبي ﷺ ما يجري مجري النص (١). وبالله التوفيق. [والذي] (٢) أعرف من قول أبي حنيفة أن قوله إنما اختلف في نكاح المسبية الحامل، ولم يختلف في جوازه في الحامل من زنا، فنقيس إذا كانت حاملًا من زنا على المسبية في أحد الروايتين إن قالوا إنها في المسبية؛ بعلة أنها حامل حملًا ليس منه (٣). مسألة (٣٢): لا يجوز الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، مع جواز الجمع بينهما في الملك، كما لا يجوز الجمع بينهما في عقد النكاح؛ لأن الوطء في الإماء نظير العقد في النكاح. وهذا مذهب الفقهاء كافة (٤).

стр. 2677

إلا أهل الظاهر فإنهم قالوا: كما يجوز الجمع بينهما في الملك؛ يجوز الجمع بينهما في الوطء (١). والدليل لقول الجماعة قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢)، فحرم الجمع بين أختين عمومًا، ولم يفرق بين الجمع بينهما في نكاح أو في وطء. قال ابن داود: على هذا لا يجوز أن يكون المراد به الجمع بينهما فيه [لأنه] (٣) لا يمكن، ألا ترى أنه في حال ما يطأ إحداهما لا يمكنه أن يطأ الأخرى، فعلم أنه أراد به تعالى تحريم الجمع بينهما في النكاح الذي الجمع فيه ممكن؛ لأنه يعقد عليهما في حال واحدة.

стр. 2678

والجواب على ما قال من أوجه: أحدها: أن الجمع بينهما في الاستمتاع ممكن وإن لم يمكن في نفس الوطء؛ لأنه يعانقها وهو نائم (١٧٩) بينهما، أو يولج في إحداهما وهو يُقبِّل الأخرى، [فإذا] (١) ثبت أن هذا الضرب من الاستمتاع محرم؛ ثبت تحريم الوطء؛ لأن كل من قال: [الجمع] (٢) بينهما في الوطء جائز؛ قال: الاستمتاع أيضًا جائز، ومن منع الوطء منع الاستمتاع. وأيضًا فإن الجمع على ضربين: جمع اقتران، وجمع موالاة ومتابعة، فإذا وطئ إحداهما ثم وطئ الأخرى؛ فإنه يسمى جامعًا من حيث الموالاة، كمن يجمع بين الصلاتين فيسمى جامعًا. وأيضًا فإن الصحابة ﵃ أجمعوا على أن هذه الآية أفادت تحريم الجمع في النكاح وفي ملك اليمين، ولم يقل أحد منهم: إن المراد بها النكاح دون الوطء في الملك، بل افترقوا فرقتين، منهم من قال: حرمتهما آية وأحلتهما آية، والتحليل أولى، وهو قول ابن عباس. ومنهم من قال: التحريم أولى؛ لأن قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ أخص من قوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٣)، وهذه أعم منها. وأيضًا فإن إجماع الصحابة هنا، روي هذا عن عمر، وعلي، وعائشة،

стр. 2679

وابن مسعود، وعمار، وابن عباس، وابن الزبير ﵃. فأما عمر؛ فروي عنه أنه نهى عنه (١). وأما ابن عمر؛ فروي عنه أنه قال: "وددت أن أبي كان في ذلك أشد" (٢). وروي عن علي أنه قال: "لو كان الأمر إلي، ورأيت رجلًا يفعل ذلك؛ لجعلته نكالًا" (٣). وقال ابن عباس: "أبهموا ما أبهم الله " (٤). ولنا أيضًا قول النبي ﷺ : "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بينها وبين خالتها" (٥).

стр. 2680

وقد بطل أن يكون المراد الجمع بينهما بملك اليمين، [فبقي] (١) أن المراد الوطء، وإذا ثبت ذلك في العمة والخالة؛ فكذلك في الأختين؛ لأنه لا يفرق بين الموضعين، وإنما نهى عن الجمع بينهما في النكاح لكي لا [يؤدي إلى] (٢) قطع الرحم بينهما، بالمضارة، وهو في ملك اليمين بالوطء موجب [] (٣) (١٨٠) الجمع بين الأختين فيه حتى يحرم [فرج الأخرى] (٤)، أصله الوطء في النكاح. ونقول أيضًا: إن كل امرأة صارت فراشًا؛ [فإنه] (٥) لا يجوز وطء أختها حتى تحرم عليه الأولى، أصله إذا نكح أحدهما؛ لأنه إذا وطئ أحد الأختين؛ فقد صارت فراشًا له كما لو عقد عليها عقد النكاح؛ لأن الوطء في الأمة نظير العقد في [الحرة] (٦) بالنكاح. ومعنى قولنا: "فراش" أنه لو حملت لستة أشهر فصاعدًا من يوم صارت فيه فراشًا؛ لحق فيه الولد. وأيضًا فإن الوطء في ملك اليمين آكد من عقد النكاح؛ لأنه إذا عقد على امرأة؛ حرمت عليه أمها على التأبيد، وبنتها على الجمع، وإذا وطئ جارية بالملك؛ حرمت عليه أمها على التأبيد، وكذلك بنتها، ثم تقرر أنه إذا عقد على

стр. 2681

إحدى الأختين عقد نكاح؛ حرم عليه العقد على الأخرى، فبِأن تحرم بالوطء أولى. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (١). فأثنى على من حفظ فرجه إلا على زوجه أو ملك يمين، فهو عام في الجمع وغيره. وقال أيضًا: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢). ولم يفرق بين الإفراد والجمع. قيل: إن هاتين الآيتين عامتان في الجمع بين الأختين وغيره، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ خاص في الجمع بين الأختين، [و] (٣) النهي الخاص يقضي على العام على أصولنا. [فإن قيل] (٤): فإن آيتكم أيضًا [عامة في] (٥) [النكاح وملك اليمين، وآيتنا خاصة في ملك اليمين. قيل: معنى قولنا "خاص" أي أخص مما في مقابلته وإن كان هو في نفسه محتملًا بالتقديم [] (٦) لاحتماله في نفسه، كما لو روي أن رسول الله ﷺ

стр. 2682

حرم [الخمر] (١) وروي أنه أكل العنب؛ فإن التخصيص يقع به لأنه أخص مما في [مقابلته] (٢). (١٨١) (٣) وقد بينا أن المراد فعلكم في الأمهات من النكاح والملك والوطء وغير ذلك، إلا ما خصته الدلالة. فإن قيل: فإن تحريم الجمع ضربان: تحريم العدد، وهو الجمع بين أكثر من أربع في النكاح، وتحريم الجمع بين الأختين، ثم قد تقرر أن تحريم الجمع من حيث العدد يختص به النكاح، ألا ترى أنه يجوز له الجمع بين ألف جارية في الملك، كذلك الجمع بين الأختين يجب أن يختص بالنكاح، ولا يتعلق بالملك. قيل: لم يجب هذا، وهل هو إلا دعوى، على أن الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أنه إنما منع من الجمع بين أكثر من أربع في النكاح مخافة أن لا يعدل؛ لأنه لا يؤمن منه الجور، لأنه ربما ضاقت يده عن النفقة والمؤنة، وهذا المعنى معدوم في ملك اليمين، لأن نفقتهن في اكتسابهن، وكلما ضاق جاز بيع بعضهن إن لم تكن حاملًا ولا أم ولد، والبيع بثمنها، وليس يؤدي ذلك إلى الجور وترك العدل، ثم إن المقصود من الملك الخدمة، والوطء تبع، ألا تري أنه لو آلى منهن؛ لم يلزمه الوطء في الحرة، والأمة بعقد النكاح (٤) يلزمه الوطء، والإيلاء يدخل عليه في ذلك، فالنكاح يتعلق

стр. 2683

به أحكام الزوجات ولا يتعلق بالملك، فإذا كثرن في النكاح؛ فربما لم يقدر على استيفاء حقوقهن فيه، فمنع منه، والإماء بالملك لا يتعلق بهن ما يتعلق بالنكاح، فلم يمنع من الجمع بينهن في الكثرة، والله أعلم. مسألة (٣٣): وإن تزوج امرأة؛ حرمت عليه أمها على التأبيد بمجرد العقد، وإن لم يحصل معه دخول. وبه قال أبو حنيفة وكافة الفقهاء (١). وهو مذهب أكثر الصحابة منهم: ابن عباس (٢)، وابن عمر، وابن مسعود، وجابر، وأبو بكر ﵃ (٣). (١٨٢) قال ابن عباس: "أبهموا ما أبهم الله تعالى، إن الله حرم أمهات النساء من غير شرط الدخول، ولا شرط فيه الدخول" (٤).

стр. 2684

وروي عن علي ﵁ (١) وابن الزبير (٢) أن أمهات النساء لا يحرمن إلا بالعقد والدخول بها، فأما بمجرد العقد؛ فلا. وبه قال مجاهد (٣). وقال زيد بن ثابت: إن طلقها قبل الدخول؛ جاز له أن يتزوج بأمها، وإن ماتت قبل الدخول؛ لم يجز (٤). وجعل الموت كالدخول. والدليل لقولنا أن الفروج في الأصل محظورة إلا بدليل، ولم يقم دليل على تزوج الأم بعد العقد على البنت. وأيضًا ما روى عبد الله بن المبارك، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: "من نكح امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها؛ حرمت عليه أمها، ولم تحرم عليه بنتها" (٥).

стр. 2685

وهذا نص فيما اختلفنا فيه. وأيضًا قوله تعالى لما ذكر المحرمات قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (١). وإذا عقد على امرأة؛ صارت من نسائه، فأمها محرمة عليه؛ لأنها أم امرأته، وهي من نسائه، ولهذا قال ابن عباس: "أبهموا ما أبهم الله" (٢)، وهذه لم يشترط فيها غير أن تكون من أمهات نسائه. فإن قيل: فإن الله تعالى لما ذكر الربيبة؛ شرط الدخول بأمها، فكان شرطًا في جميع ما تقدم، كما يقولون في الاستثناء والشرط: إنه يرجع إلى جميع ما تقدم من الجملة إلا أن تقوم دلالة (٣). قيل: عن هذا ثلاثة أجوبة: أحدها: أن ابن عباس قال: "هي مبهمة" (٤)، يريد بلا شرط، وهو من سادات أهل اللغة، فلا يخلو إما أن يكون ذلك لغة، وأن الشرط لم يرجع إلى أمهات النساء، أو يكون قد قال هذا وهو [بخلاف] (٥) اللغة، فإن كانت

стр. 2686

اللغة على ما حكاه؛ فهو ما ذكرناه، لأنه لا يرجع إلى جميع [ما تقدم، و] (١) إن كان قوله بخلاف اللغة وأن اللغة تقتضي [رجوعه إلى جميع ما تقدم] (٢)؛ (١٨٣) فمثله لا يترك اللغة مع كونه من أهلها وهي لسانه إلا بتوقيف، فدل على أن في ذلك ما يمنع من رجوع الشرط إلى جميع ما تقدم. والجواب الثاني: هو أن الشرط إنما يرجع إلى الجملة المذكورة، وإذا جاز أن يرجع إلى كل واحد من الجمل على الانفراد؛ ففي هذا الموضع لا يصح أن يرجع شرط الدخول إلى أمهات النساء؛ لأن الكلام يصير أقوى؛ لأنه يكون تقدير الكلام: "وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن"، و [أمهات] (٣) نسائنا لا يكن من نساء دخلنا بهن، فلم يجز أن يرجع إليه؛ لأنه يصير الكلام لغوًا لا معنى له. والجواب [الثالث] (٤): أن مذهب العرب أن لا يدخل الكلام عاملين لا في النصب، ولا في الرفع، ولا في الخفض (٥)، فإذا كان كذلك؛ لم يجز

стр. 2687

أن يرجع الشرط إلى أمهات النساء؛ لأن النساء لفظ قد خفض بإضافة الأمهات إليه، فلا يجوز أن يصير مخفوضًا بحرف الخفض الذي هو "مِن". وأيضًا فإن من جعل الدخول شرطًا في الجميع؛ لم يدل نسق الكلام عليه، ولا يدل على أن آخر الكلام معطوف على أوله، لأن الله تعالى قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، فتم به الكلام، واكتفى بنفسه من غير أن يستثني منه شيئًا، ثم قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ صفة للربائب اللاتي هن في حجورنا من نسائنا، ثم قال: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، واللاتي هاهنا صفة لنسائنا، فالدخول شرط في نسائنا اللاتي منهن الربائب في حجورنا، فالتحريم هاهنا حاصل في الربائب بشرط أن يكون من نساء قد دخلنا بهن، وتقديره: "وحرمت عليكم ربائبكم اللاتي في حجوركم من نساء قد دخلتم بهن".

стр. 2688

ثم لا يخلو أن تجعل: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ صفة للفظ الأول من النساء المخفوض بالأمهات، وهو [قوله: وأمهات نسائكم، أو يجعل] (١) صفة للنساء المخفوضات بِمِن، وهو قوله "من نسائكم"، (١٨٤) أو لهما جميعًا، فإن جعلناه للأول؛ تجرد قوله في الربائب من شرط الدخول بأمهاتهن، وصار مبهمًا؛ لأن تقديره "ربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم حسب"، وإن جعلنا قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ صفة للثاني وهو قوله "من نسائكم" وهو الصواب [لاقتران] (٢) الصفة بالموصوف واللفظ به وارد؛ صار الأول من النساء المخفوض بإضافة الأمهات إليهن مبهما كما نقوله، وهو صحيح حتى لا نكون قد فصلنا بين الصفة والموصوف؛ لأنه لا يجوز أن يكون ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ صفة للأول قد حيل بينهم بقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ ثم يكون ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ صفة للأول؛ لأن الموصوف لا يحال بينه وبين الصفة التي هي له جملة. وقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ جملة تامة مكتفية بنفسها؛ لأن تقديره "وحرم عليكم ربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم"، وإذا كان محالًا أن يكون بين الموصوف وصفته ما هذا سبيله؛ بطل أن يكون قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ صفة للأول، وصار صفة للثاني المتصل به، ألا ترى أنه لا أنه لا يجوز أن يقال: جاءني بناتهن العاقلات، فيكون العاقلات صفة للنساء، وإنما هو صفة للبنات؛ لأنه متصل بهن، ولو [حملناه] (٣) [على

стр. 2689

النساء] (١)؛ لكان تقديره: جاءني النساء العاقلات وبناتهن، فيخرج بناتهن من صفة العقل، ويكون قد فصلنا بين الصفة والموصوف بجملة تامة على ما ذكرناه، فلا بد على هذا التقدير من أن نكون قد حلنا بين الصفة والموصوف، ويصير الربائب من نساء قد تجردن من صفة الدخول كما ذكرنا في العاقلات، وإن جعلنا قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ صفة للأول والثاني؛ لم يستقم؛ لأنه يصير تقديره: "وحرم عليكم أمهات نسائكم وربائبكم من نسائكم العاقلات"؛ لأنه لا يمتنع أن يكون [] (٢) أمهات النساء المحمقات [] (٣) الربائب إذا كن من نساء عاقلات، ولهذا كرر اللفظ (١٨٥) [الثاني] (٤)، ولو أراد أن يكون على صفة واحدة؛ لقال "حرم عليكم أمهاتكم وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن وربائبكم منهن"، فلما كرر لفظ النساء؛ علم أنه أراد أن يكن في الأول على صفة مبهمات، والثاني على صفة الدخول بهن. فإن قيل: إذا جعلناه لهما؛ كان صحيحًا، ويصير تقديره: "وأمهات نساءكم اللاتي دخلتم بهن وربائبكم اللاتي في حجوركم منهن". قيل: لو ورد بهذا اللفظ؛ كان صحيحًا، ولكنه لم يرد إلا بتكرير لفظ النساء وبتأخير الصفة، فجعله للثاني صحيح لاتصال الصفة به، ولأنه يستفاد بتكرار لفظ النساء فائدة أخرى على ما قلنا في النساء المحمقات والعاقلات. ولنا أن نقول: هو تحريم في الزوجية ورد بلفظ مبهم، فوجب أن يتعلق

стр. 2690

بصفة النكاح دون الدخول، أصله زوجة الأب وحليلة الابن، لا خلاف أنهم يحرمن بالعقد، كذلك أمهات النساء. ونقول أيضًا: قد وجد العقد على البنت، فيجب أن يحرم العقد على الأم، دليله إذا كان قد دخل بالبنت. فإن قيل: فإننا نقيسه على الربيبة بعلة أنه تحريم يثبت من جهة الزوجية، فوجب أن لا يثبت تحريمه إلا بعد الوطء. قيل: هذا منتقض بزوجة الأب وحليلة الابن. على أن قياسنا أولى؛ لأنه أحوط، ولأنه يستند إلى الظاهر المبهم، وبالله التوفيق. فإن استدلوا بالظواهر في إباحة النكاح مثل قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (١) وبقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ (٢) و"لا نكاح إلا بولي" (٣)، وما أشبه ذلك. قيل: التحريم من قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ يقضي عليه. فإن تكلموا على الآية بما حكيناه عنهم من شرط الدخول؛ أُورد عليهم ما ذكرناه. والله الموفق (٤).

стр. 2691

[أبواب من المعاملات]

стр. 2692

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [كتاب الحجر والتفليس] (١) مسألة (٢) (١): حد البلوغ في الذكور الإنبات أو الاحتلام، أو أن يبلغ من السن ما يعلم أن مثله قد بلغ؛ وهو سبع عشرة، أو ثماني عشرة (٣). وفي النساء هذه الأوصاف، والحيض، والحمل (٤). وقال أبو حنيفة: الإنبات لا يدل على البلوغ. واختلف قول الشافعي فيه في المسلمين؛ فقال: يكون بلوغًا فيهم، وقال: لا يكون بلوغًا. ولم يختلف قوله: إنه محكوم به في المشركين. وإذا عدم الاحتلام والإنبات؛ اعتبر الشافعي [خمس عشرة] (٥) سنة في

стр. 2693

الذكور والإناث (١). وبه قال محمد وأبو يوسف (٢). وقال أبو حنيفة: في الذكور تسع عشرة سنة (٣)، وفي الإناث سبع عشرة سنة (٤). فحصل الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة وبين الشافعي - في أحد قوليه - في المسلمين في الإنبات، وبيننا وبين الشافعي في اعتبار خمس عشرة سنة. والدليل على أن الإنبات بلوغ أو دليل على البلوغ (٥)؛ ما رواه عطية العوفي عن سعد قال: "حكمني رسول الله ﷺ في بني قريظة، فكنا نكشف عن مؤتزرهم؛ فمن أنبت منهم قتلناه، ومن لم ينبت؛ جعلناه في الذراري،

стр. 2694

فقال النبي ﵇: ما فعلت؟ فأخبرته، فقال: حكمت بحكم الله تعالى" (١). فأخبر أنه قتل من أنبت، وسبى من لم ينبت، وهذه أحكام تتعلق بالبلوغ؛ لأن قتل من ليس ببالغ؛ ممنوع، وهذا نص. فإن قيل: عطية العوفي غير معروف (٢).

стр. 2695

قيل: هذا غلط؛ لأن عطية من كبار التابعين قد روى عنه الناس (١). فإن قيل: فإنه تفرد بروايته، وهذا (١) يُحتاج إلى معرفته، والجماعة من الصحابة يحتاج إليه، فلو كان هذا أمر قد حده رسول الله ﷺ ؛ لم يخف على جماعة الصحابة، ولرواه منهم [غير] (٢) واحد، مع حاجتهم إليه في غزواتهم، وكان ترك النقل فيه دلالة على ضعفه. وأيضًا فإنه روي متن الحديثين مختلفًا؛ فروي: "أنه أمر بقتل من أنبت" (٣). وروي: "أنه أمر بقتل من جرت عليه المواسي" (٤). وهذه ألفاظ مختلفة يحتمل أن يكون جعل جريان المواسي دلالة على اعتبار مقدار ثماني عشرة (٥) سنة؛ لأن ذلك يحصل في هذا القدر من المدة، ويحتمل غيره، فسقط التعلق به (٦). قيل: أما قولكم: إن عطية تفرد بروايته، والجماعة من الصحابة يحتاج

стр. 2696

إليه؛ فإننا نقول: تفرده بروايته لا يرد خبره؛ لأنه لو كان هكذا؛ لوجب أن لا يقبل خبر [انفُرد] (١) بروايته، ومع أنه كذلك؛ فإنه لم [يخف] (٢) نقله على الصحابة، ولولا ذلك ما وصل إلينا نحن، وما أنكره واحد من الصحابة، وإذا لم ينقل إنكاره؛ دل على صحته. والأخبار مستعملة على ظواهرها لا ترد إلا بأن ينكرها من يقبل نكيره. وأما اختلاف المتن؛ فإن اختلفت الألفاظ والمعنى واحد؛ لم يضر؛ لأن قوله: "اقتلوا من جرت عليه المواسي" (٣)؛ كناية عن من أنبت، فاستحق أن يحلق عانته بالموسى، فلا فرق بين هذا وبين قوله: "اقتلوا من أنبت". وعلى أن ذكر المواسي في خبر آخر وهو قوله: "تجب الجزية على من جرت عليه المواسي" (٤)، فإن هذا الخبر حجة لنا؛ لأن الجزية لا تجب إلا على (٢) بالغ، فجعل جريان المواسي علامة على البلوغ حتى تجب الجزية. وقولكم: إنه يحتمل أن يكون جعل جريان المواسي دلالة على اعتبار

стр. 2697

مقدار ثماني عشرة سنة؛ [مردود] (١)؛ لأن الغلام يغلظ شعره ويخشن قبل ذلك، حتى يصير بمنزلة الرجال في حلق عانته. فإن قيل: إن الاحتلام هو الأمر الذي يقع به البلوغ، يدلك على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٢). والحكم إذا تعلق بشرط؛ دل على نفي ما سواه عند قوم من أصحابنا (٣)، وقد علق تحريم دخول دار الغير من غير إذن بالاحتلام، فدليله يفيد إباحة دخولها بغير إذن قبل الاحتلام. أو نقول: منع البالغ من دخول دار غيره بغير إذن، ثم ألحق الذين لم يبلغوا بهم بقوله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٤). فصار تقدير الآية أمر البالغين بالاستئذان، وإلحاق الذين لم يبلغوا الحلم بهم، والاستئذان [تعلق] (٥) بالبلوغ، فكان المفهوم منه تعلق البلوغ بالاحتلام [وما كان من] (٦) مفهوم الآية.

стр. 2698

وأيضًا فقد روي: "رفع القلم عن ثلاثة"، [و] (١) فيه: "وعن الصبي حتى يحتلم" (٢). فجعل علة خروجه عن الصبى إلى البلوغ وجود الاحتلام (٣). قيل: أما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ (٤)؛ فعنه جوابان: أحدهما: أنه لم يقل: "إذا احتلموا"، وإنما قال: "إذا بلغوا الحلم"، أي الحال التي يكون في مثلها الحلم، ومن أنبت؛ فقد بلغ الحال التي في مثلها يحتلم، وهذا مثل قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ (٥). لم يرد إذا نكحوا، وإنما معناه: إذا بلغوا الحال التي في مثلها يَنكحون فيها. والجواب الآخر: هو أنه ذكر الأطفال إذا (٣) احتلموا، ومن أنبت فليس بطفل، ولكنه قد يحتلم قبل أن ينبت، فإنما أراد من هذه صفته، ألا ترى أنه لو لم يحتلم أصلًا؛ لم يخرجه ذلك أن يكون في حكم البالغين. وأيضًا فإنه لا يمتنع أن يذكر الله تعالى [الاحتلام] (٦) فيكون علامة للبلوغ، ويذكر رسول الله ﷺ الإنبات فيكون علامة أخرى على البلوغ، كما

стр. 2699

قامت الدلالة على أنه لو لم يحتلم ولم ينبت وبلغ تسع عشرة سنة؛ كان بالغًا؛ لأن الاحتلام قد يختلف في الناس، فمنهم من يحتلم لاثنتي عشر سنة، ومنهم من يحتلم لأكثر منها، كما أن الإنبات يختلف فيهم، فقد ينبت من سنه هذا القدر، وينبت من سنه أكثر من ذلك. وقوله ﵇: "رفع القلم عنه حتى يحتلم" (١)، فيكون احتلامه قبل إنباته، ويرتفع عنه القلم حتى ينبت إذا كان إنباته قبل احتلامه؛ لأن الحالين يختلف في الناس (٢). فإن قيل: فإن خروج الشعر يختلف باختلاف حال الصبي في موضع عانته، كما يختلف ذلك بأحوال سائر بدنه، فلما لم يكن ذلك دلالة في أحد الأمرين على البلوغ؛ فكذلك الآخر. ولأن شعر الوجه أدل على البلوغ من غيره، فإن لم يقع به استدلال لاختلاف أحوال الصبيان فيه؛ فما سواه أولى بذلك. قيل: قولكم: "إن خروج الشعر يختلف باختلاف حال الصبيان"؛ فإننا نقول مثله في الاحتلام، فإنه يختلف باختلاف حال الصبيان، وقد جعل دليلًا على البلوغ، وأما سائر بدنه؛ فإنه يفارق موضع الإنبات؛ لأن الذكر نفسه منه يكون الاحتلام، فله اختصاص من سائر الأعضاء، فلا يمتنع أن يكون الشعر عليه (٤) وعلى ما قاربه مخصوصًا من بين سائر الشعر على البدن، فكيف

стр. 2700

وقد جعل صاحب الشريعة الأمرين دلالة على البلوغ. وقولكم: "إن شعر [الوجه] (١) أدل على البلوغ من غيره"؛ غلط (٢)؛ لأن صاحب الشريعة لم يجعل [لشيء] (٣) من الوجه ولا ما يخرج منه دليلًا (٤) على البلوغ، وقد جعل في الذكر وفرج المرأة ما يدل على البلوغ مثل المني والحيض، فجعل ما علاهما من الشعر دليلًا على البلوغ أيضًا. فإن قيل: فإن الشعر نما من البدن على أصل الخلقة؛ فلا يدل على البلوغ؛ أصله السِّمَن وكثرة الشحم على الأعضاء. وأيضًا فإن الإنبات شعر يخرج بمعالجة؛ فلا يجعل حدا للبلوغ، مثل ظهور شعر الوجه. قيل: قد ذكرنا أنه لما لم يعتبر حكم البلوغ بشيء من سائر الأعضاء غير الفرج؛ لم يعتبر الشعر النامي عليه، ولما جعل في الفرج شيئًا يدل على البلوغ؛ كان الشعر النامي عليه بخلاف غيره من الشعر. وقولكم: "إنه شعر يخرج بمعالجة"؛ فإننا نقول: ليس الغالب معالجة خروج العانة، وإنما يعالج حتى لا ينبت، وليس كذلك الغالب في الوجه. ثم إننا [نعتبر] (٥) شعر العانة الذي لم يعالج دلالة على البلوغ، فإن
следующие страницы →