← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وهذا إنما يقع في الشرائع والعبادات التي يجوز فيها النسخ والنقل والتبديل، فأما التوحيد وما يتعلق به فلا خلاف فيه بين شرائع الأنبياء ﵈، وكلهم فيه على منهاج واحد؛ لأنه لا يجوز أن يقع فيه اختلاف، وبالله التوفيق] (١).

стр. 352

بَاب: القول في الإجماع بعد الخلاف (١) إذا اختلفت الصحابة ﵃ على قولين، وانقرضوا على ذلك، ثم أجمع [التابعون] (٢) على أحد القولين، فهل يسقط الخلاف؟ أو هو باق (٣)؟ ليس عن مالك ﵀ في ذلك نص (٤)، [واختلف أصحابه في ذلك: فقال بعضهم: ينقطع الخلاف، ولا يجوز مخالفة إجماع التابعين بعدهم (٥). وقال بعضهم: بل الخلاف باق ولا ينقطع (٦).

стр. 353

قال القاضي ﵀:] (١) والجيد - وهو الذي [كان] (٢) يختاره شيخنا أبو بكر بن صالح الأبهري ﵀ أن الخلاف باق، وذلك أن تقدير المسألة أن يكون قول الصحابي المخالف بمنزلة حضوره مع التابعين، وكونه حيًّا معهم، [وكونه ميتًا] (٣) لا يسقط خلافه لهم بإجماعهم على خلافه، وأحسن أحوال التابعين معه أن يكونوا بمنزلة الصحابة معه في أن مخالفة (٤) الصحابة له من طريق الاجتهاد لا يسقط خلافه لهم. وكذلك كون التابعين وإجماعهم على خلافه من طريق الاجتهاد لا يسقط خلافه لهم. ولأن قوله بمنزلة أن (٥) لو كان حيًّا معهم، ويصير إجماعهم كطائفة انضافت إلى [أحد] (٦) الخبرين من الصحابة ﵃ (٧)، وبالله التوفيق.

стр. 354

بَاب: الكلام في استصحاب الحال (١) ليس عن مالك ﵀ في ذلك نص، ولكن مذهبه يدل عليه؛ لأنه احتج في أشياء [كثيرة] (٢) سئل عنها، فقال: "لم يفعل النبي ﷺ ولا الصحابة ذلك" (٣). وكذلك يقول: "ما رأيت أحدًا فعله"، وهذا يدل على أن السمع إذا لم يرد بإيجاب شيء لم يجب، وكان على ما كان عليه من براءة الذمة (٤).

стр. 355

والأصل في ذلك أن الله تعالى قد احتج على عباده في العبادات بالعقل والسمع، فما كان له حكم في العقل ولم يرد سمع بخلافه فأمره موقوف على ورود السمع، فإن ورد بمثل ما كان في العقل كان مؤكدًا، وإن ورد بخلافه [فقد] (١) نقل الأمر عما كان عليه، وإن لم يرد سمع بشيء من ذلك فهو على أصل حكمه في العقل (٢)، والله أعلم.

стр. 356

بَاب: في الكلام [على] (١) إجماع الأعصار مذهب مالك ﵀ وغيره من الفقهاء أن إجماع الأعصار حجة (٢). وأنكر قوم أن يكون إجماع الأعصار حجة (٣)، إلا للصحابة ﵃ (٤). والدليل على أن إجماع الأعصار حجة هو أن الله تعالى أثنى على هذه الأمة، وبيّن فضلها، ونبه عليه وعلى (٥) وجوب الحجة بقولها، بقوله تعالى في القرآن في مواضع كثيرة مثل قوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الآية (٦).

стр. 357

وقوله أيضًا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (١). وغير ذلك. ومن [السنة (٢) قول النبي ﷺ : "أمتي لا تجتمع على ضلالة"] (٣). [وقوله ﵇: "لا تجتمع أمتي (٤) على خطأ" (٥). وقوله ﷺ أيضًا: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة"] (٦). ومن حجة العقل (٧) الدال (٨) على عصمتها أنه لا (٩) يخلو أن يكون المراد بذلك جميع الأمة كلها من أولها إلى آخرها، [أو يكون المراد بذلك

стр. 358

بعضهم دون بعض. ويستحيل (١) أن يكون المراد بذلك الأمة كلها أولها وآخرها] (٢) من جهتين: إحداهما: أنهم لا [يكونون] (٣) حجة على أنفسهم. والأخرى: أنهم لو كانوا كذلك أو جاز أن يكونوا بأجمعهم حجة لم يجز أن يدرك الحكم من جهتهم إلا من أدرك أولهم وآخرهم. وهذا أيضًا بيّن الفساد، فثبت أن الحجة متعلقة ببعضهم، ولا يخلو ذلك البعض من أن يكون [حجة على أهل عصره، أو لا يكون حجة إلا على أهل العصر الذي بعده. فبطل القسم الأول؛ لاتفاق الجميع على أن] (٤) الصحابة ﵃ ليس بعضهم حجة على بعض، فلم يبق إلا أنهم حجة على من بعدهم لأجل تقدمهم، وكان تقدم العصر الثاني للثالث كتقدم عصر الصحابة للتابعين، وكانت حاجة العصر الثالث إلى الثاني كحاجة الثاني إلى الأول في العوض من إرسال الرسل ﵈، إذ الرسل قد انقطعت (٥) بعد النبي ﷺ ؛ [لأنه جُعل خاتم النبيين- ﷺ ] (٦)، وجعلت الأمة عوضًا عنها، فوجب حجة الأعصار

стр. 359

متقدمهم على متأخرهم، كوجوب حجة عصر الصحابة ﵃ على من بعدهم، [ولأن الحق لا يجوز أن يخرج عن كل عصر، فثبت أن إجماع كل عصر حجة (١)، والله أعلم] (٢).

стр. 360

بَاب: الكلام [في] (١) العلة (٢) والمعلول [قال القاضي الجليل أبو الحسن ﵁: العلة عند مالك والفقهاء هي الصفة التي يتعلق الحكم الشرعي بها] (٣). والعلة في مواضعة اللغة تفيد ما يتغير الحكم بوجوده، ولهذا سمي

стр. 361

المرض علة لما تغيرت الحال عما كانت عليه بوجوده، ويصفون ما له [فُعل] (١) الفعل أو لم يفعل علة، فيقولون (٢): "جئتك لعلة كذا وكذا"، و"لم أجئك (٣) لعلة كيت وكيت" (٤). واستعملها المتكلمون في غير ذلك (٥). فأما العلة عند مالك والفقهاء فهي: "الصفة التي يتعلق الحكم الشرعي بها" [كما قلنا] (٦). ومن حكم العلة العقلية وحقها (٧): ١ - أن تكون موجبة لمعلولها (٨). ٢ - وأن يستغني في إيجابها عن مقارنة غيرها لها. ٣ - وأن لا تقف في إيجابها على شرط. ٤ - وأن [لا تختص] (٩) بإيجابها لما توجبه لبعض الأعيان (١٠) دون

стр. 362

بعض، أو لبعض الزمان (١) دون بعض. والعلة الشرعية تفارقها في جميع هذه الوجوه بلا خلاف بين القائسين، إلا في اختصاصها ببعض الأعيان (٢)، فإن من يمتنع (٣) من جواز تخصيص العلة (٤) [الشرعية] (٥) يسوي بينها وبين [العلل] (٦) العقليات في هذا الوجه الواحد (٧)، دون من يرى تخصيص العلة [الشرعية منهم] (٨). وطريق معرفة العلة العقلية دليل العقل، وطريق معرفة العلة الشرعية [دليل] (٩) السمع (١٠).

стр. 363

فَصْل (١) وأما المعلول فهو الحكم الذي العلة علة فيه (٢)، وهو تحريم الربا [أبدًا] (٣)، لا أنه نفس البر والأرز على ما يظنه بعضهم (٤)، وكيف يجوز ذلك في المعلول وهو الذي من حقه أن تؤثر العلة فيه ويتبعها ويزول بزوالها، وهذا كله لا يتأتى في البر نفسه، فثبت أن المعلول هو الحكم [الذي العلة علة فيه، والله أعلم] (٥).

стр. 364

بَاب: القول فيما يدل على صحة العلة (١) اختلف الناس فيما يدل على صحة العلة، وهل تصح (٢) بالجريان والطرد (٣) في معلولاتها، أو تعلم صحتها بغير ذلك؟ فمنهم من يقول: علامة صحتها جريانها في معلولاتها، وأن لا يدفعها (٤) أصل (٥). ومنهم من يقول (٦): يحتاج أن يثبت [أولًا أنها] (٧) علة، ثم جريانها بعد ذلك مرتبة أخرى (٨).

стр. 365

قالوا: لأن من علل (١) بالطرد والجريان لو قيل له: لِم عللت (٢) الحكم بها؟ لكان من حقه أن يقول: لأنها علة. فإذا قيل له: لم صارت علة؟ قال: لأن الحكم تعلق (٣) بها أينما وجدت، وهذا يؤدي إلى التناقض (٤). [قال القاضي ﵀] (٥): والذي يقوى في نفسي الوجه الأول من الطرد والجريان، وأنه يكون دليلًا على صحتها. والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ

стр. 366

عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١). فدل على أن المتفق (٢) من عنده، [لما اتفق بالصيغة والنظم] (٣) وكما أثبت بالصيغة والنظر أن المختلف ليس من عنده (٤)، فلو جاز وجود مختلف من عنده لم يكن عدم الاختلاف في القرآن دليلًا على أنه من عنده، ولو جاز أيضًا وجود متفق لا من عنده لم نأمن أن يكون القرآن متفقًا لا من عنده، وفي استدعاء المخاطبين إلى التدبر لهذه (٥) الآية دليل على أن المتفق لا يوجد إلا من جهته، وأن المختلف لا يوجد منه. فإن قيل: على هذا فإن الاختلاف في القرآن موجود؛ لأننا نجد [فيه] (٦) الخاص والعام، والناسخ والمنسوخ، والخاص الذي أريد به

стр. 367

العام، والعام الذي [أريد] (١) به الخاص. قيل: [إنما] (٢) أريد بنفي (٣) الاختلاف الذي من جهته صار القرآن حجة وهو عدم الاختلاف في الإعجاز، وهو (٤) في الإعجاز متفق. وأيضًا فإننا قد أمرنا بالرجوع إلى الأصول في الحوادث، كما أمرنا بالرجوع إلى الرسول ﷺ [فيها] (٥)، فإذا عرض عليه نوع من أنواع المقايسة، فلم يرده وسكت عنه كان ذلك دليلًا على صحته، وكذلك الأصول إذا عرضت العلة عليها، فلم يردها أصل [منها] (٦) دل ذلك على صحتها (٧). وأيضًا فإن الله طالب المشركين بإجراء العلة فيما اعتمدوه علة، فقال تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٨). أي: إن كان المعنى الذكورية أو الأنوثية (٩)، أو الجميع فالتزموه إن كنتم صادقين، وإلا فأنتم مناقضون (١٠).

стр. 368

وأيضًا فإن المتفق من الفتوى حجة، فكذلك المتفق من المعنى؛ لأنه في الجريان والطرد اتفاق المعنى. ولا يلزمنا (١) ما ذكروه من السؤال في أن الحكم وجب لعلة. فإذا قيل: لم صارت علة؟ قيل: لأن الحكم يتعلق بها أينما وجدت، وذلك أنه إذا قيل له: لم وجب الحكم؟ فقال: للعلة فإنما هو مدع للعلة بلا برهان. فإذا قيل له: ولم صارت هذه علة؟ فإنما عليه (٢) أن يدل على صحتها، فإذا دل على صحتها بالجريان والطرد فقد أقام البرهان على كونها (٣) علة، وفي الأولى (٤) سماها علة بدعوى، والله أعلم.

стр. 369

بَاب: القول في العلة التي لا تتعدى (١) واختلف الناس في العلة التي لا تتعدى (٢)، هل تكون صحيحة أو (٣) لا؟. [فعندنا وعند غيرنا من الفقهاء أنها تكون علة صحيحة] (٤). وقال أهل العراق: هي باطلة؛ لأنها لا تفيد إلا ما [قد] (٥) أفاده النص، ولا (٦) معنى لطلب علة لا تفيد غير (٧) ما أفاده النص (٨).

стр. 370

وقلنا وغيرنا: إنها تصح (١)؛ لأن الغرض من العلة أن يعلم (٢) أن الحكم إنما وجب لأجلها، فإذا صح ذلك صح أن تكون متعدية وغير متعدية. وأيضًا فإنها تفيد أن الأصل الذي اقتُضِيت (٣) العلة منه أصل لا يجوز القياس عليه، فقد حصلت الفائدة فيها من هذا الوجه أيضًا (٤).

стр. 371

بَاب (١): الكلام في تخصيص العلة (٢) [عند مالك ﵀ وغيره من أهل العلم: لا يجوز تخصيص العلة العقلية، ولا خلاف (٣) في ذلك] (٤). واختلف الناس في تخصيص العلة [الشرعية] (٥) المنصوص عليها، والمستدل عليها، إذا كانتا شرعيتين: [فعندنا (٦) وعند غيرنا من الفقهاء: لا يجوز تخصيصها] (٧).

стр. 372

وقال (١) أهل العراق: يجوز تخصيصها (٢)، ويجعلونها (٣) كالعموم المشتمل على مسميات، يصح أن يخص في بعض المسميات، فكذلك هي؛ لأنها علامة وأمارة. وذهب غيرهم (٤) إلى جواز تخصيص العلة المنصوص [عليها] (٥) مثل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٦). وكقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (٧). وكقول النبي ﷺ في الهرة: "إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات" (٨). وامتنع من تخصيص العلة المستنبطة كعلة الربا في البر.

стр. 373

وعندي (١) أنه لا يجوز تخصيصهما جميعًا (٢). والأصل في ذلك [هو] (٣) أن العلة [إنما هي] (٤) أمارةٌ صحتها الجريان بما قدمناه (٥) من الدلائل، والتخصيص يمنع جريانها، ويبطل أن يكون الجريان دليلًا على صحتها، [وإذا كان الجريان دليلًا على صحتها] (٦) فتخصيصها إذًا باطل؛ لأنه يرفع أصلًا ثابتًا، وما أدى إلى رفع الأصل الثابت المستقر (٧) فهو مدفوع. وأيضًا فإن الله تعالى أخذ المشركين بالنفور عليهم (٨)، فقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (٩). فلولا أن المساواة في المعنى توجب المساواة في الحكم لم يلزمهم

стр. 374

هذا، بل كانوا يتخلصون منه بأن يقولوا: قام دليله [فخصصنا العلة] (١). وكذلك قال عنهم تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢). فلم يقولوا: قام دليله [فخصصناه] (٣). وأيضًا فإنه إن (٤) لم يؤثر التخصيص في صحتها لم تؤثر المعارضة؛ لأن التخصيص هو غاية المناقضة التي لا ترتضيها العامة في أخلاقها، فضلًا عن أن تكون من أفعال الحكماء، ألا ترى أن تاجرًا سوقيًا لو قيل له: سامح في هذا الثوب، فقال: لا أسامح فيه لأنه كتان، ثم سامح في [ثوب] (٥) كتان مثله! لقيل له: قد ناقضت، ولكان هذا مما لا يخفى على غوغاء (٦) الناس رده على قائله، وأنه تناقض (٧) بذلك، فبطل جواز التخصيص [في العلة] (٨). وأيضًا فإن العلة لو جاز وجودها مع ارتفاع الحكم ولا ذلك يمنع من صحتها لاحتيج في تعليق الحكم بها [في كل فرع إلى استئناف دلالة؛ لأن ما

стр. 375

دل على أنها علة في الأصل لم يوجب تعليق الحكم بها] (١) أينما وجدت على هذا القول، وإذا لم يوجب (٢) ذلك فيجب (٣) الرجوع في تعليق الحكم بها في كل فرع بعينه إلى دليل مستأنف، وفي ذلك إخراج لها من (٤) أن تكون علة. يبين ذلك: أن العلم المعجز [الدال على صدق النبي ﷺ ] (٥) لو لم يقتض صدق النبي ﷺ في كل ما يقوله و [ما] (٦) يؤديه لاحتاج في كل ما أخبر به إلى معجز، فكذلك القول في العلل. فإن قيل: فإن العلة في تعليق الحكم بها كالاسم العام في ذلك، فكما أن وجود الاسم مع ارتفاع الحكم [مما] (٧) لا يبطل كون العموم دلالة، ولا يوجب (٨) الحاجة في تعليق الحكم بكل اسم إلى دليل مستأنف فكذلك العلة. قيل: إن العموم إنما يدل على إرادة المخاطب، وإرادته تدل على الحكم لا نفس العموم، فإن قرن إلى العموم ما يدل على أنه لم يرد جميعه علمنا أن ما عداه مراد، ولم نجعل (٩) الدلالة مخصوصة، إذ الدلالة هي

стр. 376

الإرادة، والدلالة على الإرادة هي العموم مع القرينة؛ لأن البيان لا يتأخر، وليس كذلك العلة؛ لأنها إن كانت [هي] (١) في نفسها علة (٢) فيجب أن لا يسوغ تخصيصها؛ [لأنها] (٣) لا تختص في الوجود بعين دون عين، وإن كانت تدل على الإرادة للجاعل لها علة فيجب أن يقرن (٤) بها ما يخرجها عن أن تكون بإطلاقها علة. وعلى أن العلة التي توجد في كل فرع في حكم النص على كل فرع، فكما أن التخصيص في ذلك لا يسوغ فكذلك القول في العلة؛ لأنها ليست بمنزلة العموم الذي يدخله المجاز؛ لأن التعليل لا يدخله المجاز، فهو كالنص فيما ذكرناه، والله أعلم (٥).

стр. 377

بَاب (١): الكلام في القول بالعلتين (٢) اختلف الناس في القول بالعلتين (٣) في أصل واحد، إحداهما تقتضي حمل الفرع عليه، والأخرى تمنع من حمل الفرع عليه؟. فمنهم من قال: لا تتنافيان (٤)؛ لأن العلة المقصورة على الأصل لا تمنع رد الفرع إذا كانت هناك علة أخرى تقتضي الرد، كما أن العموم الشامل لمئة شيء لا يمنع من شمول غيره (٥) لألف شيء ولا ينافيه. ومنهم من قال: إنهما تتنافيان (٦).

стр. 378

[قال القاضي الجليل] (١): وإلى هذا أذهب في المعنى؛ لأن ما له ثبت الحكم في الأصل إما أن تكون العلة المقصورة عليه أو المتعدية، فإن كانت المتعدية هي الصحيحة صح القياس على الأصل، وإن تكن (٢) المقصورة هي الصحيحة امتنع القياس عليه؛ لأننا (٣) استفدنا (٤) [بها أن الأصل مما لا يجوز القياس عليه، فقد حصل التنافي في المعنى، وذلك] (٥) نحو تعليل الذهب (٦) بالوزن (٧) الذي يتعدى (٨)، وبكونه ثمنًا لا يتعدى، وما شابه ذلك. وهذه المسألة من فروع ما تقدم من أن العلة إذا لم تتعد هل تصح أم لا؟ فيجب بناؤها [عليه] (٩)، والله أعلم.

стр. 379

بَاب: القول في العلتين إحداهما أكثر فروعًا من الأخرى (١) [قال القاضي الجليل] (٢): وأما تعليل الأصل بعلة توجد في عشرة فروع، وتعليله بعلة توجد فيه وفي واحد من تلك الفروع، فإني أقول فيه [أيضًا] (٣): إنهما يتنافيان في المعنى، وإن كان بعض من يمتنع من القول بالعلتين (٤) لا يمتنع هاهنا ويقول: إنهما لا يتنافيان (٥). ووجه التنافي فيهما هو أن الأصل إذا علل بعلة تتعدى إلى عشرة فروع فليس يعلم أن هذه هي العلة إلا بعد أن يسبر (٦) الأصل، ويستقرأ جميع ما يصلح أن تكون (٧) علة له، ..........................

стр. 380

وإذا (١) فسد (٢) جميعها وصحت هي وسلمت صارت في التقدير [علة] (٣)، وكأن الله تعالى [نص عليها] (٤) وقال: [إنما] (٥) حرمت ذلك لهذه العلة دون ما سواها، فتبطل كل علة سوى العلة التي ثبت أن الحكم لأجلها وجب. فإن قيل: يجوز أن يسبر الأصل فيتبين (٦) أنه معلول بعلتين، إحداهما تتعدى إلى شيء، والأخرى تتعدى إلى غير ذلك الشيء وإلى ما زاد عليه (٧). قيل: هما كالعلة التي لا تتعدى مع المتعدية؛ لأن العلة التي تتعدى إلى عشرة فروع يتبين بها أن الأصل يقاس عليه عشرة فروع، والعلة الأخرى كشفت لنا أن هذا الأصل يقاس عليه ثمانية فروع [لا غير، فهو كما ينكشف لنا بالعلة التي] (٨) لا تتعدى أن الأصل مما لا يجوز القياس عليه، و [ليس] (٩) التنافي أكثر من [أن] (١٠) العلتين تصطحبان إلى فروع (١١)، ثم تقف إحداهما عن تجاوزها إلى غيرها، والأخرى تتجاوزها، كالتي لا تتعدى مع المتعدية، وتصير (١٢)

стр. 381

العلة المتعدية إلى فروع كثيرة أكثر مما تعدت إليه الأخرى، بمنزلة الآيتين (١) والخبرين، إن قلنا بالواحد (٢) منهما سقط حكم الآخر، وإن كانت إحدى العلتين تتعدى إلى فرع آخر غير الفروع التي تعدت إليها العلة الأخرى فهذا ربما لم يتناف، وفيه نظر، والله أعلم.

стр. 382

بَاب (١): القول في جواز كون الاسم علة (٢) واختلف الناس في كون الاسم علة: فذهبت طائفة إلى جوازه (٣). ومنعت منه طائفة (٤). [قال القاضي ﵀] (٥): وعندي أنه يجوز، [وعليه يدل مذهب مالك ﵀] (٦).

стр. 383

والأصل فيه أن الله تعالى أمر بالاعتبار، وهو رد الشيء إلى نظيره، ولم يفرق بين أن يرد باسم أو وصف. وأيضًا فإن الاسم سمة للمسمى، يميز به بينه وبين غيره، وكذلك الصفة سمة تميز (١) بها بينه وبين غيره، فإذا جاز أن تكون الصفة علة جاز في الاسم. وأيضًا فإن الاسم يتوصل به إلى الحكم كالصفة، فيجب أن يجوز كونه علة كالصفة. وأيضًا فإذا كان النص يوجب الأحكام تارة بالاسم، وتارة بالصفة فكل واحد [منهما] (٢) كصاحبه في جواز جعله علة، وبمثل هذه العلل يعتد (٣) في جواز جعل الحكم علة لحكم آخر. وإن شئت قلت: إن الأحكام تدرك بالشرع كالمعاني، فإذا [جاز] (٤) جعل المعنى علة فكذلك الاسم (٥)، والله أعلم

стр. 384

بَاب (١): القول في أخذ [الاسم] (٢) قياسًا (٣) [عند مالك ﵀] (٤) يجوز أن تؤخذ الأسماء من جهة (٥) القياس (٦). [وأبى ذلك قوم أن تؤخذ الأسماء قياسًا] (٧).

стр. 385

والأصل [فيه] (١) أن الله تعالى قال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٢). فهو على العموم في الأسامي والأحكام (٣). وأيضًا فإنه يجوز أخذ الأحكام قياسًا، فكذلك الأسماء؛ لأنهما في الحالين جاءا (٤) بالجائز في العقول السائغ (٥) [فيها] (٦). وأيضًا فإن المعاني أعلام للأحكام وأدلة عليها، والأسماء (٧) كذلك، ثم من الجائز التنبيه (٨) على المعنى تارة بالشرع، وتارة بلا شرع، وكذلك الأسماء (٩)؛

стр. 386

لأن الجميع من الحجج والأعلام التي يجوز به الهجوم على الحلال والحرام. وأيضًا فإن القول على الشيء بأن كذا اسم له على (١) مشاكلة القول عليه بأن كذا حكم له، فلما جاز أن يصدر أحدهما من جهة الشرع كذلك الثاني. وأيضًا فإن الوجود شاهد لنا، وهو أن الشريعة سمت (٢) أسماء لم تعرف بها قبل الشرع مثل الإيمان، والإسلام، والملة، والحج، والصوم، والصلاة، والزكاة، والسنة، والتطوع، فوجودها يغني [عن] (٣) الدلالة عليها. وأيضًا فإن من قضايا العقول أن كل متماثلين فحكمهما واحد من حيث تماثلا، فإذا وجدنا الخمر كسبت (٤) هذا الاسم لحدوث الشدة المخصوصة، ويرتفع بارتفاع الشدة [المطربة] (٥)، وسلم ذلك على السبر والامتحان، ورأيناها في النبيذ موجودة وجب أن يعطى (٦) اسم الخمر (٧). فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (٨). فأخبر أنه علمه الكل (٩)، والقياس ممتنع.

стр. 387

قيل [له] (١): كذلك نقول: إن الله تعالى علم آدم الأسماء كلها، إلا أنه نص على بعضها ونبه على بعض، وسبيل ذلك سبيل قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى﴾ (٣). ثم كان وجه البيان (٤) ضروبًا (٥)، منها نص، ومنها تنبيه، كذلك هذا. على أنه دليل لنا وذلك أنه لما ثبت أن الله تعالى علم آدم الأسماء كلها ثبت أن مآخذ الأسماء من جهة الشرع. وقد قيل: إنه علمه أسماء الأجناس دون التفصيل (٦)، والله أعلم.

стр. 388

بَاب (١): القول في الحدود هل تؤخذ من جهة القياس [الذي عليه مذهب مالك ﵀ جواز أن تؤخذ الحدود والكفارات والمقدرات (٢) من جهة القياس] (٣). واختلف القائلون بالقياس: هل يجوز أن تؤخذ الحدود والكفارات والمقدرات من طريق القياس؟. [فعندنا أنه جائز] (٤)، ومنع منه بعض أصحاب أبي حنيفة، وبعض

стр. 389

أصحاب الشافعي، وجوزه بعضهم (١). قال القاضي ﵀: وهو] (٢) عندي جائز (٣). والأصل فيه قوله : ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٤). فأمر بالاعتبار عمومًا، ولم يفرق بين الأحكام [في] (٥) المقدرات [والحدود والكفارات] (٦) وغيرها، [فهو على عمومه في جميعها حتى يقوم دليل يمنع منه، ولم يقم دليل يمنع منه، فهو جائز] (٧). وقال أيضًا: [﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٨). وقال:] (٩) ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١٠). فخرج النص المستغني عن البيان وبقي الباقي. وعدمنا كونه تبيانًا [لجميع الأشياء كلها] (١١) لفظًا ونصًّا [على كل شيء

стр. 390

منها] (١)، فثبت أنه تبيان [لها بالنص] (٢) والتنبيه (٣)، والقياس على المعنى من جملة التنبيه. وأيضًا فإن ما جاز إثباته بالخبر الذي يصدر عن الرسول ﷺ من جهة الآحاد من أحكام الشريعة جاز إثباته بالقياس، دليل ذلك غير [الحدود و] (٤) المقدرات، [وكذلك الحدود والمقدرات] (٥). وأيضًا فإن الحوادث على ضربين: مقدر، وغير مقدر، ثم جاز أخذ ما ليس بمقدر (٦) قياسًا، فكذلك المقدر؛ لأنه أحد ركني الحوادث. ولأن في استعماله من طريق اللفظ والمعنى تكثيرًا للفوائد، فهو أولى. وأيضًا فإن الصحابة ﵃ اختلفت في حد شارب الخمر [في أيام عمر ﵁ حين استشارهم] (٧) حتى قال علي ﵁[وغيره من الصحابة] (٨): "إذا سكر هذى وإذا هذى افترى، فنرى أن تحده حد المفتري [ثمانين] (٩) ".
следующие страницы →