← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

لأن الجميع من الحجج والأعلام التي يجوز به الهجوم على الحلال والحرام. وأيضًا فإن القول على الشيء بأن كذا اسم له على (١) مشاكلة القول عليه بأن كذا حكم له، فلما جاز أن يصدر أحدهما من جهة الشرع كذلك الثاني. وأيضًا فإن الوجود شاهد لنا، وهو أن الشريعة سمت (٢) أسماء لم تعرف بها قبل الشرع مثل الإيمان، والإسلام، والملة، والحج، والصوم، والصلاة، والزكاة، والسنة، والتطوع، فوجودها يغني [عن] (٣) الدلالة عليها. وأيضًا فإن من قضايا العقول أن كل متماثلين فحكمهما واحد من حيث تماثلا، فإذا وجدنا الخمر كسبت (٤) هذا الاسم لحدوث الشدة المخصوصة، ويرتفع بارتفاع الشدة [المطربة] (٥)، وسلم ذلك على السبر والامتحان، ورأيناها في النبيذ موجودة وجب أن يعطى (٦) اسم الخمر (٧). فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (٨). فأخبر أنه علمه الكل (٩)، والقياس ممتنع.

стр. 387

قيل [له] (١): كذلك نقول: إن الله تعالى علم آدم الأسماء كلها، إلا أنه نص على بعضها ونبه على بعض، وسبيل ذلك سبيل قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى﴾ (٣). ثم كان وجه البيان (٤) ضروبًا (٥)، منها نص، ومنها تنبيه، كذلك هذا. على أنه دليل لنا وذلك أنه لما ثبت أن الله تعالى علم آدم الأسماء كلها ثبت أن مآخذ الأسماء من جهة الشرع. وقد قيل: إنه علمه أسماء الأجناس دون التفصيل (٦)، والله أعلم.

стр. 388

بَاب (١): القول في الحدود هل تؤخذ من جهة القياس [الذي عليه مذهب مالك ﵀ جواز أن تؤخذ الحدود والكفارات والمقدرات (٢) من جهة القياس] (٣). واختلف القائلون بالقياس: هل يجوز أن تؤخذ الحدود والكفارات والمقدرات من طريق القياس؟. [فعندنا أنه جائز] (٤)، ومنع منه بعض أصحاب أبي حنيفة، وبعض

стр. 389

أصحاب الشافعي، وجوزه بعضهم (١). قال القاضي ﵀: وهو] (٢) عندي جائز (٣). والأصل فيه قوله : ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٤). فأمر بالاعتبار عمومًا، ولم يفرق بين الأحكام [في] (٥) المقدرات [والحدود والكفارات] (٦) وغيرها، [فهو على عمومه في جميعها حتى يقوم دليل يمنع منه، ولم يقم دليل يمنع منه، فهو جائز] (٧). وقال أيضًا: [﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٨). وقال:] (٩) ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١٠). فخرج النص المستغني عن البيان وبقي الباقي. وعدمنا كونه تبيانًا [لجميع الأشياء كلها] (١١) لفظًا ونصًّا [على كل شيء

стр. 390

منها] (١)، فثبت أنه تبيان [لها بالنص] (٢) والتنبيه (٣)، والقياس على المعنى من جملة التنبيه. وأيضًا فإن ما جاز إثباته بالخبر الذي يصدر عن الرسول ﷺ من جهة الآحاد من أحكام الشريعة جاز إثباته بالقياس، دليل ذلك غير [الحدود و] (٤) المقدرات، [وكذلك الحدود والمقدرات] (٥). وأيضًا فإن الحوادث على ضربين: مقدر، وغير مقدر، ثم جاز أخذ ما ليس بمقدر (٦) قياسًا، فكذلك المقدر؛ لأنه أحد ركني الحوادث. ولأن في استعماله من طريق اللفظ والمعنى تكثيرًا للفوائد، فهو أولى. وأيضًا فإن الصحابة ﵃ اختلفت في حد شارب الخمر [في أيام عمر ﵁ حين استشارهم] (٧) حتى قال علي ﵁[وغيره من الصحابة] (٨): "إذا سكر هذى وإذا هذى افترى، فنرى أن تحده حد المفتري [ثمانين] (٩) ".

стр. 391

فقبل عمر ﵁ ذلك [منه، واتفقوا عليه] (١)، فلما أخذوا ذلك من طريق (٢) القياس والاستنباط دل على أن للقياس مدخلًا في ذلك بإجماع الصحابة - رضوان الله عليهم - (٣)، [فثبت ذلك وصح لإجماع الصحابة] (٤) على ترك النكير على [عمر] (٥) وعلي ﵄؛ لأنهم سوغوا ما قالا، وعملوا به جميعًا] (٦). فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ : "ادرؤوا الحدود بالشبهات" (٧).

стр. 392

والقياس محتمل [فهو شبهة] (١). قيل له: ليس يعتبر (٢) فيه الاحتمال، ألا ترى أنه يجوز [أخذه] (٣) من جهة العموم وخبر الواحد، وشهادة الشهود، وفي جميع ذلك من الاحتمال ما في القياس، [ولم تكن شبهة، فسقط ما ذكروا] (٤). فإن قيل: فإن العقوبات مختلفة متفاوتة مع [اشتراكها] (٥) في المعنى، فأخذ ذلك قياسًا لا يجوز. قيل: لو وجب ذلك فيها لوجب في الخارجات من (٦) الإنسان (٧) لاشتراك جميعها في الخروج من البدن واختلافها في الأحكام. ثم إن (٨) أصحاب أبي حنيفة ﵀ قد ناقضوا في هذا الأصل، وعملوا في إيجاب الحدود بالمحتمل، فقالوا فيمن شهد عليه أربعة بالزنا في

стр. 393

أربع زوايا: إنه يجب عليه الحد (١). وأقاموا الدلالة في الصيد مقام القتل في إيجاب الجزاء الذي هو مقدر (٢). ووافقونا على قياس قتل المرأة على الرجل في إيجاب الكفارة، وكذلك في إيجاب الكفارة [عليها] (٣) إذا جومعت في شهر رمضان طائعة (٤). وقاسوا الأكل في شهر رمضان لغير عذر على المجامع (٥).

стр. 394

وهذا كله نقض لأصلهم، وبالله التوفيق والتسديد. [قال القاضي أبو الحسن علي بن عمر: هذه مقدمة من الأصول في الفقه ذكرتها في [أول] (١) مسائل الخلاف ليفهمها أصحابنا، ولم أستقص الحجج عليها؛ لأنه لم يكن مقصودي ذلك] (٢).

стр. 395

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على محمد وآله كتاب الطهارة مَسْألة (١): عند مالك ﵀ غسل اليدين قبل الطهارة (١) مندوب إليه وليس

стр. 396

بواجب (١). وهو قول أبي حنيفة، والأوزاعي، والشافعي، سواء كان حدثه من نوم الليل أو النهار، أو أي حدث كان (٢). وحكي عن أحمد بن حنبل ﵀ أنه إن كان من نوم الليل دون النهار وجب (٣). وذهب قوم من أهل الظاهر (٤) إلى أنه واجب من أي نوم كان، تعبدًا لا لنجاسة، فإن أدخلهما الإناء قبل غسلهما [لم] (٥) يفسد الماء. وقال الحسن البصري: إن أدخلهما الإناء قبل غسلهما نجس الماء (٦)، تحقق النجاسة على يده أو لا (٧).

стр. 397

والدليل على صحة قولنا هذا أن الوجوب يحتاج إلى شرع، فلا نوجب شيئًا إلا بدلالة. وأيضًا فإن الله - تعالى - قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (١) الآية.

стр. 398

فأمرنا بغسل الأربعة الأعضاء، ولم يأمر بغسل اليد قبل ذلك، فلو كان يجب علينا حكم غير ذلك لذكره، فلا نوجب غير ما ذكر إلا بدليل. وأيضًا قول النبي ﷺ للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" (١). وبين له الذي أمره الله - تعالى - غسل الأربعة الأعضاء، وهذا موضع تعليم، فلو كان غسل اليدين قبل ذلك واجبًا لبينه له. وأيضًا الحديث الذي قيل فيه: "لن تجزئ عبدًا صلاتُه حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله - تعالى - فيغسل وجهه ويديه، ويمسح برأسه، ويغسل رجليه" (٢). فدل أن هذا القدر يجزئه، وأن ما دونه لا يجزئه. وأيضًا قول النبي ﷺ : "وإنما لامرئ ما نوى" (٣).

стр. 399

ومن غسل هذه الأعضاء الأربعة ونوى به الطهارة فله ما نواه. وأيضًا فإن النوم لا يخلو أن يكون حدثًا في نفسه، أو سببًا للحدث، بل هو سبب للحدث كمس الذكر، وملامسة النساء، والقبلة للشهوة (١). وعلى الأحوال كلها فلا يجب غسل اليد عند وجود الحدث، ولا عند سببه، كما ذكرنا من اللمس، أو الغائط والبول، وجميع ذلك لا يوجب تنجيس اليد، ولا فساد الطهارة وإن لم يغسل. وأيضًا فإننا نقول لهم: لا تخلُون من أحد أمرين: إما أن تأمروه بغسل اليد، فإن لم يفعل نجس الماء، أو تقولوا: إن طهارته لا تصح إلا بذلك، وفي الأمرين جميعًا لا يجب ذلك بإجماع (٢)؛ لأن ما كان متعبدًا به لأجل الحدث لا لأجل نجاسة فإنه لا يتغير بأي حدث كان، سواء كان بنوم، أو غائط، أو بول، أو لمس. فلما اتفقنا على أنه لو خرجت منه ريح أو غائط لم يجب غسل اليدين، ولا تنجيس الماء، ولا فساد الطهارة - مع يقين الحدث الموجود - فكان في

стр. 400

حدث النوم - الذي هو غير متيقن، وهو أخفض مرتبة، وقد سقطت الطهارة فيه إذا نام جالسًا - (١) أولى أن لا يجب. وأيضًا، فلو كان يفسد الماء لأجل نجاسة في يده فإن الماء - عندنا - إذا لم يتغير بأحد الأوصاف من ريح، أو لون، أو طعم لم ينجس (٢). وهذا أصل لنا، فإن اخترتم نقل الكلام إليه فذاك إليكم. ثم مع هذا فاليد على أصل الطهارة؛ لأنه لو أدخلها في طعام أو شراب لم ينجس، مع أن المائعات لا تدفع النجس، ولا تجوز الطهارة بها (٣)، فالماء الذي يدفع النجس عن نفسه، وتجوز الطهارة به أولى أن لا ينجس بإدخال يده فيه. فإن قيل: الدليل على وجوب ذلك قوله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في إنائه حتى يصب عليه صبة أو صبتين، فإنه لا يدري أين باتت يده" (٤).

стр. 401

وفي بعض الأخبار: "حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده" (١). وهذا أمر ظاهره الوجوب، كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٢)، وذلك على الوجوب له. قيل له: الحديث يدل على أنه استحباب؛ لأن النبي ﷺ علل ونبه بقوله: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (٣). فعلمنا أنه على طريق الاحتياط، وأعلمنا بهذا أيضًا أنه ليس لأجل الحدث بالنوم؛ لأنه لو كان لذلك لم يحتج للاعتلال. والذي يدل أيضًا على أنه على طريق الاحتياط أن قائلًا لو قال: اسلك هذا الطريق، واترك الطريق الآخر، فإنك لا تدري ما فيه، وكذلك لو قال: اغسل ثوبك، فإنك لا تدري أي شيء فيه، وهل أصابه نجس أو لا لعلم أن ذلك على طريق الاحتياط، وإن كان لو تجرد قوله: اغسل ثوبك لدل على الوجوب، غير أن الذي اقترن به دل أنه على الاحتياط. وفي حديث في السنن لأبي داود: "فإن أحدكم لا يدري أين طافت يده" (٤).

стр. 402

وهذا يدل على أنه استحباب؛ لأن الإنسان لا يأمن أن تطوف يده في المواضع التي إذا لاقتها يده استقذر أن يدخلها في وضوئه، وتعافته نفسه، كأنفه ومغابنه (١) الغامضة. فإن قيل: إن هذا التعليل لا يمنع من وجوب ذلك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٢). وكقوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (٣). وكقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٤). ولم يدل ذلك على أن الصلاة ليست بواجبة، وأن اجتناب الخمر ليس بواجب. قيل له: ليس هذا مما نحن فيه بسبيل؛ لأن الله - تعالى - أوجب علينا الصلاة، ثم وصفها بأنها تفعل ذلك، فكان هذا مؤكدًا لإيجابها، وكذلك ما ذكره مما تفعله الخمر مؤكد لإيجاب اجتنابها، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه بيّن أن الغسل لأجل الشك.

стр. 403

ولو كان ظاهر الخبر معهم لم يمتنع أن نخصه بدلالة القياس، وذلك أننا قد اتفقنا على أنه لو أحدث بغير النوم وأدخل يده في الماء لم ينجس، وأجزأته الطهارة، والمعنى في ذلك أنه لا يتيقن نجاسة في يده، فكان النوم مثله، أو بعلة أن يده طاهرة وهو منتقض الطهر. ويجوز أن نُلزم من يوجبه من نوم الليل دون نوم النهار (١) القياسَ على نوم النهار، لعلة أنه قائم من النوم لا يعلم في يده نجاسة (٢)، أو بعلة أنه لو أدخلها في طعام أو شراب غير الماء لم يفسده، ولم يجب غسل يده قبل إدخالها فيه، وكذلك نوم الليل. فإن قيل: فإنه ﷺ غسل يده (٣)، وأفعاله على الوجوب (٤). قيل: لو تجرد عما قارنه من الاعتلال في الخبر (٥)، فدل على أنه على

стр. 404

الاستحباب (١). ويجوز أيضًا أن ننقله من الوجوب إلى الاستحباب بدلالة القياس الذي ذكرناه. أو نحرر علة أخرى فنقول: هذا عضو قد تُعُبِّدنا بغسله في جملة الأعضاء الأربعة، فلم يجب غسله مرتين، قياسًا على الوجه والرجلين. فإن قيل: إن النبي ﷺ قال: "العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء" (٢).

стр. 405

فأخرجه مخرج الاعتلال، وقد يستطلق الوكاء، وقد لا يستطلق، ومع هذا فإن الوضوء واجب. وكذلك قوله: "فليغسل يده قبل إدخالها في وضوئه، فإنه لا يدري أين باتت يده" (١)، فينبغي أن يكون غسل يده واجبًا. قيل له: إذا نام فالغالب من أمره خروج الحدث منه، وليس الغالب منه ملاقاة يده النجاسة. وأيضًا فإن الطرف الواحد لا يستحق تطهيره مرتين في طهر واحد، والدليل على هذا غسل الرجلين. وأما من ذهب إلى التفرقة بين نوم الليل والنهار فلا معنى لقوله؛ لأن النبي ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده" (٢). ولم يفرق بين نوم الليل ونوم النهار، فدل على أنهما مشتركان من طريق المعنى. فإن قيل: الخبر ورد في نوم الليل؛ لأنه قال: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (٣).

стр. 406

قيل له: فنجمع بينهما بعلة أنه قائم من النوم، لا يتيقن على يده نجاسة. وقد روي في بعض الأخبار: "فإنه لا يدري أين طافت يده" (١). واليد تطوف في نوم النهار كما تطوف في نوم الليل. وقد روى أنس بن السري عن النبي ﷺ : "أنه توضأ فاستوكف ثلاثًا" (٢). قال الراوي (٣): "معنى استوكف ثلاثًا: أي غسل كفه ثلاثًا" (٤).

стр. 407

ولم يبين أي وضوء هو من الليل أو النهار. ويجوز أن نقول: هي طهارة من حدث فوجب أن لا تتكرر بعض الأعضاء فيها، أصله التيمم (١). مَسْألة (٢): عند مالك وكافة الفقهاء ﵏ أن التسمية عند الوضوء ليست واجبة، إلا عند داود وقوم من أهل الظاهر (٢)، فإنهم قالوا: إنها واجبة، لا يجزئ الوضوء إلا بها، سواء تركها ناسيًا أو عامدًا (٣).

стр. 408

وقال إسحاق بن راهويه: إن نسيها أجزأته طهارته (١). والدليل لقولنا والجماعة: قول النبي ﷺ : "وإنما لامرئ ما نوى" (٢). ومن توضأ ونوى ولم يسم فقد حصل له ما نواه من الطهارة. [وأيضًا فإننا لا نوجب شيئًا إلا بشرع] (٣). وأيضًا قول الله - تعالى -: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٤)، الآية. فأوجب علينا عند القيام إلى الصلاة غسلَ الأربعة الأعضاء، ولم يذكر التسمية، فلا نوجب غير ما أوجبه إلا بدلالة. وأيضًا قول النبي ﷺ للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" (٥). وهذا موضع تعليم، فقال له: "اغسل وجهك ويديك، وامسح برأسك، واغسل رجليك" (٦). فلو كانت التسمية واجبة لعلمه ذلك.

стр. 409

وأيضًا الحديث الآخر الذي قيل فيه: "لن تجزئ عبدًا صلاتُه حتى يسبغ الوضوء، فيغسل وجهه ويديه" (١). فأعلمنا ما تجزئ به الصلاة، ولم يذكر التسمية، فظاهره أنها تجزئ بغيرها. وأيضًا ما روي أنه ﷺ قال: "من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهورًا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورًا لأعضائه" (٢).

стр. 410

فعلمنا بهذا أن ترك التسمية لا يفسد الوضوء، وأنه يطهر الأعضاء المأمور بغسلها، غير أنه أنقص حالًا منه إذا سمى، وكذلك نقول: إنها أفضل (١). وأيضًا قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بطهور" (٢). وهو نكرة، فإذا صلى بما سمى طهورًا أجزأه أي طهور كان، إلا أن تقوم دلالة في إلحاق شيء آخر. ومن طريق القياس: اتفقنا في الصيام أنه لا يجب في أوله نطق، فلم يجب في آخره، فكل عبادة على البدن لا يجب النطق في آخرها لم يجب

стр. 411

في أولها، ونجد الحج كذلك لما كان يخرج منه بغير نطق لم يجب في أوله نطق، وإنما التلبية سنة في أوله (١). ثم نعكس العلة فنجدها مستمرة، وذلك أن الصلاة لما كان في آخرها نطق واجب - هو السلام - وجب النطق في أولها (٢). ونقيس عليه لو سمى وتوضأ بعلة أنه مكلفٌ غسلَ الأربعة أعضاء بالماء المطلق، ووجود النية مع الموالاة. وأيضًا فقد حكي عنهم أنه لا يجب عند غسل الجنابة والحيض (٣)، فإن كان هذا صحيحًا قسنا عليه؛ لعلة [أنها] (٤) طهارة [تجب] (٥) عن حدث، أو تنتقض بالحدث، فلم تجب التسمية فيها.

стр. 412

والقياس على غسل النجاسة؛ بعلة أنها طهارة للصلاة، فكل طهارة للصلاة وجبت لأجل الصلاة، أو تستباح بها الصلاة فلا تجب التسمية فيها. فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ : "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" (١). قيل: قد سئل أحمد بن حنبل ﵁ عن هذا، فقال: لا أعلم [فيه] (٢) حديثًا إسناده جيد (٣). ونقول أيضًا قد ذكرنا ما هو أخص من خبرهم، وهو قوله ﷺ : "من توضأ وذكر اسم الله [عليه] (٤) كان طهورًا لجميع [بدنه، ومن توضأ ولم يذكر

стр. 413

اسم الله عليه كان طهورًا لجميع] (١) أعضائه" (٢). فعلمنا بهذا أن طهارة أعضائه قد حصلت، وأن الذي ذكره من التسمية للكمال، فكأنه قال: "لا وضوء كامل" (٣)، كما قال: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (٤)، و"لا إيمان لمن لا أمانة له" (٥). وأيضًا فلو سلم الظاهر لكان بعض القياسات التي تقدمت تخصه. وأيضًا فإنه عموم، فبأي ذكر ذكر اسم الله تعالى أجزأه، فإذا ذكره بقلبه أجزأه؛ لأن الذكر بالقلب يقع كما يقع باللسان، بل لو قلنا: إن الحقيقة هو الذكر بالقلب لجاز ذلك؛ لأنه يقال: ذاكر وناس، وفي القول: ناطق وساكت. والدليل على أنه يكون بالقلب ما روي عنه ﷺ أنه قال: "يقول الله : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم" (٦).

стр. 414

ففسر ربيعة ذلك (١)، وقال: هو فيمن يتوضأ أو يغتسل ولا ينوي (٢). فإن قيل: لو أراد الذكر بالقلب لقال: "لا وضوء لمن لم يذكر الله"، فلما قال: "اسم الله" علمنا أنه أراد باللسان. قيل: لا فرق بين ذلك، فما صح أن يذكره بلسانه صح ذكره بقلبه، وقد قال تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٣). وعلى هذا حمل قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٤). قيل في أحد التأويلات: الذكر بالقلب (٥).

стр. 415

وأيضًا فإن النبي ﷺ نفاه مع عدم التسمية، وأثبته مع وجودها، فمن سمى بقلبه وقع عليه اسم ذاكر، فعمومه يقتضي جواز الوضوء، فمن طلب تسمية على صفة دون صفة فعليه الدليل. فإن قيل: نحن نقول: إنه متعلق بالنطق، فمتى وجد النطق صح. قيل: لا نخالف في هذا، بل نقول: متى وجد ذكر بالقلب صح، وإن وجد ذكر باللسان صح. فإن قيل: فإن النبي ﷺ وضع يده في الإناء، وقال: "توضؤوا بسم الله" (١). قيل: هذا دليل لنا؛ لأنه ﷺ وضع يده في الإناء قبل وضوئه. وأيضًا فلم يقل: "توضؤوا وسموا"، وإنما سمى هو ﵇، فلو كانت واجبة لقال لهم: "قولوا: بسم الله"، ولو ثبت لهم الظاهر لكان مخصوصًا بالقياس الذي تقدم.

стр. 416

فإن قاسوا ذلك على الصلاة فقد تقدم ذكر الصلاة، وأنه لما وجب النطق في آخرها وجب في أولها (١). على أننا قد ذكرنا قياسات أخر تعارض قياسهم. ولنا فضل الترجيح باضطراد العلة، واستمرارها في العكس (٢). ولأنها تثبت عكسًا، وهو إسقاط حكم الطهارة التي عليه إذا أراد الصلاة. ولنا أن نقيس ذلك عليه إذا نسي التسمية، بعلة أنها عبادة موضوعة على الفعل دون القول. ولنا أن نقيس ذلك على الاعتكاف، بعلة أنها عبادة لا يخرج منها بالكلام، فلم يجب الدخول فيها بكلام، ولأنها عبادة يفسدها الجماع، ولا يجب في آخرها نطق، فكذلك في الطهارة، دليله الحج. وأيضًا فالعبادات على ضربين: ضرب لا يجب في خاتمته نطق، فلا يجب في فاتحته كالصوم. وضرب يجب في مختتمه نطق، فكذلك في مفتتحه كالصلاة.

стр. 417

فلما كان الوضوء بالاتفاق لا يجب في انتهائه نطق فكذلك لا يجب في ابتدائه اعتبارًا بالأصول، وهذا أقوى من كل قياس يوردونه. ولك أيضًا أن تقول: تعري الطهارة عن التسمية لا يبطلها، الدليل على ذلك أنه لو نسي، أو جهل، أو تأول تركها؛ لأن الواجب إذا ترك لم يسقط بالنسيان، ولا بما ذكرناه، وهذا كلام على إسحاق بن راهويه. قال القاضي: ولي طريقة أنا أعتمد عليها في قوله ﵇: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله"، وهي: أن قوله: "لا وضوء" معقول أنه لم يرد وجود الوضوء؛ لأننا نجده بلا نية ولا تسمية، وإنما أراد الحكم (١)، فقد صار الظاهر مصروفًا عن حقيقته إلى المجاز، إذ الحكم غير مذكور في اللفظ، وإنما هو مضمر محذوف من اللفظ، ومثل هذا لا يصلح الاستدلال بظاهره. فإن قيل: هذا معلوم من فحوى الخطاب (٢) أنه أراد الحكم؛ لأن الوجود سقط بدليل العقل. قيل: فالمراد الحكم، وليس هو مذكورًا في اللفظ، والحكم يحتمل أن

стр. 418

يكون هو الإجزاء، ويحتمل أن يكون الكمال، ولا يجوز أن يدعى فيه العموم من وجهين: أحدهما: أن العموم يكون في الألفاظ لا في المضمرات (١). والثاني: أنه يتنافى وجود الكمال مع نفي الإجزاء؛ لأنه إذا انتفى الإجزاء انتفى الكمال لا محالة، وإذا انتفى الكمال لم ينتف الإجزاء، وإذا كان هذا هكذا لم يكن لكم صرف المضمر المطلوب - وهو الحكم - إلى الإجزاء دون أن نصرفه نحن إلى الكمال، فيتعارض الاحتمالان ويسقطان، ويحتاجون إلى شيء آخر. وبالله التوفيق (٢).

стр. 419

مَسْألة (٣): قال مالك ﵀: لا تجزئ طهارة من غسل، ولا وضوء، ولا تيمم إلا بنية، فمتى عري شيء من ذلك من النية لم يجزئ (١). وكذلك قال الشافعي (٢)، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور (٣). وقال الأوزاعي: لا يفتقر شيء منها إلى النية، لا التيمم، ولا الطهارة بالماء (٤). وذهب أبو حنيفة والثوري إلى أن الطهارة بالماء لا تفتقر إلى نية،

стр. 420

والتيمم لا بد [فيه] (١) من نية (٢)، ويقولون: لو قصد بالماء التبرد، أو التنظف، أو السباحة فيه، فأصاب الماء تلك الأعضاء أجزأه (٣). ولصحة قول مالك ﵀ في هذه المسألة أدلة، منها: أننا اتفقنا على أنه محدث، ثم اختلفنا هل ارتفع حدثه أم لا؟ فنحن على ما كنا عليه (٤). فإن قيل: فنحن نقول: ما تعلق على ذمته طهارة إلا على هذه الصفة. قيل: قد فرضنا المسألة في رفع الحدث، فلا خلاف بيننا أنه إذا قدر على استعمال الماء فإن عليه أن يرفع الحدث، فمن ادعى أنه قد ارتفع فعليه الدليل. وأيضًا قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٥). فتقديره عند أهل اللغة: فاغسلوا للصلاة، فمتى غسل لتنظف أو تبرد ولم يغسل للصلاة لم يفعل المأمور به.

стр. 421

ومثال هذا قوله - تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ (١)، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢)، فكل هذا جزاء؛ لأنه جواب الشرط بالفاء، وإنما يقطع لأنه سرق، ويجلد لأنه زنى، وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٣)، وإنما وجبت الطهارة لأنه جنب، لا للنظافة والتبرد. فإن قيل: فنحن نقول: إذا غسل بعد القيام إلى للصلاة [فقد غسل للصلاة] (٤)، فما الدليل على أنه يحتاج إلى النية؟ ألا ترى أنه إذا قال لعبده: إذا دخل زيد الدار فأعطه درهمًا، فأعطاه عند دخوله، فليس يحتاج الغلام أن ينوي، فكذلك هذا. قيل: لم تحصلوا علينا ما قررناه؛ لأنه إذا ثبت [أن عليه] (٥) أن يغسل وجهه للصلاة فمتى غسل للتبرد أو التنظف فلم يغسل للصلاة، ووزان هذا من مسألتنا: أن العبد [المذكور] (٦) لو أعطاه درهمًا [عن] (٧) متاجرة، أو هبة عن نفسه لم يكن قد فعل المأمور به؛ لأن إعطاءه إياه لم يوجبه دخوله الدار. فإن قيل: فإن هذه الآية مخالفة لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ (٨)،

стр. 422

ومفارقة لقوله ﷺ : "إذا زنى وهو محصن فارجموه" (١)؛ لأن ذلك على طريق الجزاء، ولا خلاف بيننا أن الطهارة ليست جزاء للصلاة. قيل: إن قولنا: جزاء وجواب للشرط نريد به أن هذا الشيء إنما وجب لأجل كذا وكذا، فنقول: إن الطهارة وجب أن تفعل لأجل الصلاة، وهذا عمدة من الأدلة. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢). والوضوء من الدين، فيجب أن نخلصه، والإخلاص هو القصد. فإن قيل: نحن نقول: إن هذا مخلص. قيل: هذا غلط؛ لأن الإخلاص هو أن يكون العامل ذاكرًا للمخلص له،

стр. 423

فأما وهو لا يخطر بقلبه، وهو معتقد اللعب بالماء فلا يقال: إنه مخلص. فإن قيل: فإنه أراد بالإخلاص نفس الإيمان، وهذا [مؤمن من حيث اعتقاد الإيمان] (١)؛ لأن ضد الإخلاص الشرك (٢). قال شيخ منهم: (٣) ويلزم على هذا أن يقولوا: إن من لم ينو فهو مشرك. وقال: على أنه قال تعالى: ﴿حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٤)، والوضوء ليس بمفروض في نفسه، فلا نقول إنه من الدين. فالجواب أن قوله: إنه أراد الإيمان، فإن الله تعالى قال: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٥)، فكأنه قال: أخلصوا لله الدين، والوضوء من الدين. وقولهم: "إن لم ينو فهو مشرك"، فنحن نقول: إنه من لم يخلص هذا العمل لله تعالى فما اتبع ما أمره الله به من الإخلاص، ولا نقول: إنه مشرك، ولكنه لم يعمل شيئًا. على أننا لو قلنا: إنه قد أشرك في العمل غير الله تعالى لكان كذلك، ولا يكون كافرًا، بل يكون له حكم من أحكام المشركين، كما قال ﷺ : "من

стр. 424

ترك الصلاة فقد كفر" (١). وقد روي أن النبي ﷺ قال: "يقول الله تعالى: من عمل عملًا أشرك فيه غيري فهو له، وأنا منه بريء، أنا أغنى الشركاء عن الشرك" (٢). وقد يصلي الإنسان لله تعالى ولأن يراه الناس، فيكون فيه ضرب من الرياء، ولا يكون كافرًا. وأما قوله: "لا نسمي الطهارة من الدين" (٣) [فلا] (٤) خلاف بين المسلمين بأن الوضوء واجب، وهو من دين المسلمين، وهذا قبح من قائله جدًّا. دليل: وهو قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (٥).

стр. 425

فأعلمنا تعالى أن الأعمال التي أمر بها لا تنفعه ولا تضره، ولا يحصل من ذلك إلا حسن الإخلاص. دليل: وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الوضوء شطر الإيمان" (١)، ثم اتفقنا على أن الإيمان لا يصح إلا بنية وقصد، وكذلك شرطه؛ لأن الشيء إذا كان شرطًا في شيء فكل جزء منه له قسط من الشرط (٢)، وهذا الخبر يدل على أن الوضوء عبادة كالإيمان (٣). دليل: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا وضوء لمن يذكر اسم الله عليه" (٤). ثم قد ثبت - عندنا وعندهم - أن الوضوء يجزئ (٢٨) وإن لم يذكر اسم الله باللسان (٥)، فصح أنه أراد ذكر القلب وهو النية. فإن قيل: فظاهر هذا يقتضي ذكر الله تعالى، وليس هذا موضع الخلاف، وإنما الخلاف في النية.
следующие страницы →