← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ومثال هذا قوله - تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ (١)، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢)، فكل هذا جزاء؛ لأنه جواب الشرط بالفاء، وإنما يقطع لأنه سرق، ويجلد لأنه زنى، وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٣)، وإنما وجبت الطهارة لأنه جنب، لا للنظافة والتبرد. فإن قيل: فنحن نقول: إذا غسل بعد القيام إلى للصلاة [فقد غسل للصلاة] (٤)، فما الدليل على أنه يحتاج إلى النية؟ ألا ترى أنه إذا قال لعبده: إذا دخل زيد الدار فأعطه درهمًا، فأعطاه عند دخوله، فليس يحتاج الغلام أن ينوي، فكذلك هذا. قيل: لم تحصلوا علينا ما قررناه؛ لأنه إذا ثبت [أن عليه] (٥) أن يغسل وجهه للصلاة فمتى غسل للتبرد أو التنظف فلم يغسل للصلاة، ووزان هذا من مسألتنا: أن العبد [المذكور] (٦) لو أعطاه درهمًا [عن] (٧) متاجرة، أو هبة عن نفسه لم يكن قد فعل المأمور به؛ لأن إعطاءه إياه لم يوجبه دخوله الدار. فإن قيل: فإن هذه الآية مخالفة لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ (٨)،

стр. 422

ومفارقة لقوله ﷺ : "إذا زنى وهو محصن فارجموه" (١)؛ لأن ذلك على طريق الجزاء، ولا خلاف بيننا أن الطهارة ليست جزاء للصلاة. قيل: إن قولنا: جزاء وجواب للشرط نريد به أن هذا الشيء إنما وجب لأجل كذا وكذا، فنقول: إن الطهارة وجب أن تفعل لأجل الصلاة، وهذا عمدة من الأدلة. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢). والوضوء من الدين، فيجب أن نخلصه، والإخلاص هو القصد. فإن قيل: نحن نقول: إن هذا مخلص. قيل: هذا غلط؛ لأن الإخلاص هو أن يكون العامل ذاكرًا للمخلص له،

стр. 423

فأما وهو لا يخطر بقلبه، وهو معتقد اللعب بالماء فلا يقال: إنه مخلص. فإن قيل: فإنه أراد بالإخلاص نفس الإيمان، وهذا [مؤمن من حيث اعتقاد الإيمان] (١)؛ لأن ضد الإخلاص الشرك (٢). قال شيخ منهم: (٣) ويلزم على هذا أن يقولوا: إن من لم ينو فهو مشرك. وقال: على أنه قال تعالى: ﴿حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٤)، والوضوء ليس بمفروض في نفسه، فلا نقول إنه من الدين. فالجواب أن قوله: إنه أراد الإيمان، فإن الله تعالى قال: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٥)، فكأنه قال: أخلصوا لله الدين، والوضوء من الدين. وقولهم: "إن لم ينو فهو مشرك"، فنحن نقول: إنه من لم يخلص هذا العمل لله تعالى فما اتبع ما أمره الله به من الإخلاص، ولا نقول: إنه مشرك، ولكنه لم يعمل شيئًا. على أننا لو قلنا: إنه قد أشرك في العمل غير الله تعالى لكان كذلك، ولا يكون كافرًا، بل يكون له حكم من أحكام المشركين، كما قال ﷺ : "من

стр. 424

ترك الصلاة فقد كفر" (١). وقد روي أن النبي ﷺ قال: "يقول الله تعالى: من عمل عملًا أشرك فيه غيري فهو له، وأنا منه بريء، أنا أغنى الشركاء عن الشرك" (٢). وقد يصلي الإنسان لله تعالى ولأن يراه الناس، فيكون فيه ضرب من الرياء، ولا يكون كافرًا. وأما قوله: "لا نسمي الطهارة من الدين" (٣) [فلا] (٤) خلاف بين المسلمين بأن الوضوء واجب، وهو من دين المسلمين، وهذا قبح من قائله جدًّا. دليل: وهو قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (٥).

стр. 425

فأعلمنا تعالى أن الأعمال التي أمر بها لا تنفعه ولا تضره، ولا يحصل من ذلك إلا حسن الإخلاص. دليل: وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الوضوء شطر الإيمان" (١)، ثم اتفقنا على أن الإيمان لا يصح إلا بنية وقصد، وكذلك شرطه؛ لأن الشيء إذا كان شرطًا في شيء فكل جزء منه له قسط من الشرط (٢)، وهذا الخبر يدل على أن الوضوء عبادة كالإيمان (٣). دليل: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا وضوء لمن يذكر اسم الله عليه" (٤). ثم قد ثبت - عندنا وعندهم - أن الوضوء يجزئ (٢٨) وإن لم يذكر اسم الله باللسان (٥)، فصح أنه أراد ذكر القلب وهو النية. فإن قيل: فظاهر هذا يقتضي ذكر الله تعالى، وليس هذا موضع الخلاف، وإنما الخلاف في النية.

стр. 426

قيل: الخلاف في القصد، والقصد في الوضوء للصلاة هو ذكر الله تعالى، ولولا هذا لبطلت فائدة الحديث. دليل: قول النبي ﷺ : "الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى" (١). وفي هذا الحديث دليلان: أحدهما: قوله: "الأعمال بالنيات"، فيحتمل أحد الأمرين: إما وجود الأعمال بالنيات، ولا توجد بغير نية، وهذا غير مراد (٢)؛ لأنها توجد في المشاهدات بغير نية. أو يكون أراد الأعمال المقرب بها من المجزئة بالنية، فهذا هو المراد. وظاهر قوله: "الأعمال بالنيات" أي: عمادها بذلك، كما يقال: الطير بجناحيه، والأمير بجيشه، أي: عماد ذلك بهذا. والدلالة الثانية: قوله: "وإنما لامرئ ما نوى"، فدل على أن ما لم ينوه لا يكون له (٣). فإن قيل: فليس في هذا الخبر دلالة؛ لأنه خرج على سبب وهو قصد المهاجرة (٤)، ألا تراه قال: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى

стр. 427

الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (١)، فوجب أن نقصره على الهجرة (٢). قيل: النبي ﷺ أخرج هذا مخرج العموم، ثم ذكر بعض ما شمله العموم، ولو أراد الهجرة وحدها لقال: "إنما الهجرة" التي هي عمل واحد (٣)، فلما عدل عن ذلك وقال: "الأعمال بالنيات" لم يجز أن نصرفه إلى عمل واحد. وعلى أنه ﷺ نبه على المعنى وهو المقاصد، ولا فرق بين الهجرة وغيرها. دليل: وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٤). فمن سعى في اللعب بالماء لم تحصل له عبادة.

стр. 428

دلائل القياس اتفقنا أن التيمم لا يصح بغير نية (١)، والمعنى فيه أنها طهارة تجب عن حدث، أو تنتقض بالحدث، أو تستباح بها الصلاة لا لنجاسة، فكذلك الوضوء. فإن قيل: إن التيمم مفارق للوضوء بالماء من وجوه: أحدها: أن الله - تعالى - قال في الماء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٢)، ولم يذكر نية، وقال في التيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾، والتيمم القصد، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٣). وأيضًا فإن الوضوء يرفع الحدث، وليس التيمم كذلك (٤). وأيضًا فإن التيمم لا يصلى به إلا صلاة واحدة - عندكم - مفروضة، والوضوء بخلاف ذلك (٥). وأيضًا فلا يجوز التيمم قبل الوقت (٦)، وليس الوضوء كذلك. وأيضًا فإن النية تدخل لتمييز الأفعال المتفقة (٧)، فلما كان الوضوء من

стр. 429

جميع الأحداث على صفة واحدة لا يختلف لم يحتج إلى نية، فشابه النجاسات، وليس التيمم كذلك؛ لأنه يقع عن حدث الجنابة تارة وله حكم، وعن الغائط وله حكم، وعن البول الذي له حكم آخر، فاحتيج إلى النية فيه. وأيضًا فإن الماء طهور في نفسه، يقوي حكمه، فلم يحتج إلى النية، ولما كان التراب بدلًا عنه للضرورة، وليس بطهور في نفسه احتيج فيه إلى النية. فجواب ذلك: أما قولهم: "إن الله - تعالى - فرق بين التيمم والغسل، فقال في التيمم: "اقصدوا" فنقول في هذا: إنا لو سلمنا لكم أن الله - تعالى - نص على النية في التيمم، وأمسك عنها في الوضوء لجاز لنا القياس، فنقيس المسكوت عنه على المنصوص عليه". وأيضًا فإن الأمر بخلاف ما ظننتم، ليس في الآية أكثر من القصد في

стр. 430

التراب، ثم إذا قصدناه هل ننوي المسح منه أو لا؟ ليس في الآية، وقد يقصد إلى الصعيد ثم يصح أن ننوي به تعليم إنسان، فلا تكون النية له. فإن قيل: فقد أجمعوا على أن المضي إلى التراب لا يحتاج إلى نية، فعلم أنه أراد أن ينوي عند المسح. قيل: ليس هذا في الظاهر، وقد قلنا: إنه يجوز أن ينوي به تعليم إنسان. فإن قيل: فقد فرق الله - تعالى - بينهما في اللفظ، فقال في الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، ولم يقل: فاقصدوا الماء واغسلوا، وقال في التيمم: اقصدوا التراب وامسحوا. قيل: لا يتأتى الغسل إلا بقصد الماء، ولا يتأتى التيمم إلا بقصد التراب، ولكن لما كان الغسل هو المشهور لم يذكر فيه القصد، فإذا عدم الماء قيل: فاعدلوا إلى الصعيد الذي تستعملونه، وجملة الأمر أنا قد قسناه عليه، ولا يلزم الفرق بالظواهر. والجواب عما ذكروه من رفع الحدث في الوضوء وأن التيمم لا يرفعه (١)، فهذا تأكيد لما ذكرناه؛ لأن الماء لما كان يرفع الحدث ويعمل ما لا يعمله الصعيد احتيج فيه إلى نية، ولما كان الصعيد أضعف منه خفف، فلم يحتج فيه إلى نية، فلما دخلته النية مع ضعفه كان في الماء أولى أن تدخله النية. والجواب عما ذكروه من أن التيمم لا يصلي به إلا صلاة واحدة (٢) فإنه

стр. 431

ينقلب عليهم؛ لأنهم يصلون به صلوات كثيرة. على أن هذا يدل على صحة قولنا؛ لأن الوضوء لما كان يعمل أعمالًا كثيرة احتيج فيه إلى النية أكثر مما يحتاج إليه في التيمم. وعلى أن افتراقهما من هذه الوجوه لا يمنع من اجتماعهما في الموضع الذي جمعتهما العلة فيه. والجواب عن قولهم: "إن التيمم لا يجوز - عندنا - قبل الوقت" (١) فكذلك هو على أصولنا، ولكنه يؤكد أمر الوضوء؛ لأنه لما جاز أن يفعل قبل وجوبه كان إلى النية أحوج من التيمم الذي لا يجوز عمله إلا عند وجوبه. والجواب عن قولهم: "إن النية تدخل لتميز بين الأعمال المتفقة" فهذا سؤال ذكره أبو بكر الرازي (٢)، وهو عمدة لنا؛ لأن الوضوء لما كان يقع لتبرد وتنظف وتجديد طهارة، ويقع لرفع حدث احتاج إلى النية؛ لأن الصورة واحدة في جميع ذلك، والأحكام مختلفة، ولما كان التيمم يدخل لاستباحة الصلاة صار كالشيء الواحد المستحق، فلم يحتج إلى نية. ثم دعواه أن التيمم يختلف لأجل الجنابة فليس كذلك؛ لأن صفته للجنابة كصفته للحدث (٣)، وإنما يختلف ذلك في الماء، فيكون الوضوء من الحدث، والغسل من الجنابة (٤).

стр. 432

وإن أراد أن الذي يوجب هذا غير ما يوجب هذا فقد يوجب الحيض عند انقطاعه الغسل وتوجبه الجنابة، وليس هذا هذا، وصفة الغسل فيهما واحدة؛ لأن الحيض له أحكام ليست للجنابة، فينبغي أن لا يجزئ إلا بنية تميز بين الغسل الذي أوجبه الحيض، والغسل الذي أوجبته الجنابة. والجواب عن قولهم: "إن الماء طهور، والتراب ليس بطهور في نفسه"، وهذا أيضًا ذكره الرازي (١). فنقول: كلاهما طهور في نفسه، قال الله - تعالى - في الماء: ﴿طَهُورًا﴾ (٢). وقال الرسول ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (٣). على أن هذا يوجب العكس؛ لأن الماء لما كان طهورًا يستعمل في أشياء مختلفة احتاج إلى النية، ولما كان الصعيد لا ينتقل إليه إلا عند عدم الماء فحاله حال واحدة، فشابه - عندكم - رمضان بمستحق العين (٤)، وشابه

стр. 433

الوديعة التي ضعف أمرها في باب النية (١). ودليل من القياس: اتفقنا في الرقبة في الكفارة أنها لا تصح إلا بنية، والمعنى في ذلك: أنها عبادة لا يصح بدلها عند عدمها إلا بنيته، فلم يصح مبدلها إلا بنية، وهذا المعنى موجود في الطهارة؛ لأن التيمم بدل منها، ولا يصح إلا بنية، فكذلك مبدله وهو الوضوء. فإن قيل: هذا ينتقض بالنكاح، قد جعل النبي ﷺ بدله الصيام، فقال: ومن لم يستطع فليصم، فإن الصوم له وجاء" (٢). ثم الصوم لا يصح إلا بنية، ولم يدل على أن النكاح يحتاج إلى نية. قيل: إن الصوم ليس ببدل من النكاح؛ لأن النكاح لمعنى، والصوم لمعنى (٣).

стр. 434

وعلى أننا قيدنا الاعتلال فقلنا: كل بدل لعدم، والصوم يعمل مع عدم النكاح ومع وجوده، ومع هذا فلا يصح - عندنا - النكاح إلا بقصد، ولو كان يصح بغير قصد لصح من المجنون والصبي والمبرسَم (١)، ولو علمنا أنه وقت العقد كان ساهيًا لم يصح عقده. قياس آخر: اتفقنا على أن الصلاة لا تصح بغير نية، والمعنى في ذلك: أنها عبادة على الأبدان يفسد أولها بفساد آخرها، وكذلك الطهارة (٢). وإن شئت قلت: إنها عبادة يسقط شطرها للعذر، وهو يوجد في الطهارة؛ لأن شطرها يسقط في التيمم عند عدم الماء (٣)، كما أن الصلاة يسقط شطرها في السفر. قياس آخر: وهو أننا قد اتفقنا في الصيام أنه لا يجوز بغير نية؛ لأنه عبادة على البدن يفسد أوله بفساد آخره (٤). استدلال: وجدنا إزالة الأنجاس تزول بشيئين: أحدهما: الماء، والآخر: الأحجار، ثم قد استوى حكم الأمرين في سقوط النية، وهي طهارة، فوجب أن تكون الطهارة الأخرى يستوي حكم الأمرين فيهما، فلما اتفقنا على أن الطهارة بالتراب من شرطها النية وجب أن تكون الطهارة بالماء

стр. 435

كذلك يستوي الأمران فيها، وهذا وإن كان قياس الضد فربما استدل به شيوخنا، ورجحوا به القياس، وهم أيضًا يقولون به. دليل: وهو أنهم يقولون: إن الرجل إذا تطهر بغير نية حصل طاهرًا ولم يصر الماء مستعملًا (١)، وإذا تطهر ونوى حصل طاهرًا، وحصل الماء مستعملًا (٢)، فدل هذا من مذهبهم على أنه إذا لم يكن ينوي فإن الطهارة لم تحصل له، إذ لو حصلت لصار الماء مستعملًا. فإن استدلوا بالظاهر من قوله تعالى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٣)، ولم يذكر النية فقد جعلنا ذلك دليلًا؛ لأنه لو لم يغسل للصلاة (٤). وجواب آخر: وهو أننا نقول: إن ظاهر الآية يوجب غسل الأربعة الأعضاء، ولا نختلف في إيجابها، وإنما كلامنا في أمر آخر وهو النية. جواب ثالث: لو سلمنا أن في الآية تعلقًا لهم لخصصناها بما تقدم ذكره.

стр. 436

فإن قيل: فإن الزيادة - عندنا - نسخ (١)، ولا يجوز بأخبار الآحاد، ولا بالقياس والاستدلال، فلا نزيد حكم النية في الآية بهذه الدلالة (٢). قيل: ليس الأمر - عندنا - كذلك، وعلى أن الآية تدل على القصد على ما بيناه بالظاهر، فليست هاهنا زيادة. وأيضًا فإن الزيادة لو كانت نسخًا لكان ذلك متى استقر الحكم، فأما ونحن نقول: إن إيجاب النية ورد مقترنًا مع القول، أو مقرونا بوقت الحاجة فلا يكون نسخًا. وأيضًا فليس هذا - عندنا - زيادة، وإنما هو بيان، ألا ترى أنه قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣)، ولم يذكر النية، ثم بين النبي ﷺ أن من شرطه النية (٤)، ولم يكن ذلك نسخًا.

стр. 437

فإن قيل: فإن عليًّا وعثمان وغيرهما حكوا وضوء رسول الله ﷺ (١)، ولم يذكروا نية. قيل: هؤلاء حكوا ما ظهر من الفعل، وهو الذي قصد النبي ﷺ أن يريهم إياه، فأما النية فلم يقصد تعريفها إياهم في ذلك الوقت. وجواب آخر: وهو أن مذهبنا ضم الأخبار بعضها إلى بعض، فنقول: كأن رسول الله ﷺ قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به إذا كانت معه نية"، كما لم نمنع نحن وأنتم في قوله: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" (٢)، أن يضاف إليها رابع وأكثر بدلالة. وجواب آخر: وهو أنه أشار إلى الوضوء وهو في الحقيقة الغسل، [ولم يتعرض للنية] (٣)؛ لأنها ليست وضوءًا، ومنزلة هذا منزلة قوله: هذه القراءة التي لا يقبل الله الصلاة إلا بها، ثم لا يدل على أن الصلاة كلها هي القراءة. وجواب آخر: وهو أن قوله: "هذا وضوء" ولا يحصل عندنا الوضوء

стр. 438

في الشرع إلا بنية، فمتى حصلوا لنا وضوءًا من جهة الشرع فهو يجزئ. وجواب آخر: وهو أن ظاهر قوله: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (١)، هو ذلك الوضوء الذي وقع منه هو بعينه دون غيره، وهذا غير مراد، فبان أن المراد من الخبر غير ظاهر، فصار مجملًا. فإن قيل: فقد قال الله - تعالى -: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٢)، ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٣). ومعنى هذا: أنه مطهر، فاقتضى أن يكون مطهرًا مع عدم النية، ولو لم نجعله مطهرًا إلا بانضمام النية إليه كنا قد سلبنا الحكم الذي قد جعله الله له، ووصفه به (٤).

стр. 439

قيل: إن الله - تعالى - أخبر أنه يطهرنا بهذا الماء، وأنه طهور، [ثم] (١) على أي صفة يستعمل؟ وهل يفعل هو الطهارةَ بنفسه أو باستعمالنا له؟ مأخوذ من دلالة أخرى. وجواب آخر: وهو أن الآية من هذه الجهة مجملة؛ لأنه لما قال: ﴿طَهُورًا﴾، ولم يذكر أفعالنا فيه فظاهره أن نفس الماء يفعل ذلك، وقد علمنا أن المراد شيء آخر، فنقول: إنه طهور إذا استعملناه ونوينا. وجواب آخر: وهو أن الظاهر لو كان معهم لم يمتنع أن نضيف إلى ذلك الحكم النيةَ بالدلالة التي تقدمت. وجواب آخر: وهو أن النبي ﷺ قال: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (٢)، ثم لم يدل هذا - عندكم - على سقوط النية في التيمم، كذلك قوله: ﴿طَهُورًا﴾ لا يدل على سقوط النية من الوضوء. وهكذا ما روي من قوله ﷺ : "التراب طهور المسلم" (٣)، ولم يدل

стр. 440

على سقوط النية. وكذا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ (١)، لم يدل على أن الزكاة لا تحتاج إلى نية. فإن قيل: فإن النبي ﷺ قال في الطهر من الجنابة: "أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء، فإذا أنا قد طهرت" (٢)، ولم يذكر النية. وهكذا قال لأم سلمة: "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، فإذا أنت قد طهرت" (٣). وكما قال لأبي ذر: "إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك" (٤)، ولم يضف

стр. 441

إلى ذلك نية. قيل: هذه الظواهر كلها لو تجردت من ذكر النية لم يمتنع أن يلحق بها حكم النية بالأدلة التي تقدمت (١). فإن قيل: فقد علم النبي ﷺ الأعرابي كيف يتوضأ (٢)، ولم يذكر له النية، وهذا موضع تعليم لا يجوز أن يُغفَل فيه شيء من الواجب عليه (٣). قيل: إنما علمه النبي ﷺ الظاهر، ألا ترى أنه لم يذكر له الماء، ولا الماء المستعمل عندكم. وأيضًا فقوله: "توضأ كما أمرك الله" (٤)، فيه دلالة على النية؛ لأنها مما أمر الله - تعالى - على ما بيناه. وجواب آخر: وهو أن هذا قضية في عين، فيجوز أن يكون علم منه أنه يعلم النية فلم يشتغل بها، وليس يجب أن يعلمه كل شيء في حالة واحدة. وعلى أنه قد علمه الصلاة، ولم يذكر له نية، ولم يدل ذلك على سقوط النية في الصلاة (٥).

стр. 442

وإن قاسوا ذلك على غسل النجاسة بعلة أنها طهارة فلم يحتج إلى نية. قيل: هذا أصل، وقد رددنا نحن ذلك إلى أصل آخر، وهو التيمم بالعلة التي ذكرناها، فليس بِرد ذلك إلى أحد الأصلين بأولى من رده إلى الآخر، فإذا تعارضا كان رد الطهارة التي هي محض العبادة إلى الطهارة التي هي محض التعبد أولى. وأيضًا فرد طهارة تتعلق بأعضاء مخصوصة حسب إلى طهارة تتعلق بأعضاء مخصوصة أولى. وأيضًا فرد ما وجب لأجل الحدث إلى ما وجب لأجل الحدث أولى. وترجيح آخر: وهو أن رد طهارة وجبت لأمر يكون منه في نفسه إلى مثلها أولى من ردها إلى طهارة وجبت لأمر يكون من غيره، مثل البهائم وغيرها؛ لأنه قد يقع عليه دم من بهيمة أو من إنسان غيره. وأيضًا فإنا رددنا ما التفرقة فيه تفسده - عندنا - إلى مثله (١)، وأنتم رددتم ما التفرقة فيه تفسده إلى ما لا تفسده التفرقة فيه؛ لأن النجاسة لو غسل بعضها صلاة الغداة، وأخر الباقي إلى زوال الشمس لجاز، وليس كذلك الطهارة والتيمم.

стр. 443

وأيضًا فرد ما لا يصح أن يقع من المجنون إلى مثله أولى من رده إلى ما يصح أن يقع من المجنون؛ لأن المجنون لو غسل النجاسة لصح، وليس كذلك الوضوء والتيمم. وأيضًا فإن النجاسة تزال عن النائم فيصح، ولو وُضِّئ أو يُمِّم وهو نائم لم يصح، فرد الوضوء إلى التيمم أولى (١). وأيضًا فإن شواهد الأصول تدل على ما ذكرناه، وذلك أن الصلاة والزكاة والصيام والحج عبادات على البدن تخصه، وكلها مفتقرة إلى النية، فكان ردنا الطهارة إلى هذه الأصول أولى. وقياسنا أيضًا يؤدي إلى الاحتياط (٢) فهو أولى. ثم نفرق بين الوضوء وبين النجاسات فنقول: الفرق بينهما هو أن النجاسة قد انخفض أمرها؛ لأنه قد عفي عن الشيء اليسير منها يكون على الثوب والبدن، مثل الدم، وسمح بموضع الاستنجاء، وليس كذلك الطهارة؛ لأنه لم يسمح فيها بترك شيء من الأعضاء المأخوذ غسلها أو مسحها مع القدرة على ذلك. قال القاضي: وفي نفسي من هذا شيء.

стр. 444

وأيضًا فقد فرقوا - على أصولهم - فجوزوا أن تزال الأنجاس بالمائعات (١)، ولم يجوزوا ذلك في الطهارة. وفرق آخر: هو أنهم زعموا أنه قد استوى حكم إزالة النجاسة بالمائع أو بالجامد في أنه لا يحتاج إلى نية، وقالوا: الطهارة بخلاف ذلك؛ لأنها في موضع تحتاج إلى نية، وهو التيمم. وفرق آخر: وهو أنهم زعموا أن غسل النجاسة استوى حكم الماء المغسول به نوى أو لم ينو، ثم كان في الطهارة إن نوى الطهارة حصل الماء مستعملًا، وإن لم ينو حصل هو طاهرًا، ولم يصر الماء مستعملًا (٢). وفرق آخر: وهو أن الطهارة تجب على أي حدث كان في موضع واحد، وهو الأربعة أعضاء، فسواء كان الحدث بولًا أو غائطًا أو غير ذلك، وليس كذلك النجاسة؛ لأنه لو أصاب فخده نجاسة لم يجب غسل يديه ورجليه، ولو أصاب يده لم يجب غسل رجليه. وأيضًا فإن إزالة النجاسة طريقها الترك، والطهارة طريقها الفعل؛ لأنه قيل له: صل وأنت تارك للنجاسة، وصل وأنت متطهر، والأفعال تفتقر إلى النية، والترك لا يفتقر إليها (٣)؛ لأن الكلام في الصلاة مأمور بتركه فلم يفتقر إلى نية، والركوع والسجود مأمور بفعلهما، فاحتاجا إلى نية تعم جميع أفعال الصلاة.

стр. 445

فإن قيل: لو توضأ لنافلة لجاز أن يصلي به فريضة، فلو كانت النية واجبة لم يجزئه ذلك، ألا ترى أنه لما كانت النية واجبة في الصلاة فلو نوى أن يصلي نافلة لم يجزئ ذلك عن الفرض، وهكذا لو نوى بالتيمم صلاة نافلة لم يجز أن يصلي به الفرض، فبطل أن تكون النية واجبة في الطهارة. قيل: مرادنا بالطهارة رفع الحدث، فلما كانت النافلة لا تصح إلا برفع الحدث لم يكن فرق بين أن ينوي برفعه نافلة أو فريضة (١). ثم هذا غير منكر في الأصول، ألا ترى أنه لو طاف ينوي تطوعًا وعليه فرض من الطواف فإنه ينوب عنه، ولم يدل على أن الطواف في الحج لا يحتاج إلى نية، والتيمم إنما لم يصح أن ينوي به صلاة نافلة ويصلي به فريضة؛ لأنه لا يرفع الحدث، ولا يصلي به إلا صلاة واحدة فريضة (٢)، وليس كذلك الوضوء. وفرق آخر: وهو أنه لو توضأ ثم رأى الماء لم ينتقض وضوؤه، ولو تيمم ثم رأى الماء لانتقض تيممه (٣). فإن قيل: وجدنا العبادة فرضت على الرجل في نفسه، فلما اتفقنا على أنه لا يجب عليه أن يتولى ذلك بنفسه، بل يجوز أن يوضئه ويغسله غيره

стр. 446

كذلك لا يلزمه أن يقصده بقلبه كما لم يقصده بنفسه. قيل: هذه دعوى، وأيضًا فإن النية إذا حصلت من جهته وطابقت عمل غيره فيه فكأنه هو الذي عمل، وليس كذلك النية؛ لأن النية لا تقع فيها نيابة إلا في مواضع مخصوصة، وهي إذا منع الزكاة فأخذها الإمام، أو أخرجت عن الصغير أو المجنون. فإن قاسوا ذلك عليه إذا توضأ ونوى؛ بعلة أنه غسل الأعضاء بماء طاهر. قيل: هذا ينتقض إذا كان مجنونًا، على أن العلة في ذلك أنه نوى مع الغسل. على أننا قد ذكرنا أصولًا أخر وقسنا عليها، وذكرنا من الترجيحات ما ينبغي أن يرجح به قياسنا، وبالله التوفيق. وقد روي أن علي بن أبي طالب ﵁ سئل عن رجل اغتسل من جنابة ولم ينو؟ فقال: "يعيد الغسل"، ولا يعرف له مخالف، فصار كالإجماع. فإن قاسوا ذلك على ستر العورة. قيل: ستر العورة ليس مما تختص به الصلاة (١)؛ لأنه مأخوذ عليه في غيرها (٢)، كالإيمان، وليس عليه أن ينوي الإيمان مع دخوله في الصلاة كستر العورة، والله أعلم.

стр. 447

مَسْألة في المضمضة والاستنشاق (٤): للناس في ذلك أقاويل: فعند مالك ﵀ أنهما سنتان في الوضوء والجنابة جميعًا (١). وهو قول الحسن بن أبي الحسن البصري، والزهري، وربيعة، والليث بن سعد، والأوزاعي، والشافعي (٢). وذهب إسحاق وابن أبي ليلى إلى أنهما واجبان في الطهارتين جميعًا: الوضوء، وغسل الجنابة (٣). وذهب أحمد بن حنبل (٤)، وأبو ثور إلى أن الاستنشاق واجب فيهما، والمضمضة غير واجبة فيهما (٥). وذهب سفيان الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه (٦) إلى أنهما واجبان في غسل الجنابة، وغير واجبين في الوضوء من الحدث (٧).

стр. 448

فهذه أربعة مذاهب. والدليل لقولنا إنهما سنتان في الوضوء والجنابة استصحاب الحال (١)، وأن الوجوب يحتاج إلى شرع. وأيضًا قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٢) الآية. وحقيقة الوجه ما واجه الناظر (٣)، وداخل الفم والأنف لا يواجه به. فإن قيل: يقع عليه اسم وجه، بدلالة أنه لو حصل الماء في فمه لما أفطر به، ولو كان فيه نجاسة لوجب غسله كالوجه. قيل: كلامنا في اسم، وقد سلم. على أن هذا لو كان صحيحًا لوجب غسل داخل العينين؛ لأنهما لو حصل فيهما نجاسة لوجب غسلهما، ولا يفطر بحصول ما يقع فيهما من الماء. فإن قيل: فإنا لا نوجب غسل العينين من النجاسة؛ لأنهما جسم صقيل (٤) لا يقبل النجاسة (٥). وعلى أن من اعتبر قدر الدرهم من أصحاب أبي حنيفة لا يلزمه هذا؛ لأن العين تكون مقدار الدرهم وأقل (٦).

стр. 449

قيل: أما قولكم: "إنها لا تقبل النجاسة" فهذا خلاف المشاهدة، فلو جاز أن يقال: إنها جسم صقيل لا ينجس جاز أن يقال: إن الزجاج والصُّفْر (١)، والعاج (٢)، وما أشبهه من الأواني لا ينجس، وكذلك السيف؛ لأنه صقيل. فإن قيل: فإن الدموع تغسله. قيل: لا تصح إزالة ذلك إلا بالماء المطلق. على أننا نقول: أليس قد نجست وغسلتها الدموع، ولم يدل على أنها تغسل مع الوجه، وهذا أيضًا يوجب سقوط سؤالهم؛ لأن الفم يجري فيه الريق أكثر من الدموع. وما يقوله أصحاب أبي حنيفة من أن العين مقدار الدرهم، فقد يكون من العيون ما هو أكبر من الدرهم. وعلى أنه لو أصاب خدَّه شيء من النجاسة، واتصل بعينه، حتى يصير بنجاسة عينه أكثر من الدرهم لوجب غسله، وجعلنا لنجاسة الغير حكمًا، ومع ذلك فلم يدل على أنها في حكم المغسول. دليل: قول النبي ﷺ : "وإنما لامرئ ما نوى" (٣). وهذا الذي توضأ ولم يتمضمض ويستنشق قد نوى الطهارة، فله ما نواه.

стр. 450

دليل: قوله ﷺ للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك ويديك" (١). ولم يذكر له مضمضة، وهو موضع تعليم (٢). وكذلك في الحديث الآخر، وهو قوله: "لن تجزئ عبدًا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه" (٣). فإن قيل: فنحن نقول: إن الذي أمره الله به [وضوء] (٤) بمضمضة واستنشاق، وقوله: "واغسل وجهك" (٥) قد دخلت فيه المضمضة. قيل: قد مضى الكلام في الوجه إذا أطلق، وقوله: "كما أمرك الله" (٦)، فالإشارة وقعت على الآية، وفيها غسل الأربعة الأعضاء. دليل: قوله ﷺ لأبي ذر: "التراب كافيك، فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك" (٧).

стр. 451

فإن قيل: هذا لنا؛ لأن داخل الفم جلد. قيل: هذا غلط؛ لأن الجلد اسم لما ظهر، فأما داخل الفم فيسمى أَدَمة، ولِثة، ولهاة، والعين شَحمة. دليل: القياس على العين؛ لأنها لا يجب غسلها، العلة أنه عضو مستتر استتارًا دائمًا من نفس الخلقة المعتادة، فلم يجب غسله في الوضوء. دليل: رأينا العين بادية ظاهرة، وقلما يطبقها الإنسان، فهي أدخل فيما يواجه به، والفم والأنف ليسا كذلك في غالب أحوالهما، فإذا لم يجب غسل العين فداخل الفم والأنف أولى. فإن قيل: إن العين لها علة أخرى، وهي المشقة؛ لأنها عضو لطيف لو أدمن إدخال الماء فيها أتلفها، وليس كذلك الفم؛ لأن سلوك الماء فيه معتاد. قيل له: فداخل الأنف ليس كذلك، فينبغي أن لا توجب الاستنشاق. على أن هذا المقدار في وقت الطهارة لا يخشى منه على العين، ولعل كثيرًا من الناس يلتذون بدخول الماء فيها، ويستشفون به. دليل: وهو ما روي عن النبي ﷺ قال: "عشر من الفطرة، خمس في الرأس، وخمس في البدن" (١).

стр. 452

فذكر المضمضة والاستنشاق في الرأس، وجعلهما سنة؛ لأن الفطرة هي السنة، ولاسيما وقد جمع بينهما وبين السنة. دليل: اتفقنا أنهما غير واجبتين في المرة الثانية والثالثة، بعلة أنهما مضمضة من غير نجاسة. فإن قيل: فإن النبي ﷺ تمضمض واستنشق (١)، وأفعاله على الوجوب إلا أن تقوم دلالة (٢). قيل: قد عارضه قوله: "وإنما لامرئ ما نوى" (٣).

стр. 453

فينقل وجوبه إلى الاستحباب بهذه الدلالة. فإن قيل: فإنه ﷺ توضأ مرة واحدة، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (١). قيل: هذا حديث رواه ابن عمر ﵀، ولم يذكر فيه مضمضة ولا استنشاقًا، وإنما قال: "توضأ مرة مرة" (٢). وعلى أن إطلاق مرة مرة يتوجه على ما يقولون إلى غسل اليدين قبل إدخالهما للإناء، وإلى التيمن، وقد اتفقنا أن ذلك غير واجب، وقد سبق كلامنا على هذا الخبر في المسألة التي قبل هذه (٣). ويحتمل أن يكون ذلك مسنونًا بالدلائل التي تقدمت، وأن النبي ﷺ علم الأعرابي الوجوب، وقال في الحديث الآخر: "لن تجزئ عبدًا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه" (٤). وعلى أننا نقول: قصد به الإخبار عن العدد، ألا ترى أنه توضأ بعد ذلك مرتين وثلاثًا، كان يفعل هذا ويذكر عند فراغه منه حكم العدد (٥). وعلى [أن] (٦) الخبر الذي قيل فيه: "لن تجزئ عبدًا صلاته" أولى؛

стр. 454

لأنه بين فيه حكم الإجزاء. فإن قيل: فإن عثمان وعليًّا أريا الناس وضوء رسول الله ﷺ ، وفيه المضمضة والاستنشاق (١). قيل: إنما أرياهم الوضوء الكامل، ألا ترى أنهما ذكرا ثلاثًا ثلاثًا، وحكم الوجوب والإجزاء قد أخذناه من قصة الأعرابي وغيره. على أنه مخصوص بالقياس أيضًا. فإن قيل: فقد قال ﷺ : "تحت كل شعرة جنابة، فبُلّوا الشعر، وأنقوا البَشَرة" (٢).

стр. 455

قيل: إنما قصد بذلك ظاهر البشرة التي يباشر بها، وليس داخل الأنف والفم بشرة. قال القاضي: وأنا أتقصى الكلام مع أبي حنيفة. فإن قاسوا ذلك على الخد؛ لعلة أنه عضو من جملة الوضوء، لا يشق إيصال الماء إليه، قالوا: ولا ينتقض هذا بداخل العين، ولا بما تحت اللحية الكثيفة؛ لأن ذلك يشق. قيل: ليس ذلك مما يشق فهو منتقض. على أننا قد ذكرنا قياسًا آخر، فتقابلا، أعني قياسنا على العين.

стр. 456

ثم نرجح قياسنا فنقول: إذا كانت العينان أظهر من الفم كان بأن يسقط عن الفم أولى، ولما وجدنا ما يجب غسله له حالتان: حالة ظهور، وحالة انستار، وسقط غسله في حال الانستار كان الفم والأنف اللذان حالهما حالة واحدة في الانستار أولى بسقوط هذا الفرض منهما. فإن قيل: فقد قال ﷺ للقيط بن صبرة في الاستنشاق: "بالغ إلا أن تكون صائمًا" (١). وهذا أمر ظاهره الوجوب. قيل: هذا دليل لنا؛ لأنه لما أمره بالترك (٢) عند الصوم علمنا أنه مسنون. وعلى أن الظاهر لو كان معهم لجاز أن نخصه ببعض ما ذكرناه. على أنه قد أمره بالمبالغة، واتفقنا أنها ليست بواجبة. وعلى أنه قد روي: "من توضأ فليستنثر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" (٣).

стр. 457

فأما أصحاب أبي حنيفة فالدليل لنا عليهم استصحاب الحال، وذلك أننا لا نوجب شيئًا إلا بدلالة. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١). فما وقع عليه اسم طهارة فإنه يجزئه. فإن قيل: هذه إشارة إلى الجملة. قيل: لو غسل من نفسه أعضاء لقيل: فلان قد تطهر. وأيضًا قوله ﷺ : "وإنما لامرئ ما نوى" (٢). وهذا قد نوى غسل الجنابة فله ما نواه. وأيضًا قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بطهور" (٣). فظاهره يقتضي أنه متى حصل منه طهور ما فقد تطهر. وأيضًا ما رواه جبير بن مطعم أنهم تذاكروا عند رسول الله ﷺ الغسل من الجنابة، فقال ﷺ : "أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا، وأشار بيديه كلتيهما" (٤). فدل على أن هذا القدر يجزئ. فإن قيل: فقد روي المضمضة والاستنشاق في حديث آخر (٥).

стр. 458

قيل: نقول بهما، فيجوز هذا وهذا. وأيضًا قوله ﷺ لأبي ذر: "التراب كافيك، فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك" (١). وداخل الفم لا يسمى جلدًا، بل يسمى لِثَات (٢) وأدمة. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٣). فمن غسل يديه ولم يمضمض قالت العرب: قد اغتسل. وأيضًا القياس على داخل العينين، بعلة أنه عضو في الوجه دونه عضو ساتر من نفس الخلقة المعتادة. فإن قيل: ينتقض بما تحت الآباط. قيل: ليس ينطبق إلا بتكلف، على أننا قد قيدناه بالوجه. وأيضًا قد اتفقنا أنهما غير واجبين في الوضوء (٤)، بعلة أنه طهور وجب لأجل الحدث، أو لأنها طهارة تنتقض بالحدث. وأيضًا وجدنا العينين أشد ظهورًا من داخل الفم، ثم اتفقنا أنه لا يجب غسلهما، فداخل الفم أولى.

стр. 459

فإن قيل: هاهنا المشقة الغليظة في العين. قيل: الجنابة لا تتكرر كثيرًا، فلا تشق في الزمان الطويل. وأيضًا اتفقنا في المرة الثانية والثالثة أنها لا تجب (١)، بعلة أنها مضمضة مسنونة في الوضوء فلم تجب في الجنابة. فإن استدلوا باستصحاب الحال، وأنه على جملة الجنابة إلا أن تقوم دلالة على إسقاط حكمها عنه. قيل: نحن نختلف فيما وجب عليه، فاستصحاب الحال لنا. فإن قيل: فقد قال ﷺ : "تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر وأنقوا البَشَرة" (٢). قيل: هذا حديث رواه الحارث بن وجيه عن مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وقد طعن أبو داود على الحارث بن وجيه (٣)، وتكلم أصحاب الحديث فيه (٤). وجواب آخر: وهو أنه ينقلب عليه في شعر العين؛ لأنه قد ينبت فيها، ثم لا يجب إيصال الماء إليه. فإن قيل: النبي ﷺ تكلم على الغالب.

стр. 460

قيل: قد رضينا بهذا، فالغالب من الشعر غير شعر الأنف. وجواب آخر: وهو أن النبي ﷺ تكلم على الشعر الذي على البشرة، ألا تراه قال: "وأنقوا البشرة" (١)، فتقديره: البشرة التي تحت الشعر، وما تحت شعر الأنف لا يقال له بشرة. وهذا إذا قلنا على رواية ابن وهب: إنه يجب تخليل اللحية (٢). وإن قلنا: لا يجب قلنا: أراد الشعر المتفرق الذي على ظاهر البدن متفرقًا. وجواب آخر: وهو أن الظاهر لو أعطاهم ما يريدون لكان عمومًا يجوز أن يخص بالقياس الذي تقدم. فإن استدلوا بحديث عائشة ﵂ وأن النبي ﷺ كان يتوضأ وضوءه للصلاة، وأنه يتمضمض في وضوئه (٣). قيل: قد ثبت - عندنا وعندكم - أن الوضوء ليست المضمضة فيه واجبة، فإن المضمضة شرعت في الوضوء، فلما سقط فرض الوضوء في الجنابة سقطت توابعه. وإن استدلوا بحديث ميمونة قالت: "وضعت للنبي ﷺ غسلًا يغتسل به من الجنابة، إلى أن قالت: ثم تمضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم صب على رأسه وجسده" (٤).
следующие страницы →