← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ثم نرجح قياسنا فنقول: إذا كانت العينان أظهر من الفم كان بأن يسقط عن الفم أولى، ولما وجدنا ما يجب غسله له حالتان: حالة ظهور، وحالة انستار، وسقط غسله في حال الانستار كان الفم والأنف اللذان حالهما حالة واحدة في الانستار أولى بسقوط هذا الفرض منهما. فإن قيل: فقد قال ﷺ للقيط بن صبرة في الاستنشاق: "بالغ إلا أن تكون صائمًا" (١). وهذا أمر ظاهره الوجوب. قيل: هذا دليل لنا؛ لأنه لما أمره بالترك (٢) عند الصوم علمنا أنه مسنون. وعلى أن الظاهر لو كان معهم لجاز أن نخصه ببعض ما ذكرناه. على أنه قد أمره بالمبالغة، واتفقنا أنها ليست بواجبة. وعلى أنه قد روي: "من توضأ فليستنثر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" (٣).

стр. 457

فأما أصحاب أبي حنيفة فالدليل لنا عليهم استصحاب الحال، وذلك أننا لا نوجب شيئًا إلا بدلالة. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١). فما وقع عليه اسم طهارة فإنه يجزئه. فإن قيل: هذه إشارة إلى الجملة. قيل: لو غسل من نفسه أعضاء لقيل: فلان قد تطهر. وأيضًا قوله ﷺ : "وإنما لامرئ ما نوى" (٢). وهذا قد نوى غسل الجنابة فله ما نواه. وأيضًا قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بطهور" (٣). فظاهره يقتضي أنه متى حصل منه طهور ما فقد تطهر. وأيضًا ما رواه جبير بن مطعم أنهم تذاكروا عند رسول الله ﷺ الغسل من الجنابة، فقال ﷺ : "أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا، وأشار بيديه كلتيهما" (٤). فدل على أن هذا القدر يجزئ. فإن قيل: فقد روي المضمضة والاستنشاق في حديث آخر (٥).

стр. 458

قيل: نقول بهما، فيجوز هذا وهذا. وأيضًا قوله ﷺ لأبي ذر: "التراب كافيك، فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك" (١). وداخل الفم لا يسمى جلدًا، بل يسمى لِثَات (٢) وأدمة. وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٣). فمن غسل يديه ولم يمضمض قالت العرب: قد اغتسل. وأيضًا القياس على داخل العينين، بعلة أنه عضو في الوجه دونه عضو ساتر من نفس الخلقة المعتادة. فإن قيل: ينتقض بما تحت الآباط. قيل: ليس ينطبق إلا بتكلف، على أننا قد قيدناه بالوجه. وأيضًا قد اتفقنا أنهما غير واجبين في الوضوء (٤)، بعلة أنه طهور وجب لأجل الحدث، أو لأنها طهارة تنتقض بالحدث. وأيضًا وجدنا العينين أشد ظهورًا من داخل الفم، ثم اتفقنا أنه لا يجب غسلهما، فداخل الفم أولى.

стр. 459

فإن قيل: هاهنا المشقة الغليظة في العين. قيل: الجنابة لا تتكرر كثيرًا، فلا تشق في الزمان الطويل. وأيضًا اتفقنا في المرة الثانية والثالثة أنها لا تجب (١)، بعلة أنها مضمضة مسنونة في الوضوء فلم تجب في الجنابة. فإن استدلوا باستصحاب الحال، وأنه على جملة الجنابة إلا أن تقوم دلالة على إسقاط حكمها عنه. قيل: نحن نختلف فيما وجب عليه، فاستصحاب الحال لنا. فإن قيل: فقد قال ﷺ : "تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر وأنقوا البَشَرة" (٢). قيل: هذا حديث رواه الحارث بن وجيه عن مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وقد طعن أبو داود على الحارث بن وجيه (٣)، وتكلم أصحاب الحديث فيه (٤). وجواب آخر: وهو أنه ينقلب عليه في شعر العين؛ لأنه قد ينبت فيها، ثم لا يجب إيصال الماء إليه. فإن قيل: النبي ﷺ تكلم على الغالب.

стр. 460

قيل: قد رضينا بهذا، فالغالب من الشعر غير شعر الأنف. وجواب آخر: وهو أن النبي ﷺ تكلم على الشعر الذي على البشرة، ألا تراه قال: "وأنقوا البشرة" (١)، فتقديره: البشرة التي تحت الشعر، وما تحت شعر الأنف لا يقال له بشرة. وهذا إذا قلنا على رواية ابن وهب: إنه يجب تخليل اللحية (٢). وإن قلنا: لا يجب قلنا: أراد الشعر المتفرق الذي على ظاهر البدن متفرقًا. وجواب آخر: وهو أن الظاهر لو أعطاهم ما يريدون لكان عمومًا يجوز أن يخص بالقياس الذي تقدم. فإن استدلوا بحديث عائشة ﵂ وأن النبي ﷺ كان يتوضأ وضوءه للصلاة، وأنه يتمضمض في وضوئه (٣). قيل: قد ثبت - عندنا وعندكم - أن الوضوء ليست المضمضة فيه واجبة، فإن المضمضة شرعت في الوضوء، فلما سقط فرض الوضوء في الجنابة سقطت توابعه. وإن استدلوا بحديث ميمونة قالت: "وضعت للنبي ﷺ غسلًا يغتسل به من الجنابة، إلى أن قالت: ثم تمضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم صب على رأسه وجسده" (٤).

стр. 461

فقد تمضمض النبي ﷺ ، فإما أن نقول: أفعاله على الوجوب، أو نقول: خرج مخرج البيان، وهذا ذكره أبو داود (١). قيل: يحتمل أن يكون أراد ﷺ الكمال، بدليل ما ذكرناه من قوله: "أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت" (٢). فإن قيل: فمن مذهبكم قبول الزيادة. قيل: إذا كان ذلك في خبر واحد، فأما إذا كان في خبرين وأمكن الاستعمال فهو أولى، فنجيز المضمضة ونستحبها بهذا الخبر، ونجيز تركها بالخبر الآخر؛ لأنه قد تبين في خبرنا ما يجزئ مَن فعله بقوله: "لن تجزئ عبدًا صلاته حتى يسبغ الوضوء، فيغسل وجهه ويديه" (٣). ولو كان الظاهر معه لقابلناه بخبرنا، أو خصصناه بالقياس الذي تقدم. وإن استدلوا بما روى زاذان عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به كذا وكذا من النار" (٤). وهذا توعد لا يكون إلا على ترك الواجب. قال علي: "فمن ثَم عاديت رأسي، وكان يجز شعره (٥). وهو كما قال: "ويل للأعقاب من النار" (٦).

стр. 462

وهذا أيضًا ذكره أبو داود (١). قيل: هذا يقتضي أن يكون الغاسل يترك مما يجب غسله موضع شعرة، ولا يغسلها قاصدًا، وهكذا نقول: هذا متوعد، وهذا يدل على الشعر الذي على ظاهر البدن، ألا ترى أن عليًّا ﵁ قال: "عاديت رأسي" (٢)، ولم يقل: "داخل أنفي"، فكأنه أشار [إلى] (٣) الشعر المعهود. وجواب آخر: وهو أن هذا عموم ألا ترى أن شعر العين لم يتناوله هذا، فنخص العموم بما ذكرناه من القياس، أو نقابله بعموم مثله. وإن استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٤)، والطهارة تقتضي جميع البدن (٥). قيل: قد جعلنا هذا دليلًا لنا؛ لأنه إذا غسل ظاهر البدن قيل: قد تطهر واغتسل، فلو كان عمومًا لخصصناه ببعض ما ذكرناه. فإن قيل: الآية مجملة بينها النبي ﷺ بفعله، فمضمض واستنشق واغتسل (٦). قيل: ليست مجملة؛ لأن أهل اللغة يفهمون الظاهر منها.

стр. 463

ثم نقول: قد رضينا بهذا، أليس قد بين [النبي ﷺ ] (١) بقوله: "أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء، فإذا أنا قد طهرت" (٢). فقد بين الواجب في خبرنا هذا، أو المسنون في خبركم. وعلى أن هذا يلزم في الوضوء؛ لأنه ﵇ بينه، وتمضمض فيه واستنشق، ولم يدل على فرضهما في الوضوء. فإن قيل: الوضوء كان بيّنًا، ولم تكن المضمضة بيانًا. قيل: هذا غلط؛ لأنه لو كان بيّنًا لما اختلف الناس في الوضوء: هل المضمضة واجبة أو لا؟ فإذا لم يكن بيانًا في الوضوء لم يكن بيانًا في غسل الجنابة. وإن استدلوا بحديث بركة بن محمد الحلبي، عن يوسف بن أسباط، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ جعل المضمضة والاستنشاق ثلاثًا للجنب فريضة، وأسمعهم قد زادوا فيه: المضمضة والاستنشاق فريضتان في الجنابة، سنتان في الوضوء" (٣).

стр. 464

قيل: هذا حديث ضعيف، تفرد بروايته بركة بن محمد الحلبي، وقيل عنه: إنه يزيد ألفاظًا، ولا يضبط نفسه (١). وجواب آخر: لو سلمناه لكان ظاهره من لفظ أبي هريرة؛ لأنه قال: "جعل رسول الله ﷺ "، ولم يحك لنا لفظ النبي ﷺ ، وقد يجوز أن يكون خاطب رجلًا سأله كيف أغتسل من الجنابة في الاختيار؟. فقال له: تمضمض ثلاثًا، فقال أبو هريرة: جعل النبي ﷺ المضمضة للجنب ثلاثًا. وهذا قد ألزمهم الناس إياه، ولكن عندي فيه شيء؛ لأن مذهبنا أن الراوي إذا قال: جعل النبي ﷺ كذا، ونهى عن كذا، فكأنه قال: جعلت ونهيت (٢). ولكن نقول: حقيقة الفريضة التقدير (٣)، فكأن النبي ﷺ قدر للجنب ثلاثًا (٤). فإن قيل: فأي شيء الفائدة في هذا، وقد علمنا أن الوضوء والجنابة في الثلاث بمنزلة [واحدة] (٥). قيل: قد كان يجوز أن يقع في أوهامنا أن للجنابة مزية على الوضوء في

стр. 465

باب العدد؛ لأنه قد غسل فيها ما كان مسح فيه، وما لم يكن يغسل ولا يمسح، فقدر ﷺ للجنب ثلاثًا. وجواب آخر: وهو أنه يجوز أن يكون ﷺ أراد تأكيدًا من الجنابة، وأن المضمضة فيها آكد منها في الوضوء، وقد يعبر عن السنن المؤكدات بالفرض والواجب، ألا ترى أنه ﷺ قال "غسل الجمعة واجب" (١)، فدل على أنه أراد التأكيد (٢)، ألا ترى أنهم رووا أنه قال: "هما سنتان في الوضوء" (٣)، ولم يذكر العدد. وجواب آخر: وهو أنه ذكر في الخبر العدد الثلاث، واتفقنا أن الثلاث لا تجب، وليست بفريضة، فإذا جاز لهم أن يعدلوا عن ظاهر الوجوب في الثلاث بدلالة جاز لنا أن نعدل عن ظاهر الوجوب بدلالة، فنقول: قد عارضه قوله ﷺ : "أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت" (٤)، أو نخصه بالقياس الذي تقدم. وإن استدلوا بقوله لأبي ذر: "إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك" (٥)، وأن داخل الفم جلد، وأن ثعلبًا حكى ذلك (٦). قيل: قد حكينا عن غيره أنه يسمى لِثات وأدمة، وأنهم سموا البشَرة لما يباشر به.

стр. 466

ولو كان الظاهر معهم لقابلناه ببعض ما تقدم من الأخبار، أو نخصه بالقياس. فإن قيل: لما نقل مسح الرأس في الوضوء إلى الغسل من الجنابة وجب أن ننقل المضمضة من سنة إلى فرض. قيل: هذه دعوى، لِمَ وجب ذلك؟ على أن هذا منتقض؛ لأنا نجد التثليث مسنونًا في الوضوء، وكذلك الترتيب (١)، وغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، والتيمن، فهل دل ذلك على أنه واجب في الجنابة؟! وعلى أن مسح الرأس عضو وجبت فيه عبادة في الوضوء. فإن قيل: اتفقنا على أن الجنب ممنوع من قراءة القرآن بلسانه ما دام جنبًا (٢)، فوجب أن يمنع من القراءة حتى يغسل لسانه. قيل: لم وجب ذلك؟ وهذا حديث النفس والتشهي. ومع هذا فيجوز - عندنا - أن يقرأ الآيات اليسيرة، ويقرأ القرآن كله إذا تيمم عند عدم الماء (٣). ويفسد أيضًا بالوضوء؛ لأنه قد منع أن يصلي بجميع بدنه، فيجب أن

стр. 467

لا يصلي حتى يغسل جميع بدنه. وأيضًا فإن مخارج الحروف تختلف، فبعضها حلقية (١)، وبعضها لهوية (٢)، وبعضها شفوية (٣)، فلما لم يجب غسل أقصى الحلق الذي هو مخرج [بعض حروف] (٤) الحلق لم يجب غسل الباقي. فإن قيل: الأعضاء التي تستعمل في الصلاة قد غسلت. قيل: الركبتان تستعملان في الصلاة ولا تغسلان. وجواب آخر: وهو أننا منعناه من القراءة لأنه جنب، فإذا اغتسل زالت جنابته، فجاز له أن يقرأ. فإن قلتم: لا نسميه مغتسلًا رفع الجنابة. قيل: قد صار الكلام في جنبة أخرى (٥). وجواب آخر: وهو أن هذا لو كان صحيحًا [لوجب] (٦) إذا غسل فمه ولسانه جاز له أن يقرأ وإن لم يغسل سائر جسده، فلما لم يجز ذلك بطل السؤال. ثم إنه يفسد أيضًا بالتيمم على ما ذكرناه.

стр. 468

وأيضًا فإن القراءة لا تقع ببعض اللسان دون بعض، وقد اتفقنا على أنه لا يجب غسل أصل لسانه، وكذلك باقيه. فإن قاسوا ذلك على الخد بعلة أنه موضع يلحقه حكم التطهير من النجاسة، فيجب غسله من الجنابة من غير مشقة، وهكذا القياس على الأصوات. قيل: هذا منتقض بداخل العين. وعلى أننا قد ذكرنا قياسًا آخر على الوضوء بعلة أنها طهارة وجبت عن حدث، أو تنتقض بالحدث، والقياس على العين. فإن قيل: قياسنا أولى؛ لأنه يوجب شرعًا، ويحتاط به. قيل: وقياسنا يوجب شرعًا وينقل، وهو أنه إذا اغتسل ولم يتمضمض وصلى فقد سقط الفرض عن ذمته، وهذا شرع وزيادة حكم (١). والاحتياط الذي ذكروه فلا ينبغي أن يثبت بالمحتمل، والأصل براءة الذمة. ويجوز أن نقول: إن كل عضو لا يجب إيصال الماء إليه في غسل الميت لم يجب [في الجنابة كداخل العين. وأيضًا كل جزء من الوجه باطن لا يجب مسح التراب عليه في التيمم لا يجب] (٢) غسله في الجنابة كالعين. وأيضًا فقد روي عن أم سلمة أنها قالت: "قلت يا رسول الله: إني امرأة

стр. 469

أشد ضفر رأسي، أفأنقضه في الغسل من الجنابة؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، وتفيضي الماء عليك، فإذا أنت قد طهرت" (١). وفيه دليلان: أحدهما: أنه ﵇ أخبر أن الاكتفاء يقع به من غير مضمضة واستنشاق، فمن قال: لا تقع الكفاية والإجزاء بذلك فقد خالف الظاهر. والثاني: قوله: "فإذا أنت قد طهرت"، أي فعلت الطهارة التي أمر الله بها الجنب في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٢). مَسْألة (٥): عند مالك ﵀ أن مسح جميع الرأس واجب في الوضوء (٣). وقال محمد بن مسلمة: إن اقتصر على الثلثين وترك الثلث أجزأه (٤).

стр. 470

قال القاضي: ووجدت لأشهب أنه إن اقتصر على ثلث الرأس أجزأه، وهو أن يمسح مقدمه (١). والصحيح قول مالك ﵀. وعن أبي حنيفة روايتان: إحداهما: أنه إذا مسح ناصيته أجزأه، وهي ما بين النَّزَعتين (٢)، وذلك أقل من ربع الرأس (٣). والرواية الأخرى وهي المشهورة ومذهب أبي يوسف: أنه لا بد من مسح

стр. 471

ربع الرأس بثلاث أصابع، وإن مسح بثلاث أصابع دون ربع الرأس لم يجزئه، وإن مسح بأصبعين ربع الرأس، أو الرأس كله لم يجزئه، فحد الممسوح والممسوح به (١). وقال زفر: الفرض منه الربع (٢)، سواء مسحه بثلاث أصابع أو بدونها، فحد الممسوح دون ما يمسح به. وقال الشافعي: يجزئه ما يقع عليه الاسم (٣)، وسواء مسح بيده، أو بخشبة، أو وقف تحت ميزاب حتى قطر على رأسه الماء (٤). وبه قال الأوزاعي، والنخعي، وسفيان الثوري (٥).

стр. 472

والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. فألصق المسح بالرأس، فوجب استيفاء المسح فيه؛ لأنه ليس بعضه أولى بالمسح من بعض، وهذا كالعموم الذي ينبغي أن يستوفى عمومه إلا أن تقوم دلالة. والدلالة على أنه يصلح للعموم حسن دخول الاستثناء فيه مع دخول الباء؛ لأنه لو قال تعالى: "وامسحوا برؤوسكم إلا موضع كذا منه فلا تمسحوه" لم يمتنع ذلك. وهذا يسقط قول من يقول: إن دخول الباء ههنا للتبعيض (٢)؛ لأنها لو

стр. 473

كانت كذلك لم يحسن دخول الاستثناء فيه، ولأنه كان يكون تقديره: وامسحوا ببعضه إلا بعضه، فيكون الممسوح مجهولًا، والاستثناء منه مجهولًا. فإن قيل: فقد قيل: إن الباء تدخل للتبعيض، فلو قال: امسحوا ببعض رؤوسكم إلا اليسير من ذلك البعض لصح. قيل: أما قولكم: "إن الباء ههنا للتبعيض" فخطأ؛ لأنه لم يقل أحد من أهل النحو: إن موضوعها للتبعيض (١)، وإنما قال بعضهم: هي للإلصاق (٢) والتعدية، كقولهم: كتبت بالقلم، فألصقت الكتابة بالقلم وعديتها إليه. وقال بعضهم (٣): هي للامتزاج، والاختلاط، والامتزاج قولهم: مزجت الماء باللبن، والاختلاط كقولهم: خلطت الدراهم بالدنانير. وأما أن يكون موضوعها للتبعيض فليس كذلك، وإن دخلت لذلك في موضع فبدلالة.

стр. 474

ثم لو قال: "بعض رؤوسكم إلا اليسير منه" لكان إطلاق البعض عمومًا فيه؛ لأنه ذو أجزاء، وليس بعضه بأولى من بعض، فكذلك لما أضاف المسح إلى الرأس - وهو ذو أبعاض وأجزاء - لم يكن بعضه أولى بالمسح من بعض، ثم لو قال: إلا الهامة (١)، أو النُّقْرة (٢)، أو جمعهما في الاستثناء لصح، فدل ذلك على أنه ينبغي أن يستوفي حكم العموم فيه، كما لو نص على البعض لوجبت هذه البعضية فيه. فإن قيل: فإن دخول الحرف الزائد فيه لا بد له من فائدة، وإلا كان دخوله وخروجه بمنزلة واحدة، ونحن إذا جعلنا الباء للتبعيض جعلنا لها فائدة، وأنتم تجعلون دخولها لسقوطها (٣). قيل له: لعمري (٤) إن استعمالها على فائدة أولى، وإن كانت تدخل في

стр. 475

مواضع زوائد كقولهم: دخلت البيت، وإلى البيت، وشكرتك وشكرت لك، ونصحتك ونصحت لك، غير أننا نجعل لها فائدة صحيحة، وهي التأكيد (١)، ومعنى التأكيد: أنه قد كان يجوز أن يظن ظان أن المسح لما كان أخف من الغسل أنه يجوز الاقتصار في مسحه على البعض، فقيل: وإن كان المسح أخف من الغسل فلا بد من استيفاء المسح في جميعه، كما قال تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٢)، وهذه فائدة صحيحة، ولا ينبغي أن تقترح علينا كل فائدة (٣). فإن قيل: فإن الله تعالى لما قال: ﴿وَامْسَحُوا﴾ كان هذا عمومًا في المسح، فأي مسح أوقعه جاز، قليلًا كان أو كثيرًا. قيل: لو تجرد ذكر المسح من غير أن يلصق بشيء لكان كما تقولون، فأما إذا ألصقه بشيء وجب أن يستوفي المسح في ذلك الشيء إلا أن تقوم دلالة، كما [لو] (٤) قال: اشتر حاجة بدرهم، أو اخدمني بدرهم لوجب أن يستوفي الدرهم، وإن كان لو تجرد قوله: اخدمني لوقعت الخدمة على القليل

стр. 476

والكثير، فإذا قال: بدرهم وجب أن يستوفي الخدمة بدرهم لا ببعضه. فإن قيل: فقد تقول العرب: مسحت يدي بالمنديل، وبرأس اليتيم، ويريدون بعضه. قيل: هذا يعلم بدلالة، ولو لزم هذا للزم في العموم أن لا يكون حقيقة لاستيفاء الجنس؛ لأنه قد يطلق في موضع ويراد به البعض، كقولهم: غسلت ثيابي، وانحدر التجار إلى دار الخليفة، فيعلم أن تجار الصين وخراسان خارجون من ذلك، وأنه لم يرد غسل كل ثيابه حتى لا يبقى بخرقة على سوءته، وإنما يعلم هذا بدلالة اقترنت إليه، وكذلك ما نحن فيه. دليل: وهو أن [الصلاة] (١) عليه بيقين، فمن زعم أنه إذا مسح ببعض رأسه من غير عذر وصلى فقد سقط عنه حكم الصلاة فعليه الدليل. فإن قيل: نعارض بمثل هذا فنقول: الأصل براءة الذمة، [ولا نوجب عليه مسح جميع رأسه إلا بدليل. قيل له: الطهارة تراد للصلاة، والأصل براءة الذمة] (٢) من الطهارة، وقد اتفقنا على أن الصلاة واجبة بيقين، ولا تجوز بغير طهارة، فمن زعم أن الذي وجب عليه مسح بعض رأسه، وأن هذا القدر يسقط عنه حكم الصلاة التي هي عليه بيقين فعليه الدليل. دليل: وهو أن النبي ﷺ توضأ ومسح بجميع رأسه (٣)، وأفعاله على

стр. 477

الوجوب - عندنا - (١) حتى تقوم الدلالة. وأيضًا فقد قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (٢). فظاهره أن الصلاة لا تقبل على غير هذه الصفة إلا أن تقوم دلالة. فإن قيل: إن سلمنا لكم أن أفعاله على الوجوب فقد فعل ﵇ ضد ذلك، وهو أنه مسح بناصيته، وفي بعض الأخبار: "ببعض رأسه" (٣)، فقد حصل منه الفعلان جميعًا، فليس لكم أن تحملوا مسحه بجميع الرأس على الوجوب إلا ولنا أن نحمل مسحه ببعضه على الوجوب، وتحصل المعارضة، فنستعملها جميعًا، ونقول: مسحه البعض أتى بالواجب، ومسحه الجميع أتى بالمستحب. وقوله: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (٤) يتناول خبرنا، كما يتناول خبركم. قيل: أما ما روي أنه مسح بناصيته (٥) فالناصية اسم مشترك، يحتمل أن

стр. 478

يراد بها البعض، ويحتمل أن يراد بها الكل، كقولهم: فلان ناصيته مباركة. وقال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ (١). قيل: الرؤوس والأقدام (٢)، فإذا كان من الأسماء المشتركة لم يجز الحجاج به، وصار بمنزلة عين ولسان، تقع على عين الإنسان، وعين الميزان، وعين الركبة، ويقع اللسان على لسان بني آدم وعلى لسان الميزان، ولسان النار. وأما ما قيل: إنه مسح ببعض رأسه (٣) فيحتمل أن يكون ذلك بعذر أو تجديد وضوء، فإذا احتمل ذلك، وهو لفظ فعل يقتضي فعل مرة، ولا يجوز فيها ادعاء العموم (٤)، ويحتمل ما تقولون فلم يكن أحد الاحتمالين أولى من الآخر، فإما أن يسقطا، أو نستعمله على ما نقول. فإن قلتم في خبرنا مثل هذا واستعملتموه قلنا لكم: استعماله أولى؛ لأنه يسقط حكم الصلاة التي هي عليه بيقين مثله، لا بمحتمل. وهذا إذا صح حديث الناصية، أو سلمناه تسليم نظر؛ لأن الحديث غير

стр. 479

صحيح عند أهل النقل؛ لأن الذي رواه معقل بن مسلم (١) عن أنس (٢). وحديث المغيرة بن شعبة صحيح مرسل عن المغيرة (٣). وعلى أنه لو صح لكانت فيه حجة لنا؛ لأن النبي ﷺ لما لم يقتصر على مسح الناصية حتى قرن إلى ذلك مسحه على العمامة علم أنه لا يجوز الاقتصار على الناصية، ويصرف مسحها على العمامة إلى العذر. وأيضًا فإنه إذا كانت الصحابة بأجمعها أو أكثرها ينقلون وضوء رسول الله ﷺ فعلًا ورواية، وأنه مسح جميع رأسه، ثم شذت رواية بأنه مسح بناصيته، أو ببعض رأسه، وحكيت منه فعلة وقعت منه في بعض الأوقات كان حملها على ما ذكرناه من العذر أو التجديد أولى (٤)؛ لأنه لو أراد أن يعلم

стр. 480

الواجب لكان يبين، كما قال لما توضأ مرة مرة: "هذا وظيفة الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به" (١)، ثم أعلمنا في المرتين والثلاث أنهما استحباب وفضل. دليل من القياس: اتفقنا على أن مسح [جميع الوجه في التيمم واجب فكذلك مسح] (٢) الرأس، والمعنى في ذلك: أنه عضو تعبدنا بمباشرته في نفسه بالمسح، فيجب أن يستوفى. فإن قيل: ينتقض بسقوط اليسير من الرأس من حيث لا نقصده. قيل: الوجه والرأس في ذلك بمنزلة واحدة؛ لأنه معلوم أن تتبع كل شعرة في الرأس لا يمكن، وتتبع كل جزء من الوجه في التيمم لا يمكن، لأننا نعلم أن محاجر العين، والأجفان، وأجزاء يسيرة تسقط، وخاصة التراب - عندكم - (٣) يعلم أنه لا يصيب أجفان العين ولا هُدْبها (٤)، ولو كلفوا ذلك لشق المشقة التي لا تخفى (٥). فإن قيل: مسح الوجه في التيمم بدل منه في الغسل، وليس الرأس بدلًا لشيء. قيل: أليس كان الأصل غسل الوجه، ثم وقع البدل بما يخالفه من

стр. 481

المسح؟ فاجعلوه كالمسح على الخفين الذي كان الأصل فيه غسل القدمين، ثم نقل إلى المسح الذي يخالفه، فإذا لم يجب استيفاء مسح الخفين لم يجب استيفاء مسح الوجه، فلما لم تقتصروا على مسح بعض الوجه كما اقتصرتم على مسح بعض الخفين علمنا أن العلة لم تكن في مسح الوجه في التيمم أنه بدل من الغسل، بل إنما هو عزيمة، وحكم مستأنف عند عدم الماء (١). فإن قاسوا مسح الرأس على مسح الخفين؛ بعلة أنه مسح بالماء لا لمرض احترازًا من الجبيرة. قيل: لا ينجيكم هذا من النقض (٢)؛ لأن الإنسان لو كان على يده سلخ، أو احتراق نار لا يضره مسح الماء عليه، ويضره صبه عليه لوجب أن يستوفي مسحه عليه بالماء، فقد انتقضت العلة (٣). ثم مع هذا فالعلة في الخف أنها رخصة، ومسح الرأس عزيمة، فكان رده إلى مسح الوجه في التيمم أولى؛ لأنه عزيمة مثله. دليل من القياس: اتفقنا [على وجوب الاستيفاء] (٤) في غسل الرجلين، والعلة في ذلك: أنه عضو تعبدنا بمباشرته بالماء، يسقط حكمه في التيمم،

стр. 482

فكذلك في الرأس، فيجب استيفاؤه. فإن رجحوا قياسهم على الخف بأنهم ردوا مسحًا بالماء إلى مسح بالماء رجحنا نحن بأنه عضو مباشر بالمسح، فرده إلى الوجه المباشر في التيمم بالمسح أولى، ورد عزيمة إلى عزيمة أولى. فإن زادوا في الكلام في الباء وأنها للتبعيض بأن يقولوا: إن الباء في كلام العرب تدخل بمعنيين، تارة للإلصاق، وتارة للتبعيض، فالفعل إذا لم يتعد إلى مفعوله إلا بحرف الباء كانت الباء للإلصاق، كقولهم: مررت بزيد، لما لم يجز أن يقال: مررت زيدًا كان دخول الباء لإلصاق الفعل بالمفعول. وإذا تعدى الفعل للمفعول من غير حرف الباء كان دخول الباء للتبعيض، فلما تعدى هاهنا من غير دخول الباء؛ لأنه لو قال: "وامسحوا رؤوسكم" صح علم أن الباء دخلت للتبعيض، وحمله على الإلصاق حمل على ما لا يفيد. قيل: هذا الذي ذكرتموه دعوى على العرب، وقد حكينا عنهم ما قالوه في موضوعها، فلو وردت في موضع للتبعيض خرجت عن موضوعها بدلالة، ولو أكد بقوله تعالى: "وامسحوا برؤوسكم كلها" لصح، ولو استثنى بقوله: "إلا الهامة" لصح، فإذا صح دخول الاستثناء والتأكيد فيه مع دخول الباء، كما حسن معه سقوطها علم أنها لم تدخل للتبعيض، [وإذا حسن التأكيد والاستثناء مع دخولها كما يحسن مع سقوطها علم أنها لم تدخل للتبعيض] (١)، وهذا مما يدل على أن وجوبها كسقوطها، مثل قوله: دخلت البيت وإلى البيت، وكقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).

стр. 483

على أننا قد جعلنا لدخولها فائدة، وهي التأكيد (١)، على ما تقدم ذكره. وقد ذكر بعض أصحابنا أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ أي امسحوا بأيديكم رؤوسكم، ثم حذف ذكر الأيدي، وأقيم الرؤوس مقامها، فينبغي أن تكون الباء للإلصاق على ما ذكره المخالف؛ لأن الفعل هاهنا لا يتعدى إلا بها. على أن ما ذكره باطل بقوله تعالى في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ (٢)، فلم تدخل الباء للتبعيض (٣)، وإن صح أن تقول: فامسحوا وجوهكم، فسقط ما ذكروه، وبالله التوفيق.

стр. 484

مَسْألة (٦): عند مالك ﵀ أن المسح على الرأس لا يجوز في الطهارة إلا بمباشرة، وإن مسح على العمامة دونه لغير عذر لم يجزئه (١). وكذلك عند أبي حنيفة والشافعي (٢). وحكي عن الثوري (٣) وأحمد بن حنبل وغيرهما (٤) أنه يجوز المسح على العمامة دون الرأس، لعذر وغير عذر (٥). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ كما قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٦). فأمر بمسح الرأس، كما أمر بغسل الوجه، فمن مسح على العمامة لم يمسح على الرأس حقيقة. فإن قيل: فإنه رأس وإن كانت عليه العمامة. قيل: هو رأس حقيقة، ولكن المسح لم يقع عليه، وإنما وقع على العمامة

стр. 485

التي هي غير الرأس. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، فجوزتم المسح على الخفين، وليسا برجلين. قيل: صدقتم، إذا مسحنا على الخفين فلم نمسح على الرجلين، كما أن المسح على العمامة ليس مسحًا على الرأس، ولكننا جوزنا المسح على الخفين بدلالة، ولا دلالة في العمامة (١). فإن قيل: فقد روي عن النبي ﷺ أنه مسح على عمامته. قيل: هذا حديث رواه [أبو قيس] (٢)، عن هزيل، عن المغيرة بن شعبة (٣).

стр. 486

ورواه مطرف عن ابن المغيرة عن المغيرة (١). وهو حديث مضطرب اضطرابًا شديدًا، ليس بمعتمد عليه، وقد قيل فيه:

стр. 487

"مسح بناصيته وعلى عمامته" (١). وإن صح فلفظه لفظ فعل، وهو لفعلة واحدة، لا يجوز أن تقع على وجهين مختلفين في حال واحدة، ولا يدعى فيها العموم (٢). ويجوز أن يكون ذلك لعذر منعه من كشف رأسه، أو يكون مجددًا لوضوئه، فإذا احتمل هذا واحتمل ما تقولون لم يكن صرفه إلى ما تذكرونه أولى من صرفه إلى ما نقوله، فتعارضا، ونرجع إلى ظاهر الآية. فإن قيل: لو كان له عذر منع من كشف رأسه لنقل إلينا، والتجديد أيضًا إنما يكون مثل المجدَّد لا ناقصًا عنه، ألا ترى أن الإنسان إذا جدد ثوبه أتى بمثل ما كان له أولا. قيل: أما قولكم: "إنه لو كان هناك عذر لنقل" فليس كل عذر ينقل، ولكن إذا كان هناك دليل أن مسح العمامة لا يجوز، وورد أنها مسحت مرة واحدة حمل على ذلك (٣). على أنه قد نقل، وهو ما رواه ثوبان قال: "بعث رسول الله ﷺ سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا عليه أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين" (٤).

стр. 488

والعصائب: العمائم، والتساخين: الخفاف. فعلمنا أنه أمرهم بذلك لعذر، وهو البرد الذي وجدوه، فلو كان المسح لغير ذلك جائزًا لم يكن في ذلك فائدة؛ لأنه يكون قد أمرهم بشيء علموا أنه جائز في غير البرد، فلما أمرهم به عند هذا العذر علم أن هذا العذر هو السبب في جواز ذلك (١). وعلى أن عمائم العرب كانت صغارًا تسمى العصائب، فهي خفاف (٢)، لعل المسح بالماء يصل منها إلى الرأس فيصير ممسوحًا بالماء (٣).

стр. 489

وأما ما ذكروه من التجديد والمثل الذي ضربوه له بأن فلانًا جدد ثوبه إذا لبس ثوبًا جديدًا مستأنفًا فقد يجوز أن يكون مثل الأول، أو دونه، أو فوقه؛ لأن الأول قد يكون صفيقًا، والثاني خفيفًا وإن كان جديدًا، فهذا تجديد الوضوء يكون دون الأول؛ لأنه لو لم يفعله لما احتاج إليه، ونحن نعلم أن الإنسان إذا توضأ فغسل وجهه مرة، ثم أعاد الثانية أنها دون الأولى لا محالة، وأنه ربما تساهل فيها؛ لأنه لو لم يفعلها لأجزأته الأولى. فإن قيل: فإذا كنتم تستعملون الأخبار كلها مع الإمكان، وتجعلون لكل خبر فائدة فقد روي أنه ﷺ مسح بجميع رأسه (١)، وروي أنه مسح بناصيته (٢)، وروي: مسح بناصيته وعمامته، وروي: مسح على عمامته (٣)، فقولوا كما نقول: إن ذلك كله جائز. قيل: الصحيح من الأخبار: "مسح بجميع رأسه"، والباقية ضعاف (٤)، وإنما نستعملها إذا تساوت في الصحة (٥). على أننا قد استعملنا، وقلنا: إذا جاءت هذه الأخبار بفعل وقع شاذًّا (٦) في بعض الأوقات حملناها على ما تقدم ذكره من العذر أو التجديد، ولولاها

стр. 490

لأوجبنا على من فعل ذلك مع العذر الإعادة، فهذا ضرب من الاستعمال، وقد كان يجوز أن يكلف مع العذر الإعادة، فاستفدنا بها الجواز وسقوط القضاء، ألا ترى أن الناس قد اختلفوا في المسح على الجبائر (١) فجوزناه عند العذر للخبر الذي ورد فيه (٢). دليل آخر: وهو استصحاب الحال، وذلك أن الصلاة عليه بيقين، وكذلك الطهارة، فمن زعم أنه إذا مسح على العمامة وصلى فقد سقط عنه حكم الطهارة والصلاة فعليه الدليل. فإن قيل: نحن نقول: إنه ما تعلق حكم الطهارة إلا على جواز المسح عليها. قيل: قد ذكرنا أن الحكم تعلق عليه بالآية، فإذا تنازعنا ذلك لم يسقط اليقين بهذا المحتمل. دليل من القياس: اتفقنا على أن البرقع (٣) .....................

стр. 491

والقفازين (١) لا يجوز المسح عليهما من غير علة (٢)، والمعنى في ذلك: أنه ماسح على حائل دون العضو المأمور بغسله، والممسوح ليس بخف. فإن قاسوا مسح العمامة على الخفين لعلة أنه عضو يسقط في التيمم، فكل عضو يسقط في التيمم جاز أن يمسح الحائل دونه، وهذا المعنى موجود في الرأس. قيل: هذا ينتقض في الجنابة؛ لأن الرجل والرأس يسقطان في التيمم عنها، ولا يجوز غسل الحائل دونهما. وعلى أننا نقول: ليس المعنى ما ذكرتم، ولكن المعنى أنه عضو يلحق في نزع الخف عنه مشقة غالبة؛ لأنه يتكلف نزعه، ولعله ينقطع عن شغله وسفره ورفقته، وليس عليه مشقة غالبة في إدخال يده تحت عمامته، وقد كان للنبي ﷺ عمامة قِطْرية (٣)، فأدخل يده ومسح ما تحتها (٤)، ألا ترى أن القفازين أشد ضرورة من العمامة؛ لأنه قد يشتد البرد على قوم، ويكون

стр. 492

غسلهم في [الشوك] (١)، ثم لا يجوز أن يمسح عليهما، فبطل ما ذكروه. وعلى أننا قد ذكرنا قياسًا آخر على البرقع والقفازين، وليس الرد إلى أحدهما بأولى من رده إلى الآخر. فأما سقوطهما في التيمم فلِأن طرح التراب على الرأس ومسحه بعد مس الأرض - التي لا تخلو في غالب الحال من شيء يكون عليها - فربما تطير به الناس، وتجافته نفوسهم، ولعلهم لو كلفوه لم يفعلوه، والرِّجل فمن عادتها في الغالب ملاقاة التراب، فنهوا عن مسحها في التيمم لذلك، فكان الجمع بين القفازين وبين العمامة في اعتبار حكم المشقة أولى. وجواب آخر: وهو أن الرأس قد لحقته رخصة، وهي كونه ممسوحًا لا مغسولًا، فلم ينقل من رخصة إلى بدل، وليس كذلك الرجل؛ لأنها مغسولة، فجاز أن تنقل إلى رخصة، هي المسح على الخف (٢). والله أعلم.

стр. 493

مَسْألة (٧): المستحب والمسنون (١) عند مالك ﵀ في الرأس مسحة واحدة. وهي عندي أن يرد يديه من مؤخر رأسه إلى مقدمه؛ لأن مسح جميع الرأس واجب، وهو إن بدأ من مقدمه فردُّ يديه بعد ذلك إلى مقدمه مسنون، ولو بدأ بالمسح من مؤخر رأسه إلى مقدمه لكان المسنون أن يرد يديه من المقدم على المؤخر (٢). وهذا مذهب ابن عمر، والحسن البصري، وأحمد بن حنبل (٣). وقال أبو حنيفة: المسنون مرة واحدة على الصفة التي ذكرتها من مذهبنا، ولكنه يقول: الفرض مسح الرأس، وتمامه رد اليدين إلى المقدم، وهو المسنون. وسمعت بعض أصحابه يقول: ثلاث مسحات بماء واحد (٤). وقال الشافعي: المسنون ثلاث مسحات (٥)، في كل واحدة يبدأ بمقدم

стр. 494

رأسه إلى قفاه، ثم يردها حيث بدأ (١)، فهذه مسحة واحدة، وكذلك الثانية، والثالثة (٢). والدليل لقولنا استصحاب الحال، وأن المسنون والمستحب يحتاجان إلى شرع، كما يحتاج الوجوب إلى دلالة من الشرع. فإن قيل: قد قامت الدلالة، وهي أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (٣). والوضوء عبارة عن غسل جميع أعضائه، ثم توضأ مرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا، وبيّن الفضل في ذلك. قيل: الوضوء مأخوذ من الوضاءة (٤)، وهذا يتوجه إلى ما يغسل حتى يضيء (٥). فإن قيل: فقد بين ما أردناه في الخبر الآخر، وهو أنه ﷺ مسح برأسه

стр. 495

ثلاثًا (١)، كما غسل وجهه ثلاثًا. قيل: لعمري إنه قد روي هكذا، ولكن الذي داوم على فعله هو الأفضل، وفي عظم الأخبار عن عثمان، وعلي، وابن عباس ﵃ (٢)، وعن غيرهم أيضًا، مثل عبد الله بن زيد، والرُّبَيِّع (٣)، وأكثر الصحابة أنهم كانوا يحكون
следующие страницы →