← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

والقفازين (١) لا يجوز المسح عليهما من غير علة (٢)، والمعنى في ذلك: أنه ماسح على حائل دون العضو المأمور بغسله، والممسوح ليس بخف. فإن قاسوا مسح العمامة على الخفين لعلة أنه عضو يسقط في التيمم، فكل عضو يسقط في التيمم جاز أن يمسح الحائل دونه، وهذا المعنى موجود في الرأس. قيل: هذا ينتقض في الجنابة؛ لأن الرجل والرأس يسقطان في التيمم عنها، ولا يجوز غسل الحائل دونهما. وعلى أننا نقول: ليس المعنى ما ذكرتم، ولكن المعنى أنه عضو يلحق في نزع الخف عنه مشقة غالبة؛ لأنه يتكلف نزعه، ولعله ينقطع عن شغله وسفره ورفقته، وليس عليه مشقة غالبة في إدخال يده تحت عمامته، وقد كان للنبي ﷺ عمامة قِطْرية (٣)، فأدخل يده ومسح ما تحتها (٤)، ألا ترى أن القفازين أشد ضرورة من العمامة؛ لأنه قد يشتد البرد على قوم، ويكون

стр. 492

غسلهم في [الشوك] (١)، ثم لا يجوز أن يمسح عليهما، فبطل ما ذكروه. وعلى أننا قد ذكرنا قياسًا آخر على البرقع والقفازين، وليس الرد إلى أحدهما بأولى من رده إلى الآخر. فأما سقوطهما في التيمم فلِأن طرح التراب على الرأس ومسحه بعد مس الأرض - التي لا تخلو في غالب الحال من شيء يكون عليها - فربما تطير به الناس، وتجافته نفوسهم، ولعلهم لو كلفوه لم يفعلوه، والرِّجل فمن عادتها في الغالب ملاقاة التراب، فنهوا عن مسحها في التيمم لذلك، فكان الجمع بين القفازين وبين العمامة في اعتبار حكم المشقة أولى. وجواب آخر: وهو أن الرأس قد لحقته رخصة، وهي كونه ممسوحًا لا مغسولًا، فلم ينقل من رخصة إلى بدل، وليس كذلك الرجل؛ لأنها مغسولة، فجاز أن تنقل إلى رخصة، هي المسح على الخف (٢). والله أعلم.

стр. 493

مَسْألة (٧): المستحب والمسنون (١) عند مالك ﵀ في الرأس مسحة واحدة. وهي عندي أن يرد يديه من مؤخر رأسه إلى مقدمه؛ لأن مسح جميع الرأس واجب، وهو إن بدأ من مقدمه فردُّ يديه بعد ذلك إلى مقدمه مسنون، ولو بدأ بالمسح من مؤخر رأسه إلى مقدمه لكان المسنون أن يرد يديه من المقدم على المؤخر (٢). وهذا مذهب ابن عمر، والحسن البصري، وأحمد بن حنبل (٣). وقال أبو حنيفة: المسنون مرة واحدة على الصفة التي ذكرتها من مذهبنا، ولكنه يقول: الفرض مسح الرأس، وتمامه رد اليدين إلى المقدم، وهو المسنون. وسمعت بعض أصحابه يقول: ثلاث مسحات بماء واحد (٤). وقال الشافعي: المسنون ثلاث مسحات (٥)، في كل واحدة يبدأ بمقدم

стр. 494

رأسه إلى قفاه، ثم يردها حيث بدأ (١)، فهذه مسحة واحدة، وكذلك الثانية، والثالثة (٢). والدليل لقولنا استصحاب الحال، وأن المسنون والمستحب يحتاجان إلى شرع، كما يحتاج الوجوب إلى دلالة من الشرع. فإن قيل: قد قامت الدلالة، وهي أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (٣). والوضوء عبارة عن غسل جميع أعضائه، ثم توضأ مرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا، وبيّن الفضل في ذلك. قيل: الوضوء مأخوذ من الوضاءة (٤)، وهذا يتوجه إلى ما يغسل حتى يضيء (٥). فإن قيل: فقد بين ما أردناه في الخبر الآخر، وهو أنه ﷺ مسح برأسه

стр. 495

ثلاثًا (١)، كما غسل وجهه ثلاثًا. قيل: لعمري إنه قد روي هكذا، ولكن الذي داوم على فعله هو الأفضل، وفي عظم الأخبار عن عثمان، وعلي، وابن عباس ﵃ (٢)، وعن غيرهم أيضًا، مثل عبد الله بن زيد، والرُّبَيِّع (٣)، وأكثر الصحابة أنهم كانوا يحكون

стр. 496

وضوءه، ويعلمونه الناس "أنه ﷺ غسل وجهه ويديه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه مرة واحدة" (١). ففرق بين الغسل والمسح، وقد تقدم العلم بالتفرقة بينهما من طريق الصورة والهيئة، فلم يكن الفرق بينهما هاهنا إلا في العدد، فإذا تبين أن الفضل في غسل اليدين ثلاثًا تبين أن الفضل في مسح الرأس مرة واحدة، إذ المداومة لا تكون إلا في الأفضل، ويكون مسحه إياه في بعض الأحوال ثلاثًا ليعلم أنه جائز، لئلا يظن ظان أنه لا يجوز (٢). ويحتمل أن يكون الماء الذي مسح به رأسه جف في يده، وعندنا يجب مسح جميعه (٣)، فاحتاج أن يجدد الماء حتى يتممه بثلاث مسحات (٤)؛ لأن أرض الحجاز حارة، والريح بها تجفف، والمياه قليلة، يشفق الإنسان في استعمالها، فإذا كان هذا محتملًا مع كون لفظ "مسح" لفظ فعل لا يقع إلا على فعلة واحدة لم يترك بهذا المحتمل ظواهر الأحاديث، ومداومته ﵇ على الفرق بين الغسل والمسح مثل هذا. ذلك من القياس: اتفقنا في التيمم على المرة الواحدة، والمعنى في ذلك أنه مسح في طهارة، فكل مسح في طهارة مثله، سواء كان مسحًا بماء

стр. 497

أو بغير ماء، فإن المستحب فيه مرة واحدة. وإن شئت قسته على مسح الخفين والجبائر، بعلة أنه مسح بالماء (١). فإن قيل: لأصحابنا في الخف والجبائر وجهان. قلت: الصحيح منهما ما قلناه (٢). فإن قيل: نحن نقيس ذلك على غسل الوجه، بعلة أنه عضو تعبدنا بمباشرته بالماء، فإذا كان المستحب فيه ثلاثًا كان الرأس مثلَه. قيل: قد حصل لنا قياس بإزاء هذا القياس، ولنا فضل الترجيح، وهو أن قياسنا يستند إلى مداومة فعل النبي ﷺ في مسحه الرأس واحدة، وإلى فعل الصحابة ﵃ الأكثر في أكثر أفعالهم. فإن قيل: فلنا الترجيح برد الماء إلى الماء. قيل: ونحن رددنا مسحًا إلى مسح، ومسحًا بالماء أيضًا إلى مسح بالماء على ما بيناه في أظهر الوجهين في الجبائر والخف.

стр. 498

ولنا ترجيح آخر: وهو أن مسح الرأس أخف من الغسل، فلما خفف بأن جعل فيه المسح خفف في العدد، ولما كان الغسل في الوجه أثقل من المسح أكد بالعدد، ألا ترى أن الخلاف قد حصل في مسح جميع الرأس، ولم يحصل في جميع الوجه. وأيضًا فلو كررنا المسح في الرأس لصار أشق من الغسل، أو حصل في معناه، وكل أحد يعلم أن الوجه في غالب الأحوال مكشوف يلاقي البرد والرياح، ويصبر من ذلك على ما لا يصبر عليه ما يتستر من الإنسان، وكذلك اليد يعمل بها ويباشر بها وبالرجل ما لا يحصل في الرأس مثله، ولهذا يتوقى الإنسان من كشف رأسه أو شيء منه، وخاصة في الأوقات التي تُتخوف فيها النزلات والزكام، فكان المسح فيه على كل حال أخف، وكذلك خفف في العدد، والله أعلم. فإن قيل: فإن الطهارة تشتمل على مغسول وممسوح، فلما ساوى الممسوح المغسول في الوجوب وجب أن يساويه في المسنون، ألا ترى أن الصلاة تشتمل على أفعال وأذكار، ثم لما ساوت الأذكار الأفعال في الوجوب ساوتها في المسنون، فالذكر الواجب فاتحة الكتاب، والمسنون السورة (١). قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن أركان الطهارة قد اختلفت في الممسوح والمغسول في الوجوب عندكم فقيل: جميع الوجه واجب، وليس مسح جميع الرأس واجبًا، فلما افترقا في الوجوب من هذا الوجه وجب أن يفترق في المسنون من المسح.

стр. 499

والجواب الآخر: هو أن المسح الواجب في الأصول قد فارق موضع الوجوب في الغسل، ألا ترى أن المسح في التيمم لم يسن فيه التكرار وإن كان قد سن في غسله بالماء. وأما الذكر في الصلاة فقد اختلف المسنون منه والمفروض، فقراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة منها، وقراءة السورة في ركعتين من الظهر والعصر، والمغرب وعشاء الآخرة، فإن أردتم أن يكون في الطهارة شيء مسنون في المسح فالسنة في مسح الرأس مرة واحدة لخفة المسح من الغسل، وبالله التوفيق (١).

стр. 500

مَسْألة (٨): والأذنان عند مالك ﵀ من الرأس في الطهارة يمسحان معه (١)، ويستحب (٢) أن يؤخذ لهما ماء جديد (٣). ومذهبنا (٤) مذهب ابن عباس، وأبي موسى الأشعري (٥)، وعطاء، والحسن، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل (٦). قال الزهري: هما من الوجه، يغسل ظاهرهما وباطنهما معه (٧). وقال الشعبي، والحسن بن صالح، وإسحاق (٨): ما أقبل منهما من

стр. 501

الوجه يغسل معه، وما أدبر منهما من الرأس يمسح معه (١). ولا خلاف بين الأمة أنه إن اقتصر على مسح الأذنين لم يجزئه (٢). وقال الشافعي: هما سنة على حيالهما (٣)، يمسحان بماء جديد بعد الفراغ من مسح الرأس (٤). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٥). وقد اتفقنا على أن كل عضو في الوجه هو منه، وليست الأذنان منه، فثبت أنهما من الرأس؛ لأننا قد تعبدنا فيهما بحكم من الطهارة بلا خلاف، وقد خرج حكمهما في التعبد من الوجه، فوجب أن يكون حكمهما [في] (٦)

стр. 502

الرأس، إذ لم يذكر الله - تعالى - مما يقارنهما من الأعضاء غيرهما، فإما أن يكونا في العبادة من الوجه أو من الرأس، فمن أثبت لشيء آخر بين الوجه والرأس حكمًا يخالفهما فعليه الدلالة. فإن قيل على هذا: أليس الفم والأنف من الوجه، وقد سن لهما سنة غير ما في الوجه، وهي المضمضة والاستنشاق (١)، وكذلك إن كانت الأذنان من الرأس كانت لهما سنة في المسح غير ما في الرأس؟ قيل: إن الفم والأنف لما بطن داخلهما سنت لهما سنة المضمضة والاستنشاق، ألا ترى أن ظاهرهما مغسول مع الوجه، ولما كان باطن الأذنين ظاهرًا لم تسن لهم سنة تخالف مسح الرأس؛ لأن المسح يأتي على الظاهر والباطن منهما. والدليل أيضًا على أنهما من الرأس ما رواه ابن عباس وأبو أمامة عن النبي ﷺ : "الأذنان من الرأس" (٢).

стр. 503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 504

وإذا قيل: هذا الشيء من هذا الشيء فهو بعضه لا محالة. فإن قيل: فإنه ﷺ لو أراد أنهما تمسحان كما يمسح الرأس، ردًّا على من قال: إنهما من الوجه (١). قيل: إنه إذا قيل لنا: هذا الشيء من هذا الشيء فهو بعضه، فمسحه داخل في مسح الرأس، كدخول بعض من الرأس في باقيه، ولو أراد ما قلتم لقال: "الأذنان تمسحان كمسح الرأس"، ولم يجعلهما منه. فإن قيل: فقد علمنا أنهما ليسا كالرأس صورة وهيئة، وأن لهما أحكامًا

стр. 505

كثيرة تنفرد عن الرأس. قيل: لا يمنع أن يكونا منه في باب المسح، ألا ترى أن ظاهر الأنف والشفتين تغسل مع الوجه، ولهما حكم في الجنايات يخالف باقي الوجه، فكذلك الأذنان. دليل آخر: وهو ما روي أن النبي ﷺ مسحهما مع رأسه (١)، كما غسل مرفقه مع ذراعيه، وكعبيه مع رجليه (٢). وأيضًا ما روى الصنابحي أن النبي ﷺ قال: "إذا توضأ العبد المؤمن فغسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، وإذا مسح برأسه خرجت من رأسه حتى تخرج من تحت أذنيه" (٣). فعلمنا بهذا أنهما من الرأس، كما علمنا أن العينين من الوجه. فإن قيل: ليستا من الرأس؛ لأنهما لا تنبتان الشعر. قيل: هذا غلط؛ لأن الشعر ينبت فيهما، ولو لم ينبت لما دل ذلك على

стр. 506

ما تقولون؛ لأن الجَلَحة (١) لا يكون عليها شعر وهي من الرأس، وليس إذا لم ينبت في موضع شعر لم يكن من ذلك الشيء، ونحن نعلم أن في الوجه مواضع يقل الشعر فيها، ولا ينبت أيضًا، ولا يدل على أنها ليست من الوجه. فإن قيل: الخط الدائر وراء الأذنين لما لم يكن من الرأس وهو إليه أقرب، والأذنان منه أبعد فهما أولى أن لا يكونا منه. قيل: الخط الدائر - عندنا - من الرأس، فسقط ما قلت. فإن قيل: عندكم أنهما لو سقطتا في الطهارة على طريق النسيان لم يكن عليه إعادة الصلاة (٢)، ولو سقط موضع من الرأس بيقين لأعاد الصلاة. قيل: اليسير من الرأس الذي لا يعرف بعينه قد تركه ناسيًا فعليه الإعادة على ظاهر قول مالك، وكذلك يجب في الأذنين بحق القياس، إلا أننا نفرق بينهما بفرق، وهو أن الأذنين قد وقع الخلاف فيهما هل هما من الرأس أو لا؟ ولم يقع الخلاف في بعض من أبعاض الرأس هل هو منه أو لا؟. فيجوز إذا نسي مسح أذنيه أن لا يعيد الصلاة؛ للخلاف فيهما هل هما من الرأس أو لا (٣)؟

стр. 507

وإن قلنا أيضًا: إنه إن نسي شيئًا يسيرًا من موضع بعينه من رأسه لم يعد الصلاة جاز؛ لوقوع الخلاف في مسح جميعه، وإلى هذا ذهب محمد بن مسلمة ومن تابعه في ترك الثلث (١)، ولكن لا يجوز أن يتعمد ذلك. فإن قيل: لو كانتا من الرأس لأجزأ المحرم حلقهما أو تقصيرهما. قيل: لو ترك ما لا يختلف فيه أنه من الرأس لم يجزئه؛ لأن عليه استيفاء الحلق أو القصر في جميعه، فكيف يجزئ الاقتصار على الأذنين؟. وإنما يلزم هذا أصحاب أبي حنيفة؛ لأنهم لا يتممون بهما ربع الرأس. فإن قيل: فإنه لا يجب على المحرم في تغطيتهما الفدية. قيل: تجب عليه. فإن قيل: الدليل على أنهما ليسا من الرأس ما روي "أن النبي ﷺ مسح برأسه، ثم بأذنيه" (٢). و"ثم" للتراخي (٣). وما روي أنه ﷺ أخذ لهما ماء جديدًا (٤).

стр. 508

قيل: هذا لا يدل على ما قلت؛ لأنه يحتمل أن يكون بدأ من مقدم رأسه، فلما فرغ من جميعه مسح أذنيه، فأعلمنا أن البداءة وقعت بغير الأذنين؛ لأنه لو قال: غسل كفيه، ثم ذراعيه لكان كذلك. وأيضًا فإنه إذا ثبت أنهما من الرأس بما ذكرناه فقوله: "مسح برأسه"، قد دخلتا فيه. وقوله: "ثم بأذنيه"، أعلمنا أنه أخذ لهما ماء جديدًا على وجه الاستحباب بعد أن مسحهما مع الرأس؛ لأنهما منه. فإن قيل: فما الفائدة من تجديد الماء لأذنيه وقد دخلتا في مسح الرأس؟ ولم اختص الأذنين بذلك؟ قيل: لما كانت الأذنان منفصلتين منه في الانتشار استحب ذلك فيهما؛ لجواز أن لا يستوعب المسح في المرة الواحدة ظاهرهما وباطنهما. على أن قوله: "مسح" حكاية عن فعلة وقعت، فيحتمل أن يكون فني

стр. 509

الماء الذي مسح به رأسه وجف، فأخذ للأذنين ماء؛ لأنهما من الرأس، ويجب - عندنا - استيفاء الجميع. فإن قيل: فقد قال ﵇: "عشر من الفطرة، خمس منها في الرأس" (١). فذكر من جملتها مسح الأذنين، والفطرة هي السنة، وقد أضاف إلى السنن أيضًا المضمضة والاستنشاق. قيل: معنى ذلك أنهما من فطرة الإسلام ويكون في فطرة الإسلام الفرض والسنة، ألا ترى أنه قد ذكر فيها الختان وهو - عندكم - فرض (٢)، فكأنه أراد أن مسح الأذنين - لأنهما من الرأس - فرض؛ لئلا يظن ظان كما ظننتم، وأنه لو تركهما عامدًا لأجزأه كما لو ترك بعض رأسه. وينبغي أن يحمل قول ابن أبي زيد في كتابه: "سن ﷺ مسح الأذنين" (٣)،

стр. 510

على تجديد الماء لهما (١). فإن قيل: فإن الأصول تشهد بما نقول، وذلك أننا وجدنا أعضاء الطهارة كل واحد منها قد استلحق موضعًا مسنونًا، ثم وجدنا تلك الأعضاء المسنونة اللاحقة بالمواضع المفروضة على ضربين: ضرب من جنس الموضع المفروض وجودًا وحكمًا، واجتزئ في أداء [تلك] (٢) السنة بالماء المأخوذ للمفروض، وهما ما وراء المرفقين والكعبين. وضرب من غير جنس الموضع المفروض وجودًا وحكمًا، فأخذ له ماء جديد سوى ماء المفروض، وهو المضمضة والاستنشاق. ووجدنا الأذنين من غير جنس الموضع المفروض وجودًا وحكمًا، فوجب أن يؤخذ لهما ماء جديد. قيل: هذا غلط؛ لأن ما وراء المرفقين واجب غسله، وكذلك ما وراء الكعبين (٣)؛ لأنه لما كان مقارنًا لما دونه حتى لا ينفك منه، ولا يمكن الاقتصار في الغسل على ما دونه جعل في حكمه، وليسا بمسنونين، فلما صارا واجبين كوجوب ما دونهما وجب غسلهما بماء واحد.

стр. 511

على أننا نعلم أن ما وراء الكعبين ليس من جنس الكعبين، وما دونهما لا وجودًا ولا حكمًا؛ لأنه في الوجود على هيئة وصورة تخالفانه، وفي الحكم قد فرق بينهما، وذلك أن الله - تعالى - لما أوجب قطع رجل المحارب أوجب القطع من المفصل، وهو أسفل الكعبين، ولا تدخل الكعبان في القطع، فقد علمنا أيضًا أنهما ليسا من جنس الرجل في الحكم. ثم مع هذا فقد غسل ما وراء الكعبين بماء الرجل، وهي المفروضة على ما قلتم، وكذلك يكون للأذنين حكم وصورة تخالفان الرأس، ويكون مسحهما بماء الرأس على حسب ما قلتموه فيما وراء الكعبين والمرفقين. وكذلك أيضًا ما وراء المرفقين يخالف جنس ما قبلهما في الهيئة والصورة، والمفصل منه دون المرفقين، ومع هذا فقد غسل بماء الذراعين. فإن أردتم أن اسم اليد والرجل يتناول الجميع منعناكم منه، وقلنا: حقيقة اليد إلى الكوعين، كما قال الله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١)، القطع من الكوع، وكذلك الرجل فيما دون الكعبين، كما قيل في المحاربين: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ (٢). ثم لو انطلق الاسم على الجميع مع خلافه في الصورة لكان منطلقًا في اسم الرأس عليه وعلى الأذنين، وإن كانتا مخالفتين له في الصورة والحكم على ما بينه النبي ﷺ بقوله: "الأذنان من الرأس" (٣).

стр. 512

فينبغي أن تمسح بماء الرأس، كما قلتم فيما وراء الكعبين إلى المرفقين، والمسنون في اليدين التبدئة من أطراف الأصابع إلى المرفقين، وفي الرجلين كذلك؛ لأن ما وراء المرفقين والكعبين من المسنون، بل واجب على ما بيناه. ويجوز أن نقول: إنه أصل ممسوح بالماء في الطهارة، فوجب أن يمسح مع الرأس، أصله أبعاض الرأس، ولا يلزم عليه الخف؛ لأنه ليس بأصل، وإنما هو بدل. فإن قيل: إن فعل الوضوء نوعان: غسل، ومسح، ثم الغسل منه واجب، ومنه سنة منفردة هي المضمضة والاستنشاق، فكذلك المسح لما كان منه واجب وجب أن يكون منه مسنون منفرد، وليس - عندكم - مسنون منفرد في المسح. قيل: إنما سنت المضمضة والاستنشاق لأن داخل الأنف والفم باطن، والأذنان ظاهرتان، ولم تسن للرأس سنة منفردة في المسح، ألا ترى أن اليدين والرجلين فرضهما الغسل، ولم تسن لهما سنة منفردة، لظهورهما ولا باطن فيهما، وبالله التوفيق. واستدل الزهري بقوله ﷺ في سجوده: "سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره" (١). فأضاف السمع إلى الوجه، والمعنى عندنا: سجد ذاتي (٢).

стр. 513

وقوله: "الأذنان من الرأس" (١) أخص من هذا. وكذلك قوله في حديث الصنابحي: "إذا توضأ فغسل وجهه [خرجت الخطايا منه حتى تخرج من تحت أشعار عينيه، وإذا مسح برأسه] (٢) خرجت الخطايا منه حتى تخرج من تحت أذنيه" (٣). فعلمنا بهذا أنهما من الرأس، كما علمنا أن العين من الوجه. احتج من قال: باطنهما من الوجه، وظاهرهما من الرأس بقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، وباطن الأذنين يواجه به مع الوجه. وما ذكرناه يقضي عليه، مع أنهما تغطيهما العمامة وغيرها، والمواجهة لا تقع بهما، والله أعلم. وقد روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ مسح رأسه وأذنيه بماء واحد (٤). وكذلك روي أنه ﷺ أتي بوضوء فتوضأ فغسل وجهه وكفيه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا، ثم مسح برأسه وأذنيه

стр. 514

ظاهرهما وباطنهما" (١). وهذا يفيد مسحًا واحدًا، فلو كان أخذ لهما ماء جديدًا لقال: مسحين، أو كان يفرد أحدهما عن الآخر كإفراده سائر الأعضاء. وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ سأله رجل: كيف الطهور؟ فدعا بماء فغسل كفيه، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم مسح برأسه، فأدخل أصبعيه السبابتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثًا، ثم قال: "هذا الوضوء، فمن زاد أو نقص فقد أساء وظلم" (٢).

стр. 515

وهذا خارج على وجه التعليم والبيان لصفة الطهارة وأحكامها، وبالله التوفيق والتسديد. مَسْألة (٩): الترتيب في الطهارة ليس بواجب عند مالك (١)، وأبي حنيفة (٢). وهو مذهب علي، وابن مسعود، والزهري، والأوزاعي، وسفيان الثوري (٣).

стр. 516

وقال الشافعي (١): الترتيب مستحق (٢). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٣). فجمع بين الأعضاء بالواو التي موضوعها للاشتراك والجمع، كقوله: جاءني زيد وعمرو، وليس عندهم فيه دلالة على أن أحدهم جاء قبل صاحبه، وقد ذكر سيبويه (٤) أن موضوع الواو للجمع لا للترتيب (٥).

стр. 517

وقد نبه الشرع أيضًا على ذلك، فروي أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: ما شاء الله وشئت فقال له: "أمثلان؟! قل: ما شاء الله ثم شئت" (١). فنهاه أن يجمع بين مشيئة الله - تعالى - وبين مشيئته، فلو كانت الواو للترتيب لم يمنعه من ذلك؛ لأنها تكون بمنزلة الفاء وثم. فإن قيل: فإن الآية حجة لنا؛ لأن الله - تعالى - قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٢)، فأمر بغسل الوجه عقيب القيام إلى الصلاة؛ لأن الفاء في لغة العرب للتعقيب بلا خلاف (٣)، فإذا ثبت أن غسل الوجه عقيب القيام إلى الصلاة واجب ثبت قولنا؛ لأن من قال: الترتيب لا يجب في الوضوء قال: لا يلزمه غسل الوجه عند القيام، وإن غسل رجليه عند القيام إلى الصلاة فقد امتثل الأمر (٤).

стр. 518

قيل له: هذه الدلالة لا تصح من وجهين: أحدهما: أن الفاء هاهنا ليست للتعقيب، وإنما دخلت لتعلق الكلام بالكلام، والجملة بالجملة، وجوابًا للشرط بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾، والفاء التي للتعقيب تكون في الخبر، كقولك: جاءني زيد فعمرو، أو في الأمر كقولك: أعط زيدًا فعمرًا، فأما إذا كانت للجزاء وجواب الشرط فلم تكن للتعقيب. والفرق بين الفاء التي للتعقيب والفاء التي هي جواب الشرط هو أن الفاء إذا كانت جوابًا للشرط والجزاء لم يصح قطع الكلام عنها، مثل كقولك: إذا جاء زيد فأكرمه، لو وقفت على قولك: "إذا جاء زيد" لم يتم الكلام، والفاء التي للتعقيب يصح قطع الكلام عنها، كقولك: جاءني زيد فعمرو، ولو وقفت على قولك: جاءني زيد صح، وكذلك أعط زيدًا درهمًا فعمرًا، لو اقتصرت على قولك: أعط زيدًا كان الكلام مفيدًا. والوجه الآخر: هو أننا لو سلمنا أنها للتعقيب لم نسلم هاهنا؛ لأنها قرنت بعدها بالواو التي هي للجمع، فلما دخلت الواو في باقي الأعضاء ثبت أن الفاء ليست للتعقيب؛ لأنه لا أحد يمنع من تقديم اليدين على الوجه إذا

стр. 519

ثبت جواز تقديم مسح الرأس على اليدين بالواو. ثم لو ثبت أنه للتعقيب لكان المراد أن تقع جملة الطهارة عقيب القيام إلى الصلاة؛ لأن الطهارة لا تتم إلا بغسل الأعضاء كلها، ومسح الرأس فيها، ولكن لا يصح الابتداء في اللفظ بعد إذا إلا بالفاء، فلو قال: إذا قمتم إلى الصلاة فامسحوا برؤوسكم لم يكن إلا كقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فإذا كان كل واحد من الأعضاء لا تتم الطهارة إلا به لم يكن بعضه بالتقدمة أولى من بعض. على أننا نقلب هذا عليهم فنقول: إن كان المراد غسل الوجه عقيب القيام من أجل الفاء التي للعقب فنحن نقول: إذا قدم غسل الأعضاء وأخر الوجه إلى آخرها وقع غسله عقيب القيام إلى الصلاة، فينبغي أن نكون نحن أسعد بهذا منكم؛ لأنه إذا تم لنا هذا في الوجه فليس أحد يفرق بينه وبين سائر الأعضاء. فإن قيل: إن الواو - عندنا - للترتيب لغة وشرعًا، فأما اللغة فإن الفراء قال: الواو للترتيب لا للجمع (١)، وكذلك قال أبو عبيد القاسم بن سلام؛ لأنه ذهب إلى أن الترتيب في الوضوء واجب، واستدل بالآية وأن الواو فيها

стр. 520

تقتضي الترتيب (١)، وحصل فيها خلاف بين أهل اللغة. وأما الشرع فإنه روي أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: من أطاع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال له النبي ﷺ : "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى" (٢). فلما لم يرتب الرجل ذكر النبي ﷺ على ذكر الله تعالى نهاه عنه، وأمره أن يرتب ذكر النبي ﷺ على ذكر الله - تعالى - فقال: "قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى"، فدل على أن الواو للترتيب؛ إذ لو لم تكن للترتيب لكان معنى الجمع الذي نهاه عنه موجودًا في قوله: "ومن يعص الله ورسوله" (٣). وقد روي أنه قيل لابن عباس: إنك تقدم العمرة على الحج، والله تعالى قدم الحج على العمرة فقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ (٤)، فقال: كما قدمتم الدين على الوصية، والله تعالى قدم الوصية [على الدَّين] (٥). فسلم ابن عباس للقوم أن تقديم ذكر الحج على العمرة يقتضي تقديم فعله عليهما، ولكن ذكر أنه تركه لدلالة قامت له، كما تركوا ذلك لدلالة

стр. 521

في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١)، فدل على أن الواو عند ابن عباس تقتضي الترتيب، وكفى به من أهل اللغة. فالجواب أن نقول: أما قولكم: "إن الفراء قال: إن الواو للترتيب" فإنه لم يقل: إن موضوعها لذلك، وإنما أراد أنها قد تكون للترتيب، ونحن لا نمنع من ذلك، والدليل على أنه أراد ذلك لا الموضوع هو أنه لو كان موضوعها لذلك كحروف الترتيب لدخلت حروف الترتيب في كل موضع تدخل الواو فيه، كما يدخل كل حرف من حروف الترتيب المَدخل الذي يدخله الآخر، فلما كان قول القائل: "تشاتم زيد وعمرو" لا يصح دخول "الفاء" و"ثم" فيه علمنا أن موضع ذلك مختلف. وأما أبو عبيد فيجوز أن يكون استدل بالآية لا من حيث الموضوع. وأما قول النبي ﷺ للخطيب ما قال فلا دلالة فيه؛ لأن النبي ﷺ لم يحب أن يجمع بينه وبين ربه - تعالى - في كناية واحدة، وأحب أن يقدم ذكر الله - تعالى - على ذكره، ثم إذا قدم ذكر اسم الله - تعالى - عليه فبدلالة العقل يعلم الترتيب هاهنا، ونحن لا نمنع أن تدخل الواو في موضع للترتيب بدلالة. والدليل على أن النبي ﷺ أراد ما قلنا لا الترتيب هو أن الله - تعالى - قد جمع بين نفسه وبين رسوله ﷺ في كناية واحدة، قال: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (٢).

стр. 522

وهذا أبلغ من قوله: أن يرضوهما؛ لأن ما يرضي الله - تعالى - فهو يرضي رسوله، وما يرضي رسوله فهو يرضيه تعالى، وكذلك العصيان لرسول الله ﷺ هو عصيان الله تعالى، وإنما أحب رسول الله ﷺ أن يقدم ذكر الله - تعالى - في اللفظ. وأما حديث ابن عباس ﵀ فإنه حجة لنا؛ لأنه رأى أن الواو للجمع في الحج والعمرة. وقد روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ توضأ فغسل وجهه وذراعيه، ثم رجليه، ثم مسح برأسه (١). فإن قيل: إن الواو التي للجمع تسقط عند الكناية، مثل قول القائل: إذا دخلت الدار فالْق زيدًا وعمرًا وخالدًا وبكرًا، فإذا لقيتهم فأعطهم كذا وكذا، وهذا المعنى متعذر في هذا الموضع؛ لأنه لا يمكن أن تقول: إذا قمتم إلى

стр. 523

الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، فإذا غسلتموها فصلوا؛ لأنه قد تخلل بينها المسح الذي هو خلاف الغسل، فدل هذا على أن الواو هاهنا للترتيب. قيل: أول ما في هذا أنه ينقلب عليكم في الترتيب؛ لأن الواو تسقط عند الكناية إذا قال: الق زيدًا، ثم عمرًا، ثم خالدًا، ثم بكرًا، فإذا لقيتهم فافعل كذا، وفي هذه الآية لا يمكن هذا؛ لأنه لا يصح أن يقول: اغسل وجهك، ثم يديك، ثم امسح برأسك، ثم اغسل رجليك، فإذا غسلتها فصل؛ لأجل ما قد تخلل بين أعضاء الغسل من المسح، فسقط السؤال. وإنما لم يصح في الوجهين جميعًا للمخالفة كما قلت في الصفة، فإن أراد الكناية في اللفظ الواحد، وهو إما الغسل وإما المسح لم يصح، ولكن قد يجتمعان في كناية هي غير اللفظ، وهو أن تقول في كناية الجمع والترتيب جميعًا: إذا فعلت ذلك أو بهما فافعل كذا وكذا، فاستوى البابان جميعًا في هذه الكناية، وفي الامتناع من تلك الكناية، والله أعلم. فإن قيل: لو كانت الواو للجمع لكان يقول: اغسلوا وجوهكم مع أيديكم، ولكان تقدير الكلام: فاغسلوا وجوهكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم إلى الكعبين، وهذا مما لا سبيل إليه، ولا دليل عليه. قيل: لو قال تعالى: فاغسلوا وجوهكم مع أيديكم أو إلى المرافق لكان يجب علينا أن نغسل وجوهنا مع أيدينا في حال واحدة، بماء واحد، ولكنه أراد منا أن نغسل كل واحد على حدته بماء جديد، غير أننا بأي أعضائنا بدأنا أجزأ، ولو أراد الترتيب على ما تقولون لأتى بحرف من حروف الترتيب.

стр. 524

فإن قيل: فإن قائلًا لو قال: خير الناس أبو بكر والنبي لقبح قوله، فعلم أن الواو للترتيب. قيل: هذا لا يلزم، وذلك أنه لا يحسن أن يبدأ بذكر أحد من أمة النبي ﷺ قبل ذكره إذا أريد الخبر عنه وعنهم، ألا ترى أن النبي ﷺ لو دخل هو وعلي ﵁ على فاطمة ﵂ في حال واحدة لما حسن أن تقول: جاءني علي والنبي، فتقدم ذكر علي على ذكره ﷺ ، ولو بدأت بذكر النبي ﷺ قبل ذكر علي ﵁ لما دل ذلك على أن النبي ﷺ جاءها قبل علي ﵁؛ لأنهما قد جاءاها معًا، ولما كان النبي ﷺ خير البشر لم يحسن أن يقال: خير الناس أبو بكر والنبي؛ لأنه يكون تسوية بينهما، وهذا كله قد فرغنا منه، وقلنا: إننا لا نمنع أن تدخل الواو للترتيب في مواضع بدلالة. فإن قيل: إن الخبر الذي رويتموه من قول النبي ﷺ : "قل ما شاء الله ثم شئت" (١) لا دلالة فيه؛ لأن الواو للترتيب، لكنه ﷺ أراد من القائل أن تكون بين مشيئة الله - تعالى - وبين مشيئته مهلة، لا أن تكون مشيئته مقرونة تتلو مشيئة الله تعالى ولا عقيبها، ألا ترى أنه أتى بحرف ثم - التي هي للتراخي والمهلة - فقال له: "قل: ما شاء الله ثم شئت" (٢)، فهذا هو المقصود، لا أن الواو للجمع. قيل: هذا غلط؛ لأن الرجل لما أتى بالواو التي هي للجمع بالغ النبي ﷺ في النكير عليه بأن قال له: "قل: ثم شئت"، كما إذا جلس الدنيء مع

стр. 525

الرفيع في مجلس واحد أنكر عليه، وقيل له: تباعد عن قربه. فإن قيل: إن من عادة العرب في كلامهم أن لا يدخلوا فيه ما ليس من جنسه إلا لحاجة، ألا ترى أنهم يقولون: ضرب الأمير زيدًا وعمرًا وبكرًا، ولا يقولون: ضرب زيدًا، وحبس عمرًا، وضرب بكرًا، فإذا كان هذا عادتهم في كلامهم فقد ذكر الله - تعالى - غسل الوجه واليدين، وأدخل فيه مسح الرأس الذي هو من غير جنس الغسل، ثم أمر بغسل الرجلين، فعلم أنه أدخل المسح بين ذلك لحاجة الترتيب، وأن يكون مستحقًّا، إذ لو لم يكن كذلك لكان أشبه أن يذكر المسح بعد فراغه من الغسل (١). قيل: ليس هذا مما نحن فيه بسبيل؛ لأن مسح الرأس بالماء من جنس الغسل، والوضوء لا يتم إلا به كما لا يتم إلا بغسل الأعضاء، فإذا كانت الطهارة لا تتم إلا بالغسل والمسح لم يكن بعض الأعضاء بالتقديم أولى من الآخر. وقد يصح في الكلام أن تقول: أكرم زيدًا وأدب غلامه، وأكرم خالدًا وبكرًا، وإن تخلل بين [الكرامات] (٢) أدب الغلام، ولما كان مسح الرأس لا تتم الطهارة إلا به كما لا تتم إلا بغسل الرجلين، ثم قد سقط حكم الرأس والرجلين في التيمم - الذي هو إحدى الطهارتين - جاز أن يجمع بينهما بالواو. فإن قيل: إن مذهب العرب الحكمة البداءة بالأقرب فالأقرب، ووجدنا الوجه أقرب إلى الرأس منه إلى اليدين، فلما أمر الله - تعالى - بغسل الوجه،

стр. 526

ثم بغسل اليدين، وترك الرأس - الذي هو أقرب إلى الوجه - علم أنه لم يتركه إلا لأن البداءة باليدين مستحق قبل الرأس (١). قيل: لما بدأ الله - تعالى - بالوجه الذي لا يسقط في التيمم عطف عليه اليدين؛ لأنهما لا يسقطان في التيمم، ثم أتى بالمسح في الرأس، وعطف عليه غسل الرجلين؛ لأنهما يسقطان في التيمم. ويجوز أيضًا أن يكون تعالى جمع ما في أعلى البدن في اللفظ، ثم أخر الرجلين لأنهما من أسفل البدن. على أن الواو إذا كانت للجمع لا للترتيب فبأي الأعضاء بدأ في الذكر جاز، وهذا يلزمهم؛ لأنه تعالى لو أراد الترتيب لبدأ بالأقرب فالأقرب، فلما بدأ بالوجه وترك الرأس الذي هو أقرب إليه علم أنه لم يرد الترتيب. فإن قيل: إن الرجل إذا قال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق وطالق وقعت الأولى، ولم تقع الثانية، فلو كانت الواو للجمع للزمه تطليقتان، كما لو قال: أنت طالق تطليقتين. قيل: تقع عليه تطليقتان عندنا، وإنما يلزم هذا أصحاب أبي حنيفة (٢).

стр. 527

فإن قيل: فإن الله - تعالى - ذكر غسل الوجه وكرره، وذكر مسحه في التيمم وكرره، فبدأ به في كل المواضع قبل اليدين، فلولا أنه أراد الترتيب لأشبه أن يذكر تقديم اليدين على الوجه في بعض المواضع، ليعلمنا أنه أراد الجمع. قيل: هذا لا يلزم، لأننا قد دللنا على أن موضوع الواو للجمع، فلو كرر ذلك الوجه في ألف موضع لم يدل ذلك على الترتيب، ولو ثبت أنها للترتيب حتى تغير في بعض المواضع لما دل ذلك على خلاف الترتيب، ألا ترى أنه لما ثبت الترتيب في الصلاة، وأن الركوع مقدم على السجود، وقد كرر في مواضع كذلك، ثم ورد قوله تعالى ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (١)، فقدم السجود على الركوع لم يدل ذلك على أن المراد خلاف الترتيب، وإنما هذا على حسب الأدلة، فإن ثبت أن موضوع الواو للجمع لم يضر ذلك تكرير اللفظ ولا تغييره، وكذلك إن ثبت أنها للترتيب لم يضر ذلك. ثم إننا نحن أيضًا نقول: إنه تعالى لما كرر في هذه المواضع بالواو دل أنه أراد الجمع، إذ لو أراد الترتيب لأشبه أن يذكره في بعض المواضع بحرف الترتيب مثل الفاء أو ثم، فلما لم يذكره كذلك، ولا غيره عن حرف الجمع علم أنه أراد الجمع، والله أعلم. فإن قيل: فإن الآية محتملة لما نقول ولما تقولون، ورأينا النبي ﷺ

стр. 528

توضأ ورتب (١)، فكان هذا منه بيانًا للمراد بالآية. وقد يستدلون بهذا الخبر مفردًا فيقولون: إن النبي ﷺ توضأ ورتب، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (٢)، فكان هذا منه بيانًا للمراد بالآية، وأيضًا فإن أفعاله على الوجوب (٣). وأنا أتكلم على الجميع فالجواب أن نقول: إن النبي ﷺ قد رتب تارة، وترك الترتيب تارة أخرى. فروى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ توضأ فغسل وجهه وذراعيه، ثم رجليه، ثم مسح برأسه (٤). فليس لكم أن تجعلوا ترتيبه بيانًا للآية إلا ولنا أن نجعل تركه الترتيب بيانًا لها، وأن المراد بالواو الجمع، وإذا تساوى ذلك قلنا: إنما رتب استحبابًا، وترك الترتيب ليعلمنا الجواز (٥).

стр. 529

وقد روي عن عثمان ﵁ أنه توضأ وعكس بملأ من أصحاب النبي ﷺ ، وقال: "أهكذا رأيتم رسول الله ﷺ توضأ؟. فقالوا: نعم" (١). فشهدوا له بذلك، فيجب استعمال الأخبار كلها، وأن لا يسقط بعضها، ويحصل معنا زيادة حكم، وهو جواز التعكيس الذي تمنعون عنه. وقوله: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (٢)، في خبرنا كما هو في خبرهم، فعلمنا أنه قصد بالوضوء ما تحصل فيه الوضاءة، وهو الغسل لا الترتيب ولا تركه، هذا إن صح الحديث هكذا، وإنما الصحيح أنه توضأ مرة

стр. 530

مرة وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (١). وقولهم: إن أفعاله على الوجوب فمثله نقول في أخبارنا، فإذا تعارضنا وجب الاستعمال على ما بينا من الجواز والاستحباب. ويجوز أن نستدل نحن بأخبارنا ابتداء، فإذا عارضونا بأخبارهم التي فيها الترتيب حملناها على الاستحباب، وأخبارنا على الجواز، وهم لا يمكنهم استعمال أخبارنا. ولنا ما روي عن عمار أنه قال لعمر ﵁: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت، ولم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بيده على الأرض فنفضها، ثم ضرب بشماله على يمينه، ويمينه على شماله على الكفين ثم مسح وجهه" (٢). فدل هذا على جواز ترك الترتيب؛ لأنه لا أحد يفرق بين الوضوء والتيمم في وجوب الترتيب أو تركه، فإذا ثبت جوازه في التيمم ثبت جوازه في الوضوء.
следующие страницы →