← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ثم بغسل اليدين، وترك الرأس - الذي هو أقرب إلى الوجه - علم أنه لم يتركه إلا لأن البداءة باليدين مستحق قبل الرأس (١). قيل: لما بدأ الله - تعالى - بالوجه الذي لا يسقط في التيمم عطف عليه اليدين؛ لأنهما لا يسقطان في التيمم، ثم أتى بالمسح في الرأس، وعطف عليه غسل الرجلين؛ لأنهما يسقطان في التيمم. ويجوز أيضًا أن يكون تعالى جمع ما في أعلى البدن في اللفظ، ثم أخر الرجلين لأنهما من أسفل البدن. على أن الواو إذا كانت للجمع لا للترتيب فبأي الأعضاء بدأ في الذكر جاز، وهذا يلزمهم؛ لأنه تعالى لو أراد الترتيب لبدأ بالأقرب فالأقرب، فلما بدأ بالوجه وترك الرأس الذي هو أقرب إليه علم أنه لم يرد الترتيب. فإن قيل: إن الرجل إذا قال لامرأته التي لم يدخل بها: أنت طالق وطالق وقعت الأولى، ولم تقع الثانية، فلو كانت الواو للجمع للزمه تطليقتان، كما لو قال: أنت طالق تطليقتين. قيل: تقع عليه تطليقتان عندنا، وإنما يلزم هذا أصحاب أبي حنيفة (٢).

стр. 527

فإن قيل: فإن الله - تعالى - ذكر غسل الوجه وكرره، وذكر مسحه في التيمم وكرره، فبدأ به في كل المواضع قبل اليدين، فلولا أنه أراد الترتيب لأشبه أن يذكر تقديم اليدين على الوجه في بعض المواضع، ليعلمنا أنه أراد الجمع. قيل: هذا لا يلزم، لأننا قد دللنا على أن موضوع الواو للجمع، فلو كرر ذلك الوجه في ألف موضع لم يدل ذلك على الترتيب، ولو ثبت أنها للترتيب حتى تغير في بعض المواضع لما دل ذلك على خلاف الترتيب، ألا ترى أنه لما ثبت الترتيب في الصلاة، وأن الركوع مقدم على السجود، وقد كرر في مواضع كذلك، ثم ورد قوله تعالى ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (١)، فقدم السجود على الركوع لم يدل ذلك على أن المراد خلاف الترتيب، وإنما هذا على حسب الأدلة، فإن ثبت أن موضوع الواو للجمع لم يضر ذلك تكرير اللفظ ولا تغييره، وكذلك إن ثبت أنها للترتيب لم يضر ذلك. ثم إننا نحن أيضًا نقول: إنه تعالى لما كرر في هذه المواضع بالواو دل أنه أراد الجمع، إذ لو أراد الترتيب لأشبه أن يذكره في بعض المواضع بحرف الترتيب مثل الفاء أو ثم، فلما لم يذكره كذلك، ولا غيره عن حرف الجمع علم أنه أراد الجمع، والله أعلم. فإن قيل: فإن الآية محتملة لما نقول ولما تقولون، ورأينا النبي ﷺ

стр. 528

توضأ ورتب (١)، فكان هذا منه بيانًا للمراد بالآية. وقد يستدلون بهذا الخبر مفردًا فيقولون: إن النبي ﷺ توضأ ورتب، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (٢)، فكان هذا منه بيانًا للمراد بالآية، وأيضًا فإن أفعاله على الوجوب (٣). وأنا أتكلم على الجميع فالجواب أن نقول: إن النبي ﷺ قد رتب تارة، وترك الترتيب تارة أخرى. فروى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ توضأ فغسل وجهه وذراعيه، ثم رجليه، ثم مسح برأسه (٤). فليس لكم أن تجعلوا ترتيبه بيانًا للآية إلا ولنا أن نجعل تركه الترتيب بيانًا لها، وأن المراد بالواو الجمع، وإذا تساوى ذلك قلنا: إنما رتب استحبابًا، وترك الترتيب ليعلمنا الجواز (٥).

стр. 529

وقد روي عن عثمان ﵁ أنه توضأ وعكس بملأ من أصحاب النبي ﷺ ، وقال: "أهكذا رأيتم رسول الله ﷺ توضأ؟. فقالوا: نعم" (١). فشهدوا له بذلك، فيجب استعمال الأخبار كلها، وأن لا يسقط بعضها، ويحصل معنا زيادة حكم، وهو جواز التعكيس الذي تمنعون عنه. وقوله: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (٢)، في خبرنا كما هو في خبرهم، فعلمنا أنه قصد بالوضوء ما تحصل فيه الوضاءة، وهو الغسل لا الترتيب ولا تركه، هذا إن صح الحديث هكذا، وإنما الصحيح أنه توضأ مرة

стр. 530

مرة وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (١). وقولهم: إن أفعاله على الوجوب فمثله نقول في أخبارنا، فإذا تعارضنا وجب الاستعمال على ما بينا من الجواز والاستحباب. ويجوز أن نستدل نحن بأخبارنا ابتداء، فإذا عارضونا بأخبارهم التي فيها الترتيب حملناها على الاستحباب، وأخبارنا على الجواز، وهم لا يمكنهم استعمال أخبارنا. ولنا ما روي عن عمار أنه قال لعمر ﵁: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت، ولم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بيده على الأرض فنفضها، ثم ضرب بشماله على يمينه، ويمينه على شماله على الكفين ثم مسح وجهه" (٢). فدل هذا على جواز ترك الترتيب؛ لأنه لا أحد يفرق بين الوضوء والتيمم في وجوب الترتيب أو تركه، فإذا ثبت جوازه في التيمم ثبت جوازه في الوضوء.

стр. 531

فإن قيل: رأينا في الآية تقديم بعض الأعضاء على بعض، ورأينا النبي ﵇ قد رتب، وأجمعت الأمة على أن من توضأ ورتب أجزأه، ولم يجمعوا على أن من ترك الترتيب أجزأه، فعلمنا أن المراد من الآية الترتيب، إذ لو كان المراد غيره لما أجمعوا عليه؛ لأنهم لا يجمعون على الخطأ الذي هو خلاف المراد. قال القاضي أبو الحسن: وأول ما سمعت هذا الفصل من القاضي أبي حامد ﵀ بالبصرة، فكلمته عليه بما أذكره، فقلت له: هذا ينقلب عليك مثله في الموالاة وترك التفرقة، وفي مسح بعض الرأس، وذلك أن الله تعالى أمر بغسل هذه الأعضاء، وبمسح الرأس، وتوضأ النبي ﷺ ووالى، ومسح بجميع رأسه وأجمعت الأمة [على أن من توضأ ولم يفرق ومسح جميع رأسه أنه يجزئه، ولم يجمعوا] (١) على أن من فعل خلاف ذلك أنه يجزئه، فعلمنا أن المراد بالآية ما أجمعوا عليه [من الموالاة واستيفاء مسح جميع رأسه؛ إذ لو كان المراد غيره لما أجمعوا] (٢) عليه؛ لأنهم لا يجمعون على خلاف المراد، وهذا حذو النعل بالنعل. على أن النبي ﷺ قد رتب تارة، وترك الترتيب تارة، على ما رويناه، كما روى عندك أنه مسح جميع رأسه تارة، ومسح ببعضه تارة، ولم يكن إجماعهم على أحد الفعلين أنه يجزئ، واختلافهم في الفعل الآخر أنه لا يجزئ يسقط عندك جواز ما اختلفوا فيه. دليل لنا: وهو أننا وجدنا الصحابة قد أجازوا ذلك، ولا نجد بينهم

стр. 532

اختلافًا فيه، فمنهم علي، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس. قال علي وابن مسعود: إذا أتممنا وضوءنا فلا نبالي بأي أعضاءنا بدأنا (١). وقال ابن عباس: إذا أسبغت وضوءك فسواء بدأت برجليك أو بيديك (٢).

стр. 533

روي هذا الحديث ابن الجهم في كتابه عن مجاهد عن ابن عباس. وإذا كان هذا إجماع الصحابة مع روايتهم أن النبي ﷺ ترك الترتيب دل على أن ترتيبه حيث رتب على وجه استحباب، وأنه أحب أن يطابق لفظ الآية، وتركه للترتيب حيث ترك يدل على الجواز. فإن ذكروا آيات في كتاب الله تدل على الترتيب ذكرنا الآيات التي يجوز فيها ترك الترتيب، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١) وأنه لو قدم المساكين على الفقراء جاز. على أن الواو إذا وقعت للترتيب فإنما تصير إليه بدلالة، وإلا ففي الظاهر أن موضوعها للجمع على ما بيناه. فإن قيل: فقد روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أن النبي ﷺ طاف وخرج من المسجد وبدأ بالصفا وقال: "ابدؤوا بما بدأ الله به" (٢).

стр. 534

وقوله: "ابدؤوا" لفظه لفظ أمر يقتضي أن يكون كل موضع بدأ [الله به ذكرا أن يلزمنا أن نبدأ به فعلًا، والله تعالى بدأ] (١) بذكر الوجه فالبداءة به فعل واجب بظاهر الأمر. قيل: الجواب عن هذا من وجهين أحدهما: أن الواو لو كانت في لسانهم للترتيب لعقلوا من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ (٢)، أن الصفا مقدم، ولم يحتج أن يقول لهم ﷺ : "ابدؤوا بما بدأ الله به" (٣)؛ لأن الواو في لسانهم للترتيب على ما تذكرون، فلما قال لهم "ابدؤوا بما بدأ الله به" علم أن الواو للجمع، وإنما أريد في هذا [الموضع خلاف] (٤) الموضوع المعقول في لسانهم. والجواب الآخر: هو أن قوله ﵇: "ابدؤوا بما بدأ به" (٥) مقرون بسبب

стр. 535

هو الصفا، وإذا خرج الخبر مقرونًا بسبب حمل عليه، ولم يحمل على عمومه، هذا مذهب مالك ﵀ (١). ثم لو ثبت العموم فيه لحملناه عليه إلا أن تقوم دلالة، وقد ذكرنا في الوضوء دلائل تجوز ترك الترتيب فيه، والبداءة بغير ما بدئ به في اللفظ. وأيضًا من جهة القياس قد اتفقنا على أنه لو قدم غسل اليسار على اليمين في الوضوء أجزأه (٢)، بعلة أنها طهارة تبيح الصلاة، فجاز تقدمة بعض الأعضاء فيها على بعض. وأيضًا فقد اتفقنا على الطهارة من الحيض والجنابة، وأن الترتيب لا يجب فيها، والعلة في ذلك أنها طهارة تنتقض بالحدث، وكذلك الوضوء. فإن قيل: قياسكم على تقدمة اليسار على اليمين غير صحيح؛ لأن اليدين في حكم اليد الواحدة، وكذلك الرجلان؛ بدليل أنه لو لبس خفيه على طهارة، ومسح عليهما جاز أن يصلي، ولو نزع أحد خفيه انتقض الطهر في قدميه، ويصير كأنه نزع خفيه جميعًا، ولا يجوز أن يمسح عليه، كما لو تطهر في الابتداء، ولبس أحد خفيه لم يجز أن يمسح عليه (٣)، فإذا كانا في حكم العضو الواحد لم يعتبر فيه الترتيب، وليس كذلك الأعضاء في الطهارة؛ لأن

стр. 536

حكم كل عضو منفرد عن الآخر، فوجب أن يرتب (١). وأما القياس على غسل الحيض والجنابة فلا يصح؛ لأن الغسل لا يتبعض، فجميع البدن في الجنابة كالعضو الذي لا يتبعض، وليس كذلك الوضوء؛ لأنه ذو أركان يتبعض، فكل عضو فيه كالغسل من الجنابة، وليس في الغسل موضع ترتيب (٢). قيل: أما قولكم: "إن اليدين في حكم العضو الواحد، وكذلك الرجلان" فغلط؛ لأن الوضوء لا يصح بغسل أحدهما دون الآخر، كما لا يصح بغسل عضو دون الآخر مع القدرة. فأما المسح على الخفين فإنما هو رخصة، جوز على صفة هي أن تكون الرجلان مستورتين في الخفين بعد طهارة كاملة، ولم يرخص له أن يمسح على واحدة ويغسل الأخرى؛ لأن الرجلين عضو واحد، ألا ترى أن الرخصة لم تدخل في اليدين بالمسح، وقد رأينا النبي ﷺ رتب فيهما فبدأ باليمين على الشمال، كما بدأ بغسل الوجه عليهما. وأما الغسل من الحيض والجنابة فقد رتب النبي ﷺ فيه، فغسل يديه، ثم غسل ما به من الأذى، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم خلل أصول شعره بالماء، ثم أفاض على جسده (٣)، وهذا كله ترتيب كما رتب في الوضوء، ولو ترك عضوًا من جسده لم يغسله لم تتم طهارته، كما لو ترك عضوًا من أعضاء

стр. 537

الوضوء [لم يغسله] (١) لم يجزئه، فليس لكم أن تجعلوا اليدين، ولا غسل الحيض والجنابة في حكم العضو الواحد إلا ولنا أن نجعل الأعضاء كلها في حكم العضو الواحد؛ لأن الطهارة لا تتم إلا بالجميع. دليل لنا: لو كان الترتيب فرضًا في الطهارة لكان حكمه حكم النية، والماء الطاهر الذي لا يسقط بوجه إلا لضرورة أو نيابة شيء عنه، فلما جاز للمحدث بالغائط والبول الغوص في الماء - الذي يسقط معه الترتيب ويكون مختارًا - ولا تسقط معه النية والماء الطاهر علمنا بهذا أنه ليس بفرض. فإن قيل على هذا الفصل: إنه إذا غاص في الماء لم يحصل الوضوء دفعة واحدة عندنا، بل يترتب من غير فعل، ومعنى هذا أنه إذا انغمس في الماء فقد عم الماء جميع بدنه، وكل جزء وقع منكسًا لم يعتد به، وكل جزء وقع مرتبًا، فهو الذي صحح الوضوء، وهذا معنى الترتيب عندنا (٢). وعلى أن هذا يلزمكم في المصلي منفردًا عليه فرض في قراءة فاتحة الكتاب، كالنية وتكبيرة الإحرام، ثم إن القراءة تسقط عنه خلف الإمام (٣)، ولا تسقط [النية] (٤) ولا تكبيرة الإحرام، فينبغي أن لا تكون القراءة على المنفرد فرضًا، وكذلك يلزمكم في الموالاة (٥)؛ لأنها لو كانت فرضًا في

стр. 538

الوضوء لكانت كالنية، والماء الطاهر، فلا يسقط حكمها بالنسيان، كما لم يسقط حكم النية والماء الطاهر. قيل: أما قولكم في الانغماس في الماء يقع مرتبًا فهذا دفع المشاهدة؛ لأنه إذا غاص فيه لم يسبق أحد الأعضاء صاحبه في الغسل، ولم يتقدم في الفعل بعض الأعضاء على بعض، فإن جعلتموه كالمرتب حكمًا فجوزوا تقدمة اليدين على الوجه، واجعلوه مرتبًا حكمًا، ونحن نعلم أن المنغمس في الماء دفعة ما حصل غسل أعضائه إلا دفعة، لم يتقدم الفعل في أحد الأعضاء على صاحبه، فقد سقط الترتيب الذي هو البداءة بعضو على عضو فعلًا. فأما المنفرد بالصلاة فعليه القراءة، فإذا صلى مأمومًا ناب الإمام منابه في القراءة، وليس ينوب عن الترتيب في الانغماس في الماء شيء. وأما الموالاة فالنسيان لها ضرورة، كما لو قام إلى خامسة ناسيًا لم يفسد، ولو تعمد لأفسد، وكذلك - عندكم - لو أكل ناسيًا في صومه لم يفسد، ولو تعمد لأفسد (١)، وإذا انغمس في الماء فقد ترك الترتيب متعمدًا مختارًا، فقد سقط السؤال. ونقول أيضًا: إنها طهارة للصلاة، فوجب أن لا يستحق الترتيب فيها، أصله إزالة النجاسة.

стр. 539

ونقول أيضًا: إن الفرض إذا سقط دفعة واحدة لم يستحق الترتيب فيه، أصله الزكاة، وذلك أنه لو كان معه شيء من الزكاة فدفعه إلى مستحق أجزأه عن فرضه، ثم الترتيب فيه غير مستحق؛ لأنه لو فرق ذلك القدر من الزكاة جزءًا جزءًا، فقدم وأخر أجزأه، فكذلك فرض الطهارة في الانغماس في الماء يسقط دفعة واحدة، فلا يستحق الترتيب فيه إذا فرق. فإن قيل: فإنها عبادة ترجع إلى شطرها حال العذر، فوجب أن يكون الترتيب فيها مستحقًّا كالصلاة. وأيضًا فإنها عبادة تجمع أفعالًا متغايرة نفلًا وفرضًا، فوجب أن يكون فيها ترتيب مستحق، كالحج لا يجوز تقديم الطواف فيه على الوقوف بعرفة. وأيضًا فإنه فعل معلق أوله على آخره، ويفسد أوله بفساد آخره، فأشبه الصلاة لا يجوز تقديم السجود على الركوع. قيل: لم يكن المعنى في الصلاة ما ذكرتموه، وإنما المعنى فيه أنها عبادة لا تجوز تعمد تفرقتها على وجه لاتصال نظامها، وليس كذلك الوضوء؛ لأنه لو فرقه عامدًا على وجه أجزأه. وعلى أنا نقيس ذلك على الصلاة فنقول: إذا جاز أن يسقط فرض الوجه في الوضوء مع بقاء الفرض على اليدين أو غيرهما لم يستحق فيه الترتيب، كالصلاة، والزكاة، أو الصوم والزكاة لما جاز أن يسقط فرض الصلاة عنه، وفرض الزكاة والصوم باق عليه، وقد يسقط عنه فرض [الصوم والزكاة وفرض] (١) الصلاة عليه باق لم يستحق بينهما ترتيب، وكذلك إذا اجتمعت

стр. 540

صلوات كثيرة، وقد ذكر أصحابنا أن في الصلاة موضع ترتيب - عندهم - و [لو] (١) قدم لجاز؛ وذلك أن الصلاة على النبي ﷺ في التشهد فرض (٢)، وهو بعد قوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، فلو قدم قوله: اللهم صل على محمد، على ما قبله أجزأه وأما قياسهم على الحج فإن أرادوا أن يكونوا في الوضوء ترتيب مستحق فنحن نقول فيه بتقديم النية والماء الطاهر، كما نقول إن النية والإحرام تتقدمان في الحج، وفي الحج مواضع قد رتبت، ويجوز تأخير ما قدم فيها، ألا ترى أن السعي - عندنا وعندهم - فرض، وسنته أن يكون عقيب طواف القدوم، فلو أخره حتى يوقعه عقيب طواف الفرض جاز، ولم يفسد حجه. ولقياساتنا فضل الترجيح من وجوه: منها: أنها تستند إلى أقوال الصحابة في جواز ترك الترتيب في الطهارة. ومنها: أن الرد إلى الجنس من الطهارة أولى، ورد ما تجوز التفرقة فيه على وجه إلى مثله أولى، ورد ما يراد لغيره إلى ما يراد لغيره أولى من رده إلى ما يراد لنفسه، ونحن قد رددنا الوضوء إلى الغسل، وإلى إزالة النجاسة، ورد ما يسقط إلى بدل إلى مثله أولى من رده إلى ما لا يسقط إلى البدل، ورد ما ينوب عنه فيه غيره إلى مثله أولى من رده إلى ما لا يجوز ذلك فيه؛ لأن الإنسان يجوز أن يوضئه ويغسله غيره، ويزيل عنه النجس مع القدرة، ولا يجوز ذلك في الصلاة والحج، وبالله التوفيق.

стр. 541

فإن قيل: فإنها عبادة تجمع أشياء متغايرة، تتقدم على الصلاة للصلاة فوجب إذا لم يرتبها أن لا يعتد بها، أصله الأذان. قيل: هذا منتقض؛ لأن غسل الجنابة، واستقبال القبلة، والطهارة، جميع ذلك عبادة تجمع أشياء متغايرة تتقدم على الصلاة للصلاة، ومع هذا أن لو قدم الطهارة، ثم غسل ثوبه، أو بدنه من النجاسة، ثم استقبل القبلة جاز، وكذلك لو قدم استقبال القبلة، أو قدم غسل النجاسة. فإن قيل: هذه عبادات لا عبادة واحدة. قيل: كذلك غسل الأعضاء، كل واحد منها غسله عبادة، والطهارة عبادات. فإن أردتم أن الطهارة لا تتم إلا بجميعها قلنا لكم: الصلاة لا تتم إلا بإزالة الأنجاس، واستقبال القبلة، والطهارة كما لا تتم إلا بغسل الأعضاء كلها. فإن جعلتموها عبادة واحدة فكذلك ما ذكرتموه، وإن جعلتموها [عبادات] (١) فكذلك ما ذكرناه. على أن رد الوضوء إلى غسل الجنابة أولى منه إلى الأذان؛ لأنه لو أسقط الأذان مع القدرة لصحت صلاته، ولو أسقط الوضوء مع القدرة لم تصح. وكذلك ما ذكرناه من غسل النجاسة، واستقبال القبلة، والطهارة، لو أسقط واحدًا منها مع القدرة وعدم العذر لم يصح، وليس كذلك الأذان، والله أعلم.

стр. 542

مَسْألة (١٠): تخليل اللحية في الطهارة (١) والجنابة ليس بمفروض (٢). وروى ابن وهب عن مالك ﵀ أنه في الغسل من الجنابة واجب، غير أن إيصال الماء إلى البشرة التي تحت الشعر ليس بمفروض (٣). وقال الشافعي: التخليل مسنون، وإيصال الماء إلى البشرة مفروض في الجنابة (٤)، مثل أن يغلغل الماء في شعره، أو يبله في الماء حتى يعلم أنه قد وصل إلى البشرة (٥). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، والاغتسال معقول، فإذا غسل ظاهر لحيته مع سائر بدنه فهو كغسله ظاهر وجهه، ويقال: قد اغتسل،

стр. 543

وإن لم يصل الماء إلى ما تحت شعره. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ مثل ذلك، فإذا اغتسل قيل: قد اغتسل وتطهر. وأيضًا قول النبي ﷺ لأبي ذر: "فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك" (١) إنما يتوجه على ما ظهر من الجلد، وهو الذي يمكنه إمساسه بالماء الذي يكون في يده، ويسمى به غاسلًا، ونحن نعلم أن المماسة باليد بالماء لا يمكن لما تحت الشعر حتى يكون به غاسلًا، وإنما تبلغ يده مبلولة فيكون إما ماسحًا، أو ماسًّا لا غاسلًا، والذي أُخذ عليه أن يكون غاسلًا بقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. فإن قيل: الخبر حجة لنا؛ لأن النبي ﷺ قال: "فأمسسه جلدك" (٢)، فلم يعقل منه غير المس. قيل: يحتاج أن يكون ماسًّا لكل جزء من الجلد بالماء لا بالبلل، ومع الغسل يحصل كل جزء، وداخل اللحية لا يحصل في الغالب مماسًّا بماء، ولكن بالبلل، فعلم أن المراد الجلد الظاهر الذي يحصل في الغالب على هذه الصفة بفعل اليد في الماء. وأيضًا قوله ﷺ : "تحت كل شعرة جنابة، فبُلُّوا الشعر، وأنقوا البشَرة" (٣). وقد علمنا أن ما تحت الشعر لا يمكن غسله، وأن ما بين الشعر الكثيف لا يباشر به، وإنما يباشر بالجلد الذي يَبين من الشعر، والإنقاء أيضًا مبالغة

стр. 544

في الغسل، وهذا لا يكاد أن يتأتى إلا في الظاهر من الجلد الذي يتناوله اسم الغسل على ما نقوله في الدلك بالماء. وأيضًا قوله ﷺ : "الأعمال بالنيات" (١)، وهذا إذا اغتسل ونوى فقد حصل العمل بالنية. وأيضًا قوله ﷺ : "وإنما لامرئ ما نوى" (٢)، وهذا قد نوى غسل الجنابة بما فعله فله ما نواه. وأيضًا قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بطهور" (٣) وهذا قد فعل ما [يسمى] (٤) به متطهرًا، ويسمى فعله طهورًا وصلاة. فإن قيل: إننا لا نسمي هذا الغسل طهورًا حتى يصل الماء إلى ما تحت لحيته. قيل: النبي ﷺ سماه طهورًا بقوله: "أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء، فإذا أنا قد طهرت" (٥). وقيل لأم سلمة: "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من رأسك، ثم تفيضي الماء على سائر جسدك، فإذا أنت قد طهرت" (٦). وهذان الخبران يصلح أن يستدل بهما ابتداء، ويصلح أن يعارض بهما

стр. 545

السؤال الذي تقدم. وأيضًا قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (١). وهذا إذا اغتسل على ما نقوله، وصلى بقراءة فاتحة الكتاب فقد حصلت له الصلاة بحكم الظاهر. فإن قيل: فقد روي أنه ﷺ كان يخلل أصول شعره بالماء في غسل الجنابة (٢). قيل: ليس في التخليل أكثر من أنه يبل الشعر؛ لأنه ربما لم يبتل، وخاصة الشعر الكثيف المتجعد، فإذا خلله وصل الماء، فابتل الشعر الذي يجتمع ويخفى، وقد قال: "بلوا الشعر" (٣)، فأما أن يكون في الخبر أنه غسل الجلد الذي بين أصول الشعر فليس فيه، ولو صح ذلك لكان مستحبًا، كما روي أنه توضأ واغتسل (٤)، وليس الوضوء واجبًا بدليل قوله: "أما أنا فأحثي على رأس ثلاث حثيات من ماء، فإذا أنا قد طهرت" (٥). وبما قاله لأم سلمة (٦). فإن قيل: الطهارة عليه بيقين، ولا تسقط إلا بيقين، وهذا إذا لم يوصل الماء إلى ما تحت اللحية فلسنا على يقين من طهارته.

стр. 546

قيل: الذي تعلق عليه ما يسمى به مغتسلًا ومتطهرًا، فإذا فعل ذلك تناوله الاسم، وحصلت له الصلاة التي لها تراد للطهارة بقوله: "لا صلاة إلا بطهور" (١). فإن قيل: الصلاة عليه بيقين، فلا تسقط إلا بدليل. قيل: قد قال النبي ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٢)، وهذا إذا اغتسل ولم يوصل الماء إلى ما تحت لحيته وصلى وقرأ فقد أتى بالصلاة التي فيها فاتحة الكتاب. فإن قيل: فقد قال: "لا صلاة إلا بطهور" (٣). قيل: هذا قد فعل ما يسمى طهورًا في اللغة والشرع، على ما ذكرناه عنه ﵇ في فعله (٤)، وفي قوله لأم سلمة (٥). وكل ظاهر يأتون به فلنا من الظواهر ما يعارضه. دلائل القياس: اتفقنا على أن ذلك في الوضوء غير واجب (٦)، والمعنى فيه أنها طهارة تبيح الصلاة، أو تنقض بالحدث، أو تجب عن حدث، فكذلك غسل الجنابة.

стр. 547

وأيضًا قد اتفقنا على أن داخل العينين لا يجب غسله (١)؛ بعلة أن دونه ساتر من نفس الخلقة، أو بعلة أنه باطن بطونًا مستدامًا في الأغلب. وأيضًا فإنا قد اتفقنا على أن داخل الفم لا يجب غسله، ونذكر العلة التي هي في العينين. فإن قيل: هذا منتقض بتخليل أصابع الرجلين. قيل: إذا كانت متلاصقة لم يجب غسل ما بينها. فإن قيل: يفسد بالخف. قيل: قد احترزنا وقلنا: بطونًا مستدامًا، وقلنا أيضًا: دونه ساتر من نفس الخلقة. فإن قيل: يفسد بما تحت ثديي المرأة، وبالسِّلْعة (٢) إذا نزلت، فإنه يجب غسل ما تحت ذلك. قيل: هذا لا يلزم على اعتلالنا؛ لأن ثدي المرأة إذا كان منكسرًا على صدرها فليس يحصل ما تحته باطنًا بطونًا مستدامًا؛ لأنها إذا نامت، أو مشت، أو الْتوت زال عن موضعه، وليس كذلك ما تغطيه اللحية، وداخل الفم والأنف والعين. فإن قيل: فإن شعر اللحية طارٍ، وليس كذلك داخل الفم والعين، فينبغي أن يكون الشعر كالخف.

стр. 548

قيل: أليس الأمرد الذي لا لحية له يجب عليه غسل ذقنه في الوضوء والجنابة، ثم يسقط غسله في الوضوء إذا غطاه الشعر؟ فينبغي أن يسقط في الجنابة إذا غطاه الشعر، وإن كان طارئًا فيهما. فإن كان المخالف ممن يوجب ذلك في الوضوء والجنابة (١) قلنا: القياس على داخل العين بما ذكرناه من العلة. فإن ذكر هذا السؤال في الشعر وأنه طار نقضنا عليه ذلك بالمسح على العمامة في الوضوء؛ لأنه يجيزه، والعمامة طارئة. فإن فصل بينهما بأن العمامة لا تثبت دائمًا مع طريانها. قيل: فقد صار ثبوت الشعر ودوامه مع طريانه يشبه الشعر الذي يخرج في العين، فإما أن توجب غسل شعر العين وما تحته من العين، كما توجب في الشعر الظاهر الخارج، أو تسقط الشعر الظاهر كما أسقطت غسل شعر العين، فيجيء من هذا أن غسل الشعر في مسألتنا يسقط فضلًا عما تحته، أو يجب غسل اللحية أو ما تحتها، فيجب غسل الشعر من العين، وهم لا يوجبون ذلك، ففسد الاعتلال بأنه طار. فإن قيل: إن شعر العين الذي ينبت فيها - أعني في داخلها - لو لم ينبت لما وجب غسل ما تحته، وليس كذلك الشعر الذي على البشرة. قيل: نحن قد أفسدنا الاعتلال، والفرق مع النقض والفساد لا يضر. على أننا نحن أيضًا نقول: إن داخل الأنف لو لم ينبت فيه شعر لما

стр. 549

وجب غسله، وهو قول الشافعي (١)، فكذلك لا يجب غسل الشعر الذي فيه، ويصير الشعر الظاهر مترددًا بين أصلين هما الشعر الذي داخل الأنف والعين، وبين الأشياء التي تطرأ كالجبائر والخف، فرد ما تحت الشعر [إلى ما تحت الشعر] (٢) أولى من رده إلى غيره، ورد ما يثبت بعد طريانه فيما يثبت من شعر الأنف والعين أولى، وبالله التوفيق. ونقول أيضًا: إنه شعر يستر ما تحته في العادة، فوجب أن ينتقل الفرض إليه، أصله الوضوء. هذا على الشافعي. والمزني يوجب إيصال الماء في الوضوء والجنابة إلى البشرة. مَسْألة (١١): عند مالك وأبي حنيفة [والشافعي] (٣) وجميع الفقهاء أن المرفقين تدخلان في غسل الذراعين في الوضوء (٤). وذهب زفر بن الهذيل (٥) إلى أنه ........................

стр. 550

لا يجب غسل المرفقين (١). قال: لأن الله - تعالى - قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٢)، فأمر بغسلهما إلى المرفقين، وجعلهما حدًّا، والحد لا يدخل في المحدود، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣)، فجعل الليل حدًّا للصوم، ثم لا يدخل شيء من الليل فيه، وكما يقال: دار فلان تنتهي إلى دار فلان، فتكون دار فلان حدًّا لها، ولا تدخل فيها، وكذلك هاهنا. والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، وأن الله - تعالى - لما أراد منا استيفاء الغسل إلى هذا الحد، وعلم أنه لا يمكن تكلف إخراج المرفقين عنه لمقاربته، وأنه لا فصل بينهما أوجب غسل المرفقين، كما أنه لما لم يكن بين النهار والليل فصل وجب إدخال جزء من الليل في حكم الصيام بقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٤).

стр. 551

وكذلك لما لم يكن بين الليل والفجر فصل وجب أن يدخل جزء من الليل في ابتداء الصيام في باب النية والإمساك، حتى يحصلا مقدمين على الصوم الذي يجب من طلوع الفجر؛ لأنه لو تكلف ابتداء الإمساك حين يطلع الفجر لشق ولم يمكن، فكذلك في المرفقين مع الذراعين. فإن قيل: فينبغي أن يكون الواجب إدخال جزء منه لا جميعه، كما ذكرت في الليل والنهار. قيل: المرفق نفسه كالجزء من الليل؛ لأن الليل ممتد، وليس كذلك المرفق، فتكلف إدخال بعض المرفق دون بعض يشق ولا يمكن، وإذا لم يمكن استيفاء الذراع إلا بجزء من المرفق، ويشق تمييز ذلك الجزء منه لقلته في نفسه صار جميعه في حكم الجزء من الليل. وقد حكي عن المبرد أنه قال: لغة العرب أن الحد إذا كان من جنس المحدود دخل الحد في المحدود، كقولهم: بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف الآخر، دخل الطرف الآخر في البيع وإن كان قد جعله حدًّا لأنه من جنس الثوب، وإن كان الحد من غير جنس المحدود لم يدخل في المحدود، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١)، لما لم يكن الليل من جنس النهار لم يدخل فيه، كذلك أيضًا دخل المرفق فيه؛ لأنه من جنس المحدود. قال القاضي أبو الحسن: وعندي أن "إلى" إذا كانت في موضعها حقيقة للغاية فلا فصل بين الجنسين وغيره إذا لم يمكن الفصل بينهما عند انتهاء

стр. 552

الغاية، فأما في المواضع التي تكون "إلى" بمعنى "مع" كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (١)، أي: مع الله (٢)، فهي في هذا الموضع ليست للغاية، ولا تكون حقيقة فيه بخروجها عما وضعت له (٣). وفي الآية أيضًا دليل آخر، وهو أن اسم اليد يتناول جميعها إلى الإبط (٤)، بدليل ما روي عن عمار بن ياسر أنه لما تيمم مسح إلى الآباط (٥)

стр. 553

امتثالًا لما اقتضاه الاسم أعني اسم اليد، وعمار من وجوه أهل اللغة، فإذا تقرر أن اليد اسم لها إلى الآباط، ثم أمر الله - تعالى - بغسل اليدين اقتضى الاسم غسلهما إلى الإبطين، فاستثنى مما أوجبه الاسم ونقص منه بقوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فبقي المرفق مغسولًا مع الذراعين بحق الاسم؛ لأن الاستثناء لم يلحقه، ولم ينته إليه. هذا إن سلمنا أن الحد لا يدخل في المحدود، فقد صح ما قلناه. ثم يقوي ما ذهبنا إليه: ما روي "أن النبي ﷺ غسل يديه، ثم أدار الماء على مرفقيه" (١).

стр. 554

وقال في الحديث: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" لما توضأ مرة مرة (١). وهذا يمكن أن يجعل دليلًا مبتدأ، فإذا أورد عليه الكلام في الحد ذكر فيه ما تقدم. ويدل على ذلك أيضًا ما روي عن جابر بن عبد الله وأنه قيل له: أرنا كيف كان وضوء رسول الله ﷺ . فأراهم ذلك، وفيه: "أنه لما بلغ المرفقين أدار الماء عليهما" (٢). وهو قول [جمع] (٣) من الصحابة، وظاهره أن فعل النبي ﷺ واجب إلا أن تقوم دلالة. ويجوز أن تجعل "إلى" هاهنا بمعنى "مع" بدليل ما روي عن النبي ﷺ أنه أدار الماء على مرفقيه (٤)، وبخبر جابر (٥).

стр. 555

مَسْألة (١٢): والبياض الذي بين شعر اللحية والأذن ليس من الوجه (١)، ولا يجب غسله معه في الوضوء (٢). وذكر الطحاوي أنه من الوجه (٣). وقال الرازي في شرحه (٤): إنه كان يجب قبل نبات الشعر غسله؛ لأنه من الوجه، فلا يسقط حكمه بنبات الشعر في غيره. قال: وكان الكرْخي يحكي عن البردعي أن حد الوجه من قصاص شعر الرأس إلى أصل الذقن إلى شحمة الأذن (٥).

стр. 556

وكذلك قول الشافعي (١). وهذا الذي ذكره أنه كان يجب غسله قبل نبات الشعر ليس [الأمر] (٢) كذلك، وإنما كان يجب غسل الموضع الذي نبت عليه الشعر، فأما ما وراء ذلك فلم يجب غسله مع الوجه. والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. والوجه عند العرب ما وقعت المواجهة به، ولا تقع في غالب الحال بذلك الموضع. يبين ذلك: أن على المرأة المحرمة أن تكشف وجهها في الإحرام، ونحن نعلم أن القناع (٣) يغطي ذلك الموضع، ولا تكون عليها فيه فدية، ولو غطت موضعًا من وجهها لكان فيه فدية، وكذلك الذي يجوز لها أن تظهر في الصلاة وجهها وهو ما ظهر من القناع، وإذا كشفت هذا القدر قيل: قد كشفت وجهها حقيقة. ومن جهة الاستدلال: أن الذي ستره الشعر لما لم يجب غسله كان الذي وراءه أولى أن لا يجب، إما لأنه إلى الرأس أقرب، أو لأن الشعر قد حال بينه وبين الوجه. فإن قيل: فإن المرأة إذا لبست الوِقاية (٤) تغطي رأسها، وانكشف الباقي،

стр. 557

فينبغي أن يكون من الوجه. قيل: فيلزمك أن تكون الأذنان من الوجه، وليس الأمر كذلك عندك، وهما ينكشفان مع الوجه، ولو فعلت ذلك في الصلاة لم يجز لها ذلك عندنا؛ لأن رقبتها وأذنيها تنكشف. فإن قيل: فلِم [لم] (١) تقل في هذا كما قلت في المرفقين مع الذراعين، وأنه لما لم يمكن الفصل بينهما لتقاربهما وجب أن يغسل مع الوجه، كالمرفقين (٢). قيل: الفصل بينهما أن اسم اليد يقع من أطراف الأصابع إلى المناكب حقيقة (٣)، وكل موضع منه يتناوله اسم يد حقيقة، وليس كذلك الوجه مع الرأس، بل جعل بينهما فصل، لا هو وجه حقيقة، ولا من الرأس حقيقة، [ألا ترى] (٤) أن الله - تعالى - ذكر غسل الوجه وأفرده؛ لأنه المواجَه به، ثم عقبه بغسل اليدين، ثم أتى بمسح الرأس بعد ذلك، فعلم بهذا أن هذا مفرد عن هذا، وليس كذلك الذراع مع العضد؛ لأن الاسم الواحد يتناولهما حقيقة، فبان الفصل بينهما. فإن قيل: فيلزمك هذا في النهار مع الليل. قيل: لا يلزم؛ لأن الذي جعل آخر النهار هو غيبوبة الشمس، وهي

стр. 558

التي جعلت أول الليل فلا فصل، فكأنه مشترك بينهما، فلم يمكن الفصل بينهما، وبين الوجه والرأس فصل بيِّن، فلم يلزم ما ذكرتموه، والله أعلم. مَسْألة (١٣): غسل القدمين في الوضوء مع القدرة عليه فرض عند مالك وأبي حنيفة والشافعي، وجميع الفقهاء. وبه قال أنس بن مالك (١)، وربيعة، والأوزاعي، وأهل الشام، وعبيد الله بن الحسن البصري، وأهل البصرة، وسفيان الثوري، وأبو ثور، وأحمد. وذهب ابن جرير الطبري إلا أن الغسل يجوز، ومسح جميع القدمين يجوز، وأن الإنسان مخير بين الغسل والمسح على هذه الصفة (٢).

стр. 559

وذهبت الشيعة إلى أن الفرض هو المسح، ولا يجوز الغسل (١)، وإن مسح البعض أجزأه (٢). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٣). فنصب الرِّجلين (٤)، وحدّهما إلى الكعبين، كما نصب اليدين، وحدّهما

стр. 560

إلى المرفقين. فإن قيل: فقد قرئ: "وأرجلِكم" بالخفض، فنسق على مسح الرأس، فينبغي أن يكونا ممسوحين كالرأس، ويكون العطف على ما يليه من الرأس أولى من عطفه على اليدين. قيل: قد حصلت القراءتان جميعًا حجة لنا، فالنصب والتحديد إلى الكعبين ظاهر في العطف على اليدين، ومن قرأ بالجر خفض بالمجاورة؛ لأن من شأن العرب أن تتبع اللفظ اللفظ على المجاورة (١)، كقولهم: هذا جحر

стр. 561

ضبٍّ خربٍ، ومعناه: خربٌ؛ لأنه صفة للجحر، والضب لا يخرب (١). وكقول الشاعر: لقد كان في حول ثواءِ ثويته … تقضي لبانات ويسأم سائم (٢) فخفض الثواء على مجاورته الحول. فإن قيل: نحن نعارضك بمثل هذا فنقول: من قرأ "وأرجلَكم"، بالنصب، إنما عطفه على موضع الرأس؛ لأن موضع المجرور منصوب، ألا ترى قول الشاعر: معاوي إننا بشر فأسجح … فلسنا بالجبال ولا الحديدا (٣)

стр. 562

فنصب الحديد نسقًا على موضع الجبال؛ لأن موضع المجرور منصوب (١). قيل: إنما تعمل العرب هذا ضرورة (٢)، ولولا أن الشاعر عمله هاهنا لتقطعت قافيته، وإنما أراد إتباع القافية [القافية] (٣). ثم لو سلمنا المساواة والمعارضة في القراءتين لكان استعمالنا في الغسل أولى من وجوه: أحدها: أن في الآية صريحًا يدل على أن المراد الغسل، وهو أنه قيد الرجلين بالكعبين، كما قيده في اليدين إلى المرفقين، وتقييده إلى الكعبين يقتضي استيعاب الرجلين إلى الكعبين، وهذا يكون في الغسل؛ لأن من يعتبر المسح يقول: إذا مسح ظاهر القدم أجزأه دون الباطن (٤). ووجه آخر: هو أننا نستعمل القراءتين، فنحمل المنصوبة على غسل الرجلين، والمخفوضة على المسح على الخفين (٥).

стр. 563

وأيضًا فحملهما على الغسل أولى؛ لأن فيه المسح وزيادة عليه. ووجه آخر: وهو أن معنا من الأخبار ما لا يحتمل غير ما نقول، وذلك أنه روي أن النبي ﵇ قال للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله، واغسل وجهك ويديك، وامسح برأسك، واغسل رجليك" (١). وهذا موضع تعليم، فذكر فيه أن الذي أمره الله به هو الغسل دون غيره. وأيضًا قوله ﷺ في الخبر الآخر: "لن تجزئ عبدًا صلاته حتى يسبغ الوضوء، فيغسل وجهه ويديه، ويمسح برأسه ويغسل رجليه" (٢). فقوله: "لن يجزئ"، نفي للإجزاء إلا بما ذكره من الغسل. وهذان خبران يصلح الاستدلال بهما في أصل المسألة، ويصلحان ببيان موضع المراد من الآية. ووجه آخر: وهو أن الوجه إنما أمرنا بغسله لكثرة مباشرته الأشياء، من الشموس، والغبار والرياح، وغير ذلك، وأمرنا بغسل اليدين لكثرة العمل بهما ومباشرة الأشياء، والرأس في أكثر أحواله مغطى، لا يكاد أن

стр. 564

يعمل به شيء، ولا يباشر به، فأمرنا بمسحه تخفيفًا، والرجلان فالسعي بهما وظهورهما أكثر من اليدين، [لأن اليدين] (١) وإن كانتا للعمل فلعل عظم الناس تكون أيديهم مغطاة مخبأة (٢)، والرجلان أظهر منها، فلما أمرنا بغسل اليدين كانت الرجلان أولى بأن تكونا مرادتين بالغسل. فإن قال قائل من أصحاب ابن جرير: إن ما ذكرتموه من تقييد الرجلين بالكعبين، وأنه يوجب الاستيعاب فإننا نقول: إن الاستيعاب واجب في المسح كما هو واجب في الغسل. قيل: التخيير إحداث قول ثالث (٣)؛ لأن أحدًا من الصحابة والمتقدمين لم يحمل الآيتين على التخيير. على أنا قد ذكرنا وجوهًا أخر تدل على الغسل ووجوبه دون المسح. فإن قيل: معنا أخبار بإزاء أخباركم، وذلك أنه روي أن أنس بن مالك سمع الحجاج يخطب ويقول: أمر الله تعالى بغسل الوجه وغسل اليدين ومسح الرأس، وغسل الرجلين. فقال أنس: صدق الله، وكذب الحجاج، إنما أمر الله - تعالى - بمسح الرجلين، فقال: ﴿وأرجلِكم﴾ بالخفض" (٤).

стр. 565

فدل على أن القراءة بالخفض. وأيضًا فقد روي عن ابن عباس أنه قال: "غسلتان ومسحتان" (١). وروي عنه أنه قال: "كتاب الله المسح، ويأبى الناس إلا الغسل" (٢). فدل على أن الآية توجب المسح. وروي عن ابن عباس عن علي - رضوان الله عليهما - أنه وصف وضوء رسول الله ﷺ فغسل وجهه ويديه، ومسح رأسه، وأخذ حفنة فصكها على قدميه في نعليه (٣).
следующие страницы →