ضبٍّ خربٍ، ومعناه: خربٌ؛ لأنه صفة للجحر، والضب لا يخرب (١).
وكقول الشاعر:
لقد كان في حول ثواءِ ثويته … تقضي لبانات ويسأم سائم (٢)
فخفض الثواء على مجاورته الحول.
فإن قيل: نحن نعارضك بمثل هذا فنقول: من قرأ "وأرجلَكم"، بالنصب، إنما عطفه على موضع الرأس؛ لأن موضع المجرور منصوب، ألا ترى قول الشاعر:
معاوي إننا بشر فأسجح … فلسنا بالجبال ولا الحديدا (٣)
стр. 562
فنصب الحديد نسقًا على موضع الجبال؛ لأن موضع المجرور منصوب (١).
قيل: إنما تعمل العرب هذا ضرورة (٢)، ولولا أن الشاعر عمله هاهنا لتقطعت قافيته، وإنما أراد إتباع القافية [القافية] (٣).
ثم لو سلمنا المساواة والمعارضة في القراءتين لكان استعمالنا في الغسل أولى من وجوه:
أحدها: أن في الآية صريحًا يدل على أن المراد الغسل، وهو أنه قيد الرجلين بالكعبين، كما قيده في اليدين إلى المرفقين، وتقييده إلى الكعبين يقتضي استيعاب الرجلين إلى الكعبين، وهذا يكون في الغسل؛ لأن من يعتبر المسح يقول: إذا مسح ظاهر القدم أجزأه دون الباطن (٤).
ووجه آخر: هو أننا نستعمل القراءتين، فنحمل المنصوبة على غسل الرجلين، والمخفوضة على المسح على الخفين (٥).
стр. 563
وأيضًا فحملهما على الغسل أولى؛ لأن فيه المسح وزيادة عليه.
ووجه آخر: وهو أن معنا من الأخبار ما لا يحتمل غير ما نقول، وذلك أنه روي أن النبي ﵇ قال للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله، واغسل وجهك ويديك، وامسح برأسك، واغسل رجليك" (١).
وهذا موضع تعليم، فذكر فيه أن الذي أمره الله به هو الغسل دون غيره.
وأيضًا قوله ﷺ في الخبر الآخر: "لن تجزئ عبدًا صلاته حتى يسبغ الوضوء، فيغسل وجهه ويديه، ويمسح برأسه ويغسل رجليه" (٢).
فقوله: "لن يجزئ"، نفي للإجزاء إلا بما ذكره من الغسل.
وهذان خبران يصلح الاستدلال بهما في أصل المسألة، ويصلحان ببيان موضع المراد من الآية.
ووجه آخر: وهو أن الوجه إنما أمرنا بغسله لكثرة مباشرته الأشياء، من الشموس، والغبار والرياح، وغير ذلك، وأمرنا بغسل اليدين لكثرة العمل بهما ومباشرة الأشياء، والرأس في أكثر أحواله مغطى، لا يكاد أن
стр. 564
يعمل به شيء، ولا يباشر به، فأمرنا بمسحه تخفيفًا، والرجلان فالسعي بهما وظهورهما أكثر من اليدين، [لأن اليدين] (١) وإن كانتا للعمل فلعل عظم الناس تكون أيديهم مغطاة مخبأة (٢)، والرجلان أظهر منها، فلما أمرنا بغسل اليدين كانت الرجلان أولى بأن تكونا مرادتين بالغسل.
فإن قال قائل من أصحاب ابن جرير: إن ما ذكرتموه من تقييد الرجلين بالكعبين، وأنه يوجب الاستيعاب فإننا نقول: إن الاستيعاب واجب في المسح كما هو واجب في الغسل.
قيل: التخيير إحداث قول ثالث (٣)؛ لأن أحدًا من الصحابة والمتقدمين لم يحمل الآيتين على التخيير.
على أنا قد ذكرنا وجوهًا أخر تدل على الغسل ووجوبه دون المسح.
فإن قيل: معنا أخبار بإزاء أخباركم، وذلك أنه روي أن أنس بن مالك سمع الحجاج يخطب ويقول: أمر الله تعالى بغسل الوجه وغسل اليدين ومسح الرأس، وغسل الرجلين. فقال أنس: صدق الله، وكذب الحجاج، إنما أمر الله - تعالى - بمسح الرجلين، فقال: ﴿وأرجلِكم﴾ بالخفض" (٤).
стр. 565
فدل على أن القراءة بالخفض.
وأيضًا فقد روي عن ابن عباس أنه قال: "غسلتان ومسحتان" (١).
وروي عنه أنه قال: "كتاب الله المسح، ويأبى الناس إلا الغسل" (٢).
فدل على أن الآية توجب المسح.
وروي عن ابن عباس عن علي - رضوان الله عليهما - أنه وصف وضوء رسول الله ﷺ فغسل وجهه ويديه، ومسح رأسه، وأخذ حفنة فصكها على قدميه في نعليه (٣).
стр. 566
وبصك الماء على القدم لا يحصل الغسل، فعلم أنه حكي حكي عن النبي ﷺ أنه مسح.
وأيضًا فقد روى حذيفة أن النبي ﷺ أتى سُباطة (١) قوم فبال قائمًا، ومسح على نعليه (٢).
стр. 567
وروي عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله ﷺ فمسح على رجليه (١). فدل على ما ذكرناه.
قيل: أما خبر أنس وقوله للحجاج ما قال فإنما أنكر على الحجاج قوله: أمر الله بغسل الرجلين، فقال: لم يأمر به، وإنما أمر بالمسح، أي أن الكتاب يقتضي المسح، ولكن الفرض فيهما الغسل؛ لأن رسول الله ﷺ بين أن الفرض الغسل (٢).
وأما حديث ابن عباس فقد روي عنه أنه قرأ الآية بالنصب (٣)، فيكون لما قاله تأويلان:
أحدهما: أنه كان يذهب إليه قديمًا، ثم رجع عنه فقال: الفرض فيهما الغسل (٤).
أو يكون (٥) قاله على حسب ما قاله أنس؛ لأن الآية تقتضي المسح،
стр. 568
ولكن بين رسول الله ﷺ أن المراد به الغسل، فالفرض فيهما الغسل.
وما ذكروه من حديث علي أنه أخذ حفنة فصك بها قدميه في نعليه فإننا نقول: إن هذا ليس بمسح؛ لأن هذا صب ماء، والمسح هو أن يبل يديه ويمسح بهما على قدميه.
وحديث حذيفة ففيه أنه مسح على نعليه، وهم لا يجيزون المسح على النعلين.
وحديث ابن عباس "أنه ﷺ مسح على رجليه" معناه أنه مسح على خفيه؛ بدليل قراءة ابن عباس بالنصب، وبالدلائل التي ذكرناها.
على أن هذا كله حكاية أفعال، والأفعال لا تقع إلا على وجه واحد، فيجوز أن يفعل الشيء في وقت لعذر، وما كان فيها من الأقوال فهي محتملة.
وقد روينا بإزاء هذه الأخبار ما هو أقوى منها، وذلك أنه روي عن عبيد الله بن زياد (١) قال: مر بنا أبو هريرة ونحن نتوضأ، فقال: أحسنوا الوضوء، قال أبو القاسم ﷺ : "ويل للأعقاب من النار" (٢).
وروت عائشة أن النبي ﷺ قال: "ويل للأعقاب من النار" (٣).
стр. 569
فتوعد على ترك غسل العقب، فلو كان يجوز لنا تركه لم يكن متوعدًا عليه (١)؛ لأن الشيعة تقول: إذا مسح ظاهر القدم ولم يمسح على عقبيه جاز.
وروى عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه [قال] (٢): قلت: يا رسول الله! كيف الوضوء؟ فقال: "أسبغ وضوءك وخلل بين الأصابع" (٣).
وهم يقولون إذا مسح ظاهر القدم أجزأه.
стр. 570
وهذه الأخبار لا تلزم الطبري؛ لأنه لا يجوز في المسح ترك شيء من القدم حتى يستوفيه كالغسل، ولكن الخبرين اللذين ذكرتهما من قوله ﵇ للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" إلى أن قال: "واغسل رجليك" (١)، وقوله: "لن تجزئ عبدًا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه" إلى أن قال: "ويغسل رجليه" (٢) يلزمان الطائفتين جميعًا.
ونحن وإن قلنا: إن الفعل يقع به البيان كما يقع بالقول فإننا نقول: إن البيان بالقول أبلغ منه بالفعل؛ لأن الأمر إنما يكون لغير الآمر، وهو لا يدخل تحت ما يأمر به (٣)، وفعله يخصه، فنحن وإن جعلنا أفعاله يقع بها البيان فإن القول في باب البيان أبلغ منه (٤) لا محالة بلا خلاف بين من تكلم في أصول الفقه.
فإذا كان هذا هكذا فقوله ﷺ للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" إلى أن قال: "واغسل رجليك" (٥)، وقوله: "لن تجزئ عبدًا صلاته حتى يسبغ الوضوء" إلى أن قال: "ويغسل رجليه" (٦)، أبلغ من فعله ﷺ .
هذا لو تجرد ما روي من فعله المسح، فكيف وقد روينا عنه فعله الغسل.
стр. 571
وعندي أن هذه الطريقة في لزوم هذين الخبرين لا تثبت لهما شيئًا من الأخبار.
وأيضًا فإنه إجماع الصحابة (١)؛ لأنه روي عن علي، وابن عباس، وابن مسعود، أنهم قرأوا بالنصب (٢).
وقال أنس: "كتاب الله المسح، وبين رسوله ﷺ أنه الغسل" (٣).
فدل أنه إجماع منهم.
وقد روي عن عثمان، وجابر، وغيرهما أنهم كانوا إذا قيل لهم: أرونا وضوء رسول الله ﷺ حكوا وضوءه، وأنه غسل رجليه (٤).
وهذه أفعال، كما رووا أنه مسح، غير أننا نقول: إنه قد يفعل الشيء تارة يريد به البيان، وتارة يفعله لعذر، وتارة للتعليم، إلا أن البيان بالقول أبلغ على ما بيناه.
ونقول: هما عضوان تجب فيهما الدية، أمرنا بإيصال الماء إليهما في
стр. 572
الوضوء، فوجب أن يكونا مغسولين مع القدرة كاليدين (١).
أو نقول: هما عضوان تعبدنا بتطهيرهما في الوضوء، مذكوران بحد فيهما، فهما كاليدين.
أو نقول: الرجل عضو مفروض في أحد طرفي الطهارة، فوجب أن يكون مغسولًا كالوجه.
فإن قيل: هو عضو يسقط في التيمم، فكان فرضه المسح كالرأس.
وأيضًا فإن الخف بدل عن الرجلين، فلما كان البدل ممسوحًا فكذلك مبدله.
قيل: القياس على الرأس منتقض بالجنب، قد يسقط حكم رأسه ورجليه في التيمم، ثم فرض [ذلك في] (٢) الغسل في الجنابة (٣).
وقولهم: "لما كان بدله ممسوحًا وكذلك مبدله" باطل بالوجه هو بالتيمم ممسوح، وفي المبدل في الوضوء والجنابة مغسول.
ثم لو صح القياس لرجح قياسنا من وجوه:
أحدها: ما ذكرناه من مباشرة الرجلين بالسعي وظهورهما كالوجه واليدين.
ومنها: استناده إلى تعليم النبي ﷺ ، وتفسيره لما أمر الله تعالى به.
ومنها: استناده إلى فعل الصحابة ﵃، ومداومتهم على الغسل، وحكايتهم
стр. 573
لوضوء رسول الله ﷺ .
ومنها: أن رد المذكور بحد إلى مثله من اليدين أولى.
ومنها: أننا نرى أشياء من البدن يجب غسلها في الجنابة، مثل الرجلين، ولا يجوز المسح فيها مع القدرة، ثم تسقطان مع سائر الجسد في الجنابة عند التيمم.
وأيضًا فقد أجمعوا على أنه إذا توضأ وغسل رجليه فقد فعل المراد، واختلفوا فيه إذا مسح، فالتمسك بموضع الإجماع أولى (١).
فإن قيل: ما ذكرتموه أن العرب تتبع اللفظ اللفظ للمجاورة، وأن القراءة بالجر في ﴿أرجلِكم﴾ عطف بها على الرأس للمجاورة، فإنما تعمل العرب ذلك في الموضع الذي لا يلتبس، وهذا الموضع ملتبس؛ لأنه يجوز مسح الرجلين كما يجوز مسح الرأس.
قيل: قد رأيناهم يفعلون ذلك، وليس علينا تفصيل المواضع.
على أنه لما كان يلتبس قُيدت الرجلان بالكعبين كاليدين (٢)، فإذا عطف بهما على الرأس للمجاورة لم يلتبس، والله أعلم.
стр. 574
مَسْألة (١٤):
ولا يجوز تفرقة الوضوء وغسل الجنابة إلا اليسير منه، فأما إن فرقه حتى طال مقدار ما يجف فيه الماء على وجهه في هواء معتدل (١) لم يجزئ (٢).
وهو قول الشافعي في القديم (٣).
وقال أبو حنيفة: يجوز (٤).
وهو قول الشافعي في الجديد (٥).
ونحن نوافقهم إذا كان على وجه النسيان، ونخالفهم في العمد.
ومن أصحاب مالك ﵀ من قال: الموالاة مستحبة (٦).
والظاهر من قول مالك أنها واجبة على الوجه الذي بيناه (٧).
стр. 575
وبمثل قولنا قال الليث بن سعد، والأوزاعي، وربيعة، وأحمد (١).
وروي هذا عن عمر ﵀ (٢).
وقول المخالف هو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وسفيان الثوري (٣).
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فأمر بغسل الوجه وما معه من الأعضاء، والأمر يقتضي المبادرة والفور (٤)، وحقيقة الفور أن يقع الفعل في الزمان الثاني من الأمر، وإذا أخر بعض الأعضاء فقد غسل بعض ما أمر به على الفور لا كله.
وأيضًا فإن العضو الثاني مأمور به كالأول، وتقديره: فاغسلوا وجوهكم واغسلوا أيديكم، فإذا ثبت غسل الأول على الفور فالثاني مثله على الفور، والدليل في هذه المسألة مبني على الأصل.
فإن قيل: فإن الواو للترتيب، فتصير بمنزلة "ثم" التي هي للمهلة والتراخي.
قيل: الواو للجمع على ما بيناه في مسألة الترتيب (٥).
стр. 576
ثم مع هذا لو أنها ثبتت للترتيب لكان أحسن أحوالها أن تكون بمعنى الفاء [التي للترتيب] (١)، غير أنها توقع الثاني عقب الأول؛ لأنها للعقب، ولو كانت للترتيب لكان قولكم في أول الآية: إنها للعقب في غسل الوجه يلزمكم التعقيب في باقي الأعضاء للنسق على الوجه.
وأيضًا فقد روي أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (٢).
ونحن نعلم أنه ﵇ لم يغسل وجهه بالغداة ويديه ضحوة النهار، بل والى وتابع بين غسل الوجه واليدين، ثم بين أن الله - تعالى - لا يقبل الصلاة إلا بذلك الوضوء.
وقد روي أنه ﷺ توضأ، ووالى، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (٣).
وفيه دليلان:
أحدهما: أنه فعل ذلك، وفعله على الوجوب.
والثاني: أنه أعلمنا من طريق القول أن الله لا يقبل الصلاة إلا بوضوء هذه صفته، إلا أن تقوم دلالة.
فإن قيل: الرواية أنه ﷺ توضأ مرة مرة، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله
стр. 577
الصلاة إلا به" (١) عليه سؤالان:
أحدهما: أنه لم ينقل أنه والى وتابع، وإذا لم يكن في الخبر هذا لم يصح الحجاج به؛ لأنه حكاية فعل، يجوز أن يكون وقع على الوجه الذي ذكرتموه، ويجوز أن يكون وقع على غير ذلك الوجه، فإذا لم يعلم على أي وجه وقع لم يصح الحجاج به.
على أنه لو صح أنه والى لم تكن فيه دلالة؛ لأن قوله: "هذا وضوء" إشارة إلى الأفعال، والموالاة من صفات الفعل، وليست من أفعال الوضوء، فيقتضي أن لا يقبل الله الصلاة إلا بتلك الأفعال، لا بأفعال صفاتها تلك الصفات.
قيل: أما قولكم: "ليس في الخبر أنه والى وتابع" فعليه جوابان:
أحدهما: أننا قد روينا في خبر أنه توضأ متواليًا (٢).
والجواب الآخر: هو أنه لا يجوز أن يظن به ﷺ غير ذلك؛ لأن التفريق لغير عذر يخرج إلى طريق اللعب في الدين، وهذا مثله لا يظن به، وإنما يظهر لنا ما يفعله ليَسُن فيُتَّبع، ويُقتدى به في فعله، ولا يجوز أن يظن به أنه غسل وجهه بالغداة، وتمم وضوءه عند الظهر؛ لأن من يرى فعله الثاني يظن أن هذا القدر من الأعضاء يجزئ في الوضوء.
وقولكم: "إنه أشار إلى الأفعال، والموالاة من صفة الأفعال" فإننا نقول: إنه إذا فعل فعلًا على صفة ثم أشار إليه وقعت الإشارة إلى ذلك الفعل
стр. 578
على صفته إلا أن تقوم دلالة.
فإن قيل: يحتمل أن يكون ﵇ فعل ذلك في الوقت المضيق، الذي لو أخر الطهارة أو بعضها حتى خرج الوقت لم يجز، وهذا الوقت لا يمكن فيه إلا الموالاة، فأما إذا كان الوقت متسعًا، أو لم يدخل جازت التفرقة.
قيل: إنما أراد ﷺ أن يعلمنا صفة الوضوء الذي لا تصح الصلاة إلا به، سواء توضأنا قبل الوقت، أو في أوله، أو في آخره، كما علم الأعرابي ذلك، وكما تقولون: إنه على الترتيب (١)، ولم يتعرض لوقت الصلاة تضيق أو اتسع، وكذلك أعلمنا أن [الفرض] (٢) مرة، والفضل في الثلاث، ولم يتعرض للأوقات، والتعليم يكون في وقت الصلاة وفي غير وقتها، ونحن أبدا كذلك نعلم الناس كيف يتوضؤون ويصلون، وإن لم يحضر وقت الطهارة ولا وقت الصلاة.
ويدل على أن النبي ﷺ قصد تعليمنا صفة الوضوء قوله لنا: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (٣).
ولو كان يختلف لكان يقول: "وهذا إذا تضيق الوقت"، حتى نعلم الفرق بينهما، كذا ينبغي أن يكون التعليم، وإلا التبس علينا، ولم نعلم الفرق بين الوقتين، مع جواز أن يكون هناك وضوء على غير هذه الصفة يقبل الله الصلاة به، فلما لم يبين لنا الفرق علم أن الأمر فيها سواء.
стр. 579
فإن قيل: إن الله تعالى أمر بغسل هذه الأعضاء في الآية، فمن غسلها مجتمعة قيل: قد غسلها، وإذا غسلها متفرقة قيل: قد غسل أعضاءه، فإذا كان يسمى غاسلًا لأعضائه سواء فرق أو جمع فقد امتثل المأمور به.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أننا قد ذكرنا أن الأمر يقتضي المبادرة والفور في جملة الطهارة في كل عضو منها.
والجواب الآخر: هو أنه إذا غسل وجهه وصبر لا يقال: قد غسل أعضاءه، ولا بعد أن يغسل يديه ثم يؤخر الباقي يقال: قد غسل أعضاءه، حتى إذا غسل أعضاءه كلها قيل على الإطلاق: قد غسل أعضاءه.
وأما إذا غسل وجهه وأخر الباقي قيل: قد غسل وجهه حسب، وقد قلنا: إن التفريق على هذا الوجه يخرج إلى حد التواني واللعب الممنوعين في دين الله .
فإن قيل: فإن الاتفاق قد حصل لو قدم جملة الطهارة من ضحوة من النهار للظهر أجزأه، وهذا قبل توجه الأمر عليه، فإذا جاز تقديم الكل على زمان الأمر كان تقديم بعض الأعضاء على زمان الأمر وتأخير البعض إلى وقت الأمر أولى بالجواز.
وتقدير ذلك: أن يغسل وجهه ويديه ضحوة النهار، وإذا زالت الشمس غسل الباقي، فيكون قد حصل غسل وجهه ويديه قبل زمان الأمر بغسلهما، وحصل مسح الرأس وغسل الرجلين بعد وقت الأمر بهما.
стр. 580
قيل: هذا لا يلزم، وذلك أن الآية خوطب بها من قام إلى الصلاة وهو محدث أن يوقع غسل كل عضو على المبادرة، فثبتت الموالاة، وصار لكل عضو في المبادرة به حكم صاحبه، وهو أن يقع الثاني مواليًا للأول، فإذا ثبت في الثاني أن يكون عقيب الأول، وثبت في الثالث أن يكون عقيب الثاني فمتى قدمنا الكل لم يتغير حكم كل عضو عما ثبت فيه من موالاته لصاحبه، وليس كذلك إذا قدمنا البعض وأخرنا البعض؛ لأنه يزول الحكم الذي كان يثبت فيه من أن يتلو كل عضو صاحبه.
يبين هذا: أن الصلاة الواحدة يتناولها قوله: "صلوا" (١)، ولفظه لفظ الأمر، والأمر يتوجه إلى الركعة الثانية كتوجهه إلى الأولى، وإن الفور في الثانية كهو في الأولى، فلا بد من أن تقع عقيبها وموالية لها، فإن ثبت فيها هذا الحكم لم يجز أن يتغير عنه حيث وقعت، ألا ترى أن صلاة الظهر إذا أخر وقتها أوقعت كذلك متوالية، ولو قدمت في أول وقتها لكانت كذلك حتى لا يتغير وقت الموالاة فيها، ولو جاز إيقاعها قبل الزوال لما جازت إلا كذلك من أجل ما ثبت فيها من الموالاة.
فإذا كان هذا هكذا سقط السؤال.
ويجوز أن يستدل في الأصل بكون الحدث حاصلًا بيقين، فمن زعم أنه يزول بالوضوء المتفرق فعليه الدليل.
وأيضًا فإن النبي ﷺ توضأ بالموالاة، فمن خالف فعله كان مردودًا
стр. 581
بقوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو مردود" (١).
وقد علم أن الفعل لا يمكن رده، فثبت أنه أراد أن حكمه مردود.
وأيضًا فإن الصلاة عليه بيقين، فلا تسقط إلا بيقين.
فإن استدلوا بقوله ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٢).
وهذا قد صلى بفاتحة الكتاب.
قيل: وقد قال: "لا صلاة إلا بطهور" (٣)، فينبغي أن يسلم أنه قد تطهر.
فإن قيل: فقد قال: "وإنما لكل امرئ ما نوى" (٤).
وهذا قد نوى أن تكون له طهارة.
قيل: قوله: "لا صلاة إلا بطهور" (٥) أخص منه؛ لأنه يتناول اسم الطهارة بالذكر.
على أن معنا القياس، فنقول: هي عبادة تسقط إلى شطرها في حال العذر، فجاز أن تبطلها التفرقة كالصلاة.
أو نقول: هي عبادة تنتقض بالحدث، فجاز أن تبطلها التفرقة كالصلاة.
أو نقول: هي عبادة تجمع أشياء متغايرة، تتقدم على الصلاة للصلاة فجاز أن تبطلها التفرقة، كالأذان لو قال: الله أكبر، ثم سكت، ثم قال: أشهد
стр. 582
أن لا إله إلا الله، فذكر الشهادة الأولى قبل أن تتم التكبيرة لم يجز (١).
وقولنا: "تجمع أشياء متغايرة" احترازًا من الكسوة، فإنه لو غطى [بعض] (٢) عورته بالغداة وبعضها عند القيام إلى الصلاة جاز (٣).
وقولنا: احتراز من الحج؛ لأنه لا يراد للصلاة (٤).
стр. 583
فإن قيل: فإنه تفريق طهارة، فوجب أن لا يمنع صحة الطهارة، أصله التفريق اليسير.
ولأن الحدود طهارة وكفارة (١)، وقال النبي ﷺ : "الحدود كفارات لأهلها" (٢).
ثم يصح تفريق الحد؛ لأنه لو جلد عشرين سوطًا بالغداة وعشرين بالعشي جاز.
فنقول: هو تفريق تطهير، فوجب أن لا يمنع صحته، أصله الحدود.
أو نقول: كل ما لا يمنع منه التفريق اليسير لا يمنع منه التفريق الكثير، أصله الحج، وعكسه الصلاة؛ لأنه لو وقف بعرفة وطاف يوم النحر أجزأه، وهذا تفريق يسير، ولو وقف وطاف بعد شهر أجزأه أيضًا.
وكذلك لو طاف خمسة أشواط ثم طاف شوطين في وقت آخر أجزأه.
قيل: أما قياسكم على التفريق اليسير فغلط؛ لأن الأصول قد جوزت
стр. 584
العمل القليل من الصلاة (١)، ومنعت من الكثير.
ثم ينتقض أيضًا بالصلاة؛ لأنه لو تعمد قتل عقرب، أو خطا ليسد الصف جاز، ولو اشتغل بإخراج غريق وهو في الصلاة بطلت الصلاة، وقد عفي عن يسير الدماء، ويسير العمل في الصلاة، ويسير الغرر في البياعات، بخلاف الكثيرة.
وقد قلنا: إن تعمد التفرقة ضرب من اللعب، ويؤدي إلى التواني الذي هو ممنوع في الدين.
وأما القياس على الحدود فإن الحدود تكون تطهيرًا وكفارة بالتوبة، وإن لم يتب فإنها لا تطهره.
على أننا قد رددنا ذلك إلى الصلاة فهو أولى من رده إلى الحدود؛ لأن الطهارة تراد للصلاة، والحدود لا تراد للصلاة ولا للحج، ورددناه إلى الأذان المراد للصلاة، فرد ما يراد للصلاة إلى مثله أولى.
وأما تفريق الطواف حتى يطول فإنه لا يجوز عندنا.
فإن قيل: فإن كل عبادة جاز تقطيع النية على أبعاضها جاز تفريق أبعاضها، أصله الزكاة، بيان ذلك: أنه لو كان عليه خمسة دراهم زكاة جاز أن يفرقها دانقًا دانقًا (٢)، وينوي مع كل دانق أنه زكاة أجزأه، فقد فرق النية على أبعاضها، وفرق أبعاضها، وكذلك الطهارة لو غسل وجهه ونوى رفع الحدث أجزأه، وكذلك في الرجل، فلما جاز أن يفرق النية ويقطعها جاز تفريق
стр. 585
أبعاضها، وعكس ذلك الصلاة لما لم يجز تقطيع النية على أبعاضها لم يجزئ تفريق أفعالها؛ لأنه لو كبر ونوى بالتكبير أنه للظهر لم يجزئه، ولو ركع ونوى به ركوعًا عن الظهر لم يجزئه، فلا بد من جملة النية في استفتاح الصلاة، فيقول: نويت به صلاة الظهر أو الفرض.
قيل: إن الطهارة جعلت شرطًا تراد لأمر شرطه الموالاة، وهو الصلاة، فكان من شرطها الموالاة كالأذان، وليس كذلك الزكاة.
ثم لا فرق - عندنا - بين الطهارة والصلاة في المنع من تقطيع النية؛ لأنه لو نوى بغسل وجهه رفع الحدث ما ارتفع، وإنما يرتفع الحدث بالفراغ من الطهارة، ألا ترى أنه لو بقي عليه غسل عضو لم يصح أن يصلي، فلم يرتفع حدثه، وإنما ينوي حين يشرع في الطهارة أنه يرفع الحدث بطهارته التامة، فتفرقة النية لا تجوز كما لا تجوز تفرقة النية في الصلاة (١).
على أنه فاسد بالشهرين المتتابعين، فإن تفريق النيات في كل ليلة جائز، ولا يجوز تفريق الفعل الذي هو الصيام، فلو أجزنا تفريق النية في أعضاء الطهارة لم يلزمنا جواز تفريق الأعضاء، كما يجوز تفريق النية في ليالي صيام الشهرين ولا يجوز تفريق الصيام، وكذلك شهر رمضان أيضًا.
وقولنا هو قول عمر بن الخطاب ﵀، ولا مخالف له من الصحابة، فجرى مجرى الإجماع.
وما يحتجون به من خبر ابن عمر أنه توضأ (٢) وخرج إلى السوق، فدعي
стр. 586
إلى جنازة فمسح على خفيه (١) فإنه حكاية عن فعلة وقعت، فيجوز أن يكون على القرب؛ لأن منزله كان بالقرب من المسجد، ويجوز أن يكون ناسيًا لمسح الخف فذكر، ويجوز أن يكون كان بخفه أذى من بول، أو غائط، أو طين، فمسحه عنه بالماء، وقد كان يتقفى في أفعاله فعل رسول الله ﷺ ، ولم يكن ﵇ يتوضأ على الوجه الذي يجيزونه؛ لأنه يجري مجرى اللعب، ولم يظهر مذهب ابن عمر في جواز التفرقة، وظهر مذهب عمر ﵁، فهو حجة.
فإن قيل: فإن النسيان إذا حصل في الصلاة حتى طالت التفرقة أعيدت الصلاة من أولها، وليس كذلك الطهارة.
قيل: هذا لا يضر؛ لأن العمد في الصلاة قد خالف حكم النسيان، فلو فرق الصلاة على طريق العمد أفسد، مثل أن ينصرف من اثنين، ولو انصرف ناسيًا لم يفسد، فكذلك التفريق في الطهارة على طريق العمد في الطول لا يجوز، وفي النسيان لا يفسد، [وإن خالف حكم الطهارة حكم الصلاة في الطول والنسيان] (٢) فلا يمنع أن يكون الأمر في الطهارة أوسع منه في الصلاة.
فإن قيل: لو كانت الموالاة شرطًا في صحة الطهارة لم يفترق الحكم بين العمد والنسيان كالنية والماء الطاهر.
قيل: هذا غير لازم؛ لأن في الأصول ما هو واجب، وقد افترق عمده
стр. 587
ونسيانه، ألا ترى أن الإمساك عن القيام في خامسة في الصلاة الرباعية واجب، ولو قام إليها ناسيًا لم تفسد، وكذلك الإمساك عن الكلام فيها واجب، ويفترق عمده ونسيانه، وكذلك الإمساك عن الأكل في الصوم واجب، ويفترق - عندكم - حكم عمده ونسيانه، وكذلك التسمية على الذبيحة، وكذلك في مسألتنا لم يفترق حكم النية والماء الطاهر في باب العمد والنسيان، واختلف في الموالاة في الطهارة.
مَسْألة (١٥):
ولا يمس المصحف ولا يحمله إلا طاهر غير محدث (١) ولا جنب.
هذا مذهب مالك، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه، والشافعي (٢).
وقال حماد والحكم: يجوز للمحدث (٣) .....................
стр. 588
والجنب مسه (١).
وبه قال داود (٢).
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٣).
فأخبر جل ثناؤه أن الكتاب المكنون لا يمسه إلا المطهرون؛ لأن القرآن لا يمس، ولكن المس وترك المس يقعان على الكتاب، ولأن الكتاب أيضا أقرب مذكور إليه، فكانت الهاء في ﴿يَمَسُّهُ﴾ راجعة إليه -أعني إلى الكتاب الذي فيه القرآن-؛ ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٤).
стр. 589
وقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون لفظه نهيا، كما إذا نهيت غائبا قلت: لا يمس فلان هذا (١).
ويحتمل أن يكون لفظه للخبر، والمراد به النهي أو الأمر؛ لأنه لو كان خبرا حقيقة لما جاز أن يقع بخلاف مخبره، فلما وجدنا أنه يمسه من ليس على صفة الطهارة من جنب وغيره علمنا أن المراد به النهي، فصار تقديره: لا تمسوا المصحف إلا وأنتم مطهرون ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢)، والمراد به الأمر، وصيغته صيغة الخبر، وهذا في القرآن كثير (٣).
فإن قيل: المراد بالكتاب المكنون اللوح المحفوظ، وبالمطهرين الملائكة، بدليل أنه سماه محفوظا مكنونا، والمصاحف ليست بمحفوظة (٤).
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنه قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولا يعرف قرآن منزل إلا
стр. 590
ما في المصاحف.
والجواب الثاني: هو أنه غير جائز أن يكون المراد غير المصحف؛ لأن من لا يتوهم عليه غير الطهارة لا أن يصح يتوجه عليه هذا الخطاب (١)، وليس للملائكة حال غير حال الطهارة، فدل أن المراد به ما ذكرناه.
فإن قيل: لو أراد ما ذكرتم لقال: إلا المتطهرون.
قيل: من تطهر بالماء يكون متطهرا ومطهَّرا، ولأنه قد يصح أيضا أن يطهره بالماء غيره فيقال: قد تطهر وهو مطهَّر.
فإن قيل: إنما أراد الله - تعالى - بالمطهر الذي قد ارتفعت درجته، كقوله في عيسى ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢)، أي مبعدك من هؤلاء الأنجاس، فكذلك أراد الملائكة هاهنا؛ لأنهم مميزون ممن يلحقهم التنجيس والتطهير.
قيل: فينبغي أن يكون هذا فضيلة القرآن؛ لأنه قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فلا ينبغي أن يمسه منا إلا طاهر؛ لأن [هذا] (٣) التنبيه على فضيلته يوجب ذلك.
فإن قيل: نحن إذا جعلنا قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ خبرا لا يجوز أن يوجد بخلاف مخبره حملناه على الحقيقة إذا كان خبرا عن الملائكة في اللوح
стр. 591
المحفوظ، وأنتم تجعلونه للنهي بغير دليل.
قيل: نحن جعلناه بدليل؛ لأنه لو كان خبرا لم يفد؛ لأننا قد علمنا أنه ليس في الملائكة غير طاهر، ولا أحد ممن يمس اللوح المحفوظ غير طاهر، (٦٣) فلا فائدة في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ إذا حمل على الملائكة (١).
وأيضا فإن التنبيه على عظم منزلته يوجب أن لا يمسه إلا من عظمت حرمته؛ لأنه تنزيل من رب العالمين، وقد نزل إلينا، فلا ينبغي أن نمسه إلا على أكمل أحوالنا.
ولنا من السنة ما رواه عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ كتب له كتابا إلى اليمن، وذكر فيه: "وأن لا يمس المصحف إلا طاهر" (٢).
وروى حكيم بن حزام أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمس المصحف إلا طاهر" (٣).
стр. 592
وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا تمس المصحف إلا وأنت طاهر" (١).
وهذا خبر صحيح جيد (٢).
стр. 593
فإن قيل: قوله ﷺ : "لا يمس المصحف إلا طاهر" أراد أن لا يمس مشرك (١).
قيل: الجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن خبر ابن عمر يسقط هذا؛ لأن ابن عمر كان مسلما، وقد نهي أن يحمله (٢) إلا وهو طاهر.
ووجه آخر: وهو أنه عام في كل مشرك ومسلم ليس على طهارة.
стр. 594
ووجه آخر وهو أن المشرك ليس بنجس البدن (١)، وإنما هو مبعد لدينه؛ لأن أصل النجس هو المبعد (٢)، ألا ترى أنه لو كان نجسا في بدنه لم يطهر باعتقاد الإسلام، وإذا حمل على المشرك لم يكن للاستثناء والتخصيص معنى ولا فائدة، إذ ليس للمشرك حالة طهارة.
ثم لو أراد المشرك وأن لا يحمله إلا مؤمن لقال: "لا يمسه إلا مؤمن"، فلما أتى بذكر طاهر الذي صفته زائدة على كونه مؤمنا علمنا أنه أراد المؤمن إذا كان متطهرا؛ لأننا نعلم أنه لا يحكم له بالطهارة إلا بعد تقديم الإيمان منه، كما لو قال: "لا يمسه إلا مصل"، فلا يكون مصليا صلاة شرعية إلا بعد كونه مؤمنا.
وأيضا فإنه ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيدي المشركين (٣)، الذين لا يجتنبون الأنجاس، ولا تصح لهم طهارة، ولا يعظمون حرمته، فينبغي أن نعظم حرمته، ولا نمسه إلا على طهارة.
وأيضا فلنا إجماع في المسألة، لأنه روي عن علي ﵁ أنه سئل عن المحدث: أيمس المصحف؟ فقال: لا.
وروي "أن عمر ﵁ تسمّع على أخته وهي تقرأ سورة طه، وزوجها
стр. 595
سعيد بن زيد، وعندهم خباب بن الأرتّ، فسألهما عمر أن يخبراه بما قرأَته، وأن يعطياه المصحف لينظر إليه، فقالت له أخته إنك لا تتوضأ من الحدث، ولا تغتسل من الجنابة، فلا أعطيكه تمسه" (١).
وهذا كان قبل إسلام عمر ﵁.
وروي أن مصعب بن سعد كان يمسك المصحف لأبيه سعد حتى يقرأ فيه، فحك مصعب، بدنه، فقال له أبوه سعد: أراك قد حككت ذكرك؟ فقال: نعم فأمره بوضع المصحف، فقال له: توضأ ثم أمسسه (٢).
وقد روي عن سلمان أنه قيل له وقد تبرز: "لو توضأت فسألناك عن آية من القرآن فقال: شلوني، فإني لست أمسه؛ لأنه لا يمسه إلا المطهرون" (٣).
وهذا صحابي تأول الآية على ما نقول، فلم ينكر عليه.
стр. 596
ومن الاعتبار: أنه ممنوع من الصلاة بمعنى فيه، فوجب أن لا يجوز له مس المصحف، كالمشرك.
وأيضا فإنه ممنوع من الصلاة لمعنى تعلق حكمه بيده، فوجب أن يمنع من مس المصحف بتلك اليد ما دام على صفته تلك، أصله إذا غمس يده بنجاسة لا يجوز مسه بها.
وأيضا فإن الجنابة لما منعت من دخول مكان الصلاة (١) منع الحدث من نفس الصلاة.
وأيضا فإن مباشرة ما قد تناهت حرمته لا يجوز مع كونه محدثا، كالطواف.
وأيضا فإن الأصول تشهد لقولنا، وذلك أن الحدث حدثان: أعلى وأدنى، وللمصحف حرمتان: أعلى وأدنى، فلما منع الحدث الأعلى -وهو الجنابة- عن الحرمة العليا وهي القراءة فكذلك يجب أن يمنع الحدث الأدنى من الحرمة الدنيا، وهي حمل المصحف ومسه، وهذا إذا سلم لنا أن الجنب لا يقرأ؛ لأنه - عندهم - يقرأ (٢).
فإن قيل: فقد كتب النبي ﷺ إلى قيصر كتابا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا،" (٣)، وكتب إليهم آيتين، مع علمه بأنهم يمسونه
стр. 597
ويبتذلونه، وليسوا متطهرين، فدل على ما ذكرناه.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنه لا يصح لداود الاحتجاج بهذا؛ لأنه لا يُجوز لمشرك مسه (١).
والجواب الآخر: هو أنه يجوز للجنب أن يقرأ (٦٤) -عندنا- الآية والآيتين (٢)، وأن يمس ما فيه آية أو آيتان؛ لأنه يسير
على أننا نجوز للمحدث أن يحمل المصحف إذا لم يكن قصده حمله ومسه.
فإن قيل: فإن المحدث يجوز له قراءة القرآن، فجاز له مسه كالمتطهر.
ولأن حرمة المصحف لما فيه من القرآن، ولا حرمة للجلد، ولا للورق والسواد، فلما جاز للمحدث قراءة القرآن فلأن يجوز له مس المصحف أولى.
وأيضا فإن النجاسة تمنع من الصلاة كالحدث، ثم لو كان على يديه نجاسة لم يمتنع من مس المصحف وإن كان ممنوعا من الصلاة، [وكذلك المحدث يجوز مسه وإن كان ممنوعا من الصلاة] (٣).
وأيضا فإن الصبيان في الكتاتيب يمسون المصحف والألواح، ويتعلمون فيها، وكذلك التعاويذ (٤)، وهذا كله يدل على صحة قولنا.
стр. 598
والجواب: أما قياسهم على المتطهر فلا يصح، وذلك أن المتطهر [غير] (١) ممنوع من الصلاة، وليس كذلك المحدث؛ لأنه ممنوع من الصلاة لمعنى فيه.
ثم إنه منتقض بمن كان على جميع بدنه نجاسة، ويجوز له أن يقرأ القرآن، ولا يجوز له مس المصحف.
وقولهم: "إن حرمة المصحف لما فيه من القرآن" فإننا نقول: ليس من حيث جاز له أن يقرأ القرآن مما يدل على أنه يجوز له حمل المصحف، كمن كان في دار العدو يجوز له أن يقرأ القرآن، ولا يجوز له حمل المصحف إلى دار العدو.
وعلى أن الفرق بين القراءة ومس المصحف هو أنه لو منع المحدث من قراءة القرآن لأدى إلى أن ينسى القرآن؛ لأن الناس في غالب أحوالهم يكونون محدثين، فلهذا جاز لهم أن يقرؤوا، وليس كذلك مس المصحف؛ لأنه لا يؤدي إلى هذا؛ لأنه يمكنه أن يقرأ فيه وإن لم يمسه، بأن يتصفح الورق بخشبة، وبمن يمسكه له، ولهذا المعنى قلنا: لا يقرأ الجنب القرآن؛ لأن الجنابة تقل، ولا يؤدي إلى نسيان القرآن، والحدث بغير الجنابة يكثر ويعتاده.
وما ذكروه من النجاسة فهو دليل لنا؛ لأن كل عضو لحقته النجاسة لم
стр. 599
يجز أن يمسه به، كذلك الحدث لما كان حكمه حالا في جميع أعضائه منع من مسه.
وما ذكروه من مس الصبيان المصاحف والألواح فإن الصبيان لا عبادة عليهم، فطهارتهم، ناقصة، ولا فرق بين مسهم إياها على طهارة أو على غير طهارة (١)، وليس كذلك الكبير؛ لأن طهارته تكون تامة، فمنع من مسه إلا على طهارة.
وأيضا فلو منعنا الصبيان من مسه إلا على طهارة أدى إلى أن لا يتعلموا القرآن؛ لأنهم إنما يتعلمونه في المصاحف والألواح، والغالب من أحوالهم أن يكونوا غير متطهرين.
وعلى أن قياسنا مرجح باستناده إلى ظاهر القرآن، وسنة النبي ﷺ ، وفعل الصحابة ﵃، والاحتياط، وإعظام حرمة المصحف، والله أعلم.
وقد روي "أن عائشة ﵂ كانت تقرأ القرآن وهي حائض، ويمسك لها المصحف، ولا تمسكه هي" (٢)، فلو كانت قراءتها في المصحف كقراءتها غير المصحف لما أمسك لها غيرها، ولعرَّفها أحد الصحابة جوازه، وهذا ظاهر منها، لا يعرف لها فيه مخالف، وعائشة ﵂ مع اختصاصها برسول الله ﷺ ، واختصاصها بمعرفة أحكام الحيض لا يجوز في ظاهر الحال أن تكون فعلت ذلك إلا وعندها من النبي ﷺ فيه توقيف، وبالله التوفيق.
стр. 600
* مسألة (١٦):
والجنب ممنوع عند مالك ﵀ من قراءة القرآن، إلا الآية، والآيتين (١).
وعند أبي حنيفة: إلا من بعض آية (٢).
وعند الشافعي: من قليله وكثيره (٣).
وقال داود: يجوز له أن يقرأ القرآن كله (٤)، وكيف شاء (٥).
والدليل لقولنا ما رواه ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقرأ الجنب شيئا من القرآن" (٦).