ومن الاعتبار: أنه ممنوع من الصلاة بمعنى فيه، فوجب أن لا يجوز له مس المصحف، كالمشرك.
وأيضا فإنه ممنوع من الصلاة لمعنى تعلق حكمه بيده، فوجب أن يمنع من مس المصحف بتلك اليد ما دام على صفته تلك، أصله إذا غمس يده بنجاسة لا يجوز مسه بها.
وأيضا فإن الجنابة لما منعت من دخول مكان الصلاة (١) منع الحدث من نفس الصلاة.
وأيضا فإن مباشرة ما قد تناهت حرمته لا يجوز مع كونه محدثا، كالطواف.
وأيضا فإن الأصول تشهد لقولنا، وذلك أن الحدث حدثان: أعلى وأدنى، وللمصحف حرمتان: أعلى وأدنى، فلما منع الحدث الأعلى -وهو الجنابة- عن الحرمة العليا وهي القراءة فكذلك يجب أن يمنع الحدث الأدنى من الحرمة الدنيا، وهي حمل المصحف ومسه، وهذا إذا سلم لنا أن الجنب لا يقرأ؛ لأنه - عندهم - يقرأ (٢).
فإن قيل: فقد كتب النبي ﷺ إلى قيصر كتابا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا،" (٣)، وكتب إليهم آيتين، مع علمه بأنهم يمسونه
стр. 597
ويبتذلونه، وليسوا متطهرين، فدل على ما ذكرناه.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنه لا يصح لداود الاحتجاج بهذا؛ لأنه لا يُجوز لمشرك مسه (١).
والجواب الآخر: هو أنه يجوز للجنب أن يقرأ (٦٤) -عندنا- الآية والآيتين (٢)، وأن يمس ما فيه آية أو آيتان؛ لأنه يسير
على أننا نجوز للمحدث أن يحمل المصحف إذا لم يكن قصده حمله ومسه.
فإن قيل: فإن المحدث يجوز له قراءة القرآن، فجاز له مسه كالمتطهر.
ولأن حرمة المصحف لما فيه من القرآن، ولا حرمة للجلد، ولا للورق والسواد، فلما جاز للمحدث قراءة القرآن فلأن يجوز له مس المصحف أولى.
وأيضا فإن النجاسة تمنع من الصلاة كالحدث، ثم لو كان على يديه نجاسة لم يمتنع من مس المصحف وإن كان ممنوعا من الصلاة، [وكذلك المحدث يجوز مسه وإن كان ممنوعا من الصلاة] (٣).
وأيضا فإن الصبيان في الكتاتيب يمسون المصحف والألواح، ويتعلمون فيها، وكذلك التعاويذ (٤)، وهذا كله يدل على صحة قولنا.
стр. 598
والجواب: أما قياسهم على المتطهر فلا يصح، وذلك أن المتطهر [غير] (١) ممنوع من الصلاة، وليس كذلك المحدث؛ لأنه ممنوع من الصلاة لمعنى فيه.
ثم إنه منتقض بمن كان على جميع بدنه نجاسة، ويجوز له أن يقرأ القرآن، ولا يجوز له مس المصحف.
وقولهم: "إن حرمة المصحف لما فيه من القرآن" فإننا نقول: ليس من حيث جاز له أن يقرأ القرآن مما يدل على أنه يجوز له حمل المصحف، كمن كان في دار العدو يجوز له أن يقرأ القرآن، ولا يجوز له حمل المصحف إلى دار العدو.
وعلى أن الفرق بين القراءة ومس المصحف هو أنه لو منع المحدث من قراءة القرآن لأدى إلى أن ينسى القرآن؛ لأن الناس في غالب أحوالهم يكونون محدثين، فلهذا جاز لهم أن يقرؤوا، وليس كذلك مس المصحف؛ لأنه لا يؤدي إلى هذا؛ لأنه يمكنه أن يقرأ فيه وإن لم يمسه، بأن يتصفح الورق بخشبة، وبمن يمسكه له، ولهذا المعنى قلنا: لا يقرأ الجنب القرآن؛ لأن الجنابة تقل، ولا يؤدي إلى نسيان القرآن، والحدث بغير الجنابة يكثر ويعتاده.
وما ذكروه من النجاسة فهو دليل لنا؛ لأن كل عضو لحقته النجاسة لم
стр. 599
يجز أن يمسه به، كذلك الحدث لما كان حكمه حالا في جميع أعضائه منع من مسه.
وما ذكروه من مس الصبيان المصاحف والألواح فإن الصبيان لا عبادة عليهم، فطهارتهم، ناقصة، ولا فرق بين مسهم إياها على طهارة أو على غير طهارة (١)، وليس كذلك الكبير؛ لأن طهارته تكون تامة، فمنع من مسه إلا على طهارة.
وأيضا فلو منعنا الصبيان من مسه إلا على طهارة أدى إلى أن لا يتعلموا القرآن؛ لأنهم إنما يتعلمونه في المصاحف والألواح، والغالب من أحوالهم أن يكونوا غير متطهرين.
وعلى أن قياسنا مرجح باستناده إلى ظاهر القرآن، وسنة النبي ﷺ ، وفعل الصحابة ﵃، والاحتياط، وإعظام حرمة المصحف، والله أعلم.
وقد روي "أن عائشة ﵂ كانت تقرأ القرآن وهي حائض، ويمسك لها المصحف، ولا تمسكه هي" (٢)، فلو كانت قراءتها في المصحف كقراءتها غير المصحف لما أمسك لها غيرها، ولعرَّفها أحد الصحابة جوازه، وهذا ظاهر منها، لا يعرف لها فيه مخالف، وعائشة ﵂ مع اختصاصها برسول الله ﷺ ، واختصاصها بمعرفة أحكام الحيض لا يجوز في ظاهر الحال أن تكون فعلت ذلك إلا وعندها من النبي ﷺ فيه توقيف، وبالله التوفيق.
стр. 600
* مسألة (١٦):
والجنب ممنوع عند مالك ﵀ من قراءة القرآن، إلا الآية، والآيتين (١).
وعند أبي حنيفة: إلا من بعض آية (٢).
وعند الشافعي: من قليله وكثيره (٣).
وقال داود: يجوز له أن يقرأ القرآن كله (٤)، وكيف شاء (٥).
والدليل لقولنا ما رواه ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقرأ الجنب شيئا من القرآن" (٦).
стр. 601
وهذا نهي عام إلا فيما قامت دلالته.
وما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "كان رسول الله ﷺ لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة" (١).
стр. 602
وقد قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ (١).
وروي عن عمر ﵁ أنه قال: يا رسول الله! إنك تأكل (٦٥) وتشرب وأنت جنب، فقال ﷺ : "آكل وأشرب وأنا جنب، ولا أقرأ وأنا جنب" (٢).
فأعلمنا الفرق بين الأكل والشرب، والقرآن.
وأيضا ما روي الله عبد بن رواحة وطئ أمته، فقالت له امرأته: إنك وطئت المملوكة. فقال: ما وطئت، فقالت له: إن كنت صادقا فاقرأ لي قرآنا، فلبّس عليها وقال:
شهدت بأن وعد الله حق … وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ثمانية شداد … ملائكة الإله مسومينا
فقالت: صدق الله وكذب بصري، ثم مر عبد الله بن رواحة، وذكر ذلك للنبي ﷺ ، فتبسم وقال: "امرأتك أفقه منك" (٣).
стр. 603
ففي هذا الخبر دليل من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه كان ظاهرا مكشوفا عند الصحابة حتى عند النساء أن الجنب لا يقرأ القرآن.
والثاني: أن النبي ﷺ لم يقل له: ما احتجت إلى هذه الحيلة، هلا قرأت القرآن فإنه مباح للجنب (١).
والثالث قوله ﷺ : "امرأتك أفقه منك"، حيث اعتمدت على أن طالبتك بالقرآن الذي لا يقرأه الجنب (٢).
ومن القياس: أن القراءة ركن ثابت في الصلاة في كل ركعة، فوجب أن لا يجوز للجنب الإتيان به، ودليله الركوع والسجود.
وأيضا فإن حرمة القرآن أعظم من حرمة المسجد، فلما منع الجنب من اللبث في المسجد كان منعه من قراءة القرآن أولى (٣).
стр. 604
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (١).
وهذا عام في الجنب وغيره.
وقال النبي ﷺ : "من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فكأنه قرأ ثلث القرآن" (٢).
وهذا عام لم يخص به جنبا من غيره.
قيل: الجواب عن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ من وجهين:
أحدهما: أنه أراد: فصلّوا ما تيسر (٣)، فعبر عن الصلاة ببعض أركانها، بدليل أنه قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٤) الآية إلى قوله: ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (٥)، أي الذي أوجبت عليك من قيام الليل قد خففت عنكم منه؛ لأن فيكم المريض، والمسافر، والمقاتل.
وجواب آخر: وهو أن لفظ ﴿اقْرَءُوا﴾ لفظ أمر، يقتضي قراءة مرة واحدة (٦)، وهذا قد قرأ قبل هذا، فلا يتكرر عليه إلا بدليل.
ثم لو ثبت التكرار لكان لفظ الآية يدل على اليسير الخفيف، وكذلك
стр. 605
نقول، ألا ترى أن القائل يقول: أعطني ما تيسر عليك، يريد به السهل اليسير.
وجواب آخر (١): وهو أنه لو ثبت العموم فيه لكان خبرنا أخص منه؛ لأنه في ذكر الجنب.
فإن قيل: الخاص والعام -عندنا- سواء.
قيل: هذا في الخبرين إذا تقابلا أحدهما خاص، والآخر عام، فإن مذهب داود فيهما كما تقولون، وعنه في الآيتين روايتان، فأما في الآية والسنة فلا خلاف بين أصحاب داود أن الخاص مقدم على العام، وفي غير هذا يتعارضان ويسقطان (٢).
فإن قيل: فقد قال ﷺ : "من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فكأنه قرأ ثلث القرآن" (٣).
وهذا عام لم يخص جنبا من غيره (٤).
وأيضا فقد روي أنه ﷺ قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار" (٥).
وهذا عام في الجنب وغيره.
стр. 606
قيل: هو على أصلنا مخصوص بما ذكرناه من أن الجنب لا يقرأ؛ لأنه أخص منه.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ (١)، وهذا عام.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن القراءة قول وليست بفعل (٢)، فلم يدخل تحت الظاهر.
والجواب الآخر: هو أن قراءة الجنب ليست من فعل الخير، بل هي من فعل الشر، وإن كان القرآن في نفسه خيرا.
فإن قيل: فقد روت عائشة أن النبي ﷺ كان لا يمتنع من ذكر الله على كل حال (٣).
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أننا نقول: إن الجنب غير ممنوع من ذكر الله تعالى، وليس كل الذكر القرآن (٤).
стр. 607
والجواب الثاني: هو أنه لو كان في الخبر أنه ما كان يمتنع من قراءة القرآن على كل حال لكان خبرنا أخص منه (١).
فإن قيل: فإنه حدث يمنع من الصلاة، فوجب أن لا يمنع من القراءة كالطهارة الصغرى.
قيل: المعنى في المحدث أنه يجوز له دخول المسجد والجلوس فيه، وليس كذلك الجنب، وعلى هذا التعليل لا تقرأ الحائض (٢).
وإن شئنا قلنا: الغالب من أمر الناس الحدث، (٦٦) فتلحقهم المشقة بالامتناع من القرآن خوف نسيانه.
على أنهم لا يقولون بالقياس فسقط.
فإن نقلناه على أصولنا فنقول أيضا: إن المحدث تحل له الصلاة للطهارة الصغرى، فجاز له أن يقرأ.
ثم قياسنا أولى؛ لأن نص السنة يعضده، وفعل الصحابة يؤيده،
стр. 608
والاحتياط يطابقه، وإعظام حرمة الدين وإعزار القرآن يوافقه.
وأيضا فإن اعتبار الأصول يشهد لما قلناه، وذلك أن للمصحف حرمتين: أعلى وأدنى، كما أن للصلاة حرمتين: أعلى وأدنى، فلما منعت الجنابة حرمتي الصلاة وهما دخول المسجد، واللبث فيه وفعلها وجب أن تمنع حرمتي المصحف، وهما حمله وقراءة ما فيه من القرآن، ولما كان الجنب ممنوعا من اللبث في المسجد تعظيما له، وهو مكان القراءة والصلاة كان بالمنع من نفس القرآن أولى (١).
فصل (٢)
فأما قراءة الجنب الآية والآيتين فجائز؛ لأن الامتناع من ذلك يشق؛ لأن الناس في أكثر أحوالهم يذكرون الله -تعالى- ويتعوذون، فخفف عنهم وعفي لهم عن ذلك، والأصول تشهد لما قلناه؛ وذلك أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يبتذله المشركون (٣)، ثم كتب إليهم: "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم" (٤). إلى آخر الآيتين.
وكذلك عفي عن العمل اليسير في الصلاة؛ لأن الامتناع منه يشق، وعفي عن دم البراغيث، وعفي للصائم عن غبار الدقيق والطريق، وعن الغرر اليسير في البياعات؛ لأنها لا تخلو منه، ولو امتنعوا منه لضاق عليهم،
стр. 609
ولحقت فيه المشقة، وقد يباح من الأشياء عند الضروريات ما لا يباح عند عدمها ليخف عن الناس.
من ذلك: دخول الحمام بقطعة لا يعلم الحمامي ولا الداخل كم مبلغ ما يستعمل من الماء، وكذلك عبور دجلة مع الملاح بقطعة مجهولة الوزن، وكذلك قطعة الشارب، وما أشبه ذلك، ونحن نعلم أن العمل في الصلاة، وجميع ما ذكرناه ممنوع منه في الدين، ثم قد تجوز عنه تخفيفا، فكذلك فيما ذكرناه، وهذا في الأصول كثير؛ لأنه ليس بمقصود.
فإن استدلوا بقوله ﷺ : "لا يقرأ الجنب شيئا من القرآن" (١).
فهذا عام في القليل والكثير (٢).
قيل: نخصه بما ذكرناه فنقول: إلا الآية والآيتين.
وأيضا فقد حصل الاتفاق على جواز قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم"، و"الله الرحمن"، أو "بسم الله"، وكذلك نجوز الآية والآيتين، لأنه يسير من
стр. 610
القرآن، وهذا على أبي حنيفة والشافعي (١).
فإن قال عراقي: إن بعض الآية ليس بمعجز.
قيل: كذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ (٢) ليس بمعجز.
فإن قال الشافعي: هو ذكر من جملة في جنسها إعجاز، فوجب أن لا يجوز له أن يأتي به وهو ممن لا يجوز له فعل الصلاة، أصله الآيات الكثيرة.
قيل: هو منتقض بالمحدث، فإنه لا يجوز له فعل الصلاة، وهو يقرأ (٣).
على أن المعنى في الكثير أنه مقصود في نفسه للتلاوة، واليسير يقصد به في الغالب التعوذ والذكر، وقد بينا شهادة الأصول في الفرق بين القليل والكثير، والله أعلم.
فَصْل
قد اختلفت الرواية عن مالك ﵀ في قراءة الحائض القرآن.
فروى عنه أكثر أصحابه جواز قراءتها ما شاءت من القرآن (٤).
وروي عنه منعها كالجنب، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي (٥).
стр. 611
فوجه قوله أنها تقرأ: هو أنها غير ممنوعة قبل الحيض، فهي على الجواز حتى يقوم دليل المنع.
وأيضا قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (١)، أي ما تسهل، وهذه يسهل عليها الكثير من القرآن، فهو عموم في الحائض وغيرها حتى يقوم دليل.
وأيضا قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (٢)، ولم يخص.
وأيضا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ (٣).
والعبادة عامة، وأفضلها قراءة القرآن، والتلاوة أيضا من فعل الخير (٤)، فهو عموم في الحائض والطاهر إلا أن تقوم دلالة.
وأيضا قول النبي ﷺ : "من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فكأنه قرأ ثلث القرآن" (٥).
وهذا حث على قراءتها، ولم يخص حائضا من غيرها؛ لأن "من" لمن يعقل (٦).
стр. 612
وأيضا فإنها تقرأ إذا كانت طاهرة، فكذلك وهي حائض، (٦٧) بعلة أنها مسلمة محدثة بغير الجنابة.
أو نقول: هي مسلمة ممنوعة من الصلاة بغير الجنابة (١).
فإن استدلوا بما روي أنه قال ﷺ : "لا يقرأ جنب ولا حائض شيئا من القرآن" (٢)، وقيل: نخصه.
فنقول: لا تقرأ في مصحف تمسكه (٣)، بدليل ما روي عن عائشة ﵂ ـ
أنها كان يمسك لها المصحف وهي حائض فتقرأ القرآن، وتفتي النساء بذلك (٤)، ولا يعرف لها مخالف.
والصحابي إذا أفتى وانتشر قوله بذلك، ولم يظهر له مخالف جرى مجرى الإجماع (٥).
стр. 613
والظاهر أن عائشة ﵂ مع اختصاصها بالنبي ﷺ ، وبمعرفة الحيض وأحكامه، لم تفعل ذلك، وتُفت به إلا وعندها فيه توقيف من النبي ﷺ .
ويخص خبرهم أيضا بالقياس الذي ذكرناه، أو نحمله على الكراهية دون التحريم.
فإن قاسوها على الجنب بعلة أنه ممنوع من الكون في المسجد، وأداء الصلاة بسبب يوجب الطهارة الكبرى.
قيل: المعنى في الجنب أنه لا يطول أمره، مع قدرته على رفع الجنابة بالاغتسال، والحائض لا تقدر على ذلك إلا بانقضاء حيضها (١).
وأيضا فإن الحيض يطول أمره وقدره ومدته، وهو طبع في النساء، حتى ربما حاضت نصف دهرها، كما قال -صلى الله عليه وسل -: "إنها تصلي (٢) نصف دهرها" (٣)،
стр. 614
فلو منعت من القراءة لأدى ذلك إلى أن تنسى ما تحفظه من القرآن، أو لا تتعلم القرآن أصلا (١).
وعلى أن بإزاء قياسهم قياسنا عليها لو كانت طاهرة أو محدثة بغير جنابة، ويكون قياسنا أولى؛ لأن ردها إلى حالها فيما تعتاد في الأغلب، وكونها محدثة وحائض أولى من ردها إلى الجنابة.
فإن قيل: فإن حدث الجنابة أخف من حدث الحيض، ألا ترى أن الجنابة لا تمنع من الجماع، ولا من الصوم، والحيض يمنع من ذلك، فلما منع أخف الحدثين من قراءة القرآن فلأن يمنعه الحيض أولى وأحرى (٢).
ولأن كل معنى يمنع منه الجنابة يمنع منه الحيض كالصلاة.
قيل: الحيض الذي يأتي من قبل الله - تعالى - قد أثر في إسقاط الصلاة عنها، فخفف عنها بأن جوز لها القراءة، ومع هذا فإنه ينافي الصوم، فلما لم
стр. 615
تقدر على رفعه إلا بانقضاء وقته سهل لها في القراءة، كما سهل لها في ترك قضاء الصلاة، وهذا تخفيف عنها لا محالة.
ولما كان الجنب مطالبا بقضاء الصلاة لأنه يقدر على الاغتسال وأداء الصلاة غلظ عليه في الامتناع من القراءة حتى يبادر إلى الغسل.
وقولكم: "إن كل معنى يمنع الجنابة يمنع من الحيض كالصلاة" فقد ذكرنا أن الحيض لما أسقط الصلاة وقضاءها، -لأنه يأتيها من قبل الله تعالى، لا تقدر على دفعه- خفف عنها، وسهل عليها في باب القراءة.
فإن قيل: قولكم: "إنها تنسى القرآن ولا تتعلمه" فإننا نقول: [يجوز] (١) أن تقرأ بقلبها (٢)، وأن تنظر في المصحف من غير أن تتلفظ به، ويجوز أن يقرأ عليها.
قيل: هذا يشق من وجهين:
أحدهما: أنه ربما تعذر عليها من تسمع منه، ولعلها أن تتكلف له مؤونة، وهي فلا تمسك المصحف، ويتعذر عليها تصفحه وربما احتاجت إلى أن تتعلم القرآن فلا ينفعها قراءة غيرها وكذلك لا تحفظه بالتذكر بقلبها كما تحفظه بالتلاوة (٣).
فإن قيل: قياسنا أولى؛ لأنه يستند إلى نص السنة، والاحتياط، وإعزاز القرآن.
قيل: قياسنا أولى؛ لأنه يزيد حكما وهو جواز قراءتها، ونحمل السنة
стр. 616
على الكراهية (١).
وأما الاحتياط فإنه معنا؛ لأنه احتياط لحفظ القرآن لئلا تنساه، ولتتعلمه أيضا.
وأما إعزازه فإنه في المحافظة [على] (٢) حفظه وتعلمه، وقد كان ينبغي أن تمنعوا المحدث بغير الجنابة أن يقرأ، فإنه كان أعز للقرآن على حسابكم (٣).
فإن قيل: لما كان موجب حدثهما متفقا وجب أن يستويا في المنع من القراءة، يريدون الحائض والجنب.
قيل: هو منتقض بالمحدث بغير الجنابة، والمحدث بالجنابة؛ لأنه قد يتفق تيممهما وحدثها مختلف، ومع هذا فالمحدث يقرأ القرآن، ولا يقرأ الجنب.
[ثم أرادوا أن الموجب] (٤) فيهما واحد، ويعنون الغسل فإننا نقول: إنهما وإن اتفقا في الغسل فقد اختلفنا في وقته، فالجنب يقدر (٦٨) على الغسل عقيب الجنابة فيرفع حكمها، والحائض لا تقدر على ذلك، فكان لهذا الفرق بينهما تأثير، ألا ترى أنه قد أثر في إسقاط قضاء الصلاة عنها، ولم تسقط عن الجنب، فكذلك خفف عنها، وجوزت لها القراءة، ولم تجز للجنب.
ووجه الرواية الأخرى ما ذكرته من الحجاج على الوجه الآخر. وبالله التوفيق.
стр. 617
* مسألة (١٧):
اختلف الناس في الإنسان إذا قعد لحاجته من غائط أو بول في استقبال القبلة واستدبارها على ثلاثة مذاهب:
فذهب النخعي، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد (١)، وأبو ثور: إلى أنه لا يجوز أن يستقبل القبلة ولا يستدبرها في الصحاري والبنيان جميعا (٢).
وروي هذا عن أبي أيوب الأنصاري (٣).
وروي عن عروة، وربيعة، وهو مذهب داود (٤): أنه يجوز الاستقبال
стр. 618
والاستدبار جميعا في الصحاري والبنيان جميعا.
وذهب مالك (١)، والشافعي إلى أنه يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان، ولا يجوز في الصحاري والفلوات (٢).
وقد روي عن أبي حنيفة أنه يجوز الاستدبار وحده في الصحاري والبنيان، وإنما الذي لا يجوز عنده الاستقبال في الصحاري والبنيان (٣).
стр. 619
[فحصل الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة على الرواية الأولى عنه في الاستقبال والاستدبار جميعا في البنيان] (١).
واستدل أصحابه بأربعة أخبار:
أحدها: ما روى الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولكن ليُشرّق أو ليُغرّب" (٢).
قال أبو أيوب: فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيض جعلت إلى القبلة، فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله (٣).
قالوا: موضع الدليل منه: أنه نهى عن استقبال القبلة واستدبارها، فهو عام في كل المواضع.
стр. 620
والثاني: أنه أمر بالتشريق والتغريب، وأمره على الوجوب (١).
والثالث: أن أبا أيوب حيث قدم الشام، وجدهم يستقبلون القبلة، فانحرف عن مجالسهم، فدل على أن النهي متوجه إلى البنيان.
والحديث الآخر: وهو ما رواه أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم لغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لغائط أو بول، وليستنج بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة، وأن يستنجي الرجل بيمينه" (٢).
فنهى ﷺ عن الاستقبال والاستدبار، ولم يفرق بين الصحاري والبنيان.
وأيضا ما روي عن سلمان أنه قال: "نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة لغائط أو بول" (٣).
وروى معقل بن أبي معقل الأسدي "أن النبي ﷺ نهى عن استقبال القبلتين (٤) -هى الكعبة وبيت المقدس-"؛ لأنه إذا استقبل بيت المقدس بالمدينة استدبر الكعبة.
стр. 621
والدليل لقولنا ما رواه خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت قال: "كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكروا استقبال القبلة بالفروج، فقال عكرمة: قالت عائشة ﵂: ذكر عند رسول الله ﷺ أن ناسا يكرهون أن يستقبلوا القبلة وأن يستدبروها، فقال النبي ﷺ : "أو فعلوا ذلك؟ "، وأمر بأن تستقبل بمقعدته القبلة" (١).
وهذا نص في موضع الخلاف؛ لأنه في البنيان، وهذا أمر منه ﷺ ظاهر منتشر (٢).
فإن قيل: إن خالد بن أبي الصلت لا يعرف (٣).
قيل: هو معروف؛ لأن أحمد بن حنبل قال: "خالد بن أبي الصلت حسن" (٤).
стр. 622
وروى سفيان الثوري وخالد الحذاء عنه (١)، فدل على معرفته.
وقد روى محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن عبد الله بن عمر أنه قال: "ارتقيت ذات يوم على السطح، فرأيت رسول الله ﷺ جالسا على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته" (٢).
وروي عنه أنه قال: "ارتقيت سطح حفصة -وهي أخته- إلى أن قال: مستقبل القبلة" (٣).
وكيفما كان فإن فعله ﷺ لذلك يدل على الجواز؛ لأنه إن كان استقبل بيت المقدس فقد استدبر الكعبة؛ لأن من يستقبل بيت المقدس بالمدينة فهو مستدبر الكعبة، ومن يستقبل الكعبة بها فهو مستدبر لبيت المقدس.
وروى مجاهد عن جابر قال: "نهانا نبي الله ﷺ أن نستقبل القبلة للبول، ثم رأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها (٦٩) لبول" (٤).
стр. 623
وقد اتفقنا أنه لم يفعل في الصحاري، فدل على أنه فعله في البنيان.
فإن قيل: فإن النبي ﷺ إنما قصد بما فعله من ذلك الاستخفاء والاستتار، وإنما يؤخذ الشرع من أفعاله التي يظهرها ليسن لنا، فأما ما يقصد كتمانه ولا يظهره، ولا ينتشر عنه فلا يكون شرعا.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن الذي يستتر به النبي ﷺ يكون شرعا لنا كالذي يظهره؛ لأنه ﷺ لا يفعل في نفسه ما لا يسوغ وهو من شريعته، فسواء فعل النبي ﷺ على وجهه الاستسرار به أو الإظهار فهو شرع لنا إذا وقفنا عليه.
وقد حكى الله - تعالى - عن شعيب ﵇ أنه قال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (١).
ويشهد لما قلناه: أن الصحابة لما اختلفت في وجوب الغسل من الإيلاج، قالوا: "النساء أعرف بهذا، فبعثوا إلى عائشة ﵂، فقالت لهم: إذا التقى الختانان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا" (٢).
стр. 624
وقد حصل العلم أنه ﷺ فعل ذلك مع عائشة مستسرا (١).
والجواب الثاني: هو أن النبي ﷺ قد فعل ذلك مستسرا به، وقد فعله ظاهرا منتشرا، وذلك أننا روينا أنه ﷺ أمر بأن تستقبل بمقعدته القبلة (٢).
فإن قيل: إن هذه أخبار وردت في النهي، بينة ظاهرة منتشرة على رؤوس الملأ، فلو كان المراد بالنهي فيها خصوص الصحاري والفلوات دون البنيان لم يترك النبي ﷺ البيان والتخصيص، ولكن يظهره على رؤوس الملأ كما أظهر النهي العام.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنه يجوز أن يرد الخبر ظاهرا، ويقع التخصيص على الخاص من الواحد والاثنين، ولا يقع ظاهرا للجماعة، كما يكون مخصوصا بالقياس الذي ربما علمه بعضهم، ثم يقع لباقيهم.
والجواب الآخر: هو أن بيانه قد حكيناه بينا ظاهرا من قوله ﷺ : استقبلوا بمقعدتي القبلة" (٣).
فإن قيل: فكيف جاز لابن عمر أن ينظر إلى مقعدة النبي ﷺ ويرى عورته؟.
стр. 625
قيل: فيه جوابان:
أحدهما: أنه يجوز أن تكون حانت منه التفاتة فرآه (١)، ولم يكن قاصدا لذلك، فنقل ما رأى، ومثل هذا يجوز كما لا يتعمد الشهود النظر إلى الزنى، ثم قد يجوز أن تقع أبصارهم عليه، ويجوز أن يحملوا الشهادة بعد ذلك.
والجواب الآخر: هو أنه يجوز أن يكون ابن عمر قصد ذلك، ولكنه رأى رأسه ﷺ دون ما عداه من بدنه، ثم تأمل قعوده فعرف كيف هو جالس على اللبنتين، ليستفيد فعله ﷺ ، فنقل ما شاهد.
فإن قيل: يجوز أن يكون فعل ذلك لضرورة كانت به على ذلك (٢).
قيل: هذا غلط؛ لأنه فعل ما كان نهى عنه، ونهيه إنما ينصرف إلى حال الاختيار دون الضرورة، إذ لا يجوز أن ينهى عما هو مضطر إليه؛ لأن التكليف لا يتعلق بالاضطرار.
وقول الراوي: "رأيته ﷺ قبل موته بعام يستقبلها لبول" (٣)، معناه: أنه استقبلها وهو على الحال التي وقع النهي عنها، وإنما أراد الراوي أن يفيدنا جوازه على هذه الصفة لغير ضرورة.
وأيضا فإننا رأينا الصحاري والفلوات لا تخلو في الغالب من مصل
стр. 626
فيها، فمنع من استقبال القبلة واستدبارها لحاجة، لئلا يرى المصلي عورته وفرجه ودبره من خلف، وذكره من قدام وهذا المعنى معدوم في البنيان؛ لأن البناء يمنع من المشاهدة والنظر إلى العورة.
وقد روي عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: "لا تستقبلوا القبلة في الصحاري فإن الملائكة تشهد الصحاري، وتصلي فيها (١).
فيكون قد أبدى عورته للملائكة، وهذا يشبه المعنى الذي ذكرنا.
وقد روي: "إن الله -تعالى- ملائكة سياحين يصلون، فيكره أن يروا فرج المستقبل أو دبره إن استدبره" (٢).
стр. 627
فأما الجواب عن الأخبار التي رووها فإن هذه الأخبار كلها واردة في الصحاري دون البنيان (١)، ألا ترى إلى قوله ﷺ : "إذا أتى أحدكم الغائط" (٢)، والغائط هو الفضاء المتسع بين ربوتين (٣).
وروي أيضا في خبر آخر: "إذا أراد أحدكم البراز الغائط أو بول" (٤)، والبراز هو الصحراء (٥).
ولأن النبي ﷺ إذا خاطب أهل المدينة، والنهي توجه إليهم، ولم تكن لهم أخلية ولا (٧٠) حشوش (٦)، وإنما كانوا يخرجون لحاجتهم إلى
стр. 628
الصحراء (١)، بدليل ما روي "أن عمر ﵁ رأى سودة خرجت إلى الصحراء. فقال لها: قد عرفتك" (٢).
وإنما قال لها ذلك لأنه غار عليها.
وجواب آخر: وهو أنه لو كان النهي مطلقا، ولم يكن فيه ما يقتضي الصحاري لكان عاما، وأخبارنا تخصه لأنها في البنيان، فهي أولى.
وأيضا فالذي رويناه متأخر، والمتأخر ينسخ المتقدم، لما روي عن جابر أن نبي الله ﷺ كان ينهانا عن استقبال القبلة لبول، ثم قال: "رأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها لبول" (٣).
فإن قيل: إن أبا أيوب هو الراوي عن النبي ﷺ ، وهو الذي ذهب إلى أن النهي وارد في البنيان، ألا ترى أنه لما رأى مراحيض الشام إلى القبلة تحرف عنها.
قيل: يجوز أن يكون أبو أيوب إنما ذهب لذلك لأنه لم يعرف أخبار الإباحة.
стр. 629
فإن قيل: فإنه مستقبل بفرجه الكعبة من غير ضرورة فوجب أن لا يجوز، دليله الصحراء.
وأيضا فإن ما تعلق بحرمة الكعبة لا يفترق الحكم فيه من البنيان والصحاري كاستقبال القبلة للصلاة، فإنه يجب فيها جميعا.
وأيضا فإنه ليس في البنيان أكثر من حصول حائل بينه وبين الكعبة، وهو الحائط والسترة، وهذا لا يمنع من وجود المنع منه والنهي عنه، بدليل أن الصحاري تحول فيما بينه وبين الكعبة جبال، وأبنية، وحيطان، وأشجار، وغير ذلك، ثم كان المنع من استقبالها واستدبارها موجودا ثابتا.
قيل: أما قياسكم على الصحاري والفضاء فإن المعنى فيهما أنها لا تخلو من مصل في الغالب (١)، فلم يجز خيفة أن تظهر عورته للمصلي، وليس كذلك البناء؛ لأنه يمنع من النظر إليه، فلهذا جاز.
وقولكم: "إنما تعلق بحرمة الكعبة يستوي فيه حكم الصحراء والبنيان كاستقبال القبلة للصلاة" فإننا نقول: هذا قياس بحكم مجهول لا يصح؛ لأنه لا يمكنكم إظهار حكمه؛ لأنكم إن قلتم: يستوي فيه البنيان والصحاري في الوجوب لم تجدوا ذلك في الفرع؛ لأن من الفرع عندكم المنع والترك.
وإذا قلتم بالمنع في الفرع لم تجدوه في الأصل؛ لأن حكمه على الوجوب.
وعلى أنه قياس فاسد في الموضوع؛ لأن الفرع إنما يرد إلى الأصل
стр. 630
ليجعل حكم الفرع حكمه، وإن كان حكمه الوجوب جعل حكم الفرع الوجوب، وإن كان حكم الأصل السقوط كان حكم الفرع مثله، فأما أن يكون حكم الأصل بالضد من حكم الفرع فلا يكون قياسا صحيحا.
ثم إننا نفرق فيما يقع بحرمة الكعبة بين الصحاري والبنيان، ألا تري أنه لا يجوز له في البنيان ترك القبلة في الصلاة أصلا مع القدرة، وإذا كان مسافرا فبان من البيوت جاز له ترك القبلة في النوافل.
وقولكم: إن الحائل بينه وبين القبلة في الصحاري من الجبال وغيرها لم يمنع من أن يكون ممنوعا من الاستقبال والاستدبار، فكذلك الحائل في البنيان لا يمنع أن يكون ممنوعا منه، إذ لو أباح له هذا لأباحه له في الصحاري.
فجوابه: أننا نحن لم نجوز له الاستقبال والاستدبار في البنيان لوجود الحائل بينه وبين القبلة، ولكن لوجود الحائل بينه وبين مصل يراه في الغالب، ويرى عورته (١)، وهذا المعنى معدوم في الصحاري، فإن وجد هذا المعنى فيها [جاز، مثل أن يجعل في وجهه شيئا يكون سترة له عند حاجته فإنه يجوز] (٢) له أن يبول مستقبلا.
وجملة الأمر: هو أنه قد روي في هذا الباب أخبار تفيد الحظر على العموم، وأخبار تقتضي الإباحة، فمن قال بالحظر في الصحراء والبنيان أسقط أخبار الإباحة، ومن قال بالإباحة فى الموضعين جميعا أسقط أخبار الحظر،
стр. 631
ونحن نستعمل الجميع، فنحمل عموم الحظر على الصحاري، وعموم الإباحة على البنيان، والاستعمال أولى (١).
وقد روي أن ابن عمر أناخ راحلته، وجلس يبول إلى القبلة فقيل له: إن النبي ﷺ نهى عن الاستقبال. فقال: "ذاك في الفضاء الذي ليس بينك وبينها حائل، فأما إذا كان يسترك عن القبلة حائل فلا بأس" (٢).
فإن قيل: فإنا نستعمل الأخبار كما استعملتم على الرواية التي رواها أبو يوسف عن أبي حنيفة، من جواز الاستدبار في الصحاري والبنيان، والمنع من الاستقبال في الصحاري والبنيان.
قيل: قد بينا (٧١) الفرق بين الصحاري والبنيان؛ لأن الصحاري لا تخلو من مصل، فلا ينبغي أن يرى فرج الإنسان ولا دبره (٣)، والبنيان ليس كذلك، واستعمال الجميع من الاستقبال والاستدبار يجوز في البنيان لما ذكرناه، ويمتنع في الصحاري بما ذكرناه.
واستعمالنا أولى من وجه آخر، وهو أنه يضيق على الناس في الأبنية أن تكون مراحيضهم غير مستقبلة القبلة، ويشق عليهم في الغالب أن يحرفوها فيها
стр. 632
عن الاستقبال، وربما ضاقت عن ذلك (١)، وليس في الصحاري ما يمنعهم في الانحراف، مع ما ذكرناه من أنه لا تخلو من مصل يرى فروجهم وأدبارهم.
ويجوز أن نقول: قد اتفقنا على جواز الاستدبار في البنيان، فكذلك الاستقبال، بعلة أنه مستقبل بأحد فرجيه القبلة من وراء حائل يخففه.
فإن قيل: قد اتفقنا على المنع من الاستقبال في الفضاء، فكذلك في البنيان، بعلة أنه مستقبل بفرجه القبلة مع القدرة على الاستدبار.
قيل: قد ذكرنا الفرق بين الفضاء والبنيان، وأنه لم يمكنه في الغالب الانحراف حتى لا يرى فرجيه جميعا مصل، وأنه في البنيان دونه حائل، ويضيق أيضا عليه من بناء المراحيض غير مستقبلة القبلة، ويشق الانحراف في الغالب وبالله التوفيق.
* * *
* مسألة (١٨):
والاستنجاء ليس بفرض عند مالك ﵀ (٢)، وهو كسائر النجاسات التي تكون على البدن والثوب لا تجوز إزالتها إلا من طريق السنة (٣).
стр. 633
وقال بعض أصحابنا (١): إزالة النجاسة فرض، فينبغي أن يكون الاستنجاء فرضا.
ولكن الفرق بين الاستنجاء وسائر الأنجاس على قول مالك هو أن الاستنجاء يجوز بالأحجار، ولا يجوز إزالة الأنجاس في غير المخرج إلا بالماء؛ لأنه رخص له في الاستنجاء بإزالة العين دون الأثر، وفي الأنجاس التي في غير المخرج يزيل العين والأثر.
وقال أبو حنيفة: الاستنجاء ليس بفرض كقول مالك، وأنه إن صلى ولم يستنج صحت صلاته، ولكنه جعل محل الاستنجاء مقدرا يعتبر به سائر النجاسات على سائر المواضع، وحده بالدرهم الأسود البغلي (٢).
وقال الشافعي: الاستنجاء فرض (٣)، فإن صلى ولم يستنج لم تصح صلاته (٤).
وهو وأبو حنيفة يقولان: إن إزالة النجاسة من غير المخرج فرض.
ولنا في هذه المسألة طريقان:
أحدهما: أن ندل على عين مسألة الاستنجاء.
والثاني: أن ندل على أن إزالة الأنجاس ليست بفرض.
стр. 634
والدليل على عين المسألة: قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية.
فأجاز تعالى فعل الصلاة بغسل هذه الأعضاء، ولم يشترط الاستنجاء، فمن أوجب شرطا آخر هو الاستنجاء فعليه الدليل.
وأيضا فإنه تعالى قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، فذكر حكم الأحداث وموجبها، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والماء المذكور هو للأعضاء الذي جعل التيمم بدلا منه، ولم يذكر مع ذلك أحجار الاستنجاء، فلو كان واجبا لذكرها.
وقال النبي ﷺ في خبر الأعرابي: "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه، فيغسل وجهه"، إلى أن قال: "ثم يكبر" (١).
ولم يذكر الاستنجاء، ولم يجعله شرطا في قبول الصلاة، وقد كان السائل غير عالم بالحكم، وخرج كلام النبي ﷺ على وجه تعليم الطهارة التي يحتاج إلى علمها في جميع الأحوال، فلو كان الاستنجاء واجبا مع الوضوء لم يُغفل ذكره للمتعلم، فلا يجب إلا بدليل.
وكذلك روي في خبر آخر أنه قال: "لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه" (٢).
ولم يذكر استنجاء.
стр. 635
ولنا من الظواهر: قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (١).
وهذا قد نوى الوضوء وإن لم يستنج.
وقوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى" (٢).
وهذا قد نوى أن تكون له طهارة وإن لم يستنج.
وقوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٣).
وهذا قد توضأ، وصلى بفاتحة الكتاب وإن لم يستنج.
وأيضا قوله ﷺ : "من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" (٤).
وهذا يتوجه إلى ما تقدم ذكره من فعل الوتر -الذي أقله مرة واحدة- فلا حرج عليه في تركه (٥).
وأيضا فإنها نجاسة على البدن، قد سقط فرض إزالتها بالماء من غير ضرورة، فوجب أن يسقط قلع عينها، دليله اليسير من الدم.
وأيضا فإنها طهارة لا تجب بالماء مع القدرة، فأشبهت المضمضة والاستنشاق.
وأيضا فإن كل نجاسة عفي عن إزالة أثرها في البدن مع القدرة فإنه قد