← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ونحن نستعمل الجميع، فنحمل عموم الحظر على الصحاري، وعموم الإباحة على البنيان، والاستعمال أولى (١). وقد روي أن ابن عمر أناخ راحلته، وجلس يبول إلى القبلة فقيل له: إن النبي ﷺ نهى عن الاستقبال. فقال: "ذاك في الفضاء الذي ليس بينك وبينها حائل، فأما إذا كان يسترك عن القبلة حائل فلا بأس" (٢). فإن قيل: فإنا نستعمل الأخبار كما استعملتم على الرواية التي رواها أبو يوسف عن أبي حنيفة، من جواز الاستدبار في الصحاري والبنيان، والمنع من الاستقبال في الصحاري والبنيان. قيل: قد بينا (٧١) الفرق بين الصحاري والبنيان؛ لأن الصحاري لا تخلو من مصل، فلا ينبغي أن يرى فرج الإنسان ولا دبره (٣)، والبنيان ليس كذلك، واستعمال الجميع من الاستقبال والاستدبار يجوز في البنيان لما ذكرناه، ويمتنع في الصحاري بما ذكرناه. واستعمالنا أولى من وجه آخر، وهو أنه يضيق على الناس في الأبنية أن تكون مراحيضهم غير مستقبلة القبلة، ويشق عليهم في الغالب أن يحرفوها فيها

стр. 632

عن الاستقبال، وربما ضاقت عن ذلك (١)، وليس في الصحاري ما يمنعهم في الانحراف، مع ما ذكرناه من أنه لا تخلو من مصل يرى فروجهم وأدبارهم. ويجوز أن نقول: قد اتفقنا على جواز الاستدبار في البنيان، فكذلك الاستقبال، بعلة أنه مستقبل بأحد فرجيه القبلة من وراء حائل يخففه. فإن قيل: قد اتفقنا على المنع من الاستقبال في الفضاء، فكذلك في البنيان، بعلة أنه مستقبل بفرجه القبلة مع القدرة على الاستدبار. قيل: قد ذكرنا الفرق بين الفضاء والبنيان، وأنه لم يمكنه في الغالب الانحراف حتى لا يرى فرجيه جميعا مصل، وأنه في البنيان دونه حائل، ويضيق أيضا عليه من بناء المراحيض غير مستقبلة القبلة، ويشق الانحراف في الغالب وبالله التوفيق. * * * * مسألة (١٨): والاستنجاء ليس بفرض عند مالك ﵀ (٢)، وهو كسائر النجاسات التي تكون على البدن والثوب لا تجوز إزالتها إلا من طريق السنة (٣).

стр. 633

وقال بعض أصحابنا (١): إزالة النجاسة فرض، فينبغي أن يكون الاستنجاء فرضا. ولكن الفرق بين الاستنجاء وسائر الأنجاس على قول مالك هو أن الاستنجاء يجوز بالأحجار، ولا يجوز إزالة الأنجاس في غير المخرج إلا بالماء؛ لأنه رخص له في الاستنجاء بإزالة العين دون الأثر، وفي الأنجاس التي في غير المخرج يزيل العين والأثر. وقال أبو حنيفة: الاستنجاء ليس بفرض كقول مالك، وأنه إن صلى ولم يستنج صحت صلاته، ولكنه جعل محل الاستنجاء مقدرا يعتبر به سائر النجاسات على سائر المواضع، وحده بالدرهم الأسود البغلي (٢). وقال الشافعي: الاستنجاء فرض (٣)، فإن صلى ولم يستنج لم تصح صلاته (٤). وهو وأبو حنيفة يقولان: إن إزالة النجاسة من غير المخرج فرض. ولنا في هذه المسألة طريقان: أحدهما: أن ندل على عين مسألة الاستنجاء. والثاني: أن ندل على أن إزالة الأنجاس ليست بفرض.

стр. 634

والدليل على عين المسألة: قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية. فأجاز تعالى فعل الصلاة بغسل هذه الأعضاء، ولم يشترط الاستنجاء، فمن أوجب شرطا آخر هو الاستنجاء فعليه الدليل. وأيضا فإنه تعالى قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، فذكر حكم الأحداث وموجبها، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والماء المذكور هو للأعضاء الذي جعل التيمم بدلا منه، ولم يذكر مع ذلك أحجار الاستنجاء، فلو كان واجبا لذكرها. وقال النبي ﷺ في خبر الأعرابي: "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه، فيغسل وجهه"، إلى أن قال: "ثم يكبر" (١). ولم يذكر الاستنجاء، ولم يجعله شرطا في قبول الصلاة، وقد كان السائل غير عالم بالحكم، وخرج كلام النبي ﷺ على وجه تعليم الطهارة التي يحتاج إلى علمها في جميع الأحوال، فلو كان الاستنجاء واجبا مع الوضوء لم يُغفل ذكره للمتعلم، فلا يجب إلا بدليل. وكذلك روي في خبر آخر أنه قال: "لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه" (٢). ولم يذكر استنجاء.

стр. 635

ولنا من الظواهر: قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (١). وهذا قد نوى الوضوء وإن لم يستنج. وقوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى" (٢). وهذا قد نوى أن تكون له طهارة وإن لم يستنج. وقوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٣). وهذا قد توضأ، وصلى بفاتحة الكتاب وإن لم يستنج. وأيضا قوله ﷺ : "من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" (٤). وهذا يتوجه إلى ما تقدم ذكره من فعل الوتر -الذي أقله مرة واحدة- فلا حرج عليه في تركه (٥). وأيضا فإنها نجاسة على البدن، قد سقط فرض إزالتها بالماء من غير ضرورة، فوجب أن يسقط قلع عينها، دليله اليسير من الدم. وأيضا فإنها طهارة لا تجب بالماء مع القدرة، فأشبهت المضمضة والاستنشاق. وأيضا فإن كل نجاسة عفي عن إزالة أثرها في البدن مع القدرة فإنه قد

стр. 636

(٧٢) عفي عن إزالة عينها، أصله الدم اليسير أو دم البراغيث. وأيضا فإن تخفيفها لو وجب بالأحجار لوجب أن يصير حكم الحادث من جنسها في حكمها، بدليل الأصول في سائر النجاسات، ألا ترى أن الدم يسيل من الجرح، ويحدث مكانه دم آخر، فيجب غسله عندكم، وليس كذلك في الاستنجاء؛ لاتفاقهم على أن موضع الاستنجاء لو حصلت عليه نجاسة أخرى من جنسها لم يجب استعمال الحجر فيها بعد الأحجار الأُول. ونقول أيضا: هي نجاسة فلم يكن استعمال الأحجار في تخفيفها فرضا، دليله سائر الأنجاس في غير هذا الموضع. وأيضا فإنها نجاسة على بدنه فوجب أن لا يلزمه استعمال الأحجار فيها دليله من كان على بدنه نجاسة وهو عادم للماء. فإن قيل: فقد روى أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم لغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لغائط أو بول، وليستنج بثلاث أحجار" (١). وقوله: "وليستنج" أمر ظاهر الوجوب. وقد روي أنه قال: "ولا تستدبروها لغائط أو بول، وأمرنا أن نستنجي بثلاثة أحجار" (٢). وروي الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن النبي ﷺ قال: "إذا استجمر

стр. 637

أحدكم فليستجمر ثلاثا" (١). والدلالة منه من وجهين: أحدهما: أنه أوجب عليه الاستنجاء [ثلاثا إذا أراد الاستنجاء] (٢)، قالوا: وأنتم تقولون: أنه لو استنجى مرة واحدة أجزأه. والوجه الآخر: أن النبي ﷺ قيد الاستنجاء بعدد، وكل نجاسة قرنت في الشرع بعدد فإن إزالتها واجب، كولوغ الكلب، ودم الحيض؛ لأن النبي ﷺ قال الأسماء: "حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه" (٣). وقد روي أن سلمان قال: "نهانا رسول الله ﷺ أن نستنجي بالعظم والروث، وقال: "لا يكفي أحدكم بدون ثلاثة أحجار" (٤). وروي: "لا يجتزئ أحدكم بدون ثلاثة أحجار" (٥). وقوله ﷺ : "لا يكفي" قد منع الإجزاء؛ لأن الكفاية هي الإجزاء. قيل: لو تجردت هذه الأخبار جاز أن نحملها على الندب، بدليل ما

стр. 638

روي أنه ﷺ قال: "من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا خرج" (١). وقوله "من استجمر فليوتر"، خبر عن من فعل، ليس فيه: استجمروا وأوتروا. وقوله "فلا حرج"، راجع إلى الجميع من الاستجمار والإيتار؛ لأنه لو صرح فقال: "من استجمر فليوتر، من فعل الاستجمار والإيتار فقد أحسن، ومن لم يستجمر ويوتر فلا حرج لصح. فإن قيل: إنما ورد الخبر بهذا اللفظ؛ لأن الغسل هو الأصل فقال: من عدل إلى الاستجمار فليوتر. وقوله: "فليوتر" أمر واجب، فإذا عدل إلى الاستجمار وجب الإيتار. قيل: فقد صار الكلام في وجوب الإيتار. وأيضا فإن الغسل في الأصل لم يثبت، وهو الذي زعمتم أنه أصل، ثم لو ثبت لدل هذا الخبر على أنه غير واجب؛ لأنه لما قال: إن عدل إلى الاستجمار فقد أحسن، وإن لم يفعله فلا حرج، فإذا كان لا حرج في تركه مع العدول إليه دل على أن الغسل أيضا ليس بواجب؛ لأنه لو كان واجبا لكان الذي عدل إليه من الاستجمار واجبا؛ لأنه تخيير بين الغسل والاستجمار، فأنتم بين أمرين: إما أن تسقطوا الاستجمار وتوجبوا الغسل، وليس هذا مذهبكم، وإن سقط وجوب الاستجمار سقط حكم الغسل في الوجوب، ويكون التخيير إنما هو -عندنا- في المسنون، وهو الغسل أو الاستجمار.

стр. 639

وأما حديث جابر وقول النبي ﷺ : "إذا استجمر" فليس فيه أيضا: "استجمروا" (١)، وإنما هو إذا فعل، فليس يدل على وجوب الاستجمار. وقوله: "فليستجمر ثلاثا" يصير الكلام في العدد، ونحن نتكلم عليه بعد هذا. وقولهم: إنه قد قيد فيه النجاسة بالعدد، فصار كالولوغ ودم الحيض. فإنا نقول: ليس غسل الوضوء -عندنا- لنجس، ولا هو واجب أيضا، والكلام يجيء عليه في موضعه. وأما دم الحيض فليست إزالته -عندنا- فرضا، ولا فيه عدد، ونحن نتكلم في إزالة الأنجاس عند الفراغ من عين هذه المسألة. فإن قيل: فإنها نجاسة لا تلحقه المشقة في إزالتها غالبا، فوجب أن تجب عليه إزالتها، أصله إذا كانت النجاسة من الدم كثيرة (٢)، أو كانت في غير هذا الموضع. قيل: لا يلزم من وجهين: أحدهما: أن إزالة النجاسة ليست -عندنا- فرضا في المواضع (٧٣) كلها. والوجه الآخر: أنه ينتقض بأثر الاستنجاء [هو نجاسة] (٣) لا تلحقه

стр. 640

المشقة في إزالتها في الغالب؛ لأنه إما أن يكون مسافرا أو مقيما، والغالب من عادة المسافر ومن في البرية ألا ماء معه، وإن كان معه فهو محتاج إليه لشفته، وإن كان مقيما لحقته المشقة في إزالته بالماء؛ لأن الغالب أنه يتكرر منه في اليوم المرة والمرتين، لاسيما العرب؛ لأن أقواتهم التمر، فأجوافهم رقيقة. قيل: مع وجوده الماء وتمكنه منه لا تلحقه المشقة في غسله، فلما لم يجب غسل الأثر لم يجب تخفيفه بالحجر (١)، ألا ترى أن سائر الأنجاس -عندكم- لما وجبت إزالتها وجبت بالماء الذي يزيل الأثر (٢). ثم إن العلة منتقضة بما دون اللمعة من الدم، فإن غسلها بالماء لا يشق، ومع هذا فليس تجب إزالتها إجماعا. فإن قيل: قوله ﷺ : "من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" (٣) عائد إلى الشفع وإلى الغسل، فتقديره: فلا حرج في أن يعدل إلى هذين. [قيل] (٤): قوله ﷺ : "فلا حرج" عائد على ما ذكر من فعل الاستجمار والوتر، فلا حرج في تركهما جميعا، والرجوع إلى الغسل يحتاج إلى دليل؛ لأن الرجوع إليه يدل على أنه أصل، ولم يثبت الأصل. وعلى أنه لا يجوز صرف الخبر إلى هذا؛ لأن الغسل أحسن، فلا نقول من عدل عنه إلى المسح أحسن، وإن ترك وعاد إلى الغسل فلا حرج.

стр. 641

فصل فأما إزالة سائر النجاسات من البدن والثياب وغير ذلك فليست بفرض على ظاهر مذهب مالك. وقال بعض أصحابنا: إزالتها فرض (١). وبهذا قال أبو حنيفة في غير الاستنجاء إذا زاد على مقدار الدرهم (٢). وقال الشافعي: إزالتها فرض (٣)، ولم يعتبر مقدار الدرهم (٤). وأنا أتكلم على [أن] (٥) إزالتها في الجملة ليس بفرض، فإذا ثبت ذلك دخل فيه الاستنجاء (٦).

стр. 642

والدليل على ذلك: هو أن الأصل أن لا يجب شيء إلا بدليل. وأيضا فإنا نفرض المسألة في رجل صلى وعليه نجاسة، فقلنا: صلاته صحيحة، وقالوا: هي فاسدة. فالدليل لقولنا: قول ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوي" (١). وهذا قد فعل الصلاة، ونوى أن تكون له صلاة، فله ما نواه. وأيضا قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٢). وهذا قد صلى وقرأ فيها بفاتحة الكتاب. وأيضا قول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُم﴾، إلى آخر الآية. ولم يذكر غسل شيء سوى ما ذكر من الأعضاء، وهذا قد فعل ما أمره به. وأيضا قول النبي ﷺ : "لن تجزئ عبدا صلاته حتى يبلغ الوضوء كما أمره الله، فيغسل وجهه ويديه" (٣). وأعلمنا أن الصلاة تجزئ بهذا الفعل، ولا تجزئ بما دونه. وكذلك قوله للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك، ويديك" (٤).

стр. 643

ولم يذكر له شيئا غير ما ذكره، وهو موضع تعليم، وبين له القدر الذي أمره الله به، فمن فعل ذلك فقد امتثل المأمور به، فلا يلزمه غيره إلا بدليل. ولنا أن نفرض المسألة فيمن أخطأ أو نسي غسل النجاسة حتى صلى. قال النبي ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" (١). وهذا عام في رفع الحكم والمأثم؛ لأن المراد الحكم؛ لأن الفعل قد وقع فلا يمكن رفعه، بل ينبغي أن يحمل على رفع الحكم في الفساد والقضاء، لا على رفع المأثم؛ لأن رفع المأثم معلوم من [غير] (٢) هذا الخبر، فلا يحمل كلامه إلا على ما يعلم من جهته بهذا الخبر، حتى تكون فيه فائدة مستأنفة، وهو الحكم الشرعي (٣).

стр. 644

وأيضا قول النبي ﷺ في المستحاضة: "تصلي وإن قطر الدم على الحصير" (١). فلو كانت إزالة النجاسة فرضا لوجب من هذا أحد أمور: إما أن لا تصلي أصلا لهذه الضرورة، كما لا تصلي إذا كانت حائضة، أو إن صلت قضت الصلاة [إذا زال ذلك عنها كما يقضي من صلى بماء نجس، أو يؤخر الصلاة] (٢) حتى يتمكن من إزالتها، فلما جوز لها الصلاة على حال النجاسة وأجزأتها صلواتها دل على أن إزالتها ليست بفرض. وقد صلى عمر بن الخطاب ﵁ وجرحه يثعب (٣) دما بحضرة

стр. 645

الصحابة (١)، وكانت حاله كحال المستحاضة. وأيضا فإن النبي ﷺ ما كان في الصلاة فخلع نعله، فخلع الناس نعالهم، فلما فرغ من صلاته قال: "مالكم خلعتم نعالكم؟ " قالوا: رأيناك قد خلعت فخلعنا. فقال: "إنه أتاني جبريل فأخبرني أن فيهما قذرا" (٢). فقد علم ﷺ في الصلاة بالقذر في نعله، وبنى على صلاته، فلو كان إزالة النجاسة فرضا (٧٤) لكان فرضه من أجل الصلاة، أجل الصلاة، فلم يجز أن يبني عليها، بل كان الواجب أن يقطع ويستأنفها، كما [لا] (٣) يجوز له أن يبتدئها بالنجاسة. فإن قيل: فإن النبي ﷺ قد خلع النعلين، فلِم [لم] (٤) تكن إزالة النجاسة فرضا بها. [قيل] (٥): خلعهما ليعلمنا الاستحباب، وبنى على صلاته ليعلمنا أن الإزالة ليست بفرض. فإن قيل: فقول مالك أنه يجب أن يقطع الصلاة إذا رأى في ثوبه نجاسة، ويخرج فيغسلها (٦).

стр. 646

وأيضا فقد قال مالك: "إن من تعمد الصلاة بذلك أعاد في الوقت وغيره"، وليس الفرض أكثر من هذا، وأن الوعيد يلحقه، ولا يقدح في فرضه قوله: إذا صلى ناسيا من نجاسة أنه يعيد في الوقت؛ لأن عنده أن الموالاة واجبة في الوضوء والغسل، ويفرق فيما بين العمد والنسيان، ويكون هذا فرضا بمنزلة من يصلي أن عليه فرضا أن لا يقوم إلا بخامسة، فلو قام إليها ناسيا لم يفسد (١)، وكما يقول على التسمية على الذكاة: إنها واجبة، ويفرق بين عمدها ونسيانها (٢). قيل: أما ما كان مثل النعل يلقيها عنه، ومثل أن يرى في ثوبه نجسا وعليه ما يستره غير ذلك الثوب فإنه يلقيه عنه، ويمضي على صلاته، كما فعل النبي ﷺ في النعل. فأما إن كان النجس على بدنه أو في ثوب يستره فإننا نقول: اقطع صلاتك حتى تأتي بالسنة المؤكدة في صلاتك، ولا تتعمد تركها، وقد قال مالك -فيمن نسي الوتر حتى دخل في صلاة الصبح، وذكر الوتر-: "إنه يقطع الصبح لأجل الوتر -الذي هو سنة- فيصلي الوتر، ثم يعود إلى صلاة الصبح إلا أن يخاف فواتها" (٣). فكذلك نقول له في الصلاة: إنه يقطعها إلا أن يخاف فواتها فيمضي ولا يقطع، كمن لم يجد إلا ثوبا نجسا يستره فإنه يصلي به.

стр. 647

وقوله: إن من تعمد الصلاة بالنجس فإنه يعيد الصلاة في الوقت وغيره، يريد من يتعمدها لغير عذر، فإن الإنسان لا يجوز له تعمد ترك سنن النبي ﷺ لغير تأول أو عذر من نسيان أو غيره، ولو كانت إزالته فرضا لم تختلف الضرورة وغير ضرورة، فلما جاز للمستحاضة ولمن جرحه يثعب دما أن يصلي ولا يعيد ثبت أن ذلك ليس بفرض. وأما الموالاة في الوضوء (١) فقد تقدم ثبوتها بظاهر الآية، ولم يتقدم ثبوت إزالة النجاسة في الوجوب. وقد يكون في السنن ما بعضه أكد من بعض، [فما] (٢) اختلفوا فيه فقال بعضهم: هو واجب، وقال بعضهم: هو مسنون آكد مما اتفقوا فيه على أنه مسنون، فكل ما كان أكد فإن مالكا يشدد فيه. ولنا في المسألة أيضا: ما روي أن النبي ﷺ -صلى صلاة الصبح، فلما قضى صلاته، وأقبل على الناس بوجهه نظر فإذا لمعة من دم الحيض في ملحفة قد صلى فيها، فصرّها في يد بعض أصحابه، ووجه بها إلى عائشة ﵁ لتغسلها، ولم يعد الصلاة (٣). فلو كانت إزالة ذلك فرضا لأعاد الصلاة. وهذا لا يلزم أبا حنيفة؛ لأنه يجوز أن يكون أقل من الدرهم، ولكنه يلزم أصحاب الشافعي؛ لأنهم يسوون بين قليله وكثيره.

стр. 648

ولنا أيضا: القياس على المستحاضة إذا صلت فإن صلاتها مجزئة، فكذلك إذا صلى من به نجس، والمعنى فيه: أنه مصل بجميع شرائط الصلاة، غير أن عليه نجاسة لم يتعمد تركها لغير تأويل. فإن قيل: المستحاضة معذورة، بها ضرورة، ولا يمكن زوالها حتى يزول الوقت. قيل: هذا منتقض بمسألة فرع؛ وذلك أن رجلا لو أقعد في ماء نجس إلى نصفه أو إلى حلقه، ومنع أن يخرج منه أياما، وأوقات الصلاة تحضر، وهو لا يقدر أن يتوضأ إلا بالماء النجس، وهو لا ينفك من النجاسة عليه، وهو مع هذا يخالف المستحاضة -عندكم-؛ لأنكم إما أن تقولوا: يصلي ويعيد، أو لا يصلي في الحال، ويصلي إذا تخلص، أو لا يصلي أصلا. فأما أن يصلي ويجزئه كالمستحاضة فلا نظنه قولكم؛ لأنه كالمحبوس في الحش (١)، وقولكم فيه معروف، وضرورة هذا أشد من ضرورة المستحاضة. فإن قيل: فإن الدليل قد قام على وجوب إزالة الأنجاس، وهو قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. والثياب في الإطلاق ما جرى به العرف، والتطهير بما علمناه في الشرع أنه من نجس. قيل: الجواب عن هذا من وجوه:

стр. 649

أحدها: أن الثياب وإن كانت من العرف على ما نعلمه من ثيابنا فإن هذه الآية قد وقع التنازع في المراد منها (١)، قال ابن عباس ﵁: (٧٥) إن الله -تعالى- أراد: وقلبك فطهر (٢)، واستشهد على ذلك بقول امرئ القيس (٣): وإن تك (٤) قد ساءتك مني خليقة … فسلي ثيابي من ثيابك (٥) تنسل فإن كان الخلاف بيننا فيم أريد بالثياب في هذه الآية لم تكن لكم فيها حجة؛ لأننا لا نوجب شيئا ونفرضه بأمر متنازع فيه.

стр. 650

وجواب آخر: وهو أن حقيقة قولنا: "طهر ثوبك": إنما هو أمر لمن في ثوبه نجس، ولا يقول أحد: إنه كان في ثوب النبي ﷺ نجس، فيحمل قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ على معنى بعِّدها من النجس (١)، وهكذا نقول. وهذا مثل قوله تعالى في عيسى ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢)، أي مبعدك منهم. فإن قيل: يحتمل أن يكون كان في ثيابه شيء من نجس. قيل: ويحتمل أن لا يكون، فلا نوجب شيئا بمحتمل. وجواب آخر: هو أن التطهير اسم مشترك، فلا نجعل هذا لنجاسة إلا بدليل، وقد قيل: إنه لما أمر بتطهير الثياب قبل اجتناب الرجس دل على أن المراد القلب؛ لأنه محال أن يؤمر بإزالة النجاسة عن ثوبه أو بدنه قبل اجتناب الرجس، وقبل أن تفرض عليه الصلاة التي لأجلها أمر بتطهير الثياب. فإن قيل: فإن النبي ﷺ أمر بصب الماء على بول الأعرابي (٣)، وأمره على الوجوب. وكذلك في [حديث] (٤) دم الحيض حيث قال لأسماء: "حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء" (٥).

стр. 651

وهذا كله على الوجوب. قيل: هذا واجب كما ذكرتم وجوب سنة، وخلافنا في الفرض، والفرض [ما] (١) يفرضه القرآن، أو يكون ذكره مجملا في القرآن فيبينه ﷺ ، فأما ما يبتدئ به ﷺ فيبينه فليس بفرض. [قوله: ليس بفرض من عندي] (٢)، وقد فرق المسلمون بين الفرض والسنة، فالفرض ما كان بالقرآن، والسنة ما كان من النبي ﷺ وهكذا قولنا، وهذه [الطريقة] (٣) كان الشيخ أبو بكر ﵀ يختارها. وقد حكي عن سعيد بن جبير لما قيل له: إن إزالة النجاسة فرض أنه قال: "اتل علي بها قرآنا" (٤). فرأى أن الفرض لا يكون إلا بالقرآن. وعلى أن هذا يجوز أن يصرف إلى السنة والندب بالدلالة، وقد ذكرنا في المسألة دلائل من الأخبار والقياس. فإن قيل: فإن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه"، وفي خبر "لا يستبرئ من البول" (٥)،

стр. 652

وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة" (١). وهذا إخبار منه ﷺ عن تعذيبه بسبب البول، وتوعد وتحذير لمن يسمع ذلك، فثبت بهذا أن الإزالة فرض. قيل: هذا إخبار عن عين واحدة، واللفظ قد اختلف فيه، فقيل: "لا يستبرئ"، وقيل: "لا يستنزه" (٢)، فأما "لا يستبرئ" فيحتمل أن يكون يدع البول يسيل عليه، فيصلي بغير طهر؛ لأن الوضوء لا يصح مع وجوده. ويجوز أن يكون أيضا يفعل ذلك على عمد له بغير عذر، وعندنا أن من تعمد ترك سنن النبي ﷺ بغير عذر ولا تأويل متوعد مأثوم. وكذلك من لم يستنزه ويتعمد استعمال النجس ولا يجتنبه، فأما إذا لم يتعمد ذلك، أو ترك إزالته متعمدا أو لعذر فصلاته ماضية، وقد أساء، ألا ترى أننا قد ذكرنا حديث المستحاضة (٣)، وحديث عمر ﵁ أنه صلى وجرحه يثعب دما (٤)، وكذلك تأول أكثر أصحابنا في الناسي إذا صلى وفي ثوبه نجس أو في بدنه جعله معذورا بالنسيان كالمستحاضة، وقالوا في العمد لغير عذر: لا تجوز الصلاة، وتعاد في الوقت وغيره.

стр. 653

فإن كان هذا هكذا فالمعذور لا يلحقه الوعيد، وإنما يلحق القاصد لغير عذر. فإن قيل: فما الفرق بين الفرض والسنة إذا كنتم توجبون الإعادة في ترك الفرض في الوقت وغيره، وتوجبونها في السنة كذلك؟. قيل: الفرق بينهما هو أنه إذا صلى وقد ترك فرضا أعاد الصلاة، سواء تعمد ذلك، أو نسي، أو لعذر، وإذا صلى وترك السنة لضرورة أو نسيان لم يعد، فأما إذا تعمد لغير عذر أو تأويل أعاد أبدا، كما لو ترك الفرض. مثال هذا: لو فاتته صلاة العيد، ونام عن الوتر حتى طلعت الشمس لم يعد، ولو تعمد ترك ذلك أعاد الوتر (١). فأما العيد فسنتها الجماعة، فإذا فاتت لم تجب إعادتها إذا تركها عمدا (٢)، كما لو تعمد ترك الجمعة (٧٦) لم يعدها جمعة. فإن قيل: فقد بان بهذا أن الموالاة في الوضوء والغسل مسنونة (٣)؛ لأنه يمضي مع النسيان، وإن كان يعيد مع العمد إذا صلى. قيل: قد بينا أن في الفروض مثل ذلك، ألا ترى أن الإمساك عن الأكل

стр. 654

والشرب في [صوم] (١) رمضان فرض، ثم لو نسي فأكل لم يبطل صومه عندكم، ولو تعمد بطل (٢). وكذلك الإمساك عن القيام إلى خامسة في الصلاة فرضٌ، ويفترق عمده ونسيانه. فإن قيل: فقد استوت الفرائض والسنن في مواضع، فبأي شيء يعلم الفرق بينهما في الابتداء؟. قيل: ما كان فرضا فأصله في القرآن، إما مفسرا، أو مجملا يبينه النبي ﷺ ، وما كان مسنونا فهو ابتداء من النبي ﷺ . وقد دخل في الحجاج حجة من قال من أصحابنا: إن إزالتها فرض، وبينا حجة ظاهر قول مالك ﵀ إن إزالتها سنة، فمن قال: إنها فرض لزمه أن يكون الاستنجاء فرضا، وعلى قول مالك يكون الاستنجاء مسنونا، والله أعلم. بل يكون الفرق بين الاستنجاء وبين سائر الأنجاس على قول من يقول: إن الإزالة فرض أو سنة من وجه، وهو أنه خفف بالاستنجاء بالأحجار دون الماء ليقلع العين دون الأثر، والموالاة داخلة في جملة الفروض؛ لأن ظاهر القرآن يدل عليها، وليس في إزالة النجس ظاهر القرآن، فهو في حيز المسنونات، والله أعلم. * * *

стр. 655

* مسألة (١٩): وعدد الأحجار غير مستحق عندنا (١)، وعند أبي حنيفة (٢)، فإن اقتصر على دون ثلاثة أحجار مع الإنقاء جاز. وبه قال داود (٣). وقال الشافعي (٤): لا يجوز الاقتصار عن ثلاثة أحجار (٥) وإن أنقى (٦).

стр. 656

وهذه المسألة فرع أتى على أن الاستنجاء غير واجب، وقد دللنا عليه، وإذا سقط وجوبه سقط اعتبار صفته ومقداره؛ لأن أحدا لا يفرق بينهما (١). وكان الشيخ أبو بكر ﵀ يقول: إنه لا يعرف عن مالك ﵀ نصا هل يجوز أن يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار إذا أنقى؟ قال: والذي أدركت عليه شيوخنا أنه يجوز الاقتصار عن ثلاثة إذا أنقى، إلا أبا الفرج المالكي فإنه قال في كتابه الحاوي: لا يقتصر على ثلاثة أحجار. والذي أقول أنا: وهذا يتخرج على قول أبي الفرج: إن الاستنجاء وإزالة الأنجاس فرض. وأنا أدل على أن العدد غير واجب فيه؛ لأن أحدا لا يفصل بين الأمرين، فيسقط وجوب الأصل بسقوط وجوب صفته. والدليل على أن العدد غير معتبر: أن رسول الله ﷺ في ليلة الجن طلب للاستنجاء أحجارا من ابن مسعود، فأتاه بحجرين وروثة، فألقى الروثة وقال: "إنها ركس" (٢). وذكر في بعض الأخبار: أنه أتاه بالثالث (٣).

стр. 657

وروي: أنه لم يأته بشيء (١). وأي الأمرين كان فالاستدلال به صحيح؛ لأنه ﷺ اقتصر للموضعين على ثلاثة أحجار، فحصل لكل واحد منهما أقل من ثلاثة أحجار (٢)، ألا ترى أنه لا يقتصر على الاستنجاء لأحد الموضعين ويترك الآخر (٣). وأيضا فإن الأصل أن لا يجب شيء، وقد اتفقنا على إثبات حجر واحد إذا أنقى، واختلفنا في الزيادة عليه، فنحن على موضع الاتفاق حتى يقوم دليل الاختلاف. وأيضا فقد روي أنه ﷺ قال: "من استجمر فليوتر، من فعل فقد

стр. 658

أحسن، ومن لا فلا حرج" (١). فقوله: "فليوتر" يقتضي أن يفعل ما يسمى وترا، وأول الوتر هو الواحد، ولو ثبت أنه أراد الثلاث لكان قوله: "فقد أحسن، ومن لا فلا حرج"، يدل على جواز ترك الثلاث، ولا حرج عليه (٢). فإن قيل: حملكم له على الواحد لا يفيد؛ لأن الواحد لابد منه. قيل: فائدته أنه إذا أنقى بالواحد لم يفعل الشفع الذي هو الاثنان. فإن قيل: دليل [الخبر أن] (٣) الشفع لا يجوز، ويجوز أن يكون قوله: "فلا حرج" في العدول إلى الشفع أو إلى الغسل. قيل: إنما يرجع الكلام إلى ما تقدم ذكره، ولم يجر لغير الإيتار ذكر، فقوله: "فلا حرج" راجع إليه، ولو كان قوله: "فلا حرج" راجعا إلى أنه يفعل الشفع فأول الشفع بعد أول الوتر هو الاثنان، وأنتم لا تجيزون الاقتصار على الاثنين. وعلى أنه لا أن يصح يعود قوله: "فلا حرج" إلى الغسل؛ لأن الغسل أحسن من الاستنجاء، فلا يكون قوله: "فقد أحسن" للاستجمار، "فلا حرج" في الغسل.

стр. 659

فإن قيل: فإنه مجمل يقضي عليه ما رويناه من الأحاديث التي في بعضها: "وأمرنا أن نستنجي بثلاثة أحجار" (١). وفي بعضها "لا يجتزئ" (٢). و "ولا يكتفي بدون ثلاثة (٧٧) أحجار" (٣). قيل: هذه الأخبار حجة عليكم؛ لأن الغائط يؤتى للأمرين من الغائط والبول، وقد اقتصر ﷺ على ثلاثة أحجار فيها، فحصل لكل موضع منهما أقل من ثلاثة أحجار، [وكذلك حديث سلمان: "نهانا أن نجتزئ بدون ثلاثة أحجار] (٤) ليس فيه ذكر أحد الموضعين دون الآخر (٥)، فيحتمل أن يكون أراد الموضعين جميعا أو أحدهما، فليس أحد الأمرين بأولى من الآخر (٦). ويحتمل أن يكون أراد بذكر الثلاثة أن الغالب وجود الإنقاء بها (٧)،

стр. 660

كما ذكر في المستيقظ من النوم أن يغسل يده ثلاثا قبل إدخالها في وضوئه على غير وجه الشرط (١)، وليس في خبرنا إجمال يحتاج إلى تفسير. وأيضا فإن الثلاثة ليست بحد، ألا ترى أنه لو لم ينق بها لزاد عليها (٢). ثم إننا نستعمل الأخبار كلها، فنحمل أخبارنا على جواز الاقتصار عن ثلاثة إذا أنقت، ولا يجتزئ عنها إذا لم تنق الاثنان؛ لأنه ليس في إيجاب الثلاثة حكم يتقدر حتى لا يتجاوز؛ لأنه إذا لم ينق لزم الزيادة عليها، فعلم أن الفرض الإنقاء. ويجوز أن نحمل الثلاثة على الاستحباب إذا أنقى بما دونها. ونقول أيضا: إن الاستنجاء مسح، والممسوحات في الشرع لا يجوز فيها التكرار (٣)، دليله مسح الرأس، ومسح الخفين (٤). وأيضا فإنها نجاسة عفي عن أثرها، فوجب أن لا يجب تكرار المسح فيها، دليله سائر النجاسات.

стр. 661

وأيضا فإن الماء أبلغ في الإزالة؛ بدليل أنه لا يبقي حكم النجاسة، وإنما الاستنجاء يخفف قذرها، ولا ينقي أثرها، فإذا سقط التكرار في موضع إزالة الأثر كان سقوطه في الموضع الذي لا يقصد به إزالة الأثر أولى؛ لأنه أخف. وأيضا فإنه مقام تطهير هو أصل، فأشبه التيمم ومسح الخفين، لا يستحق التكرار فيه. وأيضا فإن المقصود من المسح الإنقاء، بدليل الاتفاق على أنه إذا لم ينق بثلاثة زاد عليها، وبدليل الاتفاق على جواز الاقتصار على حجر واحد له ثلاثة أحرف (١)، ولو كان العدد معتبرا لاعتبر عدد الأعيان، كأحجار رمي الجمار (٢)، فلما سقط اعتبار العدد دل على اعتبار الإنقاء، وقد وجد، فبان بما ذكرناه سقوط العدد. وإذا ثبت ذلك صح أنه في الأصل غير واجب؛ لأن من أوجب الاستنجاء لم يوجبه إلا على هذه الصفة. وأيضا فإن الاستنجاء اسم لإزالة النجو (٣)، ومنه اشتق، فإذا زال بالحجر

стр. 662

الواحد والحجرين لم يبق هناك نجو يقع الاستنجاء له. فإن قيل: فإنه نجاسة قرن إزالتها في الشرع بعدد من جنس، فوجب أن يكون العدد فيه شرطا كالولوغ (١). قيل: هذا لا يلزمنا نحن؛ لأن غسل الإناء من الولوغ لا لنجاسة، ثم شرط العدد فيه غير مستحق، وإنما هو مندوب. فإن قيل: قوله ﷺ : "من استجمر فليوتر" (٢)، عام في الوتر الذي هو مرة واحدة، وفي الوتر الذي هو الثلاث والخمس والسبع، وأخبارنا خاصة في وتر بعينه وهو الثلاث. قيل: قوله: "فليوتر" يتعلق الحكم بأول الوتر، وهو أمر يقتضي فعل مرة، وأول الوتر مرة، ثم قوله: "فقد أحسن"، يدل على أنه لم يرد ما زاد على الثلاث مع الإنقاء؛ لأنه يكون مسيئا غير محسن. فإن قيل: إنه وإن أنقى بما دون الثلاث فعليه أن يأتي بالثلاث تعبدا مع إزالة النجس، وقد يزول حكم النجاسة ويبقى التعبد، كما نقول: إن العدة لبراءة الرحم (٣)، ألا تري أنه إذا طلقها قبل الدخول لا عدة عليها (٤) لعلمنا

стр. 663

ببراءة رحمها، ثم أوجبنا على الحرة ثلاثة أقراء وإن كانت البراءة تعلم بقرء واحد. والدليل على أن البراءة تقع بقرء واحد أن الأمة إذا بيعت تستبرأ بحيضة واحدة (١)، ثم أوجبنا على الحرة ما زاد على القرء الواحد تعبدا، وإن كان القصد من العدة براءة الرحم. كذلك أيضا وإن كان القصد من الاستنجاء إزالة النجاسة جاز أن توجد الإزالة ويبقى الوجوب للتعبد (٢). قيل: قولكم: "إن ما زاد على الحجر الواحد إذا أنقى يجب تعبدا" فإننا نقول: إن العبادة ما كان واجبا يفعل على طريق القصد إلى القربة، فلو منعناكم من اسم العبادة على إزالة النجس لجاز. على أن الاستنجاء لم يوضع لإزالة النجس، وإنما هو لتخفيفها، والعدة لم توضع لإزالة معنى، وإنما وضعت لتبيين أن الحمل ليس بموجود، وأن الرحم غير مشغولة، ويفترق حكم ما به يعلم عدم الشيء، وحكم ما يزيله ويؤثر في رفعه بعد وجوده (٣). وعلى أن مراعاة (٧٨) العدد [لو وجب] (٤) لوجب أن يستوي فيه حكم

стр. 664

الحرة والأمة وأم الولد؛ لأن عدة أم الولد على - أصولهم - عدة (١)، ولم يعتبر فيها العدد وإن روعي في الحرة، وإنما اختلف حكم العدة لاختلاف الحُرَم (٢)، كالحدود، وطلاق الحر والعبد، ولم يكن الاستنجاء لأجل الحرم معتبرا؛ لأنَّه يستوي فيه الحر والعبد، والحرة والأمة؛ لأن الفرض فيه التخفيف للنجاسة، فحيث وجد إلقاء العين وقلعها دون أثرها جاز، ألا ترى أن الحرة والأمة قد اشتركا في وضع الحمل، واعتبرا فيه جميعا اعتبارا واحدا؛ لاستوائهما في الاستبراء، فكذلك لما استوى الغرض في الاستنجاء وهو تخفيف النجاسة بقلع عينها لم يعتبر فيه العدد. فإن قيل: فإن الاستنجاء بالأحجار كالعدة بالأشهر والأقراء، والاستنجاء بالماء كالعدة بوضع الحمل؛ لأن الماء يزيل العين والأثر على الحقيقة، ووضع الحمل براءة للرحم على اليقين، فوجب أن لا يثبت قولكم بالشهور والأقراء، وإنما هي دعوى. على أننا نقول لكم: أليس قد جاز الاستجمار الذي يقطع العين دون الأثر في أن الاستنجاء يقوم مقام الماء في ترك العدد؟ قيل: إنكم لم تذكروا معنى تجمعون به بين الاستجمار وبين العدد، فقد صار الغرض منه قلع العين حسب، كما أن الغرض من الماء قلع العين والأثر، فإذا لم يعتبر العدد فيما قصد له من قلع العين والأثر لم يعتبر العدد فيما أريد له من إزالة العين دون الأثر؛ لأن الغرض زوالها دون أثرها.

стр. 665

ثم إن الذي يدل على صحة هذا هو أن العين إذا لم تزل بالثلاث زاد عليها حتى تزول العين دون الأثر، وقد استوى الأمران في سقوط العدد في قلع العين، بل الموضع الذي عفي فيه عن الأثر أولى أن يسقط فيه العدد، والموضع الذي أخذ عليه قلع العين والأثر أولى أن يعتبر فيه العدد؛ لأن ما تعاظم من حكم الشيء - عندكم - أولى من زيادة العدد فيه، كولوغ الكلب اعتبرتم فيه العدد ولم تعتبروه في غيره. ثم نقول أيضا: إذا كان زوال العين دون الأثر قد يزول بأقل من ثلاثة أحجار مع جواز أن يكون الأثر قد زال، ويجوز أن لا يزول فليس هاهنا أمر متحقق، فينبغي أن ترد هذه الزيادة على الحجر والحجرين إذا أزال العين إلى غسل اليد عند الاستيقاظ من النوم قبل إدخالهما في الإناء؛ لأن هناك أمرا مشكوكا فيه لا يتحقق، فيكون غسل اليدين مستحبا (١)، ويكون المسح بالحجر الثالث مستحبا؛ لأنَّه ليس هناك أمر من بقايا العين يتحقق، وهذا من باب الطهارات، وغسل اليدين مثله، وليس كذلك العدة؛ لأنَّه وإن كان الغرض فيها براءة الرحم ففي الموضع الذي يتحقق فيه بوضع الحمل تستوي فيه الأمة والحرة، وفي الموضع الذي لا يتحقق فيه بالأقراء والأشهر إنما هو لأجل الحُرم، مع الاستدلال على براءة الرحم، ألا ترى أن عدة الأمة الزوجة على النصف من عدة الحرة بالأقراء، واستبراء الأمة من وطء سيدها بحيضة، فهي كما ذكرنا، وفي الحدود والطلاق الذي يتكمل بكمال الحرمة، وينقص بنقصانها، وليس كذلك الاستجمار؛ لأنَّه لا يختلف الغرض فيه من الإنقاء في الحر والعبد، وحيث وجد أجزأ.

стр. 666

وعلى أن العدة مرتبة، ولا يجوز للحامل أن تعتد بالشهور أو الأقراء، ولا لذات قرء أن تعتد بالشهور، وليس الاستنجاء بالماء والاستجمار مرتبين، بل هو مخير بينهما، فلم يشبه العدد. وعلى أننا قد ذكرنا أن الحجر الواحد إذا كان له ثلاثة أحرف قام مقام ثلاثة أحجار (١)، والنبي ﵇ نص على ثلاثة أحجار، وليس الحجر الواحد ثلاثة أحجار، فكذلك يقوم الحجر والحجران مقام الثلاثة إذا حصل قلع العين من النجاسة، وإن جاز أن يقوم حجر واحد له ثلاثة أحرف مقام ثلاثة أحجار؛ لأنَّه يكون فيه ثلاث مسحات جاز أن يقوم الواحد والاثنان مقام الثلاثة إذا قلع عين النجاسة (٢)، وكان اعتبارنا بقلع العين أولى؛ لجواز الزيادة على الثلاث إذا لم يحصل الإنقاء. ونقول أيضا: إن الطهارات المتعلقة بالجمادات، عينيات كنّ أو حكميات لا تقتضي اعتبار العدد في الوجوب، أصل ذلك التيمم والدباغ (٣). وأيضا فقد اتفقنا على أن الثلاث تجزئه إذا قلعت العين، فكذلك دونها، لوجود قلع عين النجاسة. (٧٩) فإن قيل: قد اتفقنا على أن الحجر أو الحجرين إذا لم يقع الإنقاء لم يجزئ، بعلة قصوره عن الثلاثة قيل: هو منتقض بالحجر الواحد له ثلاثة أحرف.

стр. 667

فإن قيدوه بالمسحات قيل: المعنى فيه أن الإنقاء لم يحصل، ويكون قياسنا أولى؛ لأنَّه يطّرد وينعكس، فأين وجد الإنقاء أجزأ، وإن لم يوجد لم يجزئه الثلاثة بالاتفاق. فإن قيل: قولكم: "إن الاستنجاء اسم لإزالة النجو، فإذا انقلع النجو، بحجر واحد لم يبق هناك نجو" خطأ؛ لأننا نجد إزالة النجو بحجر ولا يسمى استنجاء، ألا تري أن النجو يكون على الثوب والبدن فيزول بالحجر، ولا يسمى قلعه بالحجر استنجاء، وقد يسمى في موضع استنجاء ولا نجو هناك، مثل أن ينجي ذكره بحجر فيقال: قد استنجى، وإن لم يكن على ذكره نجو، فعلم أن الاستنجاء اسم لإمرار شيء على محل مخصوص. قيل: إنما لم يسم قلع النجو على الثوب أو البدن بحجر الاستنجاء؛ لأنَّه أخذ عليه أثر قلع النجو مع العين، فلم يخص باسم الاستنجاء، وإنما يقال له: قد غسل وقلع النجو، ولما أخذ عليه في الاستنجاء قلع العين دون الأثر اختص باسم الاستنجاء قلع عين النجو. وأما مسح الذكر بالحجر فالاسم المختص به الاستبراء لا الاستنجاء، فإن سمي بذلك فإنما هو لمقاربته موضع النجو. فإن قيل: قد سمي استجمارا، وأخذ من اسم الجمار واستعمال الأحجار فيها، فروعي فيه العدد. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن رمي الجمار لا يجوز الزيادة على العدد المحدود فيها

стр. 668

ولا النقصان منها، وليس كذلك الاستجمار؛ لأنَّه لو لم تزل العين بالثلاثة زاد عليها، وقد يجوز أن يقتصر على حجر واحد له ثلاثة أحرف. والجواب الآخر: هو أن الأخص من أسماء مسألتنا إنما هو الاستنجاء، وعبر عنه بالاستجمار لأجل الحجر [لأن الجمرة حجر] (١)، فلما دخل استعمال الحجر هاهنا سمي استجمارا، والغرض منه الإنقاء لا العدد بما ذكرناه من الزيادة على العدد إذا لم ينق. ويجوز أن نقول: إن الاستجمار هاهنا لم يؤخذ من الجمار، بل أخذ من استعمال المجمرة (٢) يكون الجمر فيها بالبخور لطيب الرائحة، فلما كان الحجر يقلع العين التي منها الرائحة جاز أن نقول: قد استجمر (٣)، والله أعلم. فَصْل والاستنجاء بما يقوم مقام الحجارة من الآجر (٤) والخزف (٥) والتراب وقطع الخشب جائز (٦) وبه قال أبو حنيفة (٧)، .........................................................

стр. 669

والشافعي (١). وقال داود (٢): لا يجوز بما عدا الأحجار (٣). والدليل لقولنا الظواهر من قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٤). وهذا إذا استنجى بغير الحجارة، وغسل أعضاءه فقد امتثل ما أمر به. وجميع الظواهر مثل قول النبي ﷺ : "وإنما لامرئ ما نوى" (٥). ومن قوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٦)، وما أشبهها. وأيضا ما روي أنه ﵇ قال: "إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاثة حثيات من التراب" (٧)

стр. 670

ورواه طاووس عن ابن عباس عن النبي ﵇ (١). فقد خير بين الأحجار والأعواد والتراب. وروي عن أنس بن مالك أنه كان يستنجي بالحرض (٢)، ويذكر أنه رأى رسول الله ﷺ يستنجي بالحرض (٣)
следующие страницы →