← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وعلى أن العدة مرتبة، ولا يجوز للحامل أن تعتد بالشهور أو الأقراء، ولا لذات قرء أن تعتد بالشهور، وليس الاستنجاء بالماء والاستجمار مرتبين، بل هو مخير بينهما، فلم يشبه العدد. وعلى أننا قد ذكرنا أن الحجر الواحد إذا كان له ثلاثة أحرف قام مقام ثلاثة أحجار (١)، والنبي ﵇ نص على ثلاثة أحجار، وليس الحجر الواحد ثلاثة أحجار، فكذلك يقوم الحجر والحجران مقام الثلاثة إذا حصل قلع العين من النجاسة، وإن جاز أن يقوم حجر واحد له ثلاثة أحرف مقام ثلاثة أحجار؛ لأنَّه يكون فيه ثلاث مسحات جاز أن يقوم الواحد والاثنان مقام الثلاثة إذا قلع عين النجاسة (٢)، وكان اعتبارنا بقلع العين أولى؛ لجواز الزيادة على الثلاث إذا لم يحصل الإنقاء. ونقول أيضا: إن الطهارات المتعلقة بالجمادات، عينيات كنّ أو حكميات لا تقتضي اعتبار العدد في الوجوب، أصل ذلك التيمم والدباغ (٣). وأيضا فقد اتفقنا على أن الثلاث تجزئه إذا قلعت العين، فكذلك دونها، لوجود قلع عين النجاسة. (٧٩) فإن قيل: قد اتفقنا على أن الحجر أو الحجرين إذا لم يقع الإنقاء لم يجزئ، بعلة قصوره عن الثلاثة قيل: هو منتقض بالحجر الواحد له ثلاثة أحرف.

стр. 667

فإن قيدوه بالمسحات قيل: المعنى فيه أن الإنقاء لم يحصل، ويكون قياسنا أولى؛ لأنَّه يطّرد وينعكس، فأين وجد الإنقاء أجزأ، وإن لم يوجد لم يجزئه الثلاثة بالاتفاق. فإن قيل: قولكم: "إن الاستنجاء اسم لإزالة النجو، فإذا انقلع النجو، بحجر واحد لم يبق هناك نجو" خطأ؛ لأننا نجد إزالة النجو بحجر ولا يسمى استنجاء، ألا تري أن النجو يكون على الثوب والبدن فيزول بالحجر، ولا يسمى قلعه بالحجر استنجاء، وقد يسمى في موضع استنجاء ولا نجو هناك، مثل أن ينجي ذكره بحجر فيقال: قد استنجى، وإن لم يكن على ذكره نجو، فعلم أن الاستنجاء اسم لإمرار شيء على محل مخصوص. قيل: إنما لم يسم قلع النجو على الثوب أو البدن بحجر الاستنجاء؛ لأنَّه أخذ عليه أثر قلع النجو مع العين، فلم يخص باسم الاستنجاء، وإنما يقال له: قد غسل وقلع النجو، ولما أخذ عليه في الاستنجاء قلع العين دون الأثر اختص باسم الاستنجاء قلع عين النجو. وأما مسح الذكر بالحجر فالاسم المختص به الاستبراء لا الاستنجاء، فإن سمي بذلك فإنما هو لمقاربته موضع النجو. فإن قيل: قد سمي استجمارا، وأخذ من اسم الجمار واستعمال الأحجار فيها، فروعي فيه العدد. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن رمي الجمار لا يجوز الزيادة على العدد المحدود فيها

стр. 668

ولا النقصان منها، وليس كذلك الاستجمار؛ لأنَّه لو لم تزل العين بالثلاثة زاد عليها، وقد يجوز أن يقتصر على حجر واحد له ثلاثة أحرف. والجواب الآخر: هو أن الأخص من أسماء مسألتنا إنما هو الاستنجاء، وعبر عنه بالاستجمار لأجل الحجر [لأن الجمرة حجر] (١)، فلما دخل استعمال الحجر هاهنا سمي استجمارا، والغرض منه الإنقاء لا العدد بما ذكرناه من الزيادة على العدد إذا لم ينق. ويجوز أن نقول: إن الاستجمار هاهنا لم يؤخذ من الجمار، بل أخذ من استعمال المجمرة (٢) يكون الجمر فيها بالبخور لطيب الرائحة، فلما كان الحجر يقلع العين التي منها الرائحة جاز أن نقول: قد استجمر (٣)، والله أعلم. فَصْل والاستنجاء بما يقوم مقام الحجارة من الآجر (٤) والخزف (٥) والتراب وقطع الخشب جائز (٦) وبه قال أبو حنيفة (٧)، .........................................................

стр. 669

والشافعي (١). وقال داود (٢): لا يجوز بما عدا الأحجار (٣). والدليل لقولنا الظواهر من قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٤). وهذا إذا استنجى بغير الحجارة، وغسل أعضاءه فقد امتثل ما أمر به. وجميع الظواهر مثل قول النبي ﷺ : "وإنما لامرئ ما نوى" (٥). ومن قوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٦)، وما أشبهها. وأيضا ما روي أنه ﵇ قال: "إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاثة حثيات من التراب" (٧)

стр. 670

ورواه طاووس عن ابن عباس عن النبي ﵇ (١). فقد خير بين الأحجار والأعواد والتراب. وروي عن أنس بن مالك أنه كان يستنجي بالحرض (٢)، ويذكر أنه رأى رسول الله ﷺ يستنجي بالحرض (٣)

стр. 671

وأيضا قوله ﵇: "من استجمر فليوتر" (١). ولم يخص ما يستجمر به وأيضا ما رواه أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "وليستنج بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة" (٢). والدليل فيه من وجهين: أحدهما: أنه لما نص على الروث والرمة بالنهي دل على أن ما عداهما بخلافهما (٣)، وإلا لم يكن لتخصيصهما بالذكر فائدة. فإن قيل: إنما نص على الروث والرمة تنبيها على غيرهما، وأن ما عداهما في [معناهما و] (٤) حكمهما. قيل: هذا لا يجوز؛ لأن هذا التنبيه إنما يفيدنا إذا كان في المنبه عليه معنى المنبه وزيادة عليه (٥)، فأما أن يكون دونه في المعنى فلا يجوز، كقوله

стр. 672

تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ (١)، دخل فيه الضرب؛ لأن الضرب فيه أف وما هو أبلغ من أف، ولو نص على الضرب لم يقع فيه التنبيه على المنع من أف؛ لأنَّه ليس في أف معنى الضرب ولا الأذى به، ألا ترى أنه لو قيل: فلان يخفر الأمانة في درهم أو دانق لكان فيه تنبيه على أنه يخفر في الدينار، وما هو أكثر منه؛ لأن في الدينار الدرهمَ والدانق، ولو قيل: إنه يخفر الأمانة في دينار لم يدل على أنه يخفرها في درهم أو دانق؛ لأنَّه ليس في الدرهم والدانق دينار، وقد قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ (٢)، فعلم أن من أدى الأمانة (٨٠) في القنطار كان أولى أن يؤديها في الدينار، ومن لم يؤد الأمانة في الدينار كان أولى ألا يؤديها في القنطار. فكذلك أيضا فيما عدا الروث والرمة من الطاهر، إذ ليس في الطاهرات معنى الروث والرمة، فلم يقع التنبيه عليها، بل يقع التنبيه على ما في معناها من سائر النجاسات التي هي أعظم منها، أو من الأشياء المبعدات المكرهات. والوجه الثاني: هو أن قول الراوي: "ونهى عن الروث والرمة" (٣) استثناء من عموم قد تضمنه حكم اللفظ، ألا ترى أنه لو قال: "استنجوا بثلاثة أحجار إلا الروث والرمة فلا تستنجوا بهما" لكان المعنى في اللفظين واحدا، فإذا كان اللفظ يتضمن هذا فقد تضمن عموما تقديره كأنه قال: "وليستنج بثلاثة أحجار، وبكل شيء جامد مثل الأحجار إلا الروث والرمة". ولنا أيضا حديث عبد الله بن مسعود أن النبي ﵇ رمى بالروثة وقال:

стр. 673

"إنه نكس" (١). فبين أن المعنى في إلقائه أنه ركس، وداود يقول: علة المنع من استعماله كونه غير حجر، فخالف تعليل النبي ﵇. وأيضا فقد روى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن النبي ﷺ قال: "إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثا" (٢). ولم يفرق بين الحجر وغيره. وأيضا فإنه جامد طاهر، ينشف رطوبات النجس، مُنق، فوجب أن يجزئ في حكم الاستنجاء به كالحجر. فإن قيل: ينتقض بشيء من الصحف، والخبز، والدقيق، وما يؤكل. قيل: لم نقل: فوجب أن يجوز، وإنما قلنا: فوجب أن يجزئ إذا فعل، وعندنا أن هذا كله يجزئ وإن كنا نكره فعل ذلك (٣). فإن قيل: ينتقض بأصبعه؛ لأنَّه لا يجوز أن يستنجي بأصبعه. قيل: لا يدخل على اعتلالنا؛ لأن أصبعه لا ينشف رطوبات النجس، بل تصقله كالعظم والعاج (٤) والصفر (٥)، وغير ذلك من الأشياء .............

стр. 674

الصقيلة (١)، ولو ترك على أصبعه ترابا أو حرضا واستنجي به جاز، ولا يدخل على اعتلالنا الخل، وماء الورد، وسائر المائعات؛ لأننا قلنا: جامد طاهر ينشف الرطوبات، وهذه الأشياء لو جمدت لم تنشف. وأيضا فإن الحجر منصوص عليه، فنقول: هو جامد طاهر منصوص عليه في إزالة النجس، فجاز أن يقوم غيره مقامه فيه، أصله الشب والقرظ (٢) في الدباغ، فإنه يقوم قشر الرمان وغيره مقام الشب والقرظ. فإن قيل: فقد روى سلمان أن المشركين قالوا: "إن صاحبكم علمكم كل شيء حتى يوشك أن يعلمكم الخراءة. فقال: أجل، نهانا رسول الله ﷺ عن الاستنجاء بالعظام والرجيع، وقال: "لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار" (٣). فأخبر أنه لا يكفي غير الحجر. وأيضا فإنه نص على العدد وعلى الصفة بعيون الأحجار، فلما لم يجز الإخلال بالعدد (٤) كذلك الحجر هو شرط كالعدد. وأيضا فإنه عدد موصوف لا يجوز الإخلال به، فلا يجوز الإخلال بالصفة، كالشهادة. قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٥).

стр. 675

وأيضا فإن النبي ﷺ نص في رمي الجمار على الحصى، فقال: "خذوا مثل حصى الخذف" (١). ثم لا يجوز رمي الجمار بغير الأحجار والحصى، فكذلك في الاستنجاء. قالوا: ونقيس على ذلك فنقول: هو فرض يسقط بالأحجار، فوجب أن لا يسقط بغير الأحجار، كرمي الجمار. والجواب: أما الخبر فقد روينا أنه قال: [لا] (٢) يكفي دون الثلاثة" (٣)، وتكلمنا عليه بقوله ﷺ : "من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج" (٤)، وبالنص على ثلاثة أعواد أو ثلاثة حثيات من تراب (٥). وأيضا فإن المقصود من الخبر العدد، ألا تراه قال: " [لا] (٦) يكفي دون ثلاثة" (٧)، ولم يقصد الصفة. ثم لو تجرد جاز أن يحمل على الاستحباب.

стр. 676

على أن قولهم: إنه نص على العدد والصفة التي هي الأحجار. فإننا نقول: الحجر ليس بصفة، وإنما هو اسم المسمى، وتعلق الحكم بالاسم لا يدل على أن ما عداه بخلافه عند أكثر أصحابنا (١)، وإنما يدل على أن ما عداه بخلافه إذا علق بالصفة دون الاسم، وأنا أقول بالوجهين جميعا، ولكننا قد قلنا: إن الخبر الذي قيل فيه: "نهى عن الروث والرمة" (٢) قد تضمن الأحجار وغيرها، فلم يسلم النص على الأحجار، وقد عارضناه بالخبر الآخر الذي فيه: "من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج" (٣)، فصار تقديره: "من استجمر بالأحجار فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج"، وهذا راجع إلى العدد والأحجار جميعا. وقولهم: "لا يجوز الإخلال بالعدد والصفة" غلط؛ لأنَّه يجوز - عندنا - الإخلال بالعدد، وقد دللنا (٨١) عليه. وأيضا فقد وافقنا داود في جواز الاقتصار على حجر واحد (٤)، فسقط السؤال على مذهبه. وعلى أن الفرق بين الشهادة وبين الاستجمار هو أن القلب إلى قول الشاهدين أسكن منه إلى قول الواحد إذا كرر الشهادة مرتين؛ لأن الاثنين إلى الصدق أقرب من الواحد، والمعنى الذي في الاثنين غير موجود في الواحد، وكذلك قول العدل؛ لأنَّه إلى الصدق أقرب، والتهمة منه أبعد منها إلى

стр. 677

الفاسق، فلما لم يوجد في الفاسق معنى العدل لم يجز أن يقوم مقامه، وليس كذلك الأحجار؛ لأن المقصود منها قلع عين النجاسة، بدليل أن الثلاث لو لم تقلعها وجبت الزيادة عليها، والخزف والآجر وهذه الأشياء تعمل ما يعمل الحجر وأبلغ، فجاز أن تقوم مقامه لوجود معناها فيها. وأما الجمار فعند داود أنه لو رماها بعصفورة ميتة جاز (١)، وعندنا هي عبادة لا يعقل معناها، والعبادة إذا لم يعقل معناها لم يجز القياس عليها (٢). ثم ما قالوه ينتقض بالرجم في الجمار على أصلهم، وينتقض بالرجم في الزنا. وأيضا فإن الغرض في الاستنجاء إزالة النجو؛ لأنَّه أقيم مقام الماء الذي يزيل النجاسات، فلما أقيم الحجر في الاستنجاء مقام الماء أقيم مقام الحجر غيره فيما يفعل فعله، وإنما خص النبي ﷺ الحجر بالذكر لأنَّه أغلب الموجودات من الجمادات عند أهل الحجاز، لا أنه اختصه بالحكم، كما ذكر الله - تعالى - الرهن في السفر (٣)؛ لأن الأغلب فيه عدم الكاتب والبينة، والحضر بمنزلته؛ لأن الغرض منه التوثق، ولو منعنا الاستجمار في كل موضع إلا بحجر لشق، وتعذر على أكثر أهل البلاد؛ لأنَّه ليس كل البلاد تكون الأحجار فيها غالبا موجودة كوجود التراب وغيره.

стр. 678

فإن قيل: فإنها طهارة بجامد أقيم مقام مائع، كالتراب في التيمم. قيل: أنتم لا تقولون بالقياس فسقط. وعلى أصولنا ليس التراب شرطا في التيمم عندنا (١)، والصعيد هو نفس الأرض، سواء كان عليها تراب أو لا، أو كان عليها زرنيخ (٢)، أو جص أو غيره. وعلى أن المعنى في التيمم التيمم أنه غير مخير بين الماء والتراب، وليس كذلك الاستنجاء؛ لأنَّه مخير بين الماء والحجر. وعلى أننا قد عارضناه بقياسات أخر، [فهي] (٣) أولى لاستنادها إلى ما ذكرناه من نص السنة على الأحجار والأعواد أو الحثيات بالتراب، ولأن الأصول يشهد له، وذلك أن هذه طهارة موضوعة على الرخصة والترفيه والتوسعة والتخفيف، ألا ترى أنه مخير بين المائع الذي هو الماء وبين الجامد من الأحجار، وقد عفي فيها عن إنقاء الأثر، ويجوز فيها الاقتصار على الجامد مع القدرة على المائع، وهذه المعاني كلها معدومة في الطهارة الحكمية والعينية، فغير منكر أن يكون مِن أَحدِ رُخصِها أن تجوز بكل جامد يكون في معنى الحجر. وأيضا فإن استعمال الجامد في هذا الموضع إنما دخل على سبيل الرخصة لكثرة البلوى به، وفي أمرنا له باستعمال الماء في كل مرة يلحقه معه المشقة

стр. 679

لتكرر ذلك منه، فلو كلف أن لا يستعمل غير الأحجار للحقته المشقة على ما ذكرناه من أن كثيرا من البلدان تخلو من الحجارة (١)، فكانت تزول الرخصة المعتبرة في الأصل، وعلى هذا بني أمر الأبدال في الأصول، وبالله التوفيق. مسألة (٢٠): قال مالك ﵀: ولا يستنجي بعظم ولا روث، ويستحب بالحجارة (٢). وذكر بعض أصحابنا أنه يجزئه (٣)، [وهو مكروه] (٤)، وليس ذلك كذلك، وإن كان نفس الإزالة غير فرض، إلا أنه إذا وجب من طريق السنة لم ينبغ أن يجزئه هذا الفعل [إلا من طريق] (٥) من السنة، كما أن صلاة التطوع ليست بفرض، وإذا فعلت [لم تجزئ] (٦) إلا بطهارة بماء طاهر (٧)، كما أن الاعتكاف ليس بواجب، فإذا فعل فمن شرطه أن يقع في الصوم (٨).

стр. 680

وعند أبي حنيفة أن الاستنجاء بذلك يجزئه، ولكنه مكروه (١). وقال الشافعي: لا يجزئه (٢). وهذا الذي نختاره، وإن كنا نختلف في نفس الإزالة (٣). والدليل لما قلته: ما روي "أن النبي ﷺ نهى عن الاستجمار بالروث والعظم، وأمر بالاستنجاء بالحجر" (٤). وظاهر النهي إذا تجرد يقتضي فساد المنهي عنه (٥) إلا أن يقوم دليل،

стр. 681

وأمره بالحجر أمر ظاهره الوجوب إلا أن يقوم دليل، ودليله أن غير الحجر لا يجزئ حتى يقوم دليل. وأيضا ما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم أمر دينكم، وأمر أن يستنجي بثلاثة أحجار، ونهى عن الروثة والرمة" (١). وهذا موضع تعليم فلا ينبغي أن يعدل عنه (٨٢) إلا بدليل، والاستدلال منه أيضا كالاستدلال بما قبله. وكذلك أيضا قال لابن مسعود: "ائتني بثلاثة أحجار، فأتيته بحجرين وروثة، فاستنجى بالحجرين وألقى الروث، وقال: "إنها ركس" (٢). وقيل في بعض الأخبار: "فأما العظام فزاد إخوانكم من الجن، وأما الروث فزاد دوابهم" (٣). ومن طريق المعنى: فإن العظم جسم صقيل لا يزيل العين في غالب

стр. 682

الأحوال، وقد أخذ علينا إزالتها وإن كان قد عفي عن إزالتها، وكذلك ينبغي أن يكون ما في معناه من الأجسام الصقيلة، مثل الزجاج والصفر والعاج، هذا لو تحققنا أن العظم ذُكّي، فكيف وربما كان ميتة؟ فيلاقي النجس، فيزداد نجاسة، وليس لشيء من النجاسات في الطهارة مدخل. وأما [الروثة] (١) فهي عندنا مكروهة، وعند قوم نجسة (٢)، فإذا لاقتها النجاسة الرطبة تنجست، ولم تكن لها قوة الطاهرات المتفق عليها فتدخل مدخلها في هذا الموضع؛ لأنَّه موضع رخصة قد أخذ علينا فيه إزالة العين، وعفي عن الأثر خوف المشقة، فلا ينبغي أن يدخل على الرخصة ما فيه رخصة أخرى لقول المخالفين: إنه نجس. وأيضا فقد روى سلمان قال: "نهانا رسول الله ﷺ أن نستنجي بالعظم والرجيع" (٣). وقد قال أبو عبيد: "الرجيع ما رجع عن حالة الطعام" (٤)، فهو عام في كل ما يسمى رجيعا من جهة اللغة إلا أن يقوم دليل. وعند أبي حنيفة أن الروث نجس، فيقال له: إنه أحد ما يستعمل في

стр. 683

إزالة النجاسة فوجب أن لا يجوز استعماله فيها وهو نجس، أصله الماء؛ لأن النجاسة تزال بمائع وجامد، ثم إذا كان المائع نجسا لم يجز، فكذلك إذا كان الجامد ـ عندنا - نجسا. وأيضا فإن النجاسة تزيد في النجاسة ولا تزيلها، فوجب أن لا يجوز الاستنجاء به على أصله. وقد روى رويفع عن النبي ﷺ أنه قال له: "عسى أن يطول بك العمر بعدي، فأخبر الناس أن من استنجى بالعظم والروث فقد برئت عنه ذمة محمد "وقد روي: "برئت ذمتي منه" (١). وهذا توعد، لا يمتنع أن يكون توعد في الفرع أشد منه في ترك الأصل، ألا ترى أنه لو ترك صلاة التطوع أصلا لم يتوعد، ولو قام يصليها بغير [طهارة] (٢) أصلا مع القدرة كان متوعدا، وكذلك حج التطوع لو تركه لم يتوعد عليه، ثم لو دخل فيه وتعمد إفساده كان متوعدا. فإن قيل: الغرض في الاستنجاء إزالة النجو مع بقاء أثره اللاصق، فمتى فعل ذلك حصل الإجزاء. قيل: هذا غلط، إنما الفرض إزالته بما يزيله من الأشياء الطاهرة الناشفة التي تقلع عينه، ولو كان على ما تقول لجاز أن يزيله بالعذرة اليابسة كما يجوز - عندك - بالروث، ويجب أيضا أن يجوز له دلكه بأصبعه كما يجوز بالعظم.

стр. 684

فإن قيل: فإن النبي ﷺ علل فقال: "أما العظم فزاد إخوانكم من الجن، وأما الروث فزاد دوابهم" (١). فينبغي أن يكون زادهم مثل زادنا نحن، وهو - عندكم - يعمل في الاستنجاء ويجزئ. قيل: لا يمتنع أن يكون فيه معنى معقول قد عقلناه، فلم يحتج ﵇ إلى ذكره لنا، ثم ينبهنا على معنى آخر يزيد على ما عقلناه، فكأنه ﵇ أعلمنا أن الذي نجتنبه نحن ونرمي به ونبتعد عنه يتزودونه هم، فينبغي أن نتركه لهم، فهذا يؤكد ما نقول في أن لا ينبغي أن نتعرض له، وأما زادنا فليس مقصورا على شيء واحد كاقتصار الجن على العظام. فإن قيل: ظاهر النهي في ذلك على الكراهية، كما نهى أن يستنجي الرجل بيمينه (٢)، ويأكل بشماله (٣) بدليل، وهو ما ذكرناه من المعنى في الإزالة. قيل: ظاهر النهي على التحريم، وما ذكرتموه لم يستقم، وهو ساقط. ورأيت هذا الإنسان من أصحابنا قد ألزم ظاهر النهي، وأنَّه للتحريم كالنهي عن الذبح [بالسن] (٤) والظفر (٥)، فألزم أن هذا محرم، وفرق بينه

стр. 685

وبين العظم في الاستنجاء، ولم يكن ينبغي له ذلك؛ لأن الذبح بالسن والظفر إن كان السن مركبا غير منزوع فإنما منع [منه] (١) لأنَّه يقرض الحلقوم، وكذلك الظفر المركب إن كان رقيقا فهو يثقب الحلقوم، فيجوز فيه التعذيب للبهائم المنهي عنه (٢)، وإن كان السن منزوعا عريضا يشق الحلقوم ويقطع الودجين (٣) فإنه يجوز، وكذلك الظفر مثله (٤)، وهذا لا يكره (٥)، ولا يراعى فيه أنه صقيل؛ لأن السكين أصقل منه، ولا تراعى نجاسته؛ لأنَّه لو ذبح بسكين ملطخة بدم أو غيره من النجاسات لوقعت الذكاة موقعها، والذي روعي في إزالة النجو

стр. 686

أن يكون المزيل طاهرا، يقلع العين، وينشف رطوبتها، (٨٣) فإذا لم يقع بذلك لم يقع موقعه. وهذا الذي ذكرته في السن والظفر في الذكاة قد ذكره جماعة من شيوخنا منهم أبو بكر وغيره. فإن قيل: هذه المسألة فرع على أن الاستنجاء غير واجب، ومتى ثبت ذلك صح جوازه بهذه الأشياء؛ لأن أحدا لا يفصل بينهما. قيل: هذا غلط، وقد بينا أنه قد يكون الأصل غير واجب، ثم إذا فعل كان فعله على صفة تجب لأجل فعله. فإن قيل: إن الإنقاء الذي ندب الله إليه يحصل بهذا الفعل - عندنا - وإن كانت الآلة التي حصل بها الإنقاء قد منع من استعمالها، كما أن إزالة الحدث تحصل بالماء المغسول، وإن كان المستعمل له منهيا عن استعماله. والذي يدل عليه: أن المأمور به الإنقاء، وهذا معنى يرجع إلى المشاهدة وقد حصلت، ولأن النبي ﵇ بين العلة في الروث أنها علف دوابهم - يعني الجن -، والعظم طعامهم (١)، فدل ذلك على أن المنع لم يثبت فيه لحق الله تعالى، وإنما ثبت لحق الغير، فلم يمنع الإنقاء، مثل من غصب حجر غيره فاستنجى به، أو ماء غيره فتطهر به. وعلى أن النهي فيه غير متعلق بمعنى في نفس المنهي عنه (٢) فلا يفيد

стр. 687

الفساد، مثل البيع يوم الجمعة عند إتيانها (١)، والصلاة في الدار المغصوبة (٢)، وقياسا على الحجر بعلة وجود الإنقاء. قيل له: نظير مسألتنا الماء النجس؛ لأنَّه لا يزول به الحدث، والماء المغصوب يمنع منه لأجل حق الآدمي، فلما كان النهي عن الماء النجس من أجل حق الله تعالى كان العظم والروث مثله. وقوله: "إن الإنقاء موجود مشاهد" فهو يوجد أيضا بالماء النجس، ومع هذا لا يجوز. ثم لا نسلم أن الإنقاء يقع بالعظم؛ [لأنَّه] (٣) يصقله ويلبده في مكانه. وقولكم: "إن النبي ﵇ علل بأن العظم والروث ممنوع لأجل حق الغير من الجن" عنه جوابان:

стр. 688

أحدهما: أنه قد يجوز أن يكون علفهم الأشياء النجسة؛ لأنَّه لا عبادة (١) عليهم، وليس كل ما تعلق به حكم الغير يجوز أن يتطهر به، ألا ترى أن الخمر يتملكها الكفار، ولا يجوز أن يزال بها الحدث، وكذلك الدهن النجس - عندكم - يجوز بيعه وتملكه (٢)، ولا مدخل له في الطهارات، فسقط هذا. وأما الحجر الغصب فهو كالماء الغصب، فلما جاز الوضوء بالماء الغصب جاز الاستنجاء بالحجر الغصب، ولما لم يجز رفع الحدث بالماء النجس لم يجز الاستجمار بالنجس، وكذلك لا يجوز الاستنجاء بالماء النجس، فالاستجمار مثله لا يجوز بالنجس. وقولكم: "إن النهي غير متعلق بمعنى في نفس المنهي عنه" غلط؛ لأنَّه لم يتعلق إلا بمعنى في العظم؛ لأنَّه جسم صقيل لا يقلع العين، ولا ينشف رطوبتها. وأما البيع يوم الجمعة فعندنا أنه يفسخ (٣)، فلم يلزم ما ذكرتموه.

стр. 689

مسألة (٢١): عند مالك ﵀ أن الذي يخرج من السبيلين نادرا غير معتاد لا ينقض الطهارة، مثل سلس البول، والمذي، ودم الاستحاضة، والحجر، والدود (١). وبه قال داود (٢). وقال أبو حنيفة والشافعي: إن الطهارة تنتقض بجميع ذلك (٣)، كما تنتقض بالمعتاد (٤).

стр. 690

ووافقنا أبو حنيفة في أن المني إذا خرج لغير شهوة لا يوجب الغسل (١). والدليل لقولنا هو أن الإنسان إذا تطهر قبل أن يحدث شيء من هذا فهو على طهارته، فمن قال إن طهارته تنتقض فعليه الدلالة. وأيضا فإن إيجاب الوضوء يحتاج إلى دليل شرعي، والأصل براءة الذمة. فإن عورضنا باستصحاب حال أخرى وهي: أن الصلاة عليه بيقين فلا تسقط إلا بدليل. قيل: قد اتفقنا على أن الصلاة تسقط بفعل الطهارة مع سائر شروطها، واتفقنا على أن هذا قد تطهر للصلاة، فمن زعم أن الطهارة المتفق عليها - وقد فعلت للصلاة - قد انتقضت فعليه الدليل. وأيضا قول النبي ﵇: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" (٢).

стр. 691

فنفى إيجاب الوضوء إلا من هذين حتى يقوم دليل. وأيضا ما روي عنه ﵇ أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" (١). فأمرها بغسل الدم فحسب، ثم تصلي، ولم يأمرها بطهارة (٢). فإن قيل: غسلها واجب، وهو طهارة. قيل: [قوله] (٣): "وصلي" لا يختص صلاة دون صلاة، فقامت الدلالة على غسلها عند انقطاع الحيضة، ولم تقم دلالة على وضوء (٨٤) لكل صلاة. فإن قيل: قوله لها: "وصلي" أمر يقتضي ظاهره فعل مرة واحدة، ولا يقتضي التكرار إلا بدليل، وقد اتفقنا على أنها تغتسل لأول صلاة بعد انقطاع الحيضة، فلم يبق في الخبر دليل على موضع الخلاف. قيل: قد جعل إقبال الحيض دليلا على ترك الصلاة، وجعل انقطاعها دليلا على وجوب الصلاة، فعقل منه أنه أراد الصلاة التي بين الحيضتين كلتيهما، فتقديره: إذا ذهب قدرها فصلي حتى تقبل فتتركي الصلاة. وأيضا قوله ﵇ لفاطمة بنت قيس في دم الاستحاضة: "إنما هو دم عرق وليست بالحيضة" (٤).

стр. 692

فعلل ﵇ دم الاستحاضة بأنه دم عرق، أو أخبر بأنه دم عرق، ودم العرق لا ينقض الوضوء. وأيضا فإنه خارج نادر، فوجب أن لا ينقض الوضوء، كما يخرج من غير مخرج الحدث. وأيضا فإن الخارج المعتاد إذا خرج من غير مخرج معتاد لم ينقض الوضوء، مثل أن يتقيأ أو يخرج من أنفه (١)، فكذلك يجب أيضا إذا خرج ما ليس بمعتاد من مخرج معتاد أن لا ينقض الوضوء حتى يكون الاعتبار بالعادة. فإن قيل: هذا يدل على أن الاعتبار بالمخرج لا بالخارج. قيل: الاعتبار بالمخرج وما يخرج منه (٢)، فإن خرج منه معتاد وهو معتاد نقض الطهارة، ألا ترى أن دم الحيض يخرج معتادا ففيه الغسل، ويخرج دم الاستحاضة فلا يجب فيه الغسل لخروجه عن العادة، فسقط الوضوء لخروجه عن العادة. ويجوز أن نقول: دم الاستحاضة دم نجس، خارج من البدن على غير وجه العادة، فلا ينقض الطهارة قياسا على دم القرح، والدمل، والفصاد (٣).

стр. 693

أو نقول: إذا خرج الدم من فرج الرجل، وهو شيء نجس خارج من بدنه على وجه المرض فلا يجب فيه الوضوء، أصله دم الرعاف (١)، أو القرحة تكون على ظاهر البدن. وأيضا فإننا رأينا الأحداث التي تفسد الطهارة في غير الصلاة هي في حال الصلاة أغلظ؛ لأنَّه قد تفسد الطهارة في الصلاة أشياء لا تفسدها في غير الصلاة عند قوم من أهل العلم، مثل القهقهة في الصلاة (٢)، وهذا لغلظ أمر الصلاة، فلو كان دم الاستحاضة حدثا يفسد الصلاة لوجب أن يكون في الصلاة أولى أن يوجب طهارة مستأنفة، فلما وجدنا المستحاضة تصلي وإن قطر الدم على الحصير، ولا تخرج فتتوضاً وجب أن يكون في غير الصلاة أولى أن لا تنتقض طهارتها، ولا يجب عليها طهارة مستأنفة (٣). فإن قيل: فإننا لو أوجبنا عليها أن تخرج من الصلاة وتتوضأ ودمها متتابع أدى ذلك إلى أن لا تصلي حتى يخرج الوقت. قيل: وكذلك لو أوجبنا عليها قبل الصلاة أن تتوضأ كلما رأت الدم

стр. 694

الذي ينقض الوضوء، وهو يحدث بعد الوضوء أدى إلى أن لا تدخل في الصلاة، وخرج الوقت. وجرى الكلام بيني وبين أبي الحسن [بن] (١) المرزبان ﵀ في هذه المسألة على هذا الفصل، فقال لي: إذا كان الدم متتابعا لا يمكن أن ينفصل [يجعلها] (٢) داخلة في الصلاة بعد وضوئها إلا بوجود الدم قبل دخولها في الصلاة فلا فرق - عندنا - بين قبل الصلاة وبين دخولها في الصلاة، في أنها لا تتوضأ. وإن كان غير متتابع، وإنما هو المرة بعد المرة فإن حكمها في الصلاة وفي غير الصلاة واحد، في أن الوضوء واجب عليها قبل الصلاة، وإذا طرأ في الصلاة خرجت فتوضأت. فقلت له: الذي كنا نعرف ويحكيه شيوخنا عنكم الفرق بينهما من أنكم تراعون دخولها في الصلاة، بأن تتوضأ وتدخل فيها إما مع الدم، أو قبل أن يحدث، فإذا دخلت ثم حدث بها مضت، ونحن نعلم أن المدة التي بين وضوئها وبين دخولها في الصلاة مدة قريبة، فإذا توضأت فإن كانت مستحاضة وكان الدم ينقطع عنها هذا القدر حتى تدخل في الصلاة بالوضوء فحال الصلاة أطول، فلا يمهلها الدم حتى تخرج من الصلاة، فإذا طرأ عليها في نصف الصلاة مثلا، فإن أوجبتم عليها الخروج من الصلاة وأن تتوضأ أدى إلى أن لا تصلي ويخرج الوقت؛ لأنها تتوضأ فيمهلها الدم حتى تدخل في الصلاة،

стр. 695

ولا يمهلها إلى أن تنقضي الصلاة، فمن قال: لا فرق بين الحالين سقط قوله بهذا، وبان أن الدم الذي هذه صفته ليس بحدث ينقض الطهارة. فإن قيل: فأوجبوا عليها الطهارة إذا [كان] (١) الدم يمهلها بعد الوضوء حتى يتصل (٨٥) وضوؤها بدخولها في الصلاة، وإن كان لا يمهلها حتى تنقضي الصلاة. قيل: لا فائدة في هذا؛ لأنَّه ليس بحدث عندنا؛ إذ لو كان حدثا لاستوى فيه حكم الجزء الأول من الصلاة وحكم الجزء الأخير، والطهارة تراد للصلاة، وإن كان ذلك حدثا معفوا عنه فينبغي أن يعفى عنه في الجزء الأول من الصلاة، كما يعفى عنه في الجزء الأخير، فثبت بهذا الاعتبار أن العلة في سقوط الوضوء هي: أن هذا الدم خرج عن الصحة إلى حال المرض، فلا فرق بين الحالين قبل الدخول في الصلاة وبعد الدخول فيها، وصار في حكم دم الرعاف والدمل الذي يخرج عن الصحة. فإن قيل: ألا جعلتم هذا بمنزلة المتيمم الذي يجد الماء قبل الصلاة، فيجب عليه استعماله، ولو وجده في الصلاة مضى على صلاته (٢). قيل: إن رؤية الماء ليس حدثا، وإنما قلنا: إن الأحداث التي تنقض الطهارة لا فرق بين طروها قبل الدخول في الصلاة وبعد الدخول فيها، والمتيمم - عندنا - حدثه لم يرتفع قبل الصلاة ولا بعدها، وإنما قلنا: يرجع قبل الصلاة إلى الماء حتى يرفع حدثه؛ لأن الطلب لا يسقط حتى يدخل في

стр. 696

الصلاة فيسقط عنه، فيمضي بالتيمم الذي يستبيح به الصلاة، فالعلة هاهنا هي الطلب، فإذا لم يسقط الطلب رجع إلى الماء، وإذا سقط الطلب مضى وإن كان حدثه لم يرتفع، والعلة في دم الاستحاضة خروجه عن الصحة، الصحة، فأي موضع وجد لم يجب استئناف الطهارة، وإذا عدم وجبت الطهارة. ولنا أيضا الاعتبار الصحيح بدم الحيض ودم الاستحاضة؛ وذلك أن هذا الدم إذا خرج في زمانه على وجه العادة تعلقت به أحكام منها: ترك الصلاة والصيام، وامتناع الوطء، والغسل عند انقطاعه، فإذا خرج عن هذا الوجه، وصار دم فساد - على ما قاله صاحب الشريعة ﷺ (١) سقطت عنه هذه الأحكام، ولم يكن هذا إلا لخروجه عن وجهه في العادة، فوجب أن تكون سائر الأحداث التي تتعلق عليها أحكام الطهارة إذا خرجت عن وجهها في الصحة والعادة أن تكون كذلك في سقوط الأحكام المتعلقة بها. فإن قيل: فقد استويا في كونهما نجسين يجب غسلهما عن الثوب والبدن. قيل: لا يجب غسلهما، وقد سبق كلامنا عليه (٢). وأيضا فقد وافقونا على أن المستحاضة تجمع بين صلاتي نفل بوضوء واحد (٣)، وفي الحدث المعتاد لا يجوز ذلك مع تخلل الحدث بين الصلاتين، فعلمنا بهذا أن الاستحاضة ليس بحدث، ولا تجب طهارة مستأنفة. فإن قيل: إنما جوزنا هذا لأجل أن النفل أخف، كما جوزنا وأنتم أن

стр. 697

يجمع بينهما بتيمم واحد، ولم يجز ذلك في صلاتي فرض (١). قيل: أمر النافلة وإن كان أسهل من الفريضة فقد اتفقنا على أنه لا يجوز أن يصلي صلاة نافلة بوضوء، ثم يطرأ عليه حدث معتاد قبل دخوله في الثانية فيدخل فيها حتى يزيله، وقد جوزتم أن تدخل في الثانية وقد طرأ عليها الدم قبل دخولها فيها، فعلمنا أنه ليس بحدث. وأما المتيمم فقد دخل فيها ببدل من الوضوء وهو التيمم، ولم تدخل المستحاضة بأصل ولا بدل. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. فأوجب على كل قائم إلى الصلاة غسل هذا الأعضاء، وهذا عموم في كل صلاة. قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أن قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ أمر يقتضي فعل مرة واحدة إلا أن يقوم دليل التكرار، وهذا قد توضأ، فمن زعم أنه بخروج دودة منه تنتقض طهارته فعليه الدليل. وأيضا فإن قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ يقتضي فعل مرة لكل الصلوات؛ [لأن] (٢) الألف واللام في "الصلاة" للجنس، فإذا تطهر عند القيام إلى صلاة فقد غسل أعضاءه لكل الصلوات، ولم يقل: اغسلوا لكل صلاة.

стр. 698

وأيضا فإن المراد بالآية أحد أمرين: إما أن يكون أراد: إذا قمتم من النوم على ما قيل في التفسير، أو وأنتم محدثون على ما قيل فيه أيضا (١)، وهذا لم يقم من النوم، ولا هو - عندنا - محدث. وأيضا فإنه تعالى قال في سياق الآية ما يدل على ما نقول، وذلك أنه تعالى قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، فكني بالغائط عما ينوب الناس في صحتهم من الحدث الذي اعتادوه، لا عن دم، أو حصى، أو دود؛ لأن هذه الأشياء تكون من البول تجب عن عليه (٢)، وليس لها (٨٦) موضع يقصد، فلا تدخل تحت الكناية بالغائط. فإن قيل: قد روي في حديث صفوان بن عسال المرادي أنه ﵇ قال في نزع الخف: "لكن من غائط وبول ونوم" (٣).

стр. 699

ولم يفرق بين بول معتاد وبين سلس البول، وأمر بالمسح على الخف من البول عموما. قيل: هذا أيضا إشارة إلى ما يعتاد الناس من الغائط، والبول، والنوم؛ لأنَّه قرن البول بغيره من المعتاد، والكلام أيضا يخرج على الإطلاق، ومن جرت عادته بالبول إذا بال قيل فيه: قد بال، وإذا سلس بوله قيل: قد سلس بوله، والنبي ﵇ لم يقل: لكن من سلس البول. ثم لو ثبت العموم لقضى عليه بعض ما ذكرناه. فإن قيل: فإنه خارج من مخرج معتاد للحدث، فوجب أن ينقض الوضوء، أصله الخارج المعتاد. قيل: هو ينتقض بالمستحاضة كلما طرأ عليها في الصلاة. فإن قيل: طهارتها تنتقض، ولكن عفي لها عن الطهارة في الصلاة. قيل: وكذلك نقول نحن فيها قبل الصلاة، للمعنى الذي تقدم، على أن المعنى في الأصل كونه حدثا معتادا خرج من مخرج معتاد. فإن قيل: فإن حديث فاطمة بنت قيس (١) إنما سألته عن حكم الاغتسال، فقال: "إنه دم عرق" في أنه لا يوجب الغسل. قيل: ولا الوضوء أيضا؛ لأنَّه قال لها: هو دم عرق، فأحالها على دم العروق الذي يعلم أنه لا ينقض الوضوء، لولا هذا لكان يبين لها، ويقول: هو بخلاف دم العروق؛ لأنَّه يوجب الوضوء وإن لم يوجب الغسل، فلما

стр. 700

شبهه لها بدم العرق الذي لا غسل فيه ولا وضوء علمنا أنه لم يرد الغسل والوضوء جميعا. فإن قيل: فقد روي أنه قال لها في بعض الأخبار: "وتوضئي لكل صلاة" (١). قيل: هذا ليس بصحيح، فإن صح حملناه على طريق الاستحباب بالدلائل التي ذكرناها، أو نحمله على الوجوب إذا كان مثل المرة بعد المرة، إذا ندرت وبينها وبين الحيض زمان لا يحكم له بالحيض، فإن هذا قد يكون عادة في النساء، ولا يكون مرضا فتتوضأ واجبا، فأما إذا كان يجيئها مثلا ساعة وينقطع ساعة فهو مرض، لا يجب عليها فيه الوضوء بل يستحب. وهذا الذي خرجته يدل عليه قول مالك ﵀؛ لأن ابن القاسم حكى عنه فقال: ومن اعتراه المذي المرة بعد المرة، فليتوضأ، إلا أن يستنكحه (٢) ذلك فإن الوضوء فيه مستحب (٣). وهذا يدل من قوله على ما ذكرته، فإن لم يحمل على هذا فالمسألة وفاق بيننا وبين الشافعي؛ لأنهم يقولون بوجوب الوضوء في المرة بعد المرة، وإن كان متصلا متتابعا لم يجب على ما حكيته فيما تقدم عن ابن المرزبان (٤).

стр. 701

فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ في قصة علي ﵁ قال للمقداد: سله لي عن المذي، فقال ﷺ : "كل فحل مذاء، فاغسل ذكرك وتوضأ" (١). ولم يفرق بين المذي لشهوة وعزبة، ولا بين غيرها، فثبت بهذا وجوب الوضوء. قيل: إن النبي ﷺ أجاب عن الوجه الذي سئل عنه، وهو الذي يعتاد الإنسان، ألا ترى أنه قال: "كل فحل مذاء"، فخرج كلامه على عادة الفحول، أفترى أنه أراد أن كل فحل يسلس مذيه، ويخرج على وجه المرض؟ ولعل هذا يكون في [واحد في] (٢) خلق عظيم، وهو قضية في عين يحتمل أيضا هذا الذي ذكرناه فيحمل عليه، ولو ثبت العموم فيه لجاز أن يحمل على وجه الاستحباب، أو على من اعتراه المرة [بعد المرة] (٣) بما تقدم من الاعتبار. وأيضا فإن هذه الأشياء لو كانت حدثا لم يرتفع بالوضوء لها؛ لأنها تطرأ فينقض، فكلما توضأ نقضته، وكذلك في الصلاة، فلا معنى لطهارة لا ترفع الحدث، وإن لم يكن حدثا على ما نقول فلا معنى لتكرير الطهارة على من هو متطهر، وقد حصل الاتفاق على أن الطهارة بالماء إنما هي لرفع الحدث.

стр. 702

ويجوز أن نقيس دم الاستحاضة على دم الحجامة والفصاد؛ بعلة أنه دم خارج من البدن لا يجب فيه غسل البدن، فلم يجب فيه الوضوء لخروجه عن العادة. وهذا الكلام إنما يلزم أبا حنيفة في قوله: يتوضأ لوقت كل صلاة. فإن قيل: فقد اتفقنا على المذي المعتاد أنه ينقض الوضوء ويوجبه، فكذلك هذا بعلة أنه خارج من السبيل (٨٧) غير متصل. قيل: علة الأصل أنه خارج على وجه الصحة والعادة، وليس كذلك الفرع. على أنه يسقط بما بيناه من مفارقة دم الحيض لدم الاستحاضة، وهو خارج من السبيل على الوجه الذي ذكرته. وعلى أنه معارض بالقياس الذي ذكرناه. فإن رجحوا قياسهم بأن رد ما خرج من السبيل إلى مثله أولى من رد ما خرج من السبيل إلى غيره رجحنا قياسنا بأن العلة فيه تطرد وتنعكس في أن كل ما خرج من السبيل على وجه الصحة على حكمه، وما خرج على وجه المرض يتغير حكمه، كدم الاستحاضة، ويستوي الحكم فيه في الصلاة وغير الصلاة.

стр. 703

مسألة (٢٢): اختلفت الروايات عن مالك ﵀ في مس الذكر. فالعمل من الروايات على أنه إذا مسه لشهوة بباطن كفه أو ظاهره (١)، من فوق ثوب أو من تحته (٢)، وبسائر أعضائه انتقضت طهارته، ووجب عليه الوضوء (٣). قال القاضي أبو الحسن: قال لي الشيخ أبو بكر ﵀: على هذا كان يعمل شيوخنا كلهم (٤).

стр. 704

ووافقه أحمد بن حنبل على مسه بيده لشهوة بظاهر يده وباطنها (١). وهو قول عطاء، والأوزاعي (٢). وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا ينقض الوضوء على أي وجه كان (٣). وبه قال داود (٤)، وبه قال سفيان الثوري.

стр. 705

وقال الشافعي: إذا مسه بباطن يده من غير حائل انتقض وضوؤه على كل حال، سواء مسه لشهوة أو غير شهوة (١). وهو أحد الروايات عن مالك، وليس عليه العمل. وبه قال إسحاق (٢)، وأبو ثور، وهو مذهب الأوزاعي (٣). وأنا أبتدئ الكلام على أبي حنيفة. والدليل لنا كون الصلاة في ذمته فلا تسقط إلا بدليل، ولسنا نسلم أن هذا مع مس ذكره ملتذا يكون مصليا بطهارته. وأيضا قول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. فعلى كل قائم إلى كل صلاة غسل هذه الأعضاء إلا أن يقوم دليل. فإن قيل: المراد بالآية: إذا قمتم من النوم، أو وأنتم محدثون، وهذا لم يقم من النوم، ولا نسلم أنه محدث. قيل: الظاهر يقتضي أن على كل قائم إلى الصلاة غسل ذلك، سواء كان من نوم [أو حدث] (٤) أو غير ذلك حتى يقوم دليل (٥).
следующие страницы →