← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ في قصة علي ﵁ قال للمقداد: سله لي عن المذي، فقال ﷺ : "كل فحل مذاء، فاغسل ذكرك وتوضأ" (١). ولم يفرق بين المذي لشهوة وعزبة، ولا بين غيرها، فثبت بهذا وجوب الوضوء. قيل: إن النبي ﷺ أجاب عن الوجه الذي سئل عنه، وهو الذي يعتاد الإنسان، ألا ترى أنه قال: "كل فحل مذاء"، فخرج كلامه على عادة الفحول، أفترى أنه أراد أن كل فحل يسلس مذيه، ويخرج على وجه المرض؟ ولعل هذا يكون في [واحد في] (٢) خلق عظيم، وهو قضية في عين يحتمل أيضا هذا الذي ذكرناه فيحمل عليه، ولو ثبت العموم فيه لجاز أن يحمل على وجه الاستحباب، أو على من اعتراه المرة [بعد المرة] (٣) بما تقدم من الاعتبار. وأيضا فإن هذه الأشياء لو كانت حدثا لم يرتفع بالوضوء لها؛ لأنها تطرأ فينقض، فكلما توضأ نقضته، وكذلك في الصلاة، فلا معنى لطهارة لا ترفع الحدث، وإن لم يكن حدثا على ما نقول فلا معنى لتكرير الطهارة على من هو متطهر، وقد حصل الاتفاق على أن الطهارة بالماء إنما هي لرفع الحدث.

стр. 702

ويجوز أن نقيس دم الاستحاضة على دم الحجامة والفصاد؛ بعلة أنه دم خارج من البدن لا يجب فيه غسل البدن، فلم يجب فيه الوضوء لخروجه عن العادة. وهذا الكلام إنما يلزم أبا حنيفة في قوله: يتوضأ لوقت كل صلاة. فإن قيل: فقد اتفقنا على المذي المعتاد أنه ينقض الوضوء ويوجبه، فكذلك هذا بعلة أنه خارج من السبيل (٨٧) غير متصل. قيل: علة الأصل أنه خارج على وجه الصحة والعادة، وليس كذلك الفرع. على أنه يسقط بما بيناه من مفارقة دم الحيض لدم الاستحاضة، وهو خارج من السبيل على الوجه الذي ذكرته. وعلى أنه معارض بالقياس الذي ذكرناه. فإن رجحوا قياسهم بأن رد ما خرج من السبيل إلى مثله أولى من رد ما خرج من السبيل إلى غيره رجحنا قياسنا بأن العلة فيه تطرد وتنعكس في أن كل ما خرج من السبيل على وجه الصحة على حكمه، وما خرج على وجه المرض يتغير حكمه، كدم الاستحاضة، ويستوي الحكم فيه في الصلاة وغير الصلاة.

стр. 703

مسألة (٢٢): اختلفت الروايات عن مالك ﵀ في مس الذكر. فالعمل من الروايات على أنه إذا مسه لشهوة بباطن كفه أو ظاهره (١)، من فوق ثوب أو من تحته (٢)، وبسائر أعضائه انتقضت طهارته، ووجب عليه الوضوء (٣). قال القاضي أبو الحسن: قال لي الشيخ أبو بكر ﵀: على هذا كان يعمل شيوخنا كلهم (٤).

стр. 704

ووافقه أحمد بن حنبل على مسه بيده لشهوة بظاهر يده وباطنها (١). وهو قول عطاء، والأوزاعي (٢). وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا ينقض الوضوء على أي وجه كان (٣). وبه قال داود (٤)، وبه قال سفيان الثوري.

стр. 705

وقال الشافعي: إذا مسه بباطن يده من غير حائل انتقض وضوؤه على كل حال، سواء مسه لشهوة أو غير شهوة (١). وهو أحد الروايات عن مالك، وليس عليه العمل. وبه قال إسحاق (٢)، وأبو ثور، وهو مذهب الأوزاعي (٣). وأنا أبتدئ الكلام على أبي حنيفة. والدليل لنا كون الصلاة في ذمته فلا تسقط إلا بدليل، ولسنا نسلم أن هذا مع مس ذكره ملتذا يكون مصليا بطهارته. وأيضا قول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. فعلى كل قائم إلى كل صلاة غسل هذه الأعضاء إلا أن يقوم دليل. فإن قيل: المراد بالآية: إذا قمتم من النوم، أو وأنتم محدثون، وهذا لم يقم من النوم، ولا نسلم أنه محدث. قيل: الظاهر يقتضي أن على كل قائم إلى الصلاة غسل ذلك، سواء كان من نوم [أو حدث] (٤) أو غير ذلك حتى يقوم دليل (٥).

стр. 706

فإن قيل: هذا قد غسل الأعضاء عند قيامه إلى الصلاة، وأنتم تقولون: إذا مس ذكره عند تكبيرة الإحرام أو في الصلاة انتقض ما فعله من المأمور به، والظاهر يفيد أن يفعل ذلك، وقد فعله، فمن قال: إن فعله قد فسد فعليه الدليل. قيل: المراد أن يدخل في الصلاة بيقين طهارة، والصلاة متعلقة في ذمته بيقين، وهذا لم يدخل الصلاة بيقين طهارة، ولم يسقط عن ذمته بيقين. وأيضا فما رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم، عن عروة بن الزبير أنه قال: كنت عند مروان، فتذاكروا الأحداث، فحدثني مروان عن بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ" (١). وقد روى هذا الخبر عروة عن بسرة، ولم يروه عن مروان، فروى هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة أنها سمعت رسول الله ﷺ تمام الخبر (٢).

стр. 707

وروي أن [عروة] (١) قال: حدثني بهذا الحديث مروان فلم أثق به، فبعثت بحرسي إليها فحدثني بمثل ما حدثني به مروان (٢)، ثم لقيتها فحدثتني بذلك (٣). فإن قيل: هذا حديث ضعيف؛ لأنَّه روي عن رجل حرسي. قيل: قد ذكرنا أن عروة لقيها فسألها بعد الحرسي. على أن هذا الحرسي كان قاضيا ولم يكن شرطيا. وعلى أن الشرطي في ذلك الوقت لم يكن يلي الشرطة إلا وهو ممن يجوز أن يلي الأحكام، ويروي الحديث، ويقبل منه، ولو لم يكن ثقة لم يرض به [عروة] (٤) ومروان. على أنه قد روي أن الواسطة كان حرسيا (٥)، وروي مطلقا بلا واسطة، ولاسيما حديث مالك عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن مروان. وقد أثبت هذا الحديث يحيى القطان، وأيوب السختياني، وعبد الحميد ابن جعفر الأنصاري، وعلي بن المبارك، وعبد العزيز بن أبي حازم، وأبو

стр. 708

علقمة الفروي، وعبد العزيز الدراوردي، فقالوا كلهم: عن هشام، عن عروة، عن بسرة (١). ورواه الزهري عن عروة عن بسرة، قاله عقيل (٢)، والأوزاعي (٣). وابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عروة، عن بسرة (٤). فقد سقط الحرسي ومروان جميعا. وقد روي من غير حديث عروة عن بسرة. فروى مالك (٨٨)، عن نافع،

стр. 709

عن ابن عمر أنه كان يتوضأ من مس الذكر، ويقول: سمعت بسرة بنت صفوان تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الوضوء من مس الذكر" (١). وقد روي من طرق كثيرة عن غير بسرة. فروى عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة - زوج النبي ﷺ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مس فرجه فليتوضأ" (٢). فإن قيل: هذا حديث مرسل، قال يحيى بن معين: مكحول لم ير عنبسة (٣).

стр. 710

قيل: فنحن وأنتم [نقول] (١) بالمراسيل (٢). وقد رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ "أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ". (٣). وأيضا فقد رواه عبد الملك بن المغيرة بن نوفل، عن أبيه، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أفضى الرجل بيده إلى فرجه في الصلاة وليس بينهما ستر فليتوضأ" (٤)، وهذا عام.

стр. 711

وقد روى ابن أبي ذئب، عن عقبة بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره فليتوضأ". وزاد ابن نافع فقال: عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر عن النبي ﷺ (١). وقد روى مسلم بن خالد عن ابن جابر، عن عبد الواحد بن قيس، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ" (٢).

стр. 712

وعن عائشة ـ رحمها الله - موقوف عليها: "إذا مست المرأة فرجها توضأت" (١). وروى هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل للذين يمسون فروجهم يوم القيامة ثم يصلون ولا يتوضؤون"، قالت: فقلت: يا رسول الله هذا للرجال، أفرأيت النساء؟. قال: "إذا مست المرأة فرجها فلتتوضأ" (٢). وقد روى ابن جريج عن يحيى بن أبي كثير، عن رجال من الأنصار أن النبي ﷺ قال: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ" (٣).

стр. 713

وقد روى الوضوء من مس الذكر أربعة عشر نفسا من بين رجل وامرأة، فروته عائشة وأم حبيبة، و [أم] أروى (١)، وبسرة. ومن الرجال مثل: محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وأبي هريرة، وابن عمر، وجابر، وغيرهم من الأنصار (٢). وقد روى قيس بن طلق بن علي، عن أبيه، أن النبي ﷺ توضأ فقيل

стр. 714

له: أحدثت؟. قال: "لا، بل مسست ذكري" (١). فالدليل منه أنه ﵇ توضأ من مس الذكر، وفعله واجب. فإن قيل: فقد نفى ﵇ أن يكون حدثا بقوله: "ما أحدثت"، فهذه حجة عليكم. قيل: إنما نفى الحدث المعتاد من الريح والبول وغير ذلك. وقد اعترضوا على جملة هذه الأخبار بأشياء: أحدها: أن قالوا: قد قال أحمد بن حنبل: أربعة أحاديث لا تصح عن النبي ﵇، منها: حديث مس الذكر والقهقهة (٢). وقال يحيى بن معين: لا يصح في الوضوء من مس الذكر حديث (٣).

стр. 715

قالوا: وأيضا فإن مذهبنا أن ما كانت البلوى به عامة لا تقبل فيه أخبار الآحاد، والإنسان لا يخلو في كل يوم من مس ذكره مرارا، كما لا يخلو من الغائط والبول، فلو كان الوضوء من مس الذكر واجبا لكان نقله مستفيضا، كما هو الغائط والبول. قالوا: ولو صح الحديث لكان معارضا بحديث طلق بن علي أنه سأل رسول الله ﷺ عمن مس عمن مس ذكره وهو في الصلاة فقال: "لا بأس، هل هو إلا كبعض جسده؟ " (١). وموضع الدليل منه: أنه قال: "لا بأس"، والحدث في الصلاة لا يقال فيه: لا بأس، ولأنه علل فقال: "لأنَّه كبعض جسده". وقد روى قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي، أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: أنا أتوضأ فأمس ذكري؟ فقال النبي ﷺ : "هو منك" (٢).

стр. 716

قالوا: وفي بعض الأخبار: "لا وضوء عليك" (١). وإذا تعارضت الأخبار سقطت، وكنا على ما نحن عليه حتى يقول دليل (٢). قالوا: ويجوز أن نحمله على الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليد، بدليل حديث طلق (٣)، ولأن القوم كانوا يستجمرون بالحجارة فربما عرقت أيديهم فيمسون فروجهم، فأمروا بغسل أيديهم. قالوا: وقد روي "أن من مس ذكره وأنثييه توضأ" (٤)، وقد اتفقنا على أنه لا يجب في مس الأنثيين وضوء، (٨٩) فعلم أن ذلك على طريق الاستحباب (٥). قالوا: وقد اتفقنا أنه لو مسه لغير شهوة لم يجب عليه وضوء، فكذلك لشهوة؛ بعلة أنه مس عضوا منه. قالوا: ولأنه مس فرجه بجزء من بدنه، فوجب أن لا ينتقض طهره، دليله إذا مسه بغير شهوة.

стр. 717

والجواب: أما ما ذكروه عن أحمد ويحيى في تضعيف الحديث فعنه جوابان: أحدهما: أن من أثبته أكثر عددا من هذين وأثبت (١). والثاني: أننا لا نرجع في ذلك إلى مذهبهم في تضعيفه؛ لأن مذهبهم أن الحديث إذا أرسله قوم ووصله آخرون أن القول قول من أرسل، والقول - عندنا - قول من أسند؛ لأنَّه زائد (٢). وعلى أننا نحن نقول بالمرسل أيضا (٣)، وقد أسند هذا الحديث وأرسل، وكذلك الأخبار التي رويناها، فيها مرسل ومسند.

стр. 718

ثم لأصحاب الحديث طرق في الحديث لا يعمل عليها الفقهاء (١). وعلى أنه ينقلب عليهم في حديث القهقهة؛ لأن أصحاب الحديث قالوا فيه: إنه لا يصح (٢). وما ذكروه من أخبار الآحاد، وأنها لا تقبل فيما يعم البلوى فغلط، ونحن نخالفهم فيه؛ لأن الله - تعالى - أمر بقبول أخبار الآحاد، ولم يفرق بين ما تقع به البلوى العامة وبين غيرها، ولا يمتنع أن تكون البلوى عامة فيعلم الحكم فيها العلماء من أخبار الآحاد، وترجع العامة في حكمها إلى العلماء، وإنما ذلك على ما يراه صاحب الشريعة من المصلحة، فربما رأى المصلحة في إلقاء الحكم إلى الخاصة فينقلونه إلى العامة، فيعلم من جهتهم، وربما أعلمه الأكثر. وعلى أن النقل قد ورد في هذا مستفيضا؛ لأنَّه قد روي عن أربعة عشر من الصحابة من بين رجل وامرأة، ويجوز أن يكون أمسك الباقون عن رواية ذلك اكتفاء برواية بعضهم، ومثل هذا يلزمهم في الوتر، هو مما تعم [به] (٣) البلوى؛ لأنَّه في كل ليلة، وقد قبلوا فيه خبر الواحد، وجعلوه واجبا بذلك، وأكثر من رواه الواحد والاثنان بأن النبي ﷺ قال: "إن الله زادكم صلاة، ألا وهي الوتر" (٤).

стр. 719

وكذلك قالوا في تكبيرة الافتتاح: لو قال: "الله أكبر"، أجزأه، ولو قال: "الله العظيم"، و "الله الجليل"، أجزأه (١)، وما نقل هذا أحد، وهو من البلوى العامة. وكذلك قبلوا أخبار الآحاد هم ونحن في الأذان والتشهد وغير ذلك مما تعم البلوى به، وقبلوا في القهقهة. وقد قبل ابن عمر من رافع بن خديج خبر المخابرة (٢). وقبل أبو بكر خبر محمد بن مسلمة والمغيرة (٣)، وهذا في المواريث. وفي غير ذلك، وهذا كله مما يعم البلوى به. وعلى أن هذا وإن كان من البلوى العامة فقد يجوز أن يذهب على قوم، إلا أن الله - تعالى - لا يتركهم حتى يعلمهم الواجب، إما بنقل كما يذكرون، أو بالرجوع إلى العلماء إذا احتاجوا إليه وسألوه عنه، عنه، وهكذا التقاء الختانين البلوي به عامة، وقد ذهب على الأنصار ما استدركه غيرهم (٤).

стр. 720

ثم لو قلنا: إن مس الذكر ليس من البلوى العامة في غير أوقات الوضوء لجاز؛ لأنَّه ليس من شأن الغالب من الناس مس ذلك في غير أوقات الوضوء. والجماع، ولعله يجري أقل من القهقهة في الصلاة، وقد قبلوا فيه وفي القيء والرعاف (١) وأنَّه ينقض الوضوء خبر الواحد. وأما حديث طلق بن علي فعنه أجوبة: أحدها: أن له ثلاث (٢) طرق: محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه قلت: يا رسول الله، إني أكون في الصلاة فأمس ذكري بيدي فقال: "إنما هو بضعة منك" (٣). وقد رواه أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن مس الذكر، فقال: أيتوضأ أحدنا إذا مس ذكره؟. فقال: "هل هو إلا بضعة منك" (٤).

стр. 721

ورواه عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي ﵇ نحوه (١). فمدار الحديث على هؤلاء الثلاثة: محمد بن جابر، وأيوب بن عتبة، وعبد الله بن بدر (٢)، ولكل واحد منهم علة. سئل موسى بن هارون عن حديث طلق في مس الذكر فقال: إسناده ضعيف، محمد بن جابر ضعيف (٣)، وأيوب بن عتبة ضعيف (٤)، وعبد الله بن بدر شيخ لا يمكننا أن نحكم به. ومن قال أهل الصنعة فيه هذا لم يكن حجة. وجواب آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون الحديث منسوخا (٥)؛ لأن حديث قيس عن طلق قاله النبي ﵇ حين قدم المدينة وهو يبني المسجد، وحديث أبي هريرة متأخر (٦)؛ لأن أبا هريرة روى ..............................

стр. 722

ما قلناه (١)، وإنما صحب النبي ﷺ أربع سنين. ويشبه من طريق آخر (٩٠) أن يكون منسوخا؛ لأنَّه لو كان قوله: "من مس ذكره فليتوضأ" متقدما لم يكن لقوله لطلق: "هل هو إلا بضعة منك؟ "، [معنى] (٢)، ولكن تقدم قوله: "هل هو إلا بضعة منك؟ "، ثم قال بعد ذلك: "عليك الوضوء"، وهذا أشبه. وعلى أن الكلام في الأخبار في فصلين: أحدهما: في تقديم أحدهما على الآخر. والثاني: في الاستعمال. فأما الكلام في التقديم وترك الآخر فإذا لم يكن بد من ترك أحدهما فإننا نقول: إن خبرهم يقتضي أنه لا يجب الوضوء منه، وخبرنا يقتضي وجوب الوضوء منه، فإسقاط خبرهم بخبرنا أولى من وجهين: أحدهما: أن خبرنا متأخر على ما ذكرناه عن أبي هريرة، وخبرهم متقدم، والمتأخر ينسخ المتقدم. والوجه الثاني: هو أنه إذا لم يكن بد من ترك أحد الخبرين فترك ما هو

стр. 723

أقل رواهُ لما هو أكثر رواهُ أولى، وخبر طلق بن علي لم يرد إلا من جهته (١)، وخبرنا رواه أربعة عشر نفسا من الرجال والنساء، مثل: أبي هريرة، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وغيرهما، ومن النساء مثل: عائشة، وأم حبيبة، و [أم] أروى، وبسرة (٢). وأما الكلام في الاستعمال فيحمل خبرهم على أنه مسه لغير شهوة، ألا تراه قال: "هل هو إلا بضعة منك؟ " (٣)، ولا يكون كسائر بضاعه إلا على هذا الوجه، وإلا فهو يخالف سائر بضاعه، ألا تراه أنه لو استمنى منه لأمنى، وله في الإيلاج حكم ليس لسائر البضاع. والاستعمال الثاني: هو أن قوله ﵇: "لا بأس" أي ليس بنجس؛ لأن بعض الناس كان يذهب إلى أنه نجس؛ لأنَّه مسلك النجاسة (٤). الدليل على هذا: ما روي أن رجلا سأل سعد بن أبي وقاص فقال: "إن كان منك شيء نجسا فاقطعه" (٥)، أي ليس منك شيء نجس. فإن قالوا: نحن أيضا نستعمل فنقول: قوله ﷺ : "فليتوضأ"، استحباب.

стр. 724

قيل: أنتم لا تستحبونه (١). على أنا نحن نرجح فنقول: خبرنا يثبت الإيجاب، وخبركم ينفيه، والمثبت أولى من النافي (٢)، وعند أبي حنيفة أن النافي يسقط من المثبت. وأيضا فإنه ناقل عن العادة (٣)؛ لأنهم ما كانوا في الأصل يتوضؤون منه، ولأنه يحتاط، ولأن رواته أكثر (٤) ويشهد أيضا لاستعمالنا: ما رواه قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي ﵇

стр. 725

أنه توضأ وقال: "مسست ذكري" (١). وما ذكروه من أنه ﵇ قال: "من توضأ ومس ذكره وأنثييه توضأ" (٢) فإننا نقول: لولا قيام الدليل في الأنثيين لأوجبنا في مسهما الوضوء، وليس إذا خص بعض الخبر بدليل يجب أن يخص باقيه بغير دليل. وأما القياس الذي ذكروه فعنه جوابان: أحدهما: أنه لم يجب الوضوء في الأصل لعدم الشهوة. والثاني: أن بإزائه قياسا هو أولى منه، فنقول: إن مس الذكر سبب يفضي إلى نقض الطهر [مع اللذة، فجاز أن يتعلق نقض الطهر] (٣) بمسه، أصله التقاء الختانين؛ لأنَّه إذا مس ذكره لشهوة أمذى، وإذا أولجه على هذا الوجه أمذى وأمنى. وأيضا فإنه مسلك للمني، فجاز أن يتعلق بعض الطهر به كالنوم؛ لأن بمسه قد يخرج منه ما ينقض الطهر، وبالنوم يوجد ما ينقض الطهر. ونرجح قياسنا بأنه يؤدي إلى استعمال الأخبار كلها، ويستمر فيها على عمومها، فيكون الخبر الذي فيه الوضوء في كل موضع إذا كان لشهوة؛ [لأن الغالب خروج المذي معه، والخبر الذي فيه "لا وضوء" إذا كان لغير شهوة] (٤)، وإذا لقي الفرج الفرج على كل حال.

стр. 726

وفي استعمالنا هذا نقل من براءة الذمة إلى وجوب الوضوء (١)، وفيه احتياط للصلاة، وإسقاط حكمها بيقين. فإن قيل: لو كان خبركم ثابتا لم يجز أن يذهب علي عمر (٢)، وعلي (٣)، وابن مسعود (٤)، وسعد (٥)، وحذيفة (٦)، وعمار (٧)، وعمران بن حصين (٨)،

стр. 727

وابن عباس (١). قيل: قد ثبت ما قلناه ببضعة عشر من الصحابة عن النبي ﷺ ، وعن قطعة منهم أن الوضوء واجب، فأقل الأحوال أن يستعمل ما روي عنهم كما استعملنا ما روي عن النبي ﷺ ، فيكون قول من نفى الوضوء إذا كان لغير [شهوة] (٢)، ومن أثبت الوضوء إذا كان لشهوة. على أننا نروي عن ابن عباس وابن عمر قالا: "إذا مس الرجل ذكره فليتوضأ" (٣). وعن حماد بن سلمة عن قتادة أن ابن عمر وابن عباس كانا يتوضآن من مس الذكر (٤). والذي رووه هم عن ابن عباس إنما هو عن إبراهيم المدني، عن صالح - مولى التوأمة - عن ابن عباس، (٩١) وهذا مما لا ينبغي أن يعتمد عليه (٥)،

стр. 728

فكيف وقد روينا عن ابن عباس خلافه؟ وما حكوه عن سعد فقد روي عن سعد بإسناد أجود من إسنادهم خلافه؛ لأن الذي رووه عن سعد رواه يحيى بن المهلب، عن ابن أبي خالد، عن قيس، عن سعد (١). وقد روى مالك عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن مصعب بن سعد قال: "كنت أمسك المصحف على أبي - سعد بن أبي وقاص ـ فاحتككت فقال لي: لعلك مسست ذكرك؟. فقلت: نعم، فقال: قم فتوضأ، فقمت فتوضأت ورجعت" (٢). فأما الأحاديث عن علي وابن مسعود فكلها ضعاف لا حجة فيها (٣). ولو صحت لكنا قد استعملناها على ما ذكرناه. وقولهم: يجوز أن يكون أراد بالوضوء غسل اليد فإننا نقول: إن الوضوء إذا أطلق في الشرع فهو محمول على الوضوء المعروف الذي هو غسل الأعضاء حتى يقوم دليل (٤). واستعمالنا أيضا له على الوضوء الشرعي أولى لما ذكرناه من

стр. 729

الترجيحات، فنحمله عليه إذا كان الشهوة، ونحمل غسل اليد إذا كان لغير شهوة. وعلى أنه قد روي عنه ﷺ : "فليتوضأ وضوءه للصلاة" (١). وأيضا فإن الناس في المسألة على قولين، فطائفة توجب الوضوء في الأعضاء كلها، وطائفة لا توجبه ولا توجب غسل اليد. وعلى أنهم إن سلموا إيجاب غسل اليد سلمت المسألة (٢). وبالله التوفيق.

стр. 730

فَصْل في الكلام على الشافعي إذا مس ذكره لغير شهوة نقض الوضوء، وعندنا لا ينقض (١) الدليل لقولنا: هو أن مذهبنا ومذهبه استعمال الأخبار إذا تعارضت وأمكن استعمالها، وقد وردت الأخبار على ما تقدم من الوضوء في مسه عموما (٢)، وورد الخبر في حديث طلق بن علي عن النبي ﵇ في نفي الوضوء من مسه عموما (٣)، فنستعمل خبر الوضوء إذا مسه لشهوة، ونفي الوضوء إذا مسه لغير شهوة. فإن قيل: نحن نستعمل أيضا فنجعل الوضوء فيه إذا مسه بباطن كفه من غير حائل، ونفي الوضوء إذا مسه بظاهر كفه، أو من فوق حائل. قيل: بقي الترجيح لأحد الاستعمالين، فاستعمالنا أولى من وجوه: أحدها: أنه يستمر، فنوجب الوضوء إذا كان لشهوة، بظاهر اليد وباطنها، ومن فوق الثوب وتحته، وفي ذوات المحارم، والكبار والصغار، وننفي الوضوء في جميع هذه المواضع إذا كان المس لغير شهوة، فرجح استعمالنا؛ لأنَّه يطابق ألفاظ الأخبار التي هي عموم في إثبات الوضوء ونفيه. وأيضا فإن النبي ﷺ شبهه في حديث طلق بن علي بسائر البضاع، ولا يكون كهي إلا في عدم الشهوة، ولا فرق في عدم الشهوة بين باطن اليد

стр. 731

وظاهرها، كما لا فرق بين ظاهر اليد وباطنها في مس سائر الأعضاء. وأيضا فإننا رأينا هذا العضو يلتذ بمسه كما يلتذ بمس النساء، ألا ترى أنه لو استمنى منه لأمنى كما يمني بمماسة النساء، وليس سائر الأعضاء كذلك، فعلمنا اختصاصه من بين سائر الأعضاء بهذا المعنى، فينبغي أن تكون المراعاة في مسه للذة، وفي عدمها تكون كسائر الأعضاء؛ لأنهم خصوا باللمس هذا العضو من بين سائر الأعضاء، فعلم أن المعول على اللذة. فإن قيل: إننا لا نسلم التعارض في الأخبار، بل نقول: حديثنا في الوضوء من مسه أصح من حديث طلق، ونجعل حديث طلق منسوخا (١)، فلا يجب علينا الاستعمال. قيل: ليس يسلم لكم حديث الوضوء من المعارضة؛ لأن أهل العراق يحتجون - علينا وعليكم - في صحة حديثهم وفي النسخ بمثل ما نقول لهم، ولسنا نقطع بصحة ما نقول دون ما يقولون، وإنما هو استدلال وترجيحات، يسوغ فيها الاجتهاد، فلابد أن نسلم ونستعمل، فإن امتنعنا ذلك امتنعوا هم أيضا، فأدى هذا إلى إسقاط الخبرين إذا كان كل واحد منا يقطع على صحة مذهبه. فإن قيل: استعمالنا أولى؛ لأن الأصول تشهد لنا، وذلك أننا رأينا الناقض للطهارة الموجب علينا طهارة مستأنفة قد استوى فعله لشهوة وغير شهوة، ألا ترى أنه لو أولج ملتذا أو غير ملتذ لانتقض وضوءه، ووجب عليه في الموضعين جميعا الغسل، فكذلك يجب أن يستوي في يستوي في مس الذكر حكم

стр. 732

الشهوة وغير الشهوة، وكذلك سائر الأحداث (٩٢) من الغائط، والبول، والريح، لم يفترق الحكم فيها بين الالتذاذ وغيره (١). قيل: هذا لا يلزم؛ لأنَّه ليس يبلغ أحد في الغالب إلى الإيلاج إلا وقد أخذ غاية من الالتذاذ، إلا رجل به آفة، وإلا فهو في غاية من الالتذاذ، بمنزلة من أنزل، سواء أنزل في الفرج أو في غيره، ألا ترى أنه يوجب الغسل كما يوجبه الإنزال. ثم مع هذا فقد تعلق عليه من الأحكام في الإيلاج ما لا يتعلق عليه في مس ذكره، من وجوب الغسل، والحد، وتحصل به الحصانة، وتكملة المهر، وغير ذلك من الأحكام (٢)، فقد حصل للفرج من الاختصاص في الإيلاج ما ليس لمس الذكر، فلما كان الإيلاج ينقض الطهارة، ويوجب الطهارة العليا لم يفترق الحكم فيه، ولما كان مس الذكر - عندكم - يوجب الطهارة الدنيا افترق الحكم فيه بين اللذة وغيرها، وكان أولى من فرقكم بين باطن اليد وظاهرها مع وجود اللذة وعدمها. فأما الغائط، والبول، والريح فإن ذلك كله أحداث في نفسها، ومس الذكر سبب للحدث، وفي حكمه، وما [في] (٣) حكم الشيء وهو سبب له ليس هو نفس الشيء، ألا ترى أنكم قد فرقتم بين مسه بباطن اليد وبين مسه بظاهرها، ولم تفرقوا بين الأحداث أنفسها على أي وجه حصلت، فصار

стр. 733

المس كالنوم الذي ليس بحدث في نفسه، ولكنه في حكم الحدث، وقد افترق حكم النوم في مواضع (١)، كما افترق حكم المس في موضع، فهو به أشبه. فإن قيل: إن ظاهر مذهبكم يدل على أنه إن مسه بظاهر كفه، أو بذراعه، أو فخذه أنه لا ينقض الوضوء، سواء كان ذلك لشهوة أو غيرها. قيل: قد اختلفت الرواية في مسه أصلا (٢)، وقد ذُكر ما قلتم، إلا أن المعول على ما بيناه، وما حكي محمول على أن مالكا تكلم على الغالب من أمر الناس، أنهم يقصدون إلى مسه بباطن أيديهم، فأما إذا قصدوا الالتذاذ أو حصل بمسه فلا فرق بين مسه بسائر الأعضاء وبين اليد، كما توافقنا في مس الرجل النساء بباطن يده وبظاهرها (٣)، وبسائر أعضائه؛ لأن المراد أن تقع مماسة تحصل معها اللذة، وقد يخرج الكلام على الغالب ويكون النادر في حكمه إذا حصل المعنى المقصود، كقول الله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ (٤)، خرج الكلام على الغالب من الربيبة تكون في حجر زوج أمها، وإذا لم تكن عنده، وفي حجره فهي كذلك (٥)، فإذا كان المعنى المقصود هو حصول اللذة بالمماسة فبأي عضو حصلت المماسة مع

стр. 734

الشهوة حصل الحكم، وهذا كالطلاق الذي يوجب التحريم، فبأي لفظ حصل وقصد به التحريم حصل الحكم به عندنا. فإن أوردوا القياس عليه إذا مسه لشهوة أوردنا القياس عليه إذا مسه بظاهر اليد، أو على مسه عضوا غير الذكر؛ بعلة أنه مس عضوا من بدنه لم يلتذ بمسه لذة الجماع. فإن تكلموا على حديث طلق وقالوا: قوله ﵇: "هل هو إلا بضعة منك؟ " (١)، أفادنا أنه ليس بنجس، وأنَّه لا حرج في مسه، ولا يمنع ذلك من إيجاب الوضوء ومن مسه، كما لا يمنع من إيجاب الغسل في إيلاجه في الفرج، وهو بضعة منه. قيل: إنما سئل ﷺ عن الوضوء في مسه فقال: "لا وضوء"، وشبهه بسائر الأعضاء التي لا وضوء في مسها، ولم يسأل هل عليه حرج في مسه أم لا؟، فلا ينبغي أن يسقط ما سئل عنه وخرج الجواب عليه، ويعدل إلى ما لم يذكر في الخبر، ولا خرج الجواب عليه؛ لأنَّه لو جاز ذلك لجاز لآخر أن يقول: إنما سئل هل عليه في إيلاجه غسل أو وضوء؟. فقال: "هل هو إلا بضعة منك" (٢)، أي كما لو أولجت بضعة منك غير الذكر لما كان عليك وضوء ولا غسل، فيجيء من هذا قول من قال: الماء من الماء (٣)، دون الإيلاج المفرد. وإذا كان جوابنا وجوابكم أن هذا لم يسأل عنه في الخبر ولا خرج

стр. 735

الجواب عليه فكذلك نقول لكم: إن الذي أولتموه وحملتموه عليه لم يسأل عنه في الخبر، ولا خرج الجواب عليه، فسقط هذا السؤال. ثم لو احتمل ما ذكرتموه لكان أقل الأحوال أن يكون الجواب خرج على الأمرين، حتى لا يسقط الصريح من السؤال، ويقتصر على المحتمل دونه، فنحمله على صريح السؤال والمحتمل جميعا. فإن قيل: فإننا قد روينا خبرا يدل على أن المس بباطن اليد من غير حائل يوجب الوضوء، وهو قوله ﷺ : "إذا أفضى الرجل بيده إلى فرجه في الصلاة (٩٣) وليس بينهما ستر فليتوضأ" (١). وفي هذا الخبر أدلة توجب مخالفة مذهبكم. منها: أن الإفضاء قصر على اليد دون غيرها من الأعضاء. ومنها: أن حقيقة الإفضاء باليد إنما هو بباطنها (٢). ومنها: أنه قال: "ليس بينهما ستر". ومنها: أنه ذكر الفرج، وهو اسم للذكر والدبر جميعا. فنصه على اليد وباطنها [من غير ستر] (٣) يدل على أن ظاهر اليد وغير اليد من الأعضاء بخلاف ذلك؛ لأنكم توافقوننا على القول بدليل الخطاب (٤).

стр. 736

ونصه على الفرج يشتمل على الذكر والدبر (١). ونصه بقوله: "وليس بينهما ستر" يدل على أنه إذا كان هناك ستر بخلافه. فالجواب أن نقول: إن صح الحديث فإن الإفضاء حقيقته مماسة البشرة البشرة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (٢). وأما تخصيصه اليد فإن الكلام خرج على الأغلب من أحوال الناس أنهم إذا عبثوا بالفرج فإنما يكون ذلك باليد، ولا يدل على أن النادر ليس في حكمه على ما بيناه قبل هذا الفصل. وأما الفرج فحقيقته تقع على المقدم؛ لأن فرج المرأة ن فرج المرأة هو مقدمها (٣). وعلى أنه لو وقع على المقدم والمؤخر لكان إضافته بلفظ الواحد إلى الإنسان يدل على فرج واحد؛ لأنَّه لو أراد الفرجين لقال: إذا أفضى إلى فرجيه، أو إلى أحد فرجيه فلما قال: "إلى فرجه" بلفظ الواحد، ـ وقد أجمعوا على أن القبل يراد به الفرج - دل على أنه هو المقصود دون غيره. فإن قيل: قولنا: "فرج" نكرة يتناول هذا وهذا، فلا يمتنع أن يراد به الاثنان.

стр. 737

قيل: هذا غلط من وجهين: أحدهما: أن النكرة في الإثبات لا تكون على الجنس (١)، وإنما تكون في النفي، وليس في قوله: "إذا أفضى بيده إلى فرجه" نفي. والثاني: أن النكرة تشيع في الجنس، ولا يقتصر بها على اثنين لا ثالث لهما، ألا ترى أن ما كان في ابن آدم من عضوين مثل اليدين، والرجلين، والعينين، والأذنين لا تطلق على الاثنين بلفظ الواحد حقيقة، وإذا كثرت أعضاؤه وأجزاؤه قيل: عضوه، وجزؤه، فيشيع في سائر أعضائه وأجزائه لكثرتها، فلما لم يكن للإنسان إلا فرجان لا ثالث لهما لم يجز على طريق الحقيقة أن يقول: "إذا أفضى إلى فرجه" وهو يريد الفرجين، فثبت أنه أراد فرجا واحدا، والقبل متفق عليه دون الدبر. [وأما قوله ﵇: "وليس بينهما ستر" فإننا نحمله على الشيء الثخين، مثل الجبة (٢) والفروة (٣)، أو نخص دليله بالقياس فنقول: كان دليله أنه إذا مسه من وراء حائل أن لا وضوء، ولكننا نقيسه عليه إذا عركه من غير حائل ملتذا به بعلة أنه عرك ذكره بشهوة، فلا فرق بين حائل وغيره، وإنما قيدت بقولي: "عركه"؛ لأنني لو قلت: إنه مسه من فوق الحائل لجاز أن ينازعوا فيه، ويقولوا: إنما مس الحائل ولم يمس الذكر، فقطعت المنازعة بذلك،

стр. 738

وكذلك لو ثبت دليل الخطاب في جميعه لم يمتنع أن تقوم الدلالة في إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به، كما لم يمتنع قيام دلالة في إلحاق الإفضاء في غير الصلاة بكونه في الصلاة، وإنما نص عليه في الصلاة، وقد ذكرنا دلالة القياس] (١). فَصْل قد ذكرت أن أحمد بن حنبل، وعطاء، والأوزاعي (٢): يوافقوننا في مسه لشهوة بظاهر اليد وباطنها. غير أن أحمد يقول: لا يتعدى اليد إلى غيرها (٣). والأوزاعي يقول: إن مسه بسائر أعضاء الطهارة نقض الوضوء، وأما غيرها من الأعضاء فلا (٤). فإن صح هذا عنهم قلنا: قال النبي ﷺ : "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ" (٥). وقال: "الوضوء من مس الذكر" (٦). والمس يقع بسائر الأعضاء، لا فرق فيه بين اليد وغيرها، فلا فرق بين

стр. 739

أعضاء الطهارة وغيرها. ومن طريق المعنى: فإن اللذة تحصل بسائر المماسة من الأعضاء كلها، كما تحصل باليد وبأعضاء الطهارة، فإن جاز لإنسان أن يتعدى باطن اليد إلى ظاهرها، ويتعدى اليد إلى غيرها من أعضاء الطهارة جاز لنا أن نتعدى ذلك إلى سائر الأعضاء؛ بعلة أنه حصل ماسا ذكره بعضو من بدنه، ملتذا بذلك لذة الجماع أو لشهوة الجماع. فَصْل عند داود إذا مس ذكر نفسه توضأ، ولا شيء عليه في مس ذكر غيره (١). والدليل لقولنا (٢) قوله ﷺ : "في مس الذكر الوضوء" (٣). وهذا عام في كل ذكر. فإن قيل: (٩٤) قوله في الخبر الآخر: "من مس ذكره فليتوضأ" (٤)، دليله مس ذكر غيره فبخلافه، وهذا الدليل يقضي على عموم خبركم في الذكر؛

стр. 740

لأنَّه أخص منه (١). قيل: الذي نعرف من مذهبكم أن الخبرين إذا تعارضا لم تقضوا بالخاص على العام وإن أمكن استعمالهما، بل يسقطان جميعا (٢). فإن أردتم القضاء بالدليل على العام قلنا: القياس عليه إذا مس ذكر نفسه؛ بعلة أنه مس ذكر آدمي ملتذا به، أو بعلة أنه أنه مس ذكرا لو أولج في فرج لوجب فيه الغسل على وجه ملتذا بمسه (٣). وأيضا فإنه إذا مس فرج غيره فقد هتك حرمة الغير، وإذا مس ذكر نفسه لم يهتك الحرمة، فلما نقض الوضوء إذا لم يهتك الحرمة كان بأن ينقض الطهر بهتك الحرمة أولى (٤). فَصْل عندنا أن لا وضوء في مس الدبر، وكذلك عند داود (٥). وقال الشافعي فيه الوضوء كمس الذكر (٦).
следующие страницы →