ونصه على الفرج يشتمل على الذكر والدبر (١).
ونصه بقوله: "وليس بينهما ستر" يدل على أنه إذا كان هناك ستر بخلافه.
فالجواب أن نقول: إن صح الحديث فإن الإفضاء حقيقته مماسة البشرة البشرة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (٢).
وأما تخصيصه اليد فإن الكلام خرج على الأغلب من أحوال الناس أنهم إذا عبثوا بالفرج فإنما يكون ذلك باليد، ولا يدل على أن النادر ليس في حكمه على ما بيناه قبل هذا الفصل.
وأما الفرج فحقيقته تقع على المقدم؛ لأن فرج المرأة ن فرج المرأة هو مقدمها (٣).
وعلى أنه لو وقع على المقدم والمؤخر لكان إضافته بلفظ الواحد إلى الإنسان يدل على فرج واحد؛ لأنَّه لو أراد الفرجين لقال: إذا أفضى إلى فرجيه، أو إلى أحد فرجيه فلما قال: "إلى فرجه" بلفظ الواحد، ـ وقد أجمعوا على أن القبل يراد به الفرج - دل على أنه هو المقصود دون غيره.
فإن قيل: قولنا: "فرج" نكرة يتناول هذا وهذا، فلا يمتنع أن يراد به الاثنان.
стр. 737
قيل: هذا غلط من وجهين:
أحدهما: أن النكرة في الإثبات لا تكون على الجنس (١)، وإنما تكون في النفي، وليس في قوله: "إذا أفضى بيده إلى فرجه" نفي.
والثاني: أن النكرة تشيع في الجنس، ولا يقتصر بها على اثنين لا ثالث لهما، ألا ترى أن ما كان في ابن آدم من عضوين مثل اليدين، والرجلين، والعينين، والأذنين لا تطلق على الاثنين بلفظ الواحد حقيقة، وإذا كثرت أعضاؤه وأجزاؤه قيل: عضوه، وجزؤه، فيشيع في سائر أعضائه وأجزائه لكثرتها، فلما لم يكن للإنسان إلا فرجان لا ثالث لهما لم يجز على طريق الحقيقة أن يقول: "إذا أفضى إلى فرجه" وهو يريد الفرجين، فثبت أنه أراد فرجا واحدا، والقبل متفق عليه دون الدبر.
[وأما قوله ﵇: "وليس بينهما ستر" فإننا نحمله على الشيء الثخين، مثل الجبة (٢) والفروة (٣)، أو نخص دليله بالقياس فنقول: كان دليله أنه إذا مسه من وراء حائل أن لا وضوء، ولكننا نقيسه عليه إذا عركه من غير حائل ملتذا به بعلة أنه عرك ذكره بشهوة، فلا فرق بين حائل وغيره، وإنما قيدت بقولي: "عركه"؛ لأنني لو قلت: إنه مسه من فوق الحائل لجاز أن ينازعوا فيه، ويقولوا: إنما مس الحائل ولم يمس الذكر، فقطعت المنازعة بذلك،
стр. 738
وكذلك لو ثبت دليل الخطاب في جميعه لم يمتنع أن تقوم الدلالة في إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به، كما لم يمتنع قيام دلالة في إلحاق الإفضاء في غير الصلاة بكونه في الصلاة، وإنما نص عليه في الصلاة، وقد ذكرنا دلالة القياس] (١).
فَصْل
قد ذكرت أن أحمد بن حنبل، وعطاء، والأوزاعي (٢): يوافقوننا في مسه لشهوة بظاهر اليد وباطنها.
غير أن أحمد يقول: لا يتعدى اليد إلى غيرها (٣).
والأوزاعي يقول: إن مسه بسائر أعضاء الطهارة نقض الوضوء، وأما غيرها من الأعضاء فلا (٤).
فإن صح هذا عنهم قلنا: قال النبي ﷺ : "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ" (٥).
وقال: "الوضوء من مس الذكر" (٦).
والمس يقع بسائر الأعضاء، لا فرق فيه بين اليد وغيرها، فلا فرق بين
стр. 739
أعضاء الطهارة وغيرها.
ومن طريق المعنى: فإن اللذة تحصل بسائر المماسة من الأعضاء كلها، كما تحصل باليد وبأعضاء الطهارة، فإن جاز لإنسان أن يتعدى باطن اليد إلى ظاهرها، ويتعدى اليد إلى غيرها من أعضاء الطهارة جاز لنا أن نتعدى ذلك إلى سائر الأعضاء؛ بعلة أنه حصل ماسا ذكره بعضو من بدنه، ملتذا بذلك لذة الجماع أو لشهوة الجماع.
فَصْل
عند داود إذا مس ذكر نفسه توضأ، ولا شيء عليه في مس ذكر غيره (١).
والدليل لقولنا (٢) قوله ﷺ : "في مس الذكر الوضوء" (٣).
وهذا عام في كل ذكر.
فإن قيل: (٩٤) قوله في الخبر الآخر: "من مس ذكره فليتوضأ" (٤)، دليله مس ذكر غيره فبخلافه، وهذا الدليل يقضي على عموم خبركم في الذكر؛
стр. 740
لأنَّه أخص منه (١).
قيل: الذي نعرف من مذهبكم أن الخبرين إذا تعارضا لم تقضوا بالخاص على العام وإن أمكن استعمالهما، بل يسقطان جميعا (٢).
فإن أردتم القضاء بالدليل على العام قلنا: القياس عليه إذا مس ذكر نفسه؛ بعلة أنه مس ذكر آدمي ملتذا به، أو بعلة أنه أنه مس ذكرا لو أولج في فرج لوجب فيه الغسل على وجه ملتذا بمسه (٣).
وأيضا فإنه إذا مس فرج غيره فقد هتك حرمة الغير، وإذا مس ذكر نفسه لم يهتك الحرمة، فلما نقض الوضوء إذا لم يهتك الحرمة كان بأن ينقض الطهر بهتك الحرمة أولى (٤).
فَصْل
عندنا أن لا وضوء في مس الدبر، وكذلك عند داود (٥).
وقال الشافعي فيه الوضوء كمس الذكر (٦).
стр. 741
والدليل لقولنا الظواهر من براءة الذمة من وجوب شيء.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾.
وهذا قد فعل المأمور به فمن قال: إن مسه دبره ينقض ما فعله فعليه الدليل.
وأيضا فقد كان طاهرا قبل مسه، فمن قال: انتقضت طهارته فعليه الدليل.
وأيضا إذا صلى ونوى الصلاة فله ما نواه لقوله ﷺ : "فله ما نواه" (١).
وأيضا قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٢).
وهذا إذا صلى وقرأ بفاتحة الكتاب فقد حصلت له الصلاة بظاهر الخبر.
فإن قيل: فقد قال: "لا صلاة إلا بطهور" (٣).
قيل: هذا قد تطهر، فمن زعم أن طهارته انتقضت فعليه الدليل.
فإن قيل: الآية حجة لنا؛ لأن ظاهرها يوجب على كل قائم إلى الصلاة أن يغسل [وجهه، فينبغي لهذا أبدا إذا مس دبره ثم قام إلى الصلاة أن يغسل] (٤) أعضاءه.
стр. 742
قيل: ظاهر الآية يقتضي فعل مرة للصلوات كلها؛ لأن الألف واللام في الصلاة للجنس، فإذا غسل أعضاءه لصلوات كثيرة فصلى صلاة، ثم مس دبره فقد أجزأه الغسل الأول للصلوات الباقية.
على أن المراد بالآية أحد أمرين: إما إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، أو وأنتم محدثون (١)، وهذا لم يقم من النوم، ولا نسلم أنه محدث.
وأيضا قول النبي ﷺ : "من مس ذكره فليتوضأ" (٢).
وفي خبر: "ومن مس الذكر الوضوء" (٣).
فدليله أن غير الذكر لا وضوء فيه لقولنا بدليل الخطاب.
فإن قيل: ليس للاسم دليل يحكم له بخلافه، وإنما يكون في الصفات.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أننا نقول بدليل الخطاب في الاسم كما نقوله في الصفة (٤).
والثاني: أن الحكم علق على صفة في الاسم وهو المس، فدليله بخلافه.
فإن [قيل] (٥): فقد روي: "من مس فرجه فليتوضأ" (٦).
وهذا عام في القبل والدبر؛ لأنَّه فرج.
стр. 743
قيل: اسم الفرج إذا أطلق يتناول القبل، كما إذا أطلق في المرأة تناول قبلها، فلو صلح لهما جميعا لكان من الأسماء المشتركة، كقولنا: عين، ولسان، وكالشفق (١)، والقرء (٢)، فلا يعقل من ظاهره المراد إلا بدليل.
وأيضا فلو أرادهما لقال: من مس فرجيه، أو مس أحد فرجيه، فلما قال: "من مس فرجه" بلفظ الواحد، وقد أجمعنا على أن القبل مراد بهذا الخبر وقفنا في الدبر حتى يقوم الدليل.
فإن قيل: فقد روي: "من مس الفرج" (٣)، بالألف واللام التي للجنس.
قيل: الأمر واحد، فإن كانتا للعهد فهو اسم مشترك كاللون، والقرء، والشفق، فإذا أجمعنا أن الذكر مراد بهذا الخبر وقفنا فيما عداه.
على أن هذا لو كان من ألفاظ العموم لكان دليل الخطاب من قوله: "من ذكره فليتوضأ" (٤) يقضي عليه؛ لأنَّه أخص منه، فيصير تقديره: من مس فرجه الذي هو قبله فليتوضأ؛ لأن دليل الخطاب يقضي على الظاهر.
فإن قيل: القياس يقضي على دليل الخطاب، وقد اتفقنا على مس الذكر علي وجه؛ بعلة أنه مس فرجا ذا حرمة، أو مس عضوا مخرجا للحدث، أو أنه موضع خروج الخارج منه ينقض الطهر، فوجب أن يكون مسه ينقض الطهر (٥)
стр. 744
قيل: هو منتقض به إذا مسه بظاهر كفه، وينتقض بالمرأة تمس فرج المرأة؛ لأن المرأة لو مست ذكر الرجل انتقض وضوؤها (١)، ولو مست فرج امرأة لم ينتقض (٢).
ثم (٩٥) لو سلم لكان معارضا بقياس آخر، وهو إذا مس ظاهر إليتيه، أو مسه بظاهر كفه؛ بعلة أنه مس دبره، أو مس عضوا من بدنه لغير شهوة.
ويستند قياسنا إلى تنبيه النبي ﷺ بقوله في الذكر: "هل هو إلا بضعة منك؟ (٣). و"لا وضوء عليك" (٤).
وهذا تقدير منه ﷺ أنه لا وضوء في غير الذكر، ولا يكون التقدير في مثل هذا إلا فيما عند المقدر والمقدر له أنهما بمنزلة واحدة، وهذا كقوله ﷺ : "أينقص الرُّطب إذا يبس"؟. فقيل له: "نعم" (٥).
стр. 745
فقدرهم على ما يعلمه ويعلمونه من نقصانه إذا يبس، وهذا يصلح أن يكون دليلا مبتدأ في أصل المسألة.
وإذا قسناه أيضا على مسه دبره بظاهر يده أو من فوق حائل كان أولى من قياسهم؛ لأن رد الدبر إلى الدبر أولى من رده إلى القبل.
فإن قيل: لا نسلم أنه يكون ماسا بظاهر كفه، ولا من وراء حائل.
قيل: هذا غلط، ليس المس بظاهر اليد بأدنى من مس الرجل، وهو لو مس المرأة برجله أو بساعده انتقض وضوؤه، فظاهر اليد أولى أن يكون به ماسا.
وأما من وراء الحائل الرقيق فلا يخرج أن يكون ماسا وإن لم يكن مباشرا، وليس في مس دبره مس دبره حال يلتذ به؛ لأن المذي والمني لا يخرجان منه، ولا بمسه أيضا، ألا ترى أن كل جزء من المرأة لما كان يلتذ به إذا مس، ويخرج بمسه المذي، ويجوز أن يخرج به المني كان مسها بجميع الأعضاء على طريقة واحدة، فلا يخرج ظاهر الكف إذا وقع اللمس به عن سائر الأعضاء، والله أعلم.
ويكون الفرق بين مسه دبره وبين مسه ذكره هو أن مسه ذكره يلتذ به كما يلتذ بمسه النساء، ألا ترى أنه قد يستديم مسه للذة فيخرج منه المني، كما لو استدام مس المرأة للذة جاز أن يخرج منه المني، فينبغي أن تستوي الحالتان فيهما في نقض الوضوء، وفي المس بأي عضو كان من أعضائه. وبالله التوفيق.
* * *
стр. 746
* مَسْألة (٢٣):
اختلف الناس في مس الرجل المرأة على خمسة مذاهب:
فذهب مالك، والشعبي، والنخعي، وسفيان الثوري (١): إلى أنه إن قبلها أو مسها لشهوة انتقض وضوؤه، وإن كان لغير شهوة لم ينتقض (٢).
وعندي أنه مذهب أحمد على ما يقوله في مس الذكر (٣).
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه لا ينتقض الوضوء بالمس إلا أن ينتشر عليه بالمس، فينتقض الوضوء بالمس والانتشار جميعا (٤).
قال الشافعي: ينتقض وضوؤه بكل حال، وبمسها بكل عضو من أعضائه إذا كان بغير حائل (٥).
وحكي أنه مذهب زيد بن أسلم، والأوزاعي (٦).
стр. 747
وحكي عن الحسن البصري (١)، ومحمد بن الحسن - صاحب أبي حنيفة - أنه لا ينتقض وضوؤه وإن انتشر عليه (٢).
وحكي عن عطاء (٣) أنه قال: إن مس امرأة أجنبية لا تحل له انتقض وضوؤه، وإن كانت تحل له مثل زوجته وأمته لم ينتقض وضوؤه.
وأنا أبدأ الكلام على أبي حنيفة فنقول:
الدليل لقولنا كون الصلاة في ذمته بيقين، فلا تسقط إلا بدليل أو بطهارة متيقنة لقوله : ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٤).
فجعل تعالى ظاهر الملامسة حدثا؛ لأنَّه أمر بالوضوء منها إذا وجد الماء، والتيمم إذا لم يجد الماء.
стр. 748
ومنها: أنه قرن اللمس بمجيئه من الغائط الذي يكون فيه الحدث الأدنى، والظاهر منه اللمس باليد، وحقيقة الملامسة: التقاء البشرتين؛ بدليل ما روي عن النبي ﷺ أنه "نهى عن الملامسة" (١) في بيع الثوب باللمس، وقد قال تعالى: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ (٣).
وقال الشاعر:
وألمست كفي كفه طلب الغنى … ولم أدر أن الجود من كفه يعدي (٤)
فبان بهذا أن حقيقة اللمس والملامسة هو التقاء البشرتين، وهو اسم يجمع أنواعا كلها ملامسة، ويختص [كل نوع منها باسم، فالقبلة بالفم نوع من الملامسة، ويتخصص] (٥) باسم قبلة، والمس باليد من الملامسة، ويتخصص باسم [المس] (٦)، واللمس بالرجل من الملامسة، ويتخصص باسم الوطء والدوس، والجس أيضا، وكذلك اللمس بالفرج من الملامسة، ويتخصص باسم الوطء والجماع.
فإذا أطلق اللمس تناول الجميع، وقد يقع اللمس والمس على كل جزء من البدن، فإن مس الرأس كان ماسا، وإن مس الفم كان ماسا، وإن مس
стр. 749
الفرج كان ماسا، وكذلك إن مس (٩٦) الدبر، فليس اختصاص المس بكل موضع من المرأة بمخرج له أن يكون جميعه مسا ولمسا إذا أطلق.
فإن قيل: لا دليل لكم في هذا؛ لأنكم حملتم الملامسة على المس باليد، وعلى الجماع جميعا، وهذا إحداث قول ثالث؛ لأن الصحابة اختلفت على قولين لا ثالث لهما، فقال علي، وابن عباس، وأبو موسى (١): "المراد بالملامسة الجماع" (٢).
وقال عمر وعمار: "المراد به اللمس باليد" (٣).
ولم يقل أحد منهم: إن المراد به المس والجماع جميعا، فثبت إجماعهم على القولين، فلا يقبل قول ثالث.
стр. 750
قالوا والدليل على أن عمر وعمارا كانا يذهبان إلى أن المراد بالملامسة المس باليد لا الجماع: هو أن عمر ﵀ ذهب إلى أن الجنب لا يتيمم، والآية تقتضي إباحة التيمم من الجنابة، فلو كان المراد عند عمر بالملامسة الجماع لم يذهب إلى أن الجنب لا يتيمم؛ لأن الآية تقتضيه.
وأما عمار فإنه استدل على عمر حيث سمعه يقول: "لا يتيمم الجنب" بالخبر لا بالآية، فلو كانت الملامسة عند عمار المراد بها الجماع لاستدل على عمر بها لا بالخبر، فلما قال لعمر: أما سمعت أني أجنبت فتمعكت (١) في الصعيد، فقال النبي ﷺ : "تكفيك ضربة للوجه واليدين" (٢).
وقد روي: "ضربة للوجه وضربة لليدين" (٣)، فقال له عمر: قد وليتك ما توليت.
فإذا كان هذا مذهب عمر وعمار، ومذهب غيرهما أن المراد بالملامسة الجماع بطل قول من خرج عنهم فجعله للأمرين جميعا.
قيل: قد روينا عن ابن عمر وابن مسعود أن المراد بها الأمران جميعا، الجماع واللمس باليد.
وذلك أن ابن عمر قال: "قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة" (٤).
стр. 751
فجعل هذين من جنس الملامسة، و "من" للتبعيض (١)، والألف واللام في الملامسة للجنس.
وقال ابن مسعود: "إذا قبل الرجل امرأته أو مسها انتقض وضوؤه" (٢) استدلالا بالآية.
فبان أن هذا قول آخر من الصحابة، فلم يخالفهم؛ لأن هذين الصحابيين حملاه على الأمرين جميعا (٣).
وأيضا فإن الصحابة اختلفت في المراد بالملامسة على ثلاثة مذاهب: فذهب علي وابن عباس إلى أن المراد به الجماع، وذهب عمر وعمار إلى أن المراد به اللمس، وذهب ابن عمر وابن مسعود في آخرين إلى أن المراد الأمران جميعا، فإذا لم يكن بد من الأخذ بأحد المذاهب فالمصير إلى قول قال: إن المراد بالآية اللمس لا الجماع أولى من وجهين:
стр. 752
أحدهما: أن من حمل الآية على الجماع جعل اللمس كناية عنه، ومن حمله على اللمس حمله على الحقيقة (١)؛ لأن عليا وابن عباس ﵄ قالا: كنى الله - تعالى - بالملامسة عن الجماع.
والوجه الثاني: هو أنه إذا حمل اللمس على الجماع حمل على التكرار الذي لا فائدة فيه (٢)؛ لأن الله - تعالى - ذكر في الآية الجنب بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، فوجب أن يحمل اللمس على المس دون الجماع؛ كي لا يكون حملا على التكرار وتكون فيه فائدة أخرى (٣).
فإن قيل: فإن ابن عباس قال: "إن اللمس كناية عن الجماع" (٤)، ومتى حمل اللفظ على الكناية لم يجز حمله على الصريح لاختلافهما.
стр. 753
وأما ابن عمر وقوله: "قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة" (١) فإنه حمل ذلك على ما سوى الجماع، فقد بقي مما لم يذكره أنواع، مثل المعانقة وغيرها لم يذكرها في قوله، فيصير المذكور مقصورا على ما ذكر، ويبقى ما عداه، فليس لأحد حمله على ما يقوله إلا ولغيره حمله على غيره من الجماع.
قيل: قول ابن عباس ﵁: "إن اللمس كناية عن الجماع" (٢) لا يمنع غيره أن يقول: هو صريح في اللمس، ولكن يكنى به عن الجماع، فيكون حمله على صريحه أولى؛ لأنَّه الحقيقة (٣)، ثم لا يمتنع أيضا أن يحمل صريحه على اللمس إذا وقع، ويجعل كناية عن الجماع إذا حصل.
على أن ابن عمر أيضا من أهل اللغة، فقوله: "قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة" (٤) يدل على أن الملامسة اسم جنس، يتناول جميع المس، سواء كان باليد، أو بالفرج، أو بغير ذلك، وأعلمنا أن القبلة والجس من هذا الجنس، فأي نوع حصل من الجنس تناوله اسم اللمس، وهذا جواب حديث ابن عمر.
ونقول أيضا: إن الآية قرئت بقراءتين، فقرأ بعض القراء: "أو لمستم"،
стр. 754
ولا خلاف بين أهل اللغة أن اللمس [هو المس] (١) لا الجماع، وهو فعل من واحد، ليس هو من "فاعلتم" كقوله (٩٧) "لامستم" يكون من اثنين (٢).
فإن قيل: فقد قرئت "أو لامستم"، وهذا لا يكون إلا من اثنين؛ لأنَّه فاعلتم، فدل أن المراد الجماع الذي يكون من اثنين.
قيل: فأحسن الأحوال أن يستعمل الحكم بالقراءتين، فتحمل القراءة بـ"لمستم" على المس، وتحمل القراءة على "أو لامستم" في الجماع، والقراءتان كالخبرين (٣).
وأيضا فقد روي عن زيد بن أسلم مذهب حسن في الآية، فقال: ظاهر قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ يدل بظاهره أن نفس المرض والسفر والمجيء من الغائط حدث، وبالإجماع ليس نفس ذلك حدثا، وإنما فيه ضمير "وأنتم محدثون"، ففي الآية تقديم وتأخير.
وترتيبه: أن الله - تعالى - قال: إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، أو جاء أحد منكم من الغائط وقد أحدث، أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم
стр. 755
وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين إن وجدتم الماء، ثم قال: وإن كنتم جنبا فاطهروا، ثم قال: وإن كنتم مرضى، أو على سفر، وحالكم ما تقدم من الجنابة أو الحدث فحكمكم ما ذكرناه من التيمم عند عدم الماء (١).
ولنا أيضا ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل أنه كان مع النبي ﷺ ، فأتاه جبريل فسأله عن رجل يصيب من امرأة لا تحل له ما يصيب من امرأته إلا الجماع، فقال النبي ﷺ : "يتوضأ وضوءا حسنا" (٢).
وهذا أمر بالوضوء فيما سوى الجماع (٣).
فإن قيل: قد بالغ فيما عمله، فلم يترك شيئا سوى الجماع إلا فعله، فيدل على أنه بالغ في المباشرة بالفرجين المباشرة الفاحشة، وهذه حال يكون
стр. 756
فيها المذي لا محالة أو يقاربه لبلوغه الغاية في الشهوة.
قيل: إذا كان جنس المس تكون منه الشهوة وجب أن يعتبر المس لشهوة، سواء قل نوعه في المس أو كثر، ألا ترى أن الإيلاج في أوله له هذا الحكم، وكلما بالغ في الإيلاج كان أبلغ في الشهوة، والحكم فيه واحد، فكذلك ينبغي أن يحكم في المس لشهوة باليد وبغيرها، كما يحكم به في المباشرة الفاحشة، وإن كان لهما فضل في الشهوة.
ثم لو كان الحكم يختلف لسأله النبي ﷺ عن تفصيله (١)، فلما لم يسأله وأوجب الوضوء لم يختلف.
ومما يدل على أن إطلاق اللمس يتناول المس باليد دون الجماع ما رواه عكرمة عن ابن عباس أن الأسلمي أتى رسول الله ﷺ فاعترف بالزنا، فقيل في بعض الأخبار: إنه ﷺ قال له: "لعلك قبلت أو لمست" (٢)، فأطلق اللمس، فلو كان للجماع على ما يقول أبو حنيفة لم يكن في هذا فائدة؛ لأنَّه يكون قد قال لمن اعترف بالجماع: لعلك جامعت، ولا يجوز هذا من النبي، ﷺ ، فلما فرق النبي ﷺ بين قول الرجل: زنيت، وبين قوله ﷺ "لمست" علمنا أن اللمس غير الجماع، والنبي ﷺ سيد أهل اللغة، وبحضرته سادات في اللغة يقول: "لعلك لمست"، فلا يقول أحد منهم: يا رسول الله! اللمس الجماع، فلما سكتوا مع إطلاقه ﷺ علم أن إطلاق اللمس في لسانهم هو المس دون الجماع.
стр. 757
وكذلك روت عائشة ﵁ أنه "ما كان من يوم إلا ورسول الله ﷺ يطوف علينا فيقبل ويلمِسُ، فإذا جاء إلى من هي في يومها أقام عندها" (١).
وعائشة ﵁ من المعرفة باللغة واللسان بالمكان الذي لا يخفى، فأطلقت اللمس على ما دون الجماع، فبان بهذا أن إطلاق اللمس لما قلناه.
فإن قيل: يجوز أن يكون صريحا في اللمس إذا أطلق لما ذكرتم، ثم قد يجعل كناية عن الجماع كما قال ابن عباس، وإذا اختلفوا في حكم المراد بالآية فإما أن تحملوه على الصريح من المس فقد أسقطتم قول من قال: إنه في الآية كناية، أو تحملوه على الكناية فتسقطوا حكم من حملها على الصريح، وهذا لا يسلم لأحد القولين دون الآخر، أو تحملوه على الأمرين فإن الصريح والكناية لا يجتمعان في المراد بلفظ واحد.
قيل: قد أجبنا عن هذا وقلنا: من مس ولم يجامع قلنا: عليك (٩٨) الوضوء للصريح من اللمس، ومن جامع قلنا عليك الغسل؛ لأن من قال: هي كناية عن الجماع لم يقل: إن من فعل ما يقتضيه الصريح لا يتوجه إليه.
ووجه آخر وهو أن الجميع - عندنا - صريح على ما بيناه من أن الجنس واحد في المس، وإن كان بعضه أبلغ من بعض، فمن قال: هو كناية أراد أنه ليس بالاسم الأخص في الوطء؛ لأن اسم الجماع أخص به وإن كان لمسا،
стр. 758
ألا ترى أن اسم السرق اسم للجنس، ومعناه: أن يسرق الشيء على طريق الاستخفاء، سواء كان المسروق سعدا (١)، أو لحظا، أو ما يتمول، وقد اختص في الإطلاق إذا قيل: قد سرق توجه إلى سارق ما يتمول، ولا يمتنع إطلاق العموم عليه إلا أن يقوم دليل يخصه.
ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه أن الله - تعالى - قال في هذه الآية: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وقرئ ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾.
وقال في آية أخرى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٢).
وقال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٣)، وقرئ: ﴿تماسوهن﴾ (٤).
وقال في الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٥).
والمراد في هذه الآيات بالمماسة الجماع، فلو جعلنا اللمس بهذا اللفظ أيضا للجماع أبطلنا فائدة تغيير العبارة؛ لأن لفظ اللمس غير لفظ المس، وإذا جعلنا للفظين المختلفين حكمين كان أكثر في الفائدة من حملهما على حكم واحد.
стр. 759
وأيضا فإنه تعالى قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، والبداية بـ "أو" لا يصلح إلا بأن يكون لها مقدمة تعطف بها عليها، وإذا لم يكن بد من مقدمة نعطف بـ "أو" عليها نظرنا، فلا يخلو أن تكون المقدمة قوله تعالى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، فيكون تقديره: إذا قمتم من النوم، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم.
أو تكون المقدمة قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
أو تكون المقدمة لقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ هي قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾.
فيبطل أن تكون المقدمة قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾؛ لأن بعدها ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾؛ لأن الجنابة توجب الغسل، والمجيء من الغائط لا يوجبه.
وإن جعلنا قوله: ﴿لَامَسْتُمُ﴾ عطفا على قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ لم يكن فيه فائدة إن كان لامستم للجماع؛ لأن الجنابة قد ذكرت.
ويبطل أن تكون المقدمة قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾؛ لأن المرض والسفر ليسا بحدث، وإنما تقديره وأنتم محدثون، فإن أراد: وكنتم محدثين الحدث الأصغر فالعطف عليه باللمس الذي هو دون الجماع يصح، وإن أراد "وأنتم يا مرضي مسافرين محدثين بالوطء" فلا فائدة بالعطف عليه باللمس المراد به الجماع؛ لأنَّه يكتفي بقوله: "وأنتم محدثون بالجماع"،
стр. 760
فصح أن قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ معطوف على أحد موضعين: إما قوله "إذا قمتم من النوم"، أو على قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾.
وعطفه على قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ أولى؛ لأنَّه أقرب المذكور إليه، وهو معطوف عليه، والغائط كناية عما ينوب الناس من الحدث الأصغر، واللمس باليد لا يكون في الغائط، وإنما يفعل خارج الغائط، ولكنه في حكم الحدث الأصغر الذي يكون في الغائط.
وهذا يقوي قول زيد بن أسلم في التقديم والتأخير في الآية إن جعلنا اللمس عطفا على قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾.
ونقول: أيضا إن الآية لو احتملت ما ذكروا، واحتملت ما نقول، وفرض الصلاة بيقين كان قولنا أولى؛ لأننا نوجب الوضوء احتياطا للصلاة حتى يسقط حكمها بيقين وتعارض التأويلين [كتعارض الخبرين أو القياسين، فرجحنا تأويلنا] (١) بهذا الوجه، وفيه أيضا نقل من براءة الذمة إلى إيجاب الطهارة.
فإن قيل: لو ثبت لكم ما ذكرتم لكان ظاهر الآية يدل على أن الوضوء يجب على من لمس جميع النساء (٢) بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. فدليله إذا لمس بعض النساء لم يجب عليه شيء؛ لأنكم تقولون بدليل الخطاب.
قيل: إن هذا وإن كان بلفظ الجمع في الرجال والنساء فالمراد به كل
стр. 761
واحد في نفسه (١)؛ لأن الأمة قد عقلته، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ المراد أن كل قائم إلى الصلاة يلزمه ذلك؛ لأن الله - تعالى - أوجب على عباده من أمة نبيه ﷺ ذلك، ولما لم يكن الخطاب لكل شخص في نفسه بما يلزمه من ذلك لم يكن بد من جمعهم في اللفظ والمراد (٩٩) كل واحد منهم، فإذا ثبت ذلك فهو في كل ملموس على هذه الصفة.
وجواب آخر وهو أن الناس قائلان فقائل يقول: المراد بالآية اللمس، فجعله للجنس، وقائل يقول: المراد الجماع، فجعله في جنس النساء، فكل واحد من الجماعة يراد بذلك على هذا الوجه وعلى الوجه الآخر.
وجواب آخر وهو أن ظاهر هذا يوجب أن جماعتنا إذا لمسوا جماعة النساء وجب الوضوء، فإذا حصل لنا هذا فقد سلمت المسألة.
وإذا ثبت لنا ذلك فقد حصل لنا استعمالنا الآية على مذهبنا من وجهين:
أحدهما: أن نقوي قول من قال من الصحابة: إن المراد بها اللمس دون الجماع، بما ذكرناه من صريح اللمس، وبأنه أحوط، وأنَّه ناقل، وأنَّه تكون فيه زيادة فائدة، حتى لا يحمل على التكرار إن حمل على الجماع، وقد تقدم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
والوجه الآخر: أن نحملها على الأمرين جميعا بما ذكرناه عن ابن مسعود
стр. 762
وابن عمر.
وقد روى الأعمش عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: "القبلة من اللمس، وفيها الوضوء" (١).
وسالم عن أبيه أن عن قال: "القبلة من اللمس، وفيها الوضوء" (٢).
وهو قول الشعبي، وإبراهيم، ومكحول، والحكم، وحماد، والزهري، وربيعة، وعبد الله بن يزيد بن هرمز، وزيد بن أسلم، ويحيى بن سعيد، والليث، وعبد العزيز.
وهذه الآثار كلها في الفتوى في نفس ما اختلفنا فيه، وفي تفسير اللمس (٣).
ولنا من القياس:
أنه لمس يحرم الربيبة فوجب أن ينقض الطهر، أصله التقاء الختانين؛ لأن أبا حنيفة يوافقنا على أنه إذا قبلها للشهوة حرمت عليه ابنتها كما نقول (٤).
стр. 763
وأيضا فإن اللمس لشهوة يفضي في الغالب إلى نقض الطهر؛ لأنَّه قد يلمسها لشهوة فيمذي، فجاز أن يتعلق نقض الطهر بنفس المس، كالنوم لما كان يفضي في الغالب إلى نقض الوضوء؛ لأنَّه قد يخرج منه الريح جاز أن يتعلق نقض الوضوء بعينه (١).
ونقيسه أيضا عليه لو عانقها متجردا، بعلة إلصاق بشرته ببشرتها لشهوة.
ونقيسه عليه لو أمذى باللمس، بعلة حصول التقاء البشرتين ملتذا.
ويؤيد ما نقوله: أن الجماع في الحج يوجب الكفارة العليا، والقبلة فيه توجب الكفارة الصغرى، فكذلك لما كان الإيلاج يوجب الطهارة العليا جاز أن توجب القبلة لشهوة الطهارة الصغرى.
فإن استدلوا باستصحاب الحال في الأصل، وأنَّه على جملة الطهارة قبل أن يمس فلنا أن نعارضهم بما هو أقوى من ذلك فنقول: الصلاة في ذمته بيقين، فمن زعم أنها تسقط بطهارة وقد لمس فيها فعليه الدليل، والطهارة تراد للصلاة.
ثم لو سلمت لهم الحال لكانت الدلائل التي تقدمت تنقل عنها.
وإن استدلوا بقوله ﷺ : "لا وضوء إلا من صوت، أو ريح" (٢)، وبقوله في قصة صفوان: "لكن من غائط وبول ونوم" (٣) إلا أن يقوم دليل.
قلنا: وقال ﷺ : "لا صلاة إلا بطهور" (٤)، ولا نسلم أن هذا متطهر،
стр. 764
والصلاة عليه بيقين، فلا تسقط إلا بدليل.
على أن هذه كلها ظواهر تخص ببعض ما ذكرناه، كما أوجبوا هم الوضوء في الرعاف والقيء (١) وغير ذلك مما لم يذكر في الخبر.
فإن قيل: فقد روى عروة عن عائشة أنها قالت: "قبل رسول الله ﷺ بعض نسائه، ثم خرج ولم يتوضأ، قال عروة: ما هي إلا أنت، فضحكت" (٢).
وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها فقدت رسول الله ﷺ ليلة من فراشه فطلبته، فوقعت يدها على أخمص قدميه، فلما فرغ قال: "يا عائشة أتتك شياطينك؟ " (٣).
стр. 765
ولم يقطع الصلاة بوقوع يدها عليه.
وروي "أنه ﷺ كان يحمل أمامة بنت أبي العاص - وهي بنت بنته زينب - في صلاته، فكان إذا سجد وضعها، وإذا رفع حملها" (١).
ونحن نعلم أنه كان يصيب بشرتها.
قيل: أما الأخبار عن عائشة ﵁ فقد وردت من طرق لا تثبت.
فروى معبد بن نباتة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عائشة "أن النبي ﷺ كان يقبل ولا يتوضأ" (٢).
والصحيح أن عروة روى عنها أن النبي ﷺ قبلها صائما (٣).
وروى إبراهيم التيمي عن عائشة، وهو لم يسمع منها شيئا (٤).
стр. 766
وقال موسى بن هارون: وقد رواه بعض الكوفيين عن الثوري فقال فيه: عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن عائشة، وهذا وهم على الثوري (١).
وقد رواه يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة مرسلا (٢). (١٠٠)
وقد رواه الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة (٣).
قال موسى بن هارون حبيب دخل عليه الوهم جدا، وهو حديث منكر.
وقيل: إن حبيبا إنما روى عن عروة المزني، وهو رجل مجهول (٤).
وحكي عن يحيى بن سعيد أنه قال: "لم يكن أحد أعلم بحبيب بن أبي ثابت من سفيان الثوري، وقد قال: لم يسمع حبيب من عروة شيئا (٥).
стр. 767
وروى الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يخرج إلى الصلاة ثم يقبلني ولا يتوضأ" (١).
وقال موسى بن هارون: وأما حديث سعيد بن بشير عن منصور، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة فإنه حديث منكر، وهو والريح اثنان، وإنما رواه الزهري عن أبي سلمة عن عائشة "أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم"، وابن شهاب يرى في القبلة الوضوء، ولو كان عنده عن النبي ﷺ أن لا وضوء فيه لم يخالفه، وقد روي من طرق أخر كلها منكرة".
على أننا لو سلمنا ذلك كله استعملناها عليه إذا مس بغير شهوة، أو نعارضها بالحديث الذي قيل فيه: "إني أصبت من المرأة كل شيء غير الجماع، فأمره ﷺ أن يتوضأ" (٢).
فإذا تعارضت الأخبار وأمكن الاستعمال فهو واجب، وقد استعملنا الجميع، ففي أخباركم إذا كان لغير شهوة، وفي الأخبار الموجبة للوضوء إذا كان لشهوة؛ لأنها كلها قضايا في أعيان مخصوصة محتملة.
ويمتنع أن تكون يد عائشة وقعت على أخمص النبي ﷺ وهو في
стр. 768
الصلاة، مقبل على ربه تعالي مشغول بخشوعه - فيلتذ بوقوع يدها عليه.
ويحتمل أن يكون ﷺ كان في دعاء (١)، والدعاء يسمى صلاة، ولا يحتاج إلى وضوء، ولو التذ أيضا لجاز أن يكون مخصوصا بذلك.
وأما حديث أمامة وحمله ﷺ لها في الصلاة (٢) فهو حجة لنا على الشافعي؛ لأنَّه ﷺ لا يمسها لشهوة.
ثم لو ثبت العموم في الأخبار كلها جاز أن تخص بالقياس الذي ذكرناه.
فإن قيل: فإنا نعارض بقياس فنقول: إنه لمس جسما طاهرا فلم ينتقض وضوؤه، أصله إذا مس الرجل، وإذا مس الرجل الرجل، وإذا لغير شهوة.
وأيضا فإن شعر المرأة من بدنها؛ لأنَّه لو طلق شعرها لطلقت (٣)، ومع هذا لو مس شعرها لم ينتقض وضوؤه.
قيل: إذا مس الرجل [الرجل] (٤) أو لمس شعر المرأة لشهوة فعليه الوضوء.
стр. 769
وأما القياس على المس لغير شهوة فالعلة فيه أنه في الغالب لا يؤدي إلى نقض الطهارة، وليس كذلك إذا كان لشهوة، ألا ترى أنكم قد أوجبتم الوضوء في المباشرة الفاحشة بهذا المعنى، وكذلك تحرم الربيبة بالمس لشهوة (١)، ولا تحرم بالمس لغير شهوة. فثبت ما ذكرناه.
وقياسنا أولى؛ لأن فيه احتياطا للصلاة لتسقط بيقين، ولأنه ناقل من براءة الذمة إلى وجوب الطهارة، وبالله التوفيق.
فَصْل
الكلام على الشافعي في الملامسة لغير الشهوة.
قال القاضي: الدليل لقولنا براءة الذمة من وجوب شيء إلا بدليل.
وأيضا فقد اتفقنا على كونه طاهرا قبل أن يمس، فمن زعم أن طهارته انتقضت فعليه الدليل.
وإن عارضوا باستصحاب مثله وهو: أن الصلاة عليه بيقين فلا تسقط بطهارة فيها لمس إلا بدليل.
قيل: إنما نسلم أن الصلاة عليه حتى يؤديها بطهارة من جهة الشرع، وهذا قد تطهر كما أمر بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى آخر الآية، وهذا قد غسل ما أمر به
وأيضا قول النبي ﷺ : "لا صلاة إلا بطهور" (٢).
стр. 770
وقد بين لنا كيف الطهارة من الكتاب وفعله، وهذا قد تطهر.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وقرئ: ﴿لمستم﴾، فجعل اللمس كالأحداث المقرونة معه، وأوجب الوضوء، ولم يفرق بين لامَس ولمس (١).
стр. 771
قيل: إن الصحابة اختلفت في هذه الآية على وجهين (١):
فقال علي وابن عباس وأبو موسى رضوان الله عليهم: "إن المراد باللمس الجماع" (٢).
وقال عمر وابن عمر وابن مسعود ﵁: "إن المراد اللمس لشهوة (٣) كالقبلة والجسة" (٤).
ولم يقل أحد منهم: إنه اللمس على كل حال (٥)، فمن حمله على اللمس لغير شهوة [خرج] (٦) عن القولين، فوجب (١٠١) أن يسقط قوله.
وخلافهم في هذا وأنهم أرادوا المس على طريق الشهوة أظهر عندي من أن يستدل عليه (٧)؛ وذلك أن الذين قالوا هو للجماع، أرادوا به الغاية
стр. 772
في بلوغ اللذة، فقال لهم من بإزائهم: إن دواعيه من الملامسة؛ لأنهم قالوا: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، أفترى أنهم قصدوا قبلته على طريق التحنن والرحمة إذا هي بكت فقبل رأسها، كما يفعل بأمه وابنته؟، وأرادوا إذا جسها بيده لمداواة أو غيرها؟، هذا لا يظن بهم، وإنما يكون الشيء من جنس الشيء إذا كان معناه فيه أو يقاربه، وليس تقارب قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة التي هي الجماع إلا إذا كان لشهوة.
وهذا أمر إذا راعيناه اطرد في كل مس للشهوة على كل وجه من كل أحد؛ لأن فيه معنى من اللذة المقصودة بالجماع، والمخالف لا يطرد قوله في كل كل مس لا يكون لشهوة؛ لأنَّه ينوعه في ذات المحارم، وفي الأصاغر، ويقول في بعضه قولين، وعلى وجهين (١)، فيخرج عن مراعاة قول أحد ممن تقدم، وقولنا يصير كالعلة المستمرة في الطرد والعكس، كما قلنا لهم في تطهير الماء وتنجيسه: إن العلة التغير بالنجس، فيطرد في قليل الماء وكثيره، وبارتفاعها يكون الماء طاهرا في قليله وكثيره (٢).
فإن قيل: إن قول من قال من الصحابة: "قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة" لم يقل كل الملامسة، فاللمس للذة من الملامسة، ولغير لذة من الملامسة أيضا.
стр. 773
قيل: هذا لا يصح؛ لأنهم قالوا لمن قال إنه الجماع: هذا ضرب منه؛ لأن فيه بعض المعاني التي فيه من وجود اللذة.
وقد يقال: "هذا الشيء من هذا" إذا كان فيه معنى من معانيه أو يقاربه؛ كقوله ﷺ : "مولى القوم منهم" (١)، و"الأذنان من الرأس" (٢).
فإن قيل: إن المس معنى من معاني الجماع وإن كان لغير شهوة، وهو إلصاق البشرة بالبشرة.
قيل: هذا فاسد بذوات المحارم والصغار وغيرهم، وبظاهر الكف.
ويفسد أيضا لأن اللذة العظمى تحصل بالاحتلام وهو الإنزال، كما تحصل بالإيلاج، ويجب فيه الغسل كما يجب بالإيلاج، وليس فيه إلصاق البشرة بمثلها، فثبت بهذا أن المراد على ما نراعيه من الالتذاذ.
ولنا في المسألة: الظواهر التي ذكرناها لأصحاب أبي حنيفة، وظواهر أخر، مثل قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٣).
وهذا قد قرأها في صلاته، وإن كان قد مس.
وقوله ﷺ للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك ويديك" (٤). وهذا قد فعل.
стр. 774
وقوله: "لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء"، وفيه: "حتى يضع الوضوء مواضعه فيغسل وجهه ويديه" (١).
وهذا قد فعل، وما أشبه هذا، فمن زعم أن المس قد أفسد عليه فعله المأمور به فعليه الدليل.
وأنا أعيد بعض الظواهر التي تقدمت لأصحاب أبي حنيفة، وهي حجة لنا على الشافعي.
فمنها ما روته عائشة ﵂ أنه ﷺ كان يقبلها وهو صائم ثم يصلي ولا يتوضأ، فقيل لها في ذلك، قالت: وأيكم أملك لإربه من رسول الله ﷺ (٢)؟
وهذا نص لا محالة في أنه إذا كان لغير شهوة فلا حكم له.
فإن قيل: يحتمل أن يكون قبلها من فوق حائل.
قيل: حقيقة قولها: "قبلني" بالمباشرة وفي الحائل: قبل ثوبي، والكلام محمول على الحقيقة.
فإن قيل: يجوز أن يكون ﷺ مخصوصا بذلك.
قيل: قد عللته بقولها: "وأيكم كان أملك لإربه منه؟ ". أي إنما ذلك منه لأنَّه يملك إربه، ولو كنتم أنتم تملكون إربكم فلا تلتذون لكنتم كذلك.
стр. 775
والحديث الذي قالت فيه: "فوقعت يدي على أخمص قدميه وهو يصلي" (١)، ولم يقطع الصلاة، ولو كان ذلك ينقض الوضوء لقطع الصلاة وتوضأ، ولو فعل ذلك لنقلته عائشة، وإنما نقلت إلينا ما جرى لتفيدنا أن ذلك لا ينقض الوضوء، ومحال أن تنقل ما يتعلق به حكم، وتترك ما هو أعظم منه.
فإن قيل: إنما نقلت ذلك لتفيدنا الدعاء الذي سمعته منه.
قيل: هو للجميع.
فإن قيل: هذه قضية في عين، فيحتمل أن يكون ﷺ مخصوصا بذلك، ويحتمل أن يكون بينهما حائل، أو نحمله على أحد قولي الشافعي في الملموس، وخلافنا في اللامس (٢).
قيل: قولكم: "إنه مخصوص" فالحجة لنا من فعله الذي هو على (١٠٢) الوجوب، ولا نخصه إلا بدليل (٣).
وأيضا فلو كان الحكم يختلف لنقلت الحائل.
وأيضا فإن الأشياء التي تنقض الطهارات من الأحداث قد استوى حكمه ﷺ وحكمنا فيها، مثل الغائط، والبول، والريح، وغير ذلك، فلا ينبغي أن نجعله مخصوصا بشيء منها بغير دليل.
والذي نخصه من هذا الباب هو أنه يملك إربه بخلافنا، وأنَّه في حال