← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

قيل: إن الصحابة اختلفت في هذه الآية على وجهين (١): فقال علي وابن عباس وأبو موسى رضوان الله عليهم: "إن المراد باللمس الجماع" (٢). وقال عمر وابن عمر وابن مسعود ﵁: "إن المراد اللمس لشهوة (٣) كالقبلة والجسة" (٤). ولم يقل أحد منهم: إنه اللمس على كل حال (٥)، فمن حمله على اللمس لغير شهوة [خرج] (٦) عن القولين، فوجب (١٠١) أن يسقط قوله. وخلافهم في هذا وأنهم أرادوا المس على طريق الشهوة أظهر عندي من أن يستدل عليه (٧)؛ وذلك أن الذين قالوا هو للجماع، أرادوا به الغاية

стр. 772

في بلوغ اللذة، فقال لهم من بإزائهم: إن دواعيه من الملامسة؛ لأنهم قالوا: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، أفترى أنهم قصدوا قبلته على طريق التحنن والرحمة إذا هي بكت فقبل رأسها، كما يفعل بأمه وابنته؟، وأرادوا إذا جسها بيده لمداواة أو غيرها؟، هذا لا يظن بهم، وإنما يكون الشيء من جنس الشيء إذا كان معناه فيه أو يقاربه، وليس تقارب قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة التي هي الجماع إلا إذا كان لشهوة. وهذا أمر إذا راعيناه اطرد في كل مس للشهوة على كل وجه من كل أحد؛ لأن فيه معنى من اللذة المقصودة بالجماع، والمخالف لا يطرد قوله في كل كل مس لا يكون لشهوة؛ لأنَّه ينوعه في ذات المحارم، وفي الأصاغر، ويقول في بعضه قولين، وعلى وجهين (١)، فيخرج عن مراعاة قول أحد ممن تقدم، وقولنا يصير كالعلة المستمرة في الطرد والعكس، كما قلنا لهم في تطهير الماء وتنجيسه: إن العلة التغير بالنجس، فيطرد في قليل الماء وكثيره، وبارتفاعها يكون الماء طاهرا في قليله وكثيره (٢). فإن قيل: إن قول من قال من الصحابة: "قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة" لم يقل كل الملامسة، فاللمس للذة من الملامسة، ولغير لذة من الملامسة أيضا.

стр. 773

قيل: هذا لا يصح؛ لأنهم قالوا لمن قال إنه الجماع: هذا ضرب منه؛ لأن فيه بعض المعاني التي فيه من وجود اللذة. وقد يقال: "هذا الشيء من هذا" إذا كان فيه معنى من معانيه أو يقاربه؛ كقوله ﷺ : "مولى القوم منهم" (١)، و"الأذنان من الرأس" (٢). فإن قيل: إن المس معنى من معاني الجماع وإن كان لغير شهوة، وهو إلصاق البشرة بالبشرة. قيل: هذا فاسد بذوات المحارم والصغار وغيرهم، وبظاهر الكف. ويفسد أيضا لأن اللذة العظمى تحصل بالاحتلام وهو الإنزال، كما تحصل بالإيلاج، ويجب فيه الغسل كما يجب بالإيلاج، وليس فيه إلصاق البشرة بمثلها، فثبت بهذا أن المراد على ما نراعيه من الالتذاذ. ولنا في المسألة: الظواهر التي ذكرناها لأصحاب أبي حنيفة، وظواهر أخر، مثل قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٣). وهذا قد قرأها في صلاته، وإن كان قد مس. وقوله ﷺ للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك ويديك" (٤). وهذا قد فعل.

стр. 774

وقوله: "لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء"، وفيه: "حتى يضع الوضوء مواضعه فيغسل وجهه ويديه" (١). وهذا قد فعل، وما أشبه هذا، فمن زعم أن المس قد أفسد عليه فعله المأمور به فعليه الدليل. وأنا أعيد بعض الظواهر التي تقدمت لأصحاب أبي حنيفة، وهي حجة لنا على الشافعي. فمنها ما روته عائشة ﵂ أنه ﷺ كان يقبلها وهو صائم ثم يصلي ولا يتوضأ، فقيل لها في ذلك، قالت: وأيكم أملك لإربه من رسول الله ﷺ (٢)؟ وهذا نص لا محالة في أنه إذا كان لغير شهوة فلا حكم له. فإن قيل: يحتمل أن يكون قبلها من فوق حائل. قيل: حقيقة قولها: "قبلني" بالمباشرة وفي الحائل: قبل ثوبي، والكلام محمول على الحقيقة. فإن قيل: يجوز أن يكون ﷺ مخصوصا بذلك. قيل: قد عللته بقولها: "وأيكم كان أملك لإربه منه؟ ". أي إنما ذلك منه لأنَّه يملك إربه، ولو كنتم أنتم تملكون إربكم فلا تلتذون لكنتم كذلك.

стр. 775

والحديث الذي قالت فيه: "فوقعت يدي على أخمص قدميه وهو يصلي" (١)، ولم يقطع الصلاة، ولو كان ذلك ينقض الوضوء لقطع الصلاة وتوضأ، ولو فعل ذلك لنقلته عائشة، وإنما نقلت إلينا ما جرى لتفيدنا أن ذلك لا ينقض الوضوء، ومحال أن تنقل ما يتعلق به حكم، وتترك ما هو أعظم منه. فإن قيل: إنما نقلت ذلك لتفيدنا الدعاء الذي سمعته منه. قيل: هو للجميع. فإن قيل: هذه قضية في عين، فيحتمل أن يكون ﷺ مخصوصا بذلك، ويحتمل أن يكون بينهما حائل، أو نحمله على أحد قولي الشافعي في الملموس، وخلافنا في اللامس (٢). قيل: قولكم: "إنه مخصوص" فالحجة لنا من فعله الذي هو على (١٠٢) الوجوب، ولا نخصه إلا بدليل (٣). وأيضا فلو كان الحكم يختلف لنقلت الحائل. وأيضا فإن الأشياء التي تنقض الطهارات من الأحداث قد استوى حكمه ﷺ وحكمنا فيها، مثل الغائط، والبول، والريح، وغير ذلك، فلا ينبغي أن نجعله مخصوصا بشيء منها بغير دليل. والذي نخصه من هذا الباب هو أنه يملك إربه بخلافنا، وأنَّه في حال

стр. 776

صلاته مقبل على ربه تعالى، مشغول بخشوعه، بخلاف الغالب منا؛ لأنَّه لا يتطرق عليه طرو الالتذاذ والشهوة بالمس، ونحن إن اتفق لواحد منا مثل ذلك في نادر الحال فهو في مثل حكم النبي ﷺ ، فلا ينتقض وضوؤه، كما فرقت عائشة بيننا وبينه ﷺ في القبلة في الصيام، فقالت: وأيكم أملك لإربه منه ﷺ (١)؟. أي الغالب منكم أنتم بخلافه، فإن قبلنا نحن لغير شهوة فنحن وهو في الحكم سواء. وقولهم: "يحتمل أن يكون بينهما حائل" فلا تقول وقعت يدي على أخمص قدميه وبينهما حائل، هذا هو الحقيقة. وعلى أنه لو كان الحكم يختلف لذكرته، أو ذكره ﷺ . وقولهم: "إنه في الملموس على أحد القولين" فهذا هو القول الضعيف منهما (٢). على أنه يفسد في الاعتبار؛ لأن اللذة تحصل تارة بلمسه، وتحصل تارة بأن يُلمس، وتحصل الشهوة منهما جميعا، كما لو مكنته من الإيلاج، أو مكنها منه، وهذا تحكم في [صرف] (٣) المعاني عن حقائقها لنصرة المذاهب، وإنما ينبغي أن تبنى المذاهب على ما توجبه الأدلة، واطراد المعاني فيها، وأن لا يفرق بين حقائقها مع الإمكان. وأيضا فقد وافقونا على أن استعمال الأخبار واجب، ولا يطرح بعضها

стр. 777

إذا أمكن الجمع لكثرة الفوائد. فقد روينا حديث الذي قال للنبي ﷺ : "إني نلت من امرأة كل ما ينال الرجل من امرأته إلا الجماع، فأمره النبي ﷺ بالوضوء" (١). فإن قلنا: إن المسألة لم تقع إلا عن شيء التذ به فهو وجه صحيح (٢)؛ لأن الغالب أنه لا يشكل عليه أنه إن ضربها أو داواها، أو قبل رأسها رحمة لها أن هذا مما لا يقارب حكم الجماع (٣)، فيحتاج إلى المسألة عنه، وإنما سأل عما يداعب الرجل به امرأته ويتعرض لها مما يقارب معنى الجماع، ألا ترى أنه قال: "إلا أني لم أجامعها"، أي قاربت ذلك ولو سلمنا أنه لذلك ولغيره لعارضه ما روي عن عائشة ﵂ في وقوع يدها على أخمص قدميه (٤)، وحديث حمله لأمامة بنت زينب في الصلاة (٥)، فنستعمل الأحاديث كلها، ونجعل الموضع الذي أوجب فيه الوضوء إذا كان لشهوة، والموضع الذي لا وضوء فيه إذا كان لغير شهوة. ويكون استعمالنا أولى من استعمالهم؛ لأنَّه يطرد في وجوب الوضوء في كل ملتذ، ويسقط الوضوء في كل من لا يلتذ، سواء كان لامسا أو

стр. 778

ملموسا، صغيرا كان الملموس أو كبيرا، ذا محرم أو غيره، من تحت حائل أو من فوقه، بباطن اليد وظاهرها، وهذا ترجيح قوي لترجيحنا العلة التي هذه سبيلها. فإن قاسوه على المس بعلة أنه لمس من رجل لامرأة من غير حائل. قيل: المعنى أنه لغير شهوة. فإن قيل: هذه علة لا تتعدى (١)، والمتعدية أولى منها. قيل: هي تتعدى إلى الملموس واللامس، والحائل وغير الحائل، وأنتم لا تعدون علتكم إلى هذه الفروع. على أننا نستخرج من أصله فنقول: اتفقنا أنه لو مسها من فوق حائل، أو مس شعرها، أو صغيرة [أو] (٢) ذات محرم على أحد القولين لم يكن عليه وضوء، والمعنى فيه أنه لمس لغير شهوة. فإن عارضوا بعلة أخرى. قيل: إنها لا تتعدى، وعلتنا متعدية، كما قالوا في معارضتنا لعلتهم في أصلهم. فإن رجحوا قياسهم بشيء. فترجيحنا أولى باستمرار العلة في الاطراد والعكس، وفي الصغار والكبار، وذات المحارم وغيرهن، والحائل وغير الحائل، وهذا أقوى ما

стр. 779

يكون من ترجيح العلل. فإن قيل: إن شعر المرأة من جنس لا يلتذ به، فلا ينبغي أن يجعل أصلا (١). قيل: هو فيها بمنزلة عضو منها، ولستم تراعون اللذة، وإنما تراعون مسها في نفسها، وشعرها منها. وعلى أن الشعر الحسن يلتذ بمسه والنظر إليه، ويزيد في ثمن المملوكة كما يزيد في ذلك سمنها وغيره، حتى ربما ردت الجارية بالعيب في شعرها كما ترد بعيب في بدنها ولو قال لها: شعرك طالق لطلقت (٢)، كما لو قال لها يدك طالق. ويقوي اعتبارنا في التفريق بين المس والقبلة الشهوة وبين عدم الشهوة: ما نقوله في القبلة (١٠٣) لشهوة إنها تحرم الربيبة، ولو كان لغير شهوة لم تحرمها (٣)، وهم يوافقوننا على ذلك، فقد صارت القبلة لشهوة تعمل عمل الجماع في التحريم. ونقول أيضا هو لمس لم تقصد به الشهوة فلم ينقض الوضوء، أصله مس الرجل للرجل، والمرأة للمرأة. فإن قيل: إن ما ينقض الطهر لا فرق فيه بين أن يوجد على وجه الشهوة أو على غير وجه الشهوة، ألا ترى أن خروج المني لما نقض الطهر لا فرق

стр. 780

بين أن يخرج لشهوة، وهو عند الجماع، أو لغير شهوة وهو أن تكون به علة، أو يكون مغمى عليه (١)، وكذلك البول والغائط لما نقض الطهر لم يفترق الحكم بين خروجه لشهوة أو غيرها؛ لأن الإنسان إذا كان حاقنا بشدة البول التذ بخروجه، وكذلك لو سلس بوله فخرج لغير لذة. قيل: أما ما ذكرتموه من المني فغلط؛ لأن الغسل لا يجب - عندنا - إلا في المني الذي تقارنه اللذة، فأما إن خرج لعلة ولم تقارنه لذة لم يجب فيه الغسل (٢)، فقد افترق الحكم. وأما المغمى عليه فذاك كالنائم يجد اللذة ولكنه لا يعقل بها. وأما البول والغائط فعنه جوابان: أحدهما أنه لا يلتذ به لذة الجماع، ونحن نراعي في القبلة والمس لذة الجماع، كما راعيناه جميعا في تحريم الربيبة. والجواب الآخر: هو أنه إذا خرج منه البول المعتاد نقض الطهر، وإذا سلس بوله وخرج عن المعتاد لم ينقض الوضوء، وقد سبق الكلام على هذا (٣)، فسقط السؤال، وبالله التوفيق. فإن قيل: المعنى في مس الرجل الرجل والمرأة المرأة هو أنه لمس من ليس له في مسه شهوة، ألا ترى أنه لو لمسه لشهوة لم يجب عليه الوضوء (٤)،

стр. 781

وكذلك المرأة مع المرأة. قيل: هذا غلط؛ لأن الرجل يلتذ بمس الغلام، ويجب عليه الوضوء - عندنا - إذا التذ، وكذلك المرأة المرأة مع المرأة * * * * مَسْألة (٢٤): ومن نام (١) مضطجعا، أو قائما، أو راكعا، أو ساجدا فعليه الوضوء (٢). وبه قال الشافعي (٣).

стр. 782

وللشافعي قول آخر يفرق فيه بين كونه في الصلاة وغير الصلاة، فإن كان في الصلاة لم ينقض كما لا ينقض نوم القاعد. والقول الآخر مثل قولنا، سواء كان في الصلاة أو في غير الصلاة (١). وعند المزني أن النوم حدث، فهو ينقض الوضوء، قليله وكثيره على كل حال، وفي القاعد أيضا (٢).

стр. 783

وعند أبي حنيفة وأصحابه: لا ينقض إلا في المضطجع حسب (١). واتفق فقهاء الأمصار على أن نوم المضطجع ينقض الوضوء (٢). وروي عن أبي موسى الأشعري، وأبي مجلز، وعمرو بن دينار، وحميد الأعرج، أنهم قالوا لا وضوء من النوم أصلا على أي حال كان، وإنما ينقض الوضوء ما خرج منه وتيقنه في نومه (٣). قالوا: لما روي عن ابن عباس ﵁ "أن رسول الله ﷺ دخل على خالتي

стр. 784

ميمونة، ونام ونام فغط حتى سمعنا غطيطه (١)، ثم قام وصلى ولم يتوضأ" (٢). والدليل عليهم قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية. وهذه وردت على سبب، وهو أن أصحاب رسول الله كانوا قد قاموا من النوم، وكان ورودها في غزوة المريسيع (٣) حيث فقدت عائشة ﵂ عقدها، فأخروا الرحيل إلى أن أضاء الصبح، فطلبوا الماء فلم يجدوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ (٤). وإن كان الخطاب خارجا على سبب فلا خلاف أن السبب داخل فيه (٥)، وهم قاموا من النوم، فأوجب الله تعالى غسل هذه الأعضاء عند قيامهم من النوم (٦). وأيضا ما رواه علي ومعاوية أن النبي ﷺ قال: "العينان وكاء السه،

стр. 785

فمن نام فليتوضأ" (١). فأوجب الوضوء من النوم، وهم لا يوجبون الوضوء من النوم أصلا. وروى حذيفة قال: "كنت جالسا في المسجد فدخل النبي ﷺ ، ووضع يده على منكبي، فانتبهت، فقلت يا رسول الله، أمن هذا وضوء؟ فقال: "لا، أو تضع جنبك على الأرض" (٢). فأخبره أن الوضوء يجب عليه إذا وضع جنبه على الأرض ونام. فأما ما رووه من الخبر فيجوز أن يكون النبي ﷺ مخصوصا به (٣) لما روته عائشة أن النبي ﷺ قال: "إنه تنام عيناي ولا ينام قلبي" (٤)، وهذه معجزة له. فإن قيل: كيف يكون هذا وهو ﷺ بقى نائما حتى أيقظهم حر الشمس (٥)، فلو لم ينم قلبه لعقل ما هو فيه. قيل: خصوصيته إنما كانت في أنه إذا نام لا يخرج منه الحدث، وكان

стр. 786

محروسا من ذلك، ولو خرج منه لعقله، ونحن بخلافه في ذلك، ولم يكن مخصوصا بأن يحس في نومه (١). وجواب آخر وهو أنه يجوز أن يكون له ﷺ نومان: أحدهما: لا ينام فيه قلبه، وهو الذي روته عائشة (١٠٤) ﵂ (٢). ونوم مثل نوم أمته، ينام قلبه وجميع أعضائه. فأما الكلام على أبي حنيفة فالدليل لقولنا: ما روي أن النبي ﷺ قال: "لا وضوء على الجالس" (٣)، دليله أن غير الجالس بخلافه فعليه الوضوء.

стр. 787

وأيضا ما روي أنه ﷺ قال: "لا وضوء على من نام قاعدا" (١)، دليله أن من نام غير قاعد فعليه الوضوء. وأيضا قول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية. وقد بينا أنها وردت على سبب، وهو أنهم كانوا قد قاموا من النوم في غزوة المريسيع، ولم يفرق بين نوم ونوم، فهو عموم إلا أن يقوم دليل (٢). وأيضا ما روي أنه ﷺ قال: "إنما الوضوء على من نام مضطجعا، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله" (٣)

стр. 788

وهذا تعليل منه ﷺ ، أو تنبيه، فينبغي أن يكون كل نائم تسترخي مفاصله كذلك، والنائم راكعا أو ساجدا بهذه الصفة. وأيضا ما رواه علي بن أبي طالب ومعاوية ﵄ أن النبي ﷺ قال: "العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء" (١). فأخبر أن بنوم العينين يستطلق الوكاء، فهو عام في كل نوم إلا أن يقوم دليل. وفي هذا الخبر: "استطلق الوكاء فمن نام فليتوضأ". فأمر بالوضوء، والأمر يقتضي الوجوب، ولم يخص نوما من نوم. وأيضا فإنه نام زائلا عن مستوى الجلوس، فوجب أن ينتقض وضوؤه، دليله إذا نام مضطجعا. وأيضا فإنه لا خلاف بيننا وبينهم أن النوم في نفسه ليس بحدث، وإنما وجب عليه الوضوء في نومه مضطجعا لجواز خروج الحدث منه في الغالب؛ لأنَّه إذا كان متربعا قد أفضى بمقعدته إلى الأرض لا وضوء عليه؛ لأن الغالب عدم خروج الريح منه، فإذا كان الوضوء إنما وجب عليه في نومه مضطجعا لهذا المعنى - وهو إمكان خروج الريح منه في الغالب - ففي الراكع والساجد هذا المعنى، وهو أولى بوجوب الوضوء عليه؛ لأن الخارج منه أمكن؛ لأن

стр. 789

المضطجع منضم الأطراف، والراكع والساجد بخلاف ذلك؛ لانفراج موضع الحدث، وفي الاضطجاع هو منضم (١)، وهذه نكتة جيدة. فإن قيل: فقد روى أبو خالد الدالاني، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ سجد فنام ونفخ، ثم قام فصلى. فقيل: يا رسول الله! إنك نمت في سجودك وصليت ولم تتوضأ؟. فقال: "إنما الوضوء على من نام مضطجعا" (٢). وأنكر عليهم ظنهم، ففيه نص على النائم مضطجعا في وجوب الوضوء، وفيه نفي الوضوء عن الساجد؛ لأنَّه ﷺ نام ساجدا. وأيضا ما روى حذيفة بن اليمان قال: "كنت في المسجد فدخل النبي، ﷺ ، فوضع يده على منكبي، فانتبهت فقلت: أمن هذا وضوء يا رسول الله؟. فقال: "لا، أو (٣) تضع جنبك على الأرض" (٤) فقوله: "لا" نفي لوجوب الوضوء إلا في وضعه جنبه على الأرض مع نومه. قيل: أما حديث أبي خالد الدالاني فإنه حديث منكر، هكذا ذكر أحمد بن حنبل، وأبو داود، وموسى بن هارون.

стр. 790

قال أحمد: وما لأبي خالد الدالاني يدخل نفسه في أصحاب قتادة؟! وعلى أن قتادة لم يسمع من أبي العالية إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها (١)، ومن مذهب أصحاب الحديث أنهم إذا قالوا: "لم يسمع فلان من فلان شيئا" فقد نفوا أن يكون أخذ عنه شيئا، ولا يريدون بهذا أنه قرأ عليه؛ لأن قراءته عليه سماع منه، ولو أرادوا أنه عنده مرسل لذكروه ولم ينكروه؛ لأنهم بأجمعهم - عندنا - يقولون بالمرسل (٢)، ولو اختلفوا فيه لذكره من لم يقل بالمرسل، وعلله وبين رده، ومن يقول بالمرسل لا ينكر عليه، وإنما يريدون بقولهم: "لم يسمع" النفي والرد لما رواه. فإن قيل: فإن أبا داود قال: إن قتادة لم يسمع من أبي العالية إلا أربعة أحاديث ليس [هذا] (٣) منها (٤). وهو مرسل من وجه آخر (٥)، وهو أن أبا خالد لم يلق قتادة، وأنتم ونحن نقول بالمراسيل. قيل: قد أجبنا عن هذا، وإنما نقول بالمرسل ما لم يمنع منه مانع، وقد بينا المانع، وهو أن أصحاب الحديث يريدون بذلك أنه لا رواية عنده عنه. على أنه لو صح لكان حجة لنا؛ لأن النبي النبي ﷺ نص على المضطجع،

стр. 791

وعلل تعليلا يدخل فيه المضطجع وغير المضطجع من الراكع والساجد؛ لأنَّه قال: "فإذا نام مضطجعا استرخت مفاصله" (١)، كما نص على الأشياء الستة في الربا (٢)، ونبه على غيرها مما هو في معناها. فإن قيل: هذه العلة لا توجد في الراكع والساجد من طريق المشاهدة؛ لأنَّه مجتمع يثبت، ولو استرخت مفاصله لم يثبت، وكان يسقط ويزول عن حالته في نومه. قيل: مفاصله تسترخي (١٠٥) لا محالة، فإن زاد عليه سقط، وليس هو بأكثر حالة من القاعد المتمكن من الأرض، ثم إذا نام القاعد واستثقل سقط. فإن قيل: لا يجوز أن يكون هذا التعليل عاما في المضطجع، والساجد، والراكع؛ لأن عمومه يسقط لفظ الخبر؛ لأن النبي ﷺ نام وهو ساجد، فلو كان الوضوء واجبا على الساجد بتعليله لسقط قوله: "إنما الوضوء على من نام مضطجعا" (٣). قيل: إن تعليله ﷺ عام فينا، ولا يدخل فيه ﷺ ؛ لأنَّه محروس من أن تسترخي مفاصله؛ لأنَّه لا ينام قلبه، وإنما تنام عيناه. على أن هذا لا فائدة فيه لأصحاب أبي حنيفة؛ لأنهم يقولون: إنه لا ينتقض وضوؤه أيضا في غير الصلاة. وأما حديث حذيفة فلا حجة لهم فيه؛ لأن النبي ﷺ قال: "لا وضوء

стр. 792

في نوم القاعد" (١)، ونحن لا نوجب في مثله الوضوء، وأوجب ﷺ الوضوء في النوم مضطجعا، ونحن نوجبه، ولم يُذكر في الخبر إلا حالتان: إحداهما: أن حذيفة كان جالسا نائما، فقال: أمن هذا وضوء يا رسول الله؟ فقال: "لا" (٢)، فنفى الوضوء عنه لكونه جالسا. وقوله (٣): "إلا أن تضع جنبك" (٤) استثناء من كونه جالسا ما كان عليه (٥). فإن قيل: فإن النائم القاعد معتمد على غيره، والقائم غير معتمد إلا على أعضائه، فإذا لم يجب الوضوء على القاعد فلأن لا يجب على الراكع والساجد أولى. قيل: القاعد معتمد على غيره، و [هو] (٦) موضع خروج الحدث منه (٧)، وليس كذلك الراكع والساجد؛ لأن موضع خروج الحدث منه غير معتمد على شيء وهو منفرج (٨). فإن قيل: فإن أعضاءه لم تسترخ أكثر من استرخاء الناعس، ولهذا المعنى بقي على ركوعه لم يسقط، ألا ترى أن المغمى عليه لما استرخت

стр. 793

أعضاؤه لم يبق، فصار بقاء الراكع على هذه الحال دلالة على تحفظه وعدم استرخاء مفاصله، فلم يجب عليه الوضوء. قيل: إن الناعس ليس بنائم، وإنما أسباب النوم قد حصلت به تدعوه إلى النوم، فإذا حصل النوم استرخت مفاصله. وأما المغمى عليه فيزيد على نوم المضطجع، ألا ترى أن النائم المضطجع يحرَّك فيُحِس وينتبه، وليس المغمى عليه كذلك، وليس بقاء الراكع على حاله مما يمنع سبق الحدث منه لانفراج مقعدته، ثم إذا تزايد نومه سقط. فإن قيل: فإنها حال من أحوال الصلاة في حال الاختيار، والاحتراز (١) من المضطجع؛ لأن الاضطجاع من أحوال الصلاة عند الضرورة. قيل: هذا ينتقض به إذا نام متكئا فإن صلاته مجزئة مع الاختيار، ومع هذا ينتقض وضوؤه إذا نام متكئا. ثم نقول: المعنى في القاعد أن الخارج لا يتمكن منه في غالب الحال، وقد أفضى بمقعدته إلى الأرض، فلهذا لم ينتقض وضوؤه، وليس كذلك الراكع والساجد؛ لانفراج موضع خروج الريح منه، وخروج ذلك متمكن منه على أنهم ردوا الراكع والساجد إلى القاعد، ونحن رددناه إلى المضطجع، فما ذهبنا إليه أولي لموافقة تعليل النبي ﷺ ، ولتمكن الخارج منه في الأمرين جميعا، ولأنه أحوط في إسقاط الصلاة عن ذمته بيقين، ولأنه ناقل عن أصل براءة الذمة إلى وجوب الطهارة، وبالله التوفيق.

стр. 794

فَصْل فأما الكلام على المزني، وما ذكر أنه أحد قولي الشافعي (١). فالدليل عليه ما روي "أن النبي ﷺ كان ينام حتى ينفخ، ثم يصلي ولا يتوضأ، فقيل له في ذلك، فقال: "إنه تنام عيناي ولا ينام قلبي" (٢). ففيه دليلان: أحدهما: أن النوم نفسه لو كان حدثا لتوضأ ﷺ منه، كما يتوضأ من قليل الأحداث وكثيرها. والثاني: إنما خبر أنه تنام عيناه ولا ينام قلبه فيعلم ما كان منه، ولم يوجب الوضوء لأجل النوم، ونبه على أن الوضوء يجب [على] (٣) من لا يعلم ما يكون منه في النوم. وأيضا ما روي عن حذيفة أنه قال: "أمن هذا وضوء يا رسول الله؟ فقال: "لا، أو تضع جنبك على الأرض" (٤). فنفى إيجاب الوضوء عمن نام جالسا. وأيضا حديث علي ومعاوية ﵄ أن النبي ﷺ قال: "العينان وكاء

стр. 795

السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء" (١). وفي حديث: "أنه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصله" (٢). فأعلمنا أن باسترخاء المفاصل يسرع خروج الحدث، ولم يجعل النوم حدثا، ولو كان النوم في نفسه حدثا لم يكن في قوله: "استرخت مفاصله" فائدة. وأيضا فإنه إجماع الصحابة؛ بدليل ما روى أنس "أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينتظرون عشاء الآخرة، ويناموا حتى تخفق رؤوسهم، ثم يقومون ويصلون، ولا يتوضؤون" (٣). والعمدة في المسألة على هذا الخبر، ومحال أن يذهب على أصحاب رسول الله ﷺ أن النوم حدث ينقض الوضوء، فيصلون بالنوم، ولا يسألون رسول الله (١٠٦) ﷺ عن ذلك. وكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما كانا ينامان قاعدين، ثم يصليان ولا يتوضآن (٤).

стр. 796

وكذلك روي عن أبي أمامة (١) وأبي هريرة (٢) مثل ذلك. وإذا روي عن المفتين بين الصحابة، وروي عنهم أجمعين علم أن هذه المسألة مشهورة بينهم. فإن قيل: القياس يوجب أن كل نوم ينقض الوضوء. قيل: لو كان حدثا في نفسه لكان كما ذكرت (٣)، ثم لو كان كذلك لكان قياسا يمنع منه الإجماع. فإن قيل في خبر صفوان أن النبي ﷺ أمرنا أن لا ننزع خفافنا من نوم (٤)، ولم يخص، فاقتضى أن يتوضأ من كل نوم (٥). قيل عنه جوابان: أحدهما: أن إطلاق النوم لا يفهم منه نوم الجالس، وإنما يعقل منه نوم المضطجع. ثم لو ثبت العموم لكان مخصوصا بالخبر وبالإجماع الذي ذكرناه.

стр. 797

فإن قيل: فإن النبي ﷺ جمع بين النوم وبين الغائط والبول في حديث صفوان (١). قيل: إن الاقتران بين الشيئين في اللفظ لا يوجب اجتماعهما في الحكم (٢). على أنه إنما جمع بينها إذا كان النوم مضطجعا فإن الغالب منه خروج الريح، وما هذه صفته من النوم يجب فيه الوضوء. فإن قيل: فإن حدث البول لم يختلف [باختلاف] (٣) أحوال [البائل] (٤) في نقض الطهر. قيل: إن [البول] (٥) يختلف باختلاف الأحوال؛ لأن سلس البول لا ينقض الوضوء (٦)، والمعتاد منه ينقض. وعلى أنه لو لم يختلف حكمه لكان ذلك من أجل أنه لا يختلف في نفسه، والنوم يختلف في نفسه؛ لأننا قد نجد نوما ليس معه استرخاء المفاصل، ولا يمكن الخارج منه، فلما اختلف حال النوم في نفسه جاز

стр. 798

اختلاف حكمه؛ لأنَّه سبب للحدث، كمس الذكر الذي تختلف أحواله، فلو مسه بباطن يده؛ نقض الوضوء عندك (١)، ولو مسه بظاهرها لم ينتقض. فإن قيل: لو كان نوم الجالس لا ينقض وضوءه لبينه ﷺ ، كما بين الأكل في الصوم أن فيه ما فيه ما يوجب القضاء مثل أن يأكل عامدا، ومنه ما لا يوجب القضاء كالأكل ناسيا. قيل: الأكل - عندنا - على كل حال يوقع الفطر؛ لأنَّه يضاد الصوم (٢)، والنوم لا يضاد الطهارة في جنسه؛ لأن النبي ﷺ قد بين حكم النوم في حديث حذيفة لما نام جالسا، وقال: يا رسول الله، أمن هذا وضوء؟. فقال: "لا، أو تضع جنبك على الأرض" (٣) فإن قيل: فقد روت عائشة ﵂ أنه ﷺ قال: "من استجمع نوما فعليه الوضوء" (٤).

стр. 799

قيل: كذلك نقول إذا طال نوم الجالس، ورأى المنامات فهو الذي استجمع نوما، وكذلك المضطجع. فإن قيل: فإن النوم كالإغماء، والإغماء يبطل الوضوء على جميع الأحوال، فكذلك النوم لزوال العقل. قيل: الفرق بينهما واضح؛ وذلك أن المغمى عليه يحس بشيء، وإن نبه لم ينتبه في جميع أحواله، فانتقض وضوؤه في جميع أحواله. والنائم ليس كذلك؛ لأنَّه ربما أحس بخروج الحدث منه فانتبه، ولو حرك لانتبه، فجاز أن تختلف أحواله. فَصْل وإذا طال نوم الجالس ورأى المنامات فعليه الوضوء. وإليه ذهب الأوزاعي (١) وأحمد (٢). ولم يفرق أبو حنيفة والشافعي بين نوم الجالس، وقالا: لا ينتقض وضوؤه وإن طال (٣).

стр. 800

والدليل لقولنا أن الصلاة عليه بيقين [طهارة] (١)، وهذا شاك فيها؛ لأنَّه إذا طال نومه لم يتيقن كونه على طهارة. وأيضا ما روته عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من استجمع نوما فعليه الوضوء" (٢). ولفظ: "عليه" للوجوب، واستجماع الإنسان نوما هو أن يخترقه النوم حتى يزول عن أحكام المستيقظ، وإذا طال نومه لم يعقل ما يخرج منه، فهو كالمضطجع، وليس كذلك إذا لم يطل نومه؛ لأنَّه بتحركه وخفق رأسه يحس ما يخرج منه، وإذا كان النوم سببا للحدث وجب أن يراعى الغالب منه، كما يراعى في مس الذكر إذا كان بباطن اليد، فهو أقوى منه بظاهرها. فإن قيل: فإن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينامون حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون (٣). قيل: نحن نقول بموجب ذلك؛ لأن من يخفق رأسه ويتمايل لم يغرق في نومه حتى يطول؛ لأنَّه قريب من الحس بما يخرج منه، وليس كذلك إذا اغترقه النوم وطال به حتى يرى المنامات؛ لأن النوم تختلف حالاته في قلته وكثرته. فإن قيل: فقد قال ﷺ لحذيفة لما قال (١٠٧) له ذلك: أمن هذا وضوء يا رسول الله؟ قال: "لا إلا أن تضع جنبك على الأرض" (٤).

стр. 801

قيل: هذه قضية في عين، ويحتمل أن يكون لم يطل نومه، ولا غرق فيه، ألا تراه لما وضع ﷺ يده عليه أحس به وانتبه، وفي القعود من ينام ولا ينتبه لو يحرك، وقد بينا أن أسباب الحدث ليست كالحدث نفسه، وأن ما قوي منها بخلاف ما ضعف، وقد فرق الشافعي بين مس الذكر وبين مس المرأة، فخص اليد في مس الذكر، ونقض الوضوء [بمس] (١) المرأة بجميع الأعضاء (٢)، وكذلك فرقوا معنا بين القبلة لشهوة في تحريم الربيبة، وبين القبلة لغير شهوة في أنها لا تحرم [شيئا] (٣) من هذا كله (٤)؛ لأن ذلك سبب للحدث، وليس بحدث في نفسه. ولنا القياس عليه إذا نام مضطجعا واستثقل نوما؛ بعلة أنه نائم مستثقل في نومه (٥). فإن قاسوا عليه إذا لم يستثقل في نومه بعلة أنه نام جالسا. قيل: قد بينا الفرق بين أحكام أسباب الأحداث [وبين الأحداث] (٦)، وأن كل ما قوي منها قوي حكمه، فكان اعتبارنا أولى؛ لأنَّه أحوط، وتسقط الصلاة بيقين، ونزيد حكما هو إيجاب الطهارة بعد أن لم تجب، وفيه نقل

стр. 802

من براءة الذمة، وبالله التوفيق (١). * * * * مسألة (٢٥): وما خرج من بدن الإنسان من غير السبيلين مثل القيء، والرعاف، أو دم فصاد، أو دُمّل (٢) فلا وضوء فيه (٣)، كما لا وضوء في الجشاء (٤) المتغير (٥)،

стр. 803

والقهقهة (١)، وما أشبه ذلك (٢). وبه قال ربيعة، والحسن، والشافعي، وداود (٣)، وهو قول جماعة من الصحابة (٤). وقال أبو حنيفة: الخارج النجس على ثلاث مراتب: فما كان من السبيلين فظهوره ينقض الوضوء. والخارج من سائر البدن إن كان غير القيء فإنه إذا سال نقض الوضوء، فأما ظهوره من غير أن يسيل فلا. وإن كان قيئا فملأ الفم نقض الوضوء، وإن كان دون ذلك لم ينقض الوضوء. ففرق بين اليسير منه والكثير (٥). فحصل الخلاف معه في الخارج من غير السبيل، فعنده ينقض

стр. 804

الوضوء (١)، وعندنا وعند الشافعي لا ينقضه. والدليل لقولنا استصحاب الحال، وهو كونه على جملة الطهارة حتى يقوم دليل على نقضها. وأيضا فإن إيجاب الوضوء بعد الطهارة المتقدمة يحتاج إلى دليل. وأيضا قول النبي ﷺ : "إذا دخل أحدكم في الصلاة فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" (٢). فنهى عن الانصراف منها إلا بوجود هذين النوعين من الحدث، والنهي يفيد التحريم، إلا أن يقوم دليل. وأيضا قوله ﷺ في خبر آخر: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" (٣). فنهى عن الانصراف منها إلا بوجود هذين النوعين (٤)، [فمن زعم أنه يجب في غيرها فعليه الدليل] (٥). وأيضا ما رواه أبو داود مسندا عن عقيل بن جابر، عن جابر في غزوة ذات الرقاع (٦) مع النبي - عاليه السلام -، وأنَّه قال ﷺ : "هل مِن رجل يكلؤنا؟ فانتدب

стр. 805

رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار (١)، فأصيب أحدهما بثلاثة أسهم وهو في الصلاة، وهو ينزعها والدم يسيل، ويصلي حتى ركع (٢)، ثم جاءا إلى النبي ﷺ فأخبراه، فلم ينكر على المصلي ما فعل" (٣). فدل ذلك على أن خروج الدم من غير مخرج الحدث لا ينقض الوضوء. فإن قيل: فليس فيه أنه أمره بغسله، فقولوا: إنه لا يجب غسله.

стр. 806

قيل: إن تروك النبي ﷺ كالعموم، وكان الظاهر يقتضي أن لا يغسل لولا دليل قام. وجواب آخر وهو أنه يجوز أن يكون الدم يزرق (١) ولم يصب بدنه ولا ثوبه. وجواب آخر: وهو أن إزالة الدم وغسله غير فرض - عندنا - على ما نقوله في إزالة الأنجاس (٢)، فلم يأمره بغسله ليعلمنا أن إزالته ليس بفرض. فإن قيل: فإن تأولتم أن الدم يزرق فلم يلوثه جاز لنا أن نتأول ذلك على أنه سد موضع الدم، فلم يسل عن موضع الجرح. ويجوز أن يكون الدم يسيرا لا حكم له عندنا (٣)، وإنما نوجب الوضوء فيما يسيل على ظاهر البدن. قيل: قولكم: "يحتمل أن يكون سد موضع الدم" باطل؛ لأنَّه روي أن الدم كان يسيل. وعلى أن الحال لو كانت تختلف لكان ﷺ يسأله عن ذلك حتى يتبين له الحكم فيه إذا سال.

стр. 807

وقولكم: "يجوز أن يكون يسيرا" باطل بما رويناه؛ لأن الراوي لا يخبر بسيلان الدم إلا وقد ظهر على الجرح. وأيضا ما رواه أنس "أن رسول الله ﷺ احتجم فلم يزد على أن غسل أثر محاجمه (١)، وصلى ولم يتوضأ" (٢). وهذا نص في موضع الخلاف (٣). فإن قيل: هذه حكاية عن فعلة كانت منه ﷺ ، فيجوز أن يكون حصل شرط المحاجم ولم يسل الدم. قيل: هذا باطل بقوله: "وغسل أثر المحاجم"، وإنما غسل الدم، ولو لم يسل لما احتاج (١٠٨) إلى غسله. على أن هذا دفع المشاهدات في الحجامة. وأيضا ما رواه ثوبان عن النبي ﷺ أنه كان صائما في غير رمضان، فأصابه غم آذاه، فقاء، ثم دعاني بوضوء، فسكبت له وضوءا، فتوضأ ثم أفطر، فقلت: يا رسول الله! الوضوء من القيء واجب؟. فقال: "لو كان واجبا

стр. 808

لوجدته في القرآن" قال ثم صام الغد فسمعته يقول: "هذا مكان إفطاري أمس" (١). وهذا خبر حسن. فإن قيل: فقد نجد أشياء واجبة ليست في كتاب الله . قيل: مرادنا من ذلك قوله ﷺ : "ليس بواجب". وعلى أن شيوخنا كانوا يقولون: الفرض ما في كتاب الله نصا أو جملة بينها النبي ﷺ ، وما كان من النبي ﷺ ابتداء فهو سنة (٢). وقد روي هذا الذي ذهبنا إليه عن أربعة من الصحابة ﵃، عن ابن عباس (٣)، وابن عمر (٤) .............

стр. 809

وأبي هريرة (١)، وعبد الله بن أبي أوفى (٢). وروي أيضا عن أنس (٣)، ومعاذ (٤)، ولا مخالف لهم في الصحابة. ومن القياس نقول: هو خارج من غير السبيلين فوجب أن لا ينقض الوضوء، أصله الدود إذا خرج من الجراحة على البدن (٥). ولنا أن نقيسه على الجشاء المتغير بهذه العلة أيضا. ونقول أيضا: إن كل ما لا ينقض قليله الوضوء لم ينقضه كثيره، دليله

стр. 810

الجشاء المتغير (١). ونقول أيضا: إن كل خارج لم ينتقض الطهر بظهوره لم يجب الطهر بجريانه وخروجه، كاللعاب والمخاط. ونقول أيضا: هو خارج من غير مخرج الحدث فلم ينقض الوضوء، أصله الريق والدموع. ونقول أيضا هي طهارة تجب بالخارج من أحد السبيلين، فلم تجب تلك الطهارة بالخارج من سائر البدن غيرهما، أصله الطهارة العليا التي هي الغسل. فإن قيل: إنما لم يجب الاغتسال بالخارج من سائر البدن؛ لأن موجب الغسل لا يخرج منه، ألا ترى أن المني والحيض يختص خروجهما بالفرج. قيل: وكذلك البول، والمذي، والودي، لا يخرج من سائر البدن غير السبيلين، وقد نقضتم الطهر بالخارج منه. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. فعلى كل قائم إلى الصلاة غسل هذه الأعضاء إلا أن يقوم دليل. قيل: على هذا أجوبة: أحدها: أنكم أنتم لا يصح لكم الاستدلال بالآية؛ لأنها - عندكم - غير مستقلة بنفسها؛ لأن المراد منها: إذا قمتم من النوم، أو وأنتم محدثون (٢)،
следующие страницы →