← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

قيل: إن تروك النبي ﷺ كالعموم، وكان الظاهر يقتضي أن لا يغسل لولا دليل قام. وجواب آخر وهو أنه يجوز أن يكون الدم يزرق (١) ولم يصب بدنه ولا ثوبه. وجواب آخر: وهو أن إزالة الدم وغسله غير فرض - عندنا - على ما نقوله في إزالة الأنجاس (٢)، فلم يأمره بغسله ليعلمنا أن إزالته ليس بفرض. فإن قيل: فإن تأولتم أن الدم يزرق فلم يلوثه جاز لنا أن نتأول ذلك على أنه سد موضع الدم، فلم يسل عن موضع الجرح. ويجوز أن يكون الدم يسيرا لا حكم له عندنا (٣)، وإنما نوجب الوضوء فيما يسيل على ظاهر البدن. قيل: قولكم: "يحتمل أن يكون سد موضع الدم" باطل؛ لأنَّه روي أن الدم كان يسيل. وعلى أن الحال لو كانت تختلف لكان ﷺ يسأله عن ذلك حتى يتبين له الحكم فيه إذا سال.

стр. 807

وقولكم: "يجوز أن يكون يسيرا" باطل بما رويناه؛ لأن الراوي لا يخبر بسيلان الدم إلا وقد ظهر على الجرح. وأيضا ما رواه أنس "أن رسول الله ﷺ احتجم فلم يزد على أن غسل أثر محاجمه (١)، وصلى ولم يتوضأ" (٢). وهذا نص في موضع الخلاف (٣). فإن قيل: هذه حكاية عن فعلة كانت منه ﷺ ، فيجوز أن يكون حصل شرط المحاجم ولم يسل الدم. قيل: هذا باطل بقوله: "وغسل أثر المحاجم"، وإنما غسل الدم، ولو لم يسل لما احتاج (١٠٨) إلى غسله. على أن هذا دفع المشاهدات في الحجامة. وأيضا ما رواه ثوبان عن النبي ﷺ أنه كان صائما في غير رمضان، فأصابه غم آذاه، فقاء، ثم دعاني بوضوء، فسكبت له وضوءا، فتوضأ ثم أفطر، فقلت: يا رسول الله! الوضوء من القيء واجب؟. فقال: "لو كان واجبا

стр. 808

لوجدته في القرآن" قال ثم صام الغد فسمعته يقول: "هذا مكان إفطاري أمس" (١). وهذا خبر حسن. فإن قيل: فقد نجد أشياء واجبة ليست في كتاب الله . قيل: مرادنا من ذلك قوله ﷺ : "ليس بواجب". وعلى أن شيوخنا كانوا يقولون: الفرض ما في كتاب الله نصا أو جملة بينها النبي ﷺ ، وما كان من النبي ﷺ ابتداء فهو سنة (٢). وقد روي هذا الذي ذهبنا إليه عن أربعة من الصحابة ﵃، عن ابن عباس (٣)، وابن عمر (٤) .............

стр. 809

وأبي هريرة (١)، وعبد الله بن أبي أوفى (٢). وروي أيضا عن أنس (٣)، ومعاذ (٤)، ولا مخالف لهم في الصحابة. ومن القياس نقول: هو خارج من غير السبيلين فوجب أن لا ينقض الوضوء، أصله الدود إذا خرج من الجراحة على البدن (٥). ولنا أن نقيسه على الجشاء المتغير بهذه العلة أيضا. ونقول أيضا: إن كل ما لا ينقض قليله الوضوء لم ينقضه كثيره، دليله

стр. 810

الجشاء المتغير (١). ونقول أيضا: إن كل خارج لم ينتقض الطهر بظهوره لم يجب الطهر بجريانه وخروجه، كاللعاب والمخاط. ونقول أيضا: هو خارج من غير مخرج الحدث فلم ينقض الوضوء، أصله الريق والدموع. ونقول أيضا هي طهارة تجب بالخارج من أحد السبيلين، فلم تجب تلك الطهارة بالخارج من سائر البدن غيرهما، أصله الطهارة العليا التي هي الغسل. فإن قيل: إنما لم يجب الاغتسال بالخارج من سائر البدن؛ لأن موجب الغسل لا يخرج منه، ألا ترى أن المني والحيض يختص خروجهما بالفرج. قيل: وكذلك البول، والمذي، والودي، لا يخرج من سائر البدن غير السبيلين، وقد نقضتم الطهر بالخارج منه. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. فعلى كل قائم إلى الصلاة غسل هذه الأعضاء إلا أن يقوم دليل. قيل: على هذا أجوبة: أحدها: أنكم أنتم لا يصح لكم الاستدلال بالآية؛ لأنها - عندكم - غير مستقلة بنفسها؛ لأن المراد منها: إذا قمتم من النوم، أو وأنتم محدثون (٢)،

стр. 811

وما لم يستقل بنفسه إلا بشرط مضاف إليه فإنه في حيز المجمل يفتقر إلى البيان، وهكذا يقولون في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ (١). وجواب آخر وهو أن قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الألف واللام اللتان في الصلاة للجنس، فتقديره: "إذا قمتم إلى الصلوات فاغسلوا وجوهكم"، وهذا أمر يقتضي فعل مرة واحدة من الغسل، وهذا قد غسل وجهه لصلاة مضت، فمن زعم أن عليه أن يغسل لصلاة ثانية فعليه الدليل. وجواب آخر وهو أنه لو ثبت لكان قول النبي ﷺ : "لا ضوء إلا من صوت أو ريح" (٢)، وقوله: "لو كان الوضوء واجبا لوجدته في القرآن" (٣) يخصه ويقضي عليه. وكذلك نخصه بالقياس أيضا. فإن قيل: فقد قال ﷺ للمستحاضة: "إنه دم عرق وليست بحيضة، فتوضئي لكل صلاة" (٤). فأمرها بالوضوء منه، وعلله بأنه دم عرق، فتعليله يقتضي أن كل موضع يوجد فيه دم عرق أن يكون فيه الوضوء، وهذا عمدة لهم في المسألة. وأيضا فما رواه ابن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: "من قاء أو رعف في صلاته فلينتفل عن صلاته،

стр. 812

وليتوضأ، ويين على صلاته" (١). فأمر بالخروج من الصلاة بالقيء والرعاف، ثم أمر بالوضوء أمرا يقتضي الوجوب، وبالبناء على صلاته. قيل: أما حديث المستحاضة فعنه أجوبة: أحدها: أن النبي ﷺ علل الدم الخارج من مخرج الحيض، ألا تري أنه قال: "إنه"، وهذه الهاء ضمير له وقال "ليست بالحيضة"، والتعليل إذا كان في شيء مخصوص كان تعليلا فيه (٢) وفي نظائره من كل دم يخرج من مخرج الحيض، وفي كل امرأة يصيبها ذلك في العرق المخصوص. وجواب آخر وهو أن النبي ﷺ علل إسقاط الغسل الذي يجب بدم الحيض، ولم يعلل لإيجاب الوضوء، بدليل قوله "وليست بالحيضة"، ولو كان التعليل يوجب الوضوء لم يقل: وليست بالحيضة؛ لأن الحيضة توجب الوضوء. وجواب آخر وهو أن الذي حكى أنه (١٠٩) ﷺ قال: "إنه دم عرق"،

стр. 813

لا تعرف هذه اللفظة في خبر صحيح أصلا، ولم توجد في الكتب الكتب (١)، وإنما الخبر الصحيح الموجود هو قوله للمستحاضة: "توضئي لكل صلاة" (٢). وجواب آخر: وهو أننا نقول: تتوضأ على [طريق] (٣) الاستحباب. وقد تكلمنا على أن الأحداث التي تخرج عن العادة لا تنقض الوضوء (٤)، وأن استئناف الوضوء لها مستحب، فلم يلزمنا هذا. وأما حديث عائشة ووقوله ﷺ : "من قاء أو رعف في صلاته" فقد قيل: إن الحديث ضعيف؛ لأن إسماعيل بن عياش غلط على الحجازيين فيه، والحديث في كتاب ابن جريج عن أبيه فقط موقوفا عليه (٥). وقد قيل: إن الحجاج بن أرطاة أيضا رواه (٦)، وهو ضعيف. فإن صح جاز أن يحمل على الوضوء اللغوي، وهو غسل موضع القيء والرعاف، كما روي عن معاذ بن جبل أنه قال: ليس الوضوء من الرعاف، والقيء، ومس الذكر، وما مسته النار، بواجب. فقيل له: إن أناسا يقولون:

стр. 814

إن رسول الله ﷺ قال: "الوضوء مما مسته النار"، فقال معاذ: إن قوما سمعوا ولم يعوا، [كنا نسمي] (١) غسل الفم واليدين وضوءا وليس بواجب، وإنما أمر النبي ﷺ المؤمنين أن يغسلوا أيديهم وأفواههم مما مست النار، وليس بواجب" (٢). وهذا تفسير منه للوضوء من القيء والرعاف. وعلى أن الحديث مطلق، ولم يفرق فيه بين القليل والكثير، فمهما أجبتم به في القليل فهو جوابنا في الكثير (٣). فإن قيل: إذا قلتم: "إنه ﵇ أراد الوضوء اللغوي" لزمكم القول به في مس الذكر؛ لأنه مذكور في الخبر. قيل: نحمله عليه إذا مسه لغير شهوة، وقد روينا في مس الذكر: "يتوضأ وضوءه للصلاة" (٤). فإن قيل: فقد روي أن سلمان رعف بحضرة النبي ﵇ فقال له: "يا سلمان! أحدث وضوءا" (٥). وهذا أمر يقتضي الوجوب.

стр. 815

وأيضا فإن هذا القول قد روي عن علي وابن عباس ﵄. فأما علي فكان يرى الوضوء من القلس (١). وعن ابن عباس قال: "الحدث حدثان: حدث من فيك، وحدث من فرجك" (٢). قيل: أما قول النبي ﵇ لسلمان ﵁: "أحدث وضوءا" (٣) محمول على الوضوء اللغوي، أو على الاستحباب بما ذكرناه. وما روي عن علي وابن عباس فقد روي عن ابن عباس خلافه (٤)، فقد عارضناهم بأكثر ذلك من عن الصحابة، وينبغي أن نستعمل أقوالهم حتى لا تتنافى، فقول من قال: فيه الوضوء محمول على الاستحباب، وقول من خالف محمول على نفي الإيجاب، وهذا يجب في استعمال الأخبار عن النبي ﵇ إذا تعارضت (٥).

стр. 816

فإن قيل: استعمالنا أولى؛ لأنه يستمر في الاستحباب في قليله وكثيره، ويعضده القياس الذي ذكرناه (١). فإن قيل: فلنا قياس بإزاء قياسكم، وهو أن هذا نجس خرج بنفسه من البدن إلى موضع يلحقه حكم التطهير، فوجب أن يوجب الوضوء، أصله الخارج من السبيلين. وقولنا: "بنفسه" احترازا من القيء القليل. وأيضا فإن الخارج من البدن ينقض الطهر، كما أن الواصل إلى الجوف ينقض الصوم. ثم قد نقول: إنه لا فرق بين أن [يدخل] (٢) من أحد السبيلين أو من سائر البدن في نقض الصوم، فكذلك أيضا لا فرق بين أن يخرج من أحد السبيلين أو من سائر البدن [في] (٣) نقض الطهر. قيل: أما القياس الأول ففاسد من وجوه: أحدها: أنه لا يستمر على أصلنا؛ لأن سلس البولِ والمذيِ والمنيِّ -عندنا- لا ينقض الطهر (٤). والثاني: أنه لا تأثير له أيضا؛ لأن البول سواء خرج بنفسه أو بخارج

стр. 817

فإنه ينقض [الوضوء] (١) عندكم؛ لأنه إن سلس البول خرج بنفسه، وإن استدعاه خرج، وعليه الوضوء. وقولكم: "إنه خرج إلى موضع يلحقه حكم التطهير" لا تأثير له أيضا؛ لأن الوضوء ينتقض بظهور البول وإن لم يخرج إلى موضع يلحقه حكم التطهير؛ لأنه قد يزرقه ولا يصيـ بيت ما عدا مخرجه. وعلى أنه منتقض بالقيء القليل، فإن المعنى فيه موجود، ولا ينقض الوضوء. فإن قيل: القليل منه لا يخرج بنفسه، وإنما يخرج بالعلاج؛ لأن السيالة طبعها النزول. قيل: لا فرق بينهما؛ لأن الكثير منه إنما يخرج بدفع الطبيعة له، ولا يخرج بنفسه، وقد يستدعي الإنسان القيء فيخرج تارة قليلا، وتارة كثيرا، وقد يخرج بنفسه تارة قليلا، وتارة كثيرا. وعلى أن المعنى في الخارج من السبيلين هو أن قليله المعتاد ينقض كما ينقض كثيره المعتاد، وخروج الريح أيضا منه ينقض، فكذلك غير الريح، وليس كذلك في القيء؛ لأن خروج الريح المقارنة له لا ينقض، فلم ينقض هو أيضا. وأما ما ذكروه من الصوم فهو قياس الداخل إلى البدن على الخارج (١١٠) منه، وهذا قياس الضد، ومن أصحابنا من لا يقول به. ومع هذا فإنها دعوى لا على أصل بعلة.

стр. 818

ثم لو سلمناه لكان مع ذلك فاسدا بأشياء في الأصل والفرع. فأما في الفرع فالبَلغم (١)، وقليل القيء، وقليل الدم، وبالدودة اليابسة، وبالدواء إذا خرج من الجرح على جهته (٢). وأما فى الأصل فقد زعموا أنه إذا داوى جرحه بدواء يابس لم يفسد صومه، ولو احتقن (٣) بدواء يابس أفسد صومه (٤). ثم إننا نتطوع بالفصل بين الصوم والطهارة، فنقول: إن الريح تبطل الطهارة، ولا يبطل بخروج الريح منه، والصوم لا يبطل بالغلبة في القيء (٥)، والوضوء يبطل بالغلبة فيه عندكم. على أن المعنى في الناقض للصوم هو أن قليله ينقض الصوم فكذلك كثيره، ولما كان قليل القيء لا ينقض الوضوء لم ينقضه كثيره. ثم نرجح قياسنا بأشياء، منها: أن سائر الأصول تشهد له من استواء حكم القليل والكثير في الموضع الذي ينقض الوضوء، وفي الموضع الذي لا ينقض، من البصاق، والبلغم، والجشاء المتغير، والعرق، والدموع، ومن

стр. 819

الغائط، والبول، والمني، والمذي على غير وجه العادة. فإن قيل: ليس يخلو من أن يكون الحكم متعلقا بالخارج أو بالمخرج، فيبطل أن يتعلق الحكم بالموضع؛ لأننا وجدنا أحكام الموضع مختلفة، فتارة يخرج البول فيوجب الوضوء، وتارة يخرج المني فيوجب الغسل، والحيض مثل ذلك، فصح أن الاعتبار بالخارج. قيل: هذا يبطل على مذهبكم؛ لأنكم تقولون: لو احتقن بشيء نجس فخرج على جهته انتقض وضوؤه، ولو داوى جرحه بشيء نجس فخرج على جهته لم ينتقض الوضوء، فقد اعتبرتم المخرج دون الخارج. وهو أيضا باطل بما ذكرناه من الدودة اليابسة وبقليل القيء ثم نقول: أليس قد انتقض الوضوء بالتقاء الختانين؟. على أننا نقول: قد استوت هذه الأشياء كلها في الخروج، واختلفت في الأحكام، فلا ينبغي أن يراعى خروجها حسب. فإن قيل: قد اتفقنا على أنه إذا خرج من البدن وجبت فيه طهارة، وهي إزالته عن البدن والثوب، فكذلك يجب فيه الوضوء الذي هو طهارة قياسا على ما يخرج من السبيلين. قيل: هذا لا يلزمنا من وجهين: أحدهما: أن الذي يخرج من السبيل على غير العادة لا تجب فيه الطهارة (١).

стр. 820

والوجه الثاني: هو أن إزالة النجاسة ليست بفرض -عندنا- على ما ذكرناه (١). على أنه لو صح [هذا] (٢) القياس على أصولنا [لكان] (٣) منتقضا بالقليل من القيء والرعاف؛ لأن قليل ما يخرج من السبيل ينقض الوضوء، ويوجب الإزالة، وقليل الدم والقيء يوجب الإزالة، ولا ينقض الوضوء. وعلى أنه قد يصيب بدن الإنسان وثوبه نجاسة من غيره، مثل الدم والبول، فيجب -عندهم- إزالته، ولا يجب منه الوضوء على من أصابه. ويبطل أيضا على مذهبهم؛ لأنه لو كان الخارج أقل من درهم نقض الوضوء، ولم تجب إزالته. فإن قيل: فقد روي في خبر عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء، حتى يكون دما سائلا" (٤). وظاهر هذا يفيد إيجاب الوضوء فيه إذا كان سائلا. قيل: هذه حجة لنا؛ لأنه نفى الوضوء في القطرة والقطرتين، وأنتم توجبون الوضوء في مثل هذا، فعلم أنه أراد غسل ذلك، وهو اسم وضوء في اللغة. فإن قيل: فقد روى جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا كان الرعاف

стр. 821

مما يقطر في الأرض ففيه الوضوء" (١). قيل: أراد الوضوء اللغوي من غسله (٢)، أو نحمله على الشرعي استحبابا، بما ذكرناه من الأخبار المعارضة له، وبالقياس المرجح أيضا. فإن قيل: فإنه خارج من جنس ما يوجب الإزالة، فجاز أن تتعلق بجنسه الطهارة، دلليه الخارج من السبيلين. قيل: لا نسلم وجوب الإزالة على أصولنا في إزالة الأنجاس، فلم تسلم العلة. على أننا قد عارضناه بقياس آخر، ثم بينا العلة في الخارج من السبيلين، وأن قليله يوجب ما يوجب كثيره، وأن الريح المقارنة تعمل عمله في نقض الوضوء. وقد رد محمد بن الحسن هذه المسألة على مالك ﵀ وقال: "كيف تركتم ما رويتم عن عبد الله بن عمر "أنه كان إذا رعف انصرف فتوضأ ثم

стр. 822

رجع فبنى على صلاته ولم يتكلم" (١)، ورويتم "أن عبد الله بن عباس كان يرعف فيخرج فيتوضأ، ثم يرجع فيبني على ما صلى" (٢)، ورويتم عن [يزيد بن] (٣) عبد الله بن قسيط الليثي "أنه رأى سعيد بن المسيب رعف وهو يصلي، فأتى حجرة أم سلمة زوج النبي ﵇ (١١١)، فأتي بوضوء فتوضأ، ثم رجع فبنى على صلاته" (٤). فتركتم هذه الأحاديث التي رويتموها، وعدلتم إلى أن تقولوا: يغسل الدم ويستأنف الصلاة، فتركتم البناء والوضوء، وعدلتم إلى غسل الدم واستئناف الصلاة. قال: والعجب ممن يقول: إن أهل المدينة يقولون بالآثار، وهم يروونها ثم يتركونها عيانا، ثم يتأولون ذلك، ويشبهون القيء والرعاف بالريق والمخاط، والقي والدم نجسان، والريق والمخاط طاهران (٥). وأجابه القاضي إسماعيل ﵀ عن ذلك بأن قال: الذي رواه مالك عن عبد الرحمن بن حرملة أنه رأى سعيد بن المسيب يرعف فيخرج منه الدم حتى تختضب أصابعه من الدم يخرج من أنفه، ثم يصلي ولا يتوضأ (٦). وهذا

стр. 823

يدل على أنه لا يرى في ذلك وضوءا، وأنه إنما انصرف حين رعف في الصلاة لأنه لم يمكنه أن يصلي وهو يرعف، ولما أصابه ذلك وهو في غير الصلاة نحاه عنه، ثم صلى ولم يتوضأ (١). قال: وعلى هذا تأول أمر ابن عمر، لما روي عنه أنه كان يخرج منه قيح أو دم فلا يتوضأ (٢). وروى عنه عطاء "أنه زاحم على الحجر حتى أدمى أنفه، ثم ذهب فغسله ثم عاد". فذكر عنه غسله، ولم يرو عنه توضأ، والطائف بالبيت في صلاة، عليه أن يتوضأ إذا انتقض وضوؤه. قال: والوضوء من الدم فيما نوى غسله ليس وضوء الصلاة. قال: وقد جاء عن عمر ﵁ "أنه كان يتوضأ بالماء لما تحت الإزار" (٣). فعلم أنه غسل الأذى، فلو كان الرعاف ينقض الوضوء لانتقضت الصلاة؛ لأنه يكون فيها وهو على غير وضوء، وإنما جاز أن يغسل ويبني؛ لأنه [على] (٤) وضوء، ولو أن رجلا رعف فلم يجد الماء إلا بعيدا من

стр. 824

مكانه لم ينبغ له أن يبني؛ لأنه جاء عن سعيد غسل الدم في حجرة أم سلمة، وقد رخص للذي ينسى السلام أن يرجع إذا كان قريبا، فيتشهد ويسلم، وقد قال مالك ﵀: لو كان الرعاف عند ابن عمر ينقض الوضوء لما بنى على صلاته. قال القاضي إسماعيل: والوضوء قد يعنى به التطهر للصلاة، وقد يعنى به غسل الأذى، فإذا لم يكن الأذى دل اللفظ بالوضوء على وضوء الصلاة الذي يطهر الذنوب، وإن كان الأذى دل على تطهير النجاسة. وقد روى قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: "من مس لحما نيئا (١) فليتوضأ". فقيل لقتادة: "فلو مسستُ دما هل كان [علي] (٢) إلا أغسل ذلك الدم؟. فقال قتادة: لا أدري لعل الوضوء هو ذاك" (٣). وقد روي عن أبي هريرة "أنه أدخل أصبعه في أنفه، وأخرجها متلطخة بالدم، وصلى" (٤). وكان سعيد تختضب أصابعه من الدم من أنفه ثم يصلي (٥).

стр. 825

وروي عن أبي أمامة أنه كان يقول: "الوضوء فيما خرج من النصف الأسفل" (١). وقد روي عن خلق من التابعين أنهم قالوا: لا وضوء في الرعاف وخروج الدم من غير السبيل. وتكلم إسماعيل على محمد بن الحسن في قوله: إن الدم نجس، والريق طاهر، وإن كل خارج من البدن نجس ينقض الطهارة، وناقضه بالقليل منه، وتفرقته بين ذلك وبين قليل ما يخرج من السبيل، وبالله التوفيق (٢). مَسْألة (٢٦): وليس في قهقهة (٣) مصل وضوء، وهي -عندنا- كالكلام لغير إصلاح الصلاة، فتبطل الصلاة ولا تبطل الطهارة (٤).

стр. 826

وبه قال من الصحابة أبو موسى الأشعري، وجابر (١). ومن التابعين: عطاء، والزهري. ومن الفقهاء: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود (٢). وقال الحسن، والنخعي (٣)، والأوزاعي (٤)، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: إنها تنقض الصلاة والوضوء جميعا (٥). وحصل الإجماع في أنها لا تبطل الوضوء في غير الصلاة (٦). والدليل لقولنا كونه داخلا في الطهارة على الصحة، فلا يخرج منها إلا بدليل. ولنا أيضا قول النبي ﷺ : "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" (٧). وأيضا ما رواه الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "المقهقه في صلاته والمتكلم سواء" (٨).

стр. 827

فإن قيل: ليس كلامنا في الضحك، وإنما خلافنا في القهقهة. قيل: المراد بالضحك هاهنا (١) المقهقه؛ لأنه ﷺ جعله كالكلام في السلام، وما دون القهقهة ليس حكمه حكم الكلام في الصلاة. وروي أيضا في هذا الحديث أنه ﷺ قال: "الضاحك في الصلاة، والمفقع أصابعه، والمتلفت بمنزلة واحدة" (٢). فأجراه مجرى ما لا ينتقض طهره بفعله. فإن قيل: قوله ﷺ : "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" (٣) حجة لنا؛ لأن القهقهة (١١٢) صوت. قيل: إنما أشار إلى صوت على صفة، وقد عقل أن القهقهة لا تدخل فيه. يبين هذا: ما روي في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا وضوء

стр. 828

إلا من حدث، والحدث أن يفسو أو يضرط" (١). ونقول أيضا: إن كل ما لم يكن حدثا في غير الصلاة لم يكن حدثا في الصلاة كالكلام (٢)، عكسه البول والغائط، لما كان حدثا في غير الصلاة كان حدثا في الصلاة. وأيضا فإن كل معنى لا ينقض قليله الوضوء لم ينقض كثيره، كالمشي والتبسم (٣). ونقول أيضا: إن القهقهة جنس نطق، قد أبيح في غير الصلاة، [فلما لم] (٤) ينقض الطهر إذا حدث خارج الصلاة لم ينقضه إذا حدث في الصلاة، دليله الضحك الذي ليس بقهقهة. ثم الأصول تشهد لما نقول، وذلك أن كشف العورة في غير الصلاة لا ينقض الوضوء، وكذلك مس النجاسة، وكذلك في الصلاة (٥). ووجدنا الغائط، والبول، واللمس للذكر لشهوة كل ذلك ينقض الوضوء

стр. 829

في غير الصلاة، وينقضه في الصلاة. فإن قيل: قد فرقتم بين النوم في الصلاة وغير الصلاة (١). قيل: لا فرق بينهما؛ لأن النوم الذي ينقض الوضوء في غير الصلاة ينقضه في الصلاة. فإن قيل: فرؤية الماء قبل الصلاة للمتيمم بخلافه في الصلاة. قيل: ليس رؤية الماء حدثا (٢)، والمتيمم على غير طهر في الصلاة وفي غير الصلاة، وإنما هو مستبيح للصلاة بالتيمم، فعليه الوضوء في غير الصلاة، إذ الطلب لم يسقط، وإنما علمنا أن الذي ينقض الوضوء في غير الصلاة ينقضه في الصلاة، وما لا ينقض الوضوء في غير الصلاة لا ينقضه في الصلاة. وأيضا فإن القهقهة لا تبلغ حد الكلام المبني على حروف مستقيمة، ويمكن للإنسان ضبطه، ولعل الضحك والقهقهة ربما بدر فلم يمكن للإنسان دفعه، فإذا لم ينقض الكلام الوضوء فالقهقهة أولى أن لا تنقضه فإن قيل: إن الردة بالكلام تنقض الوضوء (٣). قيل: فقد استوى الحكم فيها قبل الصلاة وفي الصلاة.

стр. 830

على أننا قلنا: إن ما لا ينقض في غير الصلاة من الكلام لا ينقضه في الصلاة. ثم إن الردة لم تنقض نفس الوضوء، وإنما عملت في الأصل، فانجر ذلك إلى إحباط أعماله كلها، ويدخل الوضوء في جملتها، ألا أن قذف المحصنات -الذي هو أغلظ الكلام، ولا ينحبط معه العمل العمل (١) - لما لم ينقض الوضوء في غير الصلاة لم ينقضه في الصلاة، وهو منهي عنه في غير الصلاة وفي الصلاة حتى إن الحد يتعلق به، فإذا لم ينقض الطهارة في الصلاة مع غلظ أمره كان القهقهة أولى أن لا تنقضها. ويجوز أن نقول: هو مقهقه فلم ينتقض وضوؤه، أصله إذا قهقه في غير الصلاة. وأيضا فإنه قهقه في صلاة، فلم ينتقض وضوؤه، أصله إذا قهقه في صلاة الجنازة. فإن قيل: ليس من شرط صلاة الجنازة -عندنا- الوضوء؛ لأنه يجوز أن يصليها بالتيمم على وجه مع القدرة على الماء (٢). قيل: لابد من الطهارة إما بالماء أو بالتيمم، ولو أحدث ببول أو غائط خرج من الصلاة. فإن قيل: القياس يوجب ما ذكرتم، وإنما صرنا إلى هذا لما روى أبو

стр. 831

هريرة وعمران بن الحصين أن رسول الله ﷺ قال: "من قهقه في صلاته فليعد الصلاة والوضوء" (١). وهذا نص. وروى أبو العالية "أن النبي ﷺ كان يصلي بقوم، فأقبل رجل ضرير، فتردى في حفرة في المسجد، فضحك طائفة خلف النبي ﵇، فلما فرغ أمر الطائفة التي ضحكت بإعادة الصلاة والوضوء" (٢). قيل: أكثر ما روي في القهقهة ضعيف ومرسل (٣). وأما أبو العالية فهو ضعيف من وجوه: أحدهما: أنه قيل فيه: أبو العالية الرياحي عندي حديثه كالرياح (٤).

стр. 832

وأيضا فإن علي بن المديني ناظر عبد الرحمن بن مهدي فيه (١)، وراجعه فيه، فلم يثبت بينهما فيه سند صحيح، وهما إمامان في عصرهما (٢). وأيضا فإننا روينا حديث مس الذكر فذكرت أن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل قالا: "أربعة أحاديث لا تصح، منها: مس الذكر والقهقهة" (٣). فكيف يجوز أن توردوا هذه الحكاية في القهقهة وقد ألزمتموناها في مس الذكر. فإن تأولتم أن في حديث مس الذكر يجوز أن يكون أمذى كما تأوله ابن البلخي (٤) جاز لنا أن نتأول حديث القهقهة على أنه يجوز أن يكون كان معها ريح لها صوت، فسمع النبي ﵇، فأمر بالوضوء. على أننا قد روينا ما يعارضه في حديث جابر أن النبي ﷺ قال: "يعيد صلاته (١١٣) ولا يعيد الوضوء" (٥)، وخبرنا زائد؛ لأن فيه: "ولا يعيد الوضوء".

стр. 833

ويجوز أن تكون هذه الزيادة ذهبت على أولئك؛ لأنه يجوز أن ينسوها، وراوينا لم ينسها. وعلى أننا نحمل خبرهم في الوضوء على الاستحباب، وخبرنا على نفي الإيجاب وجواز تركه. وعلى أنه لو لم يطعن على حديث أبي العالية (١) في الضرير لما صح متنه؛ لأن الله -تعالى- وصف الصحابة ﵃ بالرأفة والرحمة، فقال: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ (٢)، فإن كانوا بهذه الصفة لم يجز أن يضحكوا في مثل هذا؛ لأنه موضع بكاء لا موضع ضحك (٣)، وقد جوزنا حمله على الاستحباب. على أن مذهبكم أن من قهقه في صلاته خرج فتوضأ وبنى (٤)، وفي هذا

стр. 834

الحديث أنه ﵇ أمرهم بإعادة الصلاة، فعلم أن للحديث وجها غير ما ذهبتم إليه. ويجوز أيضا أن يكون ذلك خصوصا لأولئك الذين ضحكوا خلف النبي ﵇ أعمى تردى في بئر؛ لأن لحضرة النبي ﵇ ما ليس لغيرها. وقد روي هذا التأويل عن جابر بن عبد الله، وأنه قال: "ليس على من ضحك في الصلاة وضوء، إنما كان ذلك لأنهم ضحكوا خلف رسول الله ﷺ " (١). ومن مذهبنا الرجوع إلى تفسير الراوي، وجابر روى حديث الضرير. ومع ذلك فهذا التأويل غير منكر في الأصول، ألا ترى أن طائفة ذهبت إلى [أن] (٢) من زنى بحضرة النبي ﵇ فهو كافر؛ لأنه مستخف بالشرع والدين، ولو زنا بحضرة غيره لم يكن كافرا. فإن قيل: فينبغي أن يكفر الذين ضحكوا بحضرة النبي ﵇. قيل: إن ذلك يترتب، فإذا فعلوا كبيرة بحضرته متعمدين وجب لهم حكم الكفر، ولو فعلوها بحضرة غيره لوجب تعنيفهم، فإذا فعلوا صغيرة بحضرته ﵇ انخفضت العقوبة، ولو فعلوها بحضرة غيره لم يجب عليهم شيء. فإن قيل: قولكم: "إنهم رحماء كما ذكر الله تعالى" فيجوز أن يكونوا

стр. 835

فعلوا ذلك بغير علم، ثم شرع النبي ﵇ لهم شرعا يعملون عليه، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (١)، فليس هذا بمستحيل، وقد كان أيضا بحضرته ﵇ منافقون وأعراب لا علم لهم، مثل الذي بال في المسجد (٢). قيل: أما التجارة واللهو الذي انفضوا إليه فإن التجارة مما يجوز أن يفعلها الإنسان، فإنما يقبح فعلها مع ترك الصلاة من حيث الشرع، وقد كان جائزا فعل ذلك، ثم ورد النهي عنه، وكذلك اللهو إنما كان بالأصوات والفرح الذي يتباشرون عند ورود تجاراتهم من المواضع، وهذا شيء تدعو إليه النفس، ثم حظر عليهم (٣)، وليس كذلك الضحك من مثل هذا؛ لأنه أمر لا يستحسنه إسلامي ولا جاهلي، ويقبح قبل الشرع وبعده، وكذلك فعل الأعرابي في المسجد (٤) إنما قبح بالشرع.

стр. 836

وقولكم: "قد كان خلف النبي ﷺ منافقون" فإننا نقول: الظاهر في الصلاة غير ذلك، ولو كان كذلك لم يجز أن يقول الراوي: إن طوائف من أصحاب النبي ﵇ ضحكوا؛ لأن هؤلاء ليسوا من الصحابة، والراوي قطع أنهم من الصحابة (١). وأيضا فإن من مذهبهم أن أخبار الآحاد إذا وردت عرضت على الأصول، فإن دفعتها لم يقولوا بها. ومن ذلك: ما قالوا لنا في مس الذكر (٢)، وفي اليمين مع الشاهد (٣)، وخبر القرعة في حديث عمران بن حصين (٤)، وحديث أبي هريرة في المصراة (٥)،

стр. 837

وهذا الحديث إذا عرضوه على الأصول دفعته، فلزمهم أن يردوه ويحملوه على وجه الندب (١)، فأحسن أحوالهم أن نسلم لهم ظاهر الحديث ونحمله على الاستحباب، أو على أنه سمع من بعضهم صوت ريح، إن لم يدفعه ما رويناه من الأحاديث، فنخصه بالقياس الذي ذكرناه. فإن قيل: إن كان فعل يحدث باختياره تارة، وتارة بغير اختياره فهو حدث، كالبول، والريح، وغير ذلك. قيل: هذا باطل بأكثر الأشياء وبالحركة؛ لأن الإنسان يتحرك تارة باختياره، [وتارة بغير اختياره] (٢) وكل هذا ليس بحدث، وينتقض بها في غير الصلاة فإنها ليست بحدث إجماعا. وعلى أن المعنى في البول وغيره هو أنه لما أبطل الوضوء في غير

стр. 838

الصلاة [أبطله في الصلاة] (١)، ولما لم تبطل الوضوء القهقهة في غير الصلاة لم تبطله في الصلاة. وعلى أنهم أرادوا أن البول يخرج بغير اختياره، ويعنون إذا سلس بوله فإنه -عندنا- لا ينقض الوضوء قبل الصلاة ولا فيها (٢)، فسقط ما ذكروه. ونقول لهم أيضا: قد زعمتم أنه لو جلس قدر التشهد في آخر صلاته، ثم قهقه كانت صلاته ماضية، وبطلت طهارته (٣)، فلا يخلو (١١٤) من أحد الأمرين: إما أن يكون في صلاة فيجب ـ عندكم أن تبطل صلاته وطهارته جميعا، وإن لم يكن في صلاة فلا يجب أن تبطل طهارته؛ لأن من قهقه في غير صلاة لم تبطل طهارته، وهذا من مذهبكم متناقض. فإن قيل: القياس يوجب أن لا ينقض الوضوء في الصلاة، ولكن لا نعترض بالقياس على الأخبار (٤)، كما قلتم في مس الذكر، وفي المصراة، كذلك نحن أيضا قلنا هذا الخبر. قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أن القياس -عندنا- مقدم على خبر الواحد إذا نافاه (٥). وجواب آخر: وهو أننا نحن قد دللنا على [أن] (٦) القياس يوجب مباينة

стр. 839

الذكر لسائر الأعضاء في أحكام، منها: إيجاب الحد بإيلاجه، وتكملة المهر، والحصانة، والغسل، وإفساد الصوم والحج، وغير ذلك (١)، ومعنا أيضا في المصراة قياس نذكره في موضعه (٢)، وبينا أن الأصول تدفع حديث القهقهة. وجواب آخر: وهو أننا قد روينا من الأخبار ما يعارض خبركم، وزاد عليه، ثم استعملناه على وجه الاستحباب، والقياس يوجب نفي وجوب الوضوء، حتى لا [يتنافى] (٣) القياس والخبر. فإن قيل: فإنه قهقه في صلاة فرض فانتقض وضوؤه، دليله إذا قهقه وأحدث. قيل: معناه وجود، الحدث، بدليل أنه لو قهقه وأحدث في غير صلاة كان كذلك.

стр. 840

مَسْألة (٢٧): وما مسته النار مثل الخبز وغيره فإنه لا وضوء بأكله. وهو مذهب أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود (١)، والفقهاء بأجمعهم ﵃ (٢). وذهب جماعة من الصحابة إلى وجوب الوضوء بأكله. وذهب إليه فيما حكي ابن عمر (٣)، وأبو طلحة عم أنس، وأنس، وأبو موسى الأشعري، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة (٤). والدليل لقولنا كونه على جملة الطهارة، فمن زعم أنها تنتقض بأكل ذلك فعليه الدليل. وأيضا ما روي أنه ﵇ قال: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" (٥).

стр. 841

وقوله: "فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" (١). وأيضا قوله ﵇: "من مس ذكره فليتوضأ" (٢). فدليله أن من لم يمسه فلا وضوء عليه، وهذا لم يمس ذكره. وأيضا ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ أكل كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ" (٣). وكذلك روى أمية (٤) الضمري أن رسول الله ﷺ أكل لحما، فصلى ولم يتوضأ (٥). وعن ابن عباس أن النبي ﷺ أكل لحما فصلى ولم يتوضأ (٦). وعن ابن عباس أن النبي ﷺ توضأ، فقالت له بعض نسائه: "قد نضجت القدر، فناولته كتفا، فأكل، ثم مسح يديه، ثم صلى ولم يتوضأ" (٧). وعن جابر قال: "أكل رسول الله ﷺ لحما، فصلى ولم يتوضأ" (٨). وعن جابر: "أكلت مع النبي ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان خبزا

стр. 842

ولحما، فصلوا ولم يتوضؤوا" (١). ومحمد بن المنكدر عن جابر قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" (٢). وهذا الحديث هو العمدة في هذه المسألة؛ لأنه حكى أنه آخر الأمرين فعله، فنسخ كل ما مضى؛ لأن ترك الوضوء يكون بعد ما مضى (٣). وروي عن ابن عباس مثله (٤). فإما أن يكون فيما مضى كان واجبا أو مستحبا، فقد تركه ﵇ آخر أمره. وأيضا فلا نعلم خلافا أن الوضوء لا يجب من شرب الماء الساخن، وهو مما مسته النار.

стр. 843

وأيضا فقد حصل الاتفاق على أنه لو أكل حشيشا، أو شيئا من الفاكهة لم يجب عليه الوضوء، والمعنى فيه أنه أكل لشيء حلال، فكل من أكل شيئا حلالا فلا وضوء عليه (١). فإن قيل: فقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "توضؤوا مما غيرت النار" (٢). وروي عن أم سلمة قالت: "في بيتي كان هذا، أن النبي ﷺ أكل كتفا من لحم ولم يتوضأ، ثم أتي بشيء من أقط فأكل وتوضأ، قلت: يا رسول الله! إنك لم تتوضأ في المرة الأولى، فقال: "توضؤوا مما مست النار" (٣). قيل: هذا عندنا على أحد وجوه: إما أن يكون منسوخا، بدليل ما روي عن جابر [و] (٤) محمد بن مسلمة أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ أنه أكل لحما، وصلى ولم يتوضأ (٥).

стр. 844

وعن ابن عباس وجابر أن آخر الأمرين من (١١٥) رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسته النار (١). أو نحمله على الوضوء اللغوي الذي هو غسل الفم واليد (٢). وقد ذكرنا عن معاذ أنه قال: "ليس الوضوء في هذا واجبا، فقيل له: إن أناسا يقولون: إن رسول الله ﷺ قال: "توضؤوا مما مست النار". فقال معاذ: إن قوما سمعوا ولم يعوا، كنا نسمي غسل الفم واليدين وضوءا وليس بواجب، وإنما أمر رسول الله ﷺ المؤمنين أن يغسلوا أيديهم وأفواههم مما مست النار، وليس بواجب" (٣).

стр. 845

ويجوز أن نحمل ذلك على الاستحباب (١) لما روينا. وقد قيل: إن حديث أم سلمة رواه عمر عن حميد عنها، وفي حفظ عمر هذا شيء (٢). وقد روي عن جابر قال: "قُرب للنبي ﷺ خبز ولحم، فأكل، ثم دعا بوضوء فتوضأ وصلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى صلاة العصر ولم يتوضأ" (٣). والمعول على الحديث الذي فيه: "كان آخر الأمرين منه ﵇ لترك الوضوء مما مست النار" (٤).
следующие страницы →