← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وقوله: "فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" (١). وأيضا قوله ﵇: "من مس ذكره فليتوضأ" (٢). فدليله أن من لم يمسه فلا وضوء عليه، وهذا لم يمس ذكره. وأيضا ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ أكل كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ" (٣). وكذلك روى أمية (٤) الضمري أن رسول الله ﷺ أكل لحما، فصلى ولم يتوضأ (٥). وعن ابن عباس أن النبي ﷺ أكل لحما فصلى ولم يتوضأ (٦). وعن ابن عباس أن النبي ﷺ توضأ، فقالت له بعض نسائه: "قد نضجت القدر، فناولته كتفا، فأكل، ثم مسح يديه، ثم صلى ولم يتوضأ" (٧). وعن جابر قال: "أكل رسول الله ﷺ لحما، فصلى ولم يتوضأ" (٨). وعن جابر: "أكلت مع النبي ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان خبزا

стр. 842

ولحما، فصلوا ولم يتوضؤوا" (١). ومحمد بن المنكدر عن جابر قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" (٢). وهذا الحديث هو العمدة في هذه المسألة؛ لأنه حكى أنه آخر الأمرين فعله، فنسخ كل ما مضى؛ لأن ترك الوضوء يكون بعد ما مضى (٣). وروي عن ابن عباس مثله (٤). فإما أن يكون فيما مضى كان واجبا أو مستحبا، فقد تركه ﵇ آخر أمره. وأيضا فلا نعلم خلافا أن الوضوء لا يجب من شرب الماء الساخن، وهو مما مسته النار.

стр. 843

وأيضا فقد حصل الاتفاق على أنه لو أكل حشيشا، أو شيئا من الفاكهة لم يجب عليه الوضوء، والمعنى فيه أنه أكل لشيء حلال، فكل من أكل شيئا حلالا فلا وضوء عليه (١). فإن قيل: فقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "توضؤوا مما غيرت النار" (٢). وروي عن أم سلمة قالت: "في بيتي كان هذا، أن النبي ﷺ أكل كتفا من لحم ولم يتوضأ، ثم أتي بشيء من أقط فأكل وتوضأ، قلت: يا رسول الله! إنك لم تتوضأ في المرة الأولى، فقال: "توضؤوا مما مست النار" (٣). قيل: هذا عندنا على أحد وجوه: إما أن يكون منسوخا، بدليل ما روي عن جابر [و] (٤) محمد بن مسلمة أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ أنه أكل لحما، وصلى ولم يتوضأ (٥).

стр. 844

وعن ابن عباس وجابر أن آخر الأمرين من (١١٥) رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسته النار (١). أو نحمله على الوضوء اللغوي الذي هو غسل الفم واليد (٢). وقد ذكرنا عن معاذ أنه قال: "ليس الوضوء في هذا واجبا، فقيل له: إن أناسا يقولون: إن رسول الله ﷺ قال: "توضؤوا مما مست النار". فقال معاذ: إن قوما سمعوا ولم يعوا، كنا نسمي غسل الفم واليدين وضوءا وليس بواجب، وإنما أمر رسول الله ﷺ المؤمنين أن يغسلوا أيديهم وأفواههم مما مست النار، وليس بواجب" (٣).

стр. 845

ويجوز أن نحمل ذلك على الاستحباب (١) لما روينا. وقد قيل: إن حديث أم سلمة رواه عمر عن حميد عنها، وفي حفظ عمر هذا شيء (٢). وقد روي عن جابر قال: "قُرب للنبي ﷺ خبز ولحم، فأكل، ثم دعا بوضوء فتوضأ وصلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى صلاة العصر ولم يتوضأ" (٣). والمعول على الحديث الذي فيه: "كان آخر الأمرين منه ﵇ لترك الوضوء مما مست النار" (٤).

стр. 846

فَصْل فأما إذا أكل لحم الإبل فلا وضوء عليه (١). وكذلك عند أبي حنيفة والشافعي (٢). وقال أحمد (٣): عليه الوضوء، نيئا كان أو مطبوخا (٤). واستدل له بما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب: أن رسول الله ﷺ سئل عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: "توضؤوا منها"، وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم، فقال: "لا تتوضؤوا منها"، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: "لا تصلوا فيها، فإن فيها شياطين"، وسئل عن الصلاة في مبارك الغنم، فقال: صلوا فيها، فإن فيها بركة" (٥).

стр. 847

فأمر بالوضوء من لحم الجزور أمرا ظاهره الوجوب، وأسقط ذلك عن أكل لحوم الغنم. والدليل لقولنا الظواهر التي ذكرناها قبل هذا الفصل. وأيضا فإن الذي ينقض الوضوء هو ما خرج من الجوف على صفة، فأما ما يصل إلى الجوف فلا ينقض؛ لأنه لو حقن ووصلت الحقنة إلى جوفه لم ينتقض الوضوء (١)، ولو خرج مثلها من جوفه [لانتقض] (٢) وضوؤه. فأما خبرهم فيحمل على الاستحباب أو على غسل اليد، وإنما فرق ﵇ بين لحم الإبل والغنم؛ لأن لحم الإبل له سهوكة (٣) ليست للحم الغنم، فاستحب ذلك في لحوم الإبل لقلع السهوكة (٤). أو نقول أيضا: هو مأكول فلا يؤثر أكله في نقض الطهارة ولا إيجابها، أصله سائر المأكولات. وأيضا فإن تناول الأشياء النجسة مثل الخمر والميتة والدم لا يوجب

стр. 848

الوضوء، فلأن لا توجبه الأشياء الطاهرة أولى. وأيضا فإنه لا يخلو أن يحكم لذلك ولما مسته النار بحكم الأشياء الطاهرة (١)، فيقاس على نظائرها، أو بحكم الأشياء النجسة، فيقاس على ما هو من جنسها، والجميع مما لا يوجب الوضوء، وبالله التوفيق. مَسْألة (٢٨): من تيقن الطهارة وشك (٢) في الحدث بعد ذلك فعليه الوضوء، هذا ظاهر قول مالك ﵀ (٣). وروى عنه ابن وهب أنه قال: أحب إلي أن يتوضأ. واختلف أصحابه، فقال بعضهم (٤): هو مستحب. وقال بعضهم: هو واجب (٥).

стр. 849

وإلى هذا كان شيخنا أبو بكر ﵀ يذهب، وأنا أختاره. وقال الحسن: إن شك في الحدث وهو في الصلاة بنى على يقينه، ولم يقطع الصلاة (١)، وإن كان في غير الصلاة أخذ بالشك. وقد روي هذا عن مالك (٢). وروي أيضا أنه يقطع الصلاة أيضا ويتوضأ (٣). وقال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما (٤): يبني على يقينه، وهو على وضوئه بيقين (٥)

стр. 850

والدليل لقولنا هو أن الطهارة لا تراد لنفسها، وإنما تراد الصلاة، والصلاة عليه بيقين، فلا تسقط إلا بيقين. وأيضا فإنه أخذ عليه أن يدخل في الصلاة بيقين الطهارة، وقد قدح الشك في يقين طهارته لا محالة، فصار بمنزلة من تيقن الحدث وشك هل تطهر أو لا؟ فإنه يجب عليه أن يتطهر حتى يدخل في الصلاة بيقين الطهارة. فإن قيل: هذا دليل [لنا] (١)؛ لأنه إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة رجع إلى يقينه في الحدث، فيجب أن يتطهر، كذلك إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث ينبغي أن يرجع إلى يقينه في الطهارة، فلا يزيلها الشك (٢). قيل: إننا لم نأمره بالطهارة إذا شك فيها -وقد تيقن الحدث- من أجل تيقن الحدث، وإنما أوجبنا عليه الطهارة حتى يدخل في الصلاة بيقين طهارة، فكذلك إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث نوجب عليه الطهارة حتى يدخل

стр. 851

الصلاة بيقين طهارة، إذ الطهارة لا تراد لنفسها، وإنما تراد للصلاة. وأيضا فإن الطهارة (١١٦) قد تتقدم، ثم يطرأ عليها الشك فيبطلها، مثل المتطهر إذا نام مضطجعا، فإن الطهارة عليه واجبة، وليس النوم في نفسه حدثا، وإنما هو من أسباب الحدث الذي ربما كان، وربما لم يكن. فإن قيل: إن النبي ﵇ شبه النائم بالزق (١) المشدود، إذا حل وكاؤه خرج ما فيه (٢)، ولا يجوز أن يقع الخبر بخلاف مخبره. قيل: استطلاق الوكاء صحيح، ولم يقل ﵇: إنه إذا استطلق الوكاء يخرج ما في الزق لا محالة، وقد يخرج بالاستطلاق، وقد لا يخرج؛ لأنه قد يكون في الزق شيء جامد فلا يخرج حين الاستطلاق، ولعله أن يخرج بعد وقت. وعلى كل حال ليس نفس [الاستطلاق] (٣) هو الحدث، وإنما الحدث ما يخرج منه، وما في جوف ابن آدم قد يخرج عند الاستطلاق، وقد لا يخرج؛ لأننا نجد خلقا لعلهم خلقا لعلهم في بعض الأوقات يجتهدون أن يخرج منهم ريح أو غيرها، وهم يقصدون ذلك، ويتعمدونه مع الاستطلاق، فلا يكون منهم شيء من ذلك، وإنما أراد ﵇ أن الأغلب أن يكون ذلك من النائم، وهذا كله شك لا محالة، وقد وجب الطهارة حتى يدخل في الصلاة بيقين

стр. 852

طهارة، وقد يخرج أيضا من المستيقظ الريح فينسى ذلك، وإن كان يتيقن قبله طهارة. ومما يدل على أن نفس استطلاق الوعاء ليس بحدث، وقد يجوز أن يخرج الريح معه، ويجوز أن لا يخرج قول النبي ﵇ لما نام ونفخ: "إنه تنام عيني، ولا ينام قلبي" (١)، فيعلم ما يخرج منه. ولنا من الظواهر قول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. فالظاهر منه أمر لكل قائم، لكل صلاة، على أي وجه قام (٢)، إلا أن يقوم دليل. وأيضا قول النبي ﷺ : "لا صلاة إلا بطهور" (٣). ولا نسلم أن هذا متطهر في حال دخوله وكونه في الصلاة. وأيضا فإن إطلاق "طهور" يفيد طهورا بلا شك، ولم يقل: إلا بطهور مشكوك فيه. فإن قيل: فقد روي عن عبد الله بن زيد الأنصاري قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه الشيء وهو في الصلاة (٤)، فقال: "لا ينفتل من صلاته

стр. 853

حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" (١). وروى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد ريحا بين إليتيه فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" (٢). وروي أن النبي ﷺ قال: "إن الشيطان يأتي أحدهم وهو في الصلاة فينفخ بين إليتيه، فيقول: أحدثت، أحدثت، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" (٣). قيل: على هذه الأحاديث جوابان: أحدهما: أنها وردت فيمن هو في الصلاة، فنحن نقول بموجبها على أظهر الروايتين عن مالك (٤)؛ لأن الصلاة تراد لنفسها، والوضوء لها يراد، فإذا دخل في الصلاة بيقين طهارة فقد حصل المقصود الذي أريدت له الطهارة، وتناهى دخوله فيها، فلم يبطل ما دخل فيه، ولو أبطلنا الصلاة أبطلنا بالشك عملين، أحدهما: الصلاة، والآخر: الطهارة التي أريدت للصلاة، وقد دخل بها فيها، وإذا كان قبل الصلاة فإنما يبطل عمل واحد وهو الطهارة التي تراد للصلاة لا لنفسها (٥).

стр. 854

والجواب الآخر: على الوجه الذي يبطل الوضوء في الصلاة وقبلها فإننا نقول: نفخ الشيطان بين أليتيه، وما يخيله إليه يشككه هل هذا حدث ينقض الطهارة أو لا؟، ومسألتنا فيه إذا شك هل أحدث [الحدث] (١) الذي يتيقنه عند خروجه ولا يشك فيه أنه حدث؟ مثل الصوت والريح، وهل خرج منه ذلك حتى سمعه سمعه أو شمه، ثم نسيه أو لا؟. على أن هذا يجوز أن يخص، فيكون تقديره: "لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا إلا أن تقوم دلالة على شيء آخر"، كما لو بال فلم يسمع صوتا ولا وجد ريحا، أو أمذي، وقد ذكرنا أدلة تخص هذا الظاهر. ولنا أن نقيسه عليه إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة، بعلة أنه لا يمكنه أن يدخل في الصلاة بيقين طهارة في الحال. فإن قيل: فإنه شك طرأ على يقين، فوجب أن لا يزال ذلك اليقين (١١٧) به، وأصله إذا كان محدثا فشك هل تطهر أو لا؟ فيصير الأصل الذي قستم عليه أصلا لنا. قيل: هذا فاسد بأشياء على مذهب الشافعي وأبي حنيفة. فأحدها: إذا كان له عبد فهرب منه، وفقد خبره، ولا يعلم موضعه، فأعتقه عن كفارة ظهاره لم يجزئه، والأصل يقين حياته، ولم تسقط الكفارة

стр. 855

عن ذمته (١)، فقد دفعتم يقين حياته بالشك في وفاته؛ لأن سبيل الكفارة أن تسقط عن ذمته بيقين العتق، فهذا نقض، وهو شاهد لنا؛ لأن الصلاة في ذمته بيقين، فلا تسقط بيقين طهارة قد عارضها شك. فإن قيل على هذا: إنه قد تقابل في الكفارة يقينان: بقاء حياة العبد، وبقاء فرض الكفارة في ذمته، والظاهر يشهد لبقاء الفرض في ذمته، وهو فقد خبر العبد، وعدم العلم بموضعه، وليس كذلك في هذه المسألة. قيل: الأمران سواء لا فرق بينهما، وذلك أنه قد تقابل في مسألتنا يقينان: أحدهما: يقين الطهارة، والآخر: يقين الصلاة في ذمته، والظاهر فقد يقين الطهارة بالشك فيها؛ لأن الحدث ينافيها، ولا يتحقق دخوله في الصلاة بها، ولا يتقين سقوط الصلاة عن ذمته. والوجه الثاني الذي يفسد ما ذكروه: هو أن المقيم -عندهم- يمسح على خفه يوما وليلة، ثم لو شك هل مسح يوما وليلة أو دون اليوم والليلة لم يجز له أن يمسح، وعليه أن يجدد الوضوء (٢)، والأصل بقاء وقت المسح، وأن اليوم والليلة لم يمضيا، فأزالوا اليقين بالشك. والوجه الآخر: قالوا: إذا بالت الظبية (٣) في ماء أكثر هو من قلتين، ووجد الماء متغيرا لم يجز له الوضوء منه (٤)، ويجوز أن يكون هذا التغيير

стр. 856

حصل من بول الظبي فيمنع من الوضوء به، ويجوز أن يكون التغير حصل بنفسه من غير البول، فلا يمنع من الوضوء به، فأزالوا طهارة الماء الكثير بالشك. فإن قيل: لم نزل اليقين هاهنا بالشك، وإنما رفعنا اليقين بيقين يشهد له ظاهر، وذلك أن طهارة الماء يقين، وحصول النجاسة فيه يقين، والتغيير مشكوك فيه هل حصل من النجاسة أم لا؟، والظاهر أن التغيير حصل من النجاسة، فرجحنا به يقين النجاسة، ورفعنا به طهارة الماء. وفي مسألتنا بخلاف هذا؛ لأنه لا ظاهر يشهد ويرجح به بقاء فرض الصلاة في ذمته، فاستصحبنا يقين طهارته. قيل: الشك في الموضعين حاصل لا محالة، شك في تنجيس الماء، وشك في الحدث، وإن افترق وجها الشك فيهما، فإذا رفع يقين الماء بالشك رفع يقين الطهارة بالشك، حتى يسقط فرض الصلاة عن ذمته بيقين. على أن ظاهر وجود القلتين وأكثر أقوى من ظاهر وزن در همين من بول غزال فيهما، فإذا تغير الماء فظاهر أنه لم يتغير من ذلك، فينبغي أن لا يرفع حكم طهارته بهذا الشك. وعلى أننا قد ذكرنا القياس عليه إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة، وقياسنا أولى؛ لأنه يؤدي إلى الاحتياط للصلاة، فيسقطها بيقين، وهو ناقل عن براءة الذمة، وعن الحال المتقدمة، وموجب.

стр. 857

فإن قيل: فإن الأصول مبنية على اليقين، فمن ذلك ما وري أن النبي ﵇ قال: "إذا شك أحدكم في صلاة فلم يدر أصلى ثلاثا أو أربعا فليين على يقينه" (١). وكذلك لو شك هل طلق أو لا لم يلزمه الطلاق؛ لأنه على يقين نكاحه (٢)، وهذا لو شك هل أصاب بدنه أو ثوبه نجس أو لا فإنه يبني على يقين طهارته. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أننا قد أريناكم في الأصول العمل على الشك، مثل عتق العبد الآبق في الكفارة، وغير ذلك. والجواب الآخر: هو أن الذي ذكرتموه في الصلاة عروضه أن يشك في الطهارة هل غسل الأربعة الأعضاء أو الثلاثة منها؟ فإنه يبني على اليقين،

стр. 858

وهذا حجة لنا؛ لأنه يرجع فيغسل عضوا لعله قد غسله، ويصلي ركعة لعله قد صلاها، احتياطا للصلاة حتى تسقط بيقين، فلا ننكر أن يعيد طهارة قد تطهرها، احتياطا للصلاة حتى تسقط عنه بيقين. وأما من شك هل طلق أو لا فقد روي عن مالك أنها تطلق، ولكن الأظهر أنها لا تطلق، بل يستحب له أن يطلق (١). والفرق بين الموضعين هو: أن المقصود في النكاح الاستمتاع والوطء نفسه، فلم يعمل الشك في يقينه. وأيضا فلو أعملنا الشك في يقينه للحقت فيه المشقة العظمى؛ لأن الشكوك تكثر من الناس، وليس في إعادة الطهارة من المشقة ما في ابتداء التزويج. وقد فرقت الأصول بين ما تكثر فيه المشقة وما تقل فيه، فمن ذلك: الحائض لم تكلف قضاء الصلاة لتكررها في كل يوم خمس مرات، وكلفت قضاء الصيام؛ لأنه (١١٨) في السنة مرة واحدة. وأما إذا شك هل في ثوبه نجس أو لا كان على ما هو عليه، [فلو] (٢) صلي به ناسيا لم تبطل صلاته؛ لأن إزالة الأنجاس -عندنا- ليس بفرض (٣)، وليس كذلك الوضوء؛ لأنه فرض لأجل الصلاة.

стр. 859

وأيضا فإن مضيه على صلاته مع شكه في طهارته يوجب إسقاط الفرض عن ذمته بالشك. فإن قيل: هذا يلزم فيه إذا شك في طهارته وهو في صلاته. قيل: هو كذلك في القياس، وإليه أذهب. وبالله التوفيق. مَسْألة (٢٩): إذا جامع الرجل المرأة والتقى ختانانهما فقد وجب عليهما الغسل وإن لم ينزلا. وهو مذهب جميع الفقهاء (١) غير داود (٢). ووجوب الغسل مذهب أكثر الصحابة (٣).

стр. 860

وقد ذهب بعضهم إلى أن الغسل لا يجب إلا بالإنزال، منهم: أبي بن كعب (١)، وسعد بن أبي وقاص، وأبو سعيد الخدري، وغيرهم (٢). والدليل لقولنا قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٣). والمجانبة في اللغة هي المفارقة (٤)، وهي كناية عن الوطء، فهو إذا كان مجامعا ثم فارق فقد حصلت المفارقة، سواء أنزل أو لم ينزل، فهو عام في كل مجامع فارق إلا أن يقوم دليل. وهذا كقول النبي ﷺ : "الكذب مجانب الإيمان" (٥)، أي مفارقه. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ و ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ يفيد طهارة ما،

стр. 861

وغسلا ما، لا يدل على غسل جميع البدن، ونحن نوجب عليه غسلا ما، وهو الوضوء. قيل: هذا غلط؛ لأن الله -تعالى- فرق بين الوضوء وبين الغسل والتطهر، فقال في آية الوضوء: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، حتى ذكر الأعضاء، ثم لما ذكر الجنابة غيّر اللفظ، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وقال: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، فعلمنا أن الثاني غير الأول. ومن جهة اللغة أيضا لا يعقل من قول القائل: قد اغتسل غسل بعضه، وإنما يعقل منه غسل جميع بدنه. وكذلك حكت عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان إذا كان جنبا يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل أصول شعره بالماء، ثم يفيض على سائر جسده" (١). فعبرت عن فعله بلفظ الجنابة التي هي المفارقة، ثم وصفت فعله، وأن فيه غسل جميع البدن. ولنا أيضا: ما رواه سعيد بن المسيب أن أبا موسى الأشعري ﵁ سأل عائشة ﵂ عن التقاء الختانين فقالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا التقى،: الختانان فقد وجب الغسل" (٢).

стр. 862

وأيضا ما رواه الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا قعد أحدكم بين شعبها الأربع، وألصق جناحيه بجناحيها فقد وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل". وهذا نص قد ذكره أبو داود (١). وقد روي مثل هذا عن عائشة أنها قالت: "إذا قعد بين شعبها الأربع، ومس ختانه ختانها فقد وجب الغسل" (٢).

стр. 863

فإن قيل: فإنه لم يذكر في هذه الأخبار غسل جميع البدن، وإنما فيها ذكر الغسل، فإذا توضأ تناوله اسم الغسل. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن الألف واللام في الغسل للجنس، فقوله: "وجب الغسل" يوجب جميع الغسل، قليله وكثيره إلا أن يقوم دليل. والجواب الآخر: هو أن إطلاق الغسل يقتضي غسل جميع البدن لا غسل [أعضاء] (١) مخصوصة، وقد فرق بين اسم الوضوء واسم الغسل. وأيضا ما روي عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : "إذا التقى الختانان وجب الغسل"، ثم زادت بيانا فقالت: فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا" (٢). وعائشة رائية ومباشرة بذلك، فقد أخبرت بحقيقة الباطن فيه. فإن قيل: وأيضا فإن إضافة الفعل إليها لا يلزم لو صح، فنحن نحمله على الوضوء أو على الاستحباب، بدليل ما روي عن عثمان ﵁ أنه سئل عن الذي يجامع أهله فلا ينزل، قال: "ليس عليه إلا الوضوء، هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول" (٣).

стр. 864

قيل: أما قولكم: "إن الحديث موقوف على عائشة" فقد أسندته (١)، وأبو هريرة معها (٢). وأما إضافة الفعل إليها فإنه لم يتجرد حتى أضافته إلى رسول الله ﷺ ، والصحابي إذا حكى أن النبي ﷺ فعل كذا ففعل من أجله كذا، فهو كأن النبي ﷺ قال: "فعلت كذا ففعلت لأجله كذا"، وهو مثل قول الراوي: "سها النبي فسجد" (٣)، و "زنا ماعز فرجمه" (٤). وأما حديث عثمان ﵁ فيمن جامع فلفظ المجامعة يفيد المباشرة، مأخوذ من الاجتماع، فهو اجتماع البشرة مع البشرة، وليس فيه ذكر الجنابة، ولا ذكر الإيلاج، ونحن نقول (١١٩) بموجبه، والحديث الذي فيه التقاء

стр. 865

الختانين بيّن صريح في موضع الخلاف، فأحسن أحوال حديث عثمان أن يكون عموما في كل مجامع، وخبر الختان أخص منه فيقضي عليه. فإن قيل: فقد روى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "الماء من الماء" (١). يعني الاغتسال من الإنزال، فجعل جنس الماء إنما هو من الإنزال، فصار كأنه قال: "لا ماء إلا من الماء". وروى أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ قال: "إذا جامع أحدكم ولم يمن فلا غسل عليه" (٢). وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﵇ قال: "إذا أكسل أحدكم [ولم] يقحط فلا غسل عليه" (٣). فقوله: "أكسل" أي انقطع جماعه، وقوله: " [ولم] يقحط" أي لم ينزل. قيل: أما الخبر الذي فيه: "الماء من الماء" (٤) فقد روي أبو حازم عن

стр. 866

سهل بن سعد، الساعدي عن أبي بن كعب أنه قال: "الماء من الماء رخصة رخصها النبي ﷺ في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال" (١). وعلى أن دليل الخطاب في قوله: "الماء من الماء" عموم تقديره: إن الماء لا يجب من غير الماء إلا أن يقوم دليل، وقد ذكرنا قوله: "إذا التقى الختانان وجب الغسل" (٢)، فصار تقديره: الماء من الماء ومن التقاء الختانين. وقوله: "إذا جامع أحدكم ولم يمن فلا غسل عليه" (٣) فقد ذكرنا أن ظاهره اجتماع البشرتين بغير إيلاج. وعلى أن قولنا: "إذا التقى الختانان" أخص منه فيقضي عليه. وأما الخبر الذي قيل فيه: "إذا أكسل أحدكم [ولم] يقحط فلا غسل عليه" (٤) فعنه أجوبة: أحدهما: "أنه قد روى أبو الزبير، عن جابر، عن أم كلثوم، عن عائشة ﵂ أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل، هل عليه غسل؟ فقال: "نعم، إني لأفعل ذلك فأغتسل" (٥). وهذا ضد ذلك.

стр. 867

وجواب آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون جامع البشرة بالبشرة، ثم يكسل، فتلحقه الفترة التي في اللذة، فلا ينزل، ولم يكن قد أولج، فأما الإكسال مع الإيلاج ففيه الغسل بخبر عائشة أن النبي ﷺ قال: "إني لأفعل ذلك فأغتسل" (١). وجواب آخر: هو أن أخبارهم تقتضي أن لا غسل، وأخبارنا تقتضي الغسل، ففيها زيادة حكم، فهي أولى (٢). ونجعل أخبارهم منسوخة أيضا؛ لأن أخبارهم متقدمة، وأخبارنا متأخرة (٣). والدليل على أن أخبارهم منسوخة متقدمة ما رواه [محمد] (٤) بن لبيد قال: "سألت زيد بن ثابت عمن أولج ولم ينزل، فقال: يغتسل. فقلت: إن أبيا كان يقول: لا يغتسل. فقال: ﵀ كان قد نزع عنه قبل أن مات" (٥). أي رجع، فدل على أن ما ذكروه متقدم في أول الإسلام. ولنا أيضا أن نقول: إن طريق الإجماع فيه وجهان:

стр. 868

أحدهما: أن الصحابة ﵃ لما اختلفت في هذه المسألة، فقال الأكثرون: فيه الغسل، وقالت الأنصار: لا يجب، والماء من الماء، ثم أرسلوا إلى عائشة ﵂ بأبي سعيد الخدري حتى سألها عن ذلك، فقالت: قال رسول الله: "إذا التقى الختانان وجب الغسل"، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا، فرجعوا إلى قولها، حتى قال عمر ﵁: لو خالف أحد بعد هذا جعلته نكالا (١). وقال لزيد بن ثابت: إن أفتيت بعد هذا بخلافه وتوعده. وروي عن علي ﵁ أنه قال: "كيف توجبون فيه الحد، ولا توجبون فيه صاعا من ماء" (٢)؟ والوجه الثاني: هو أن المسألة متى كانت على وجهين بعد انقراض الصحابة، ثم أجمع العصر الثاني من التابعين بعدهم على أحد القولين كان ذلك مسقطا لخلاف قبله، ويصير إجماعا (٣)، وإجماع الأعصار -عندنا- حجة كإجماع الصحابة.

стр. 869

ثم لو تعارضت الأخبار لكان ما ذهبنا إليه أولى؛ لاستناده إلى أقاويل الأئمة، مثل: عمر، وعلي، والإنكار منهم، ولشهادة الأصول باستدلال وقياس. فأما الاستدلال فهو أن الحد يسقط بالشبه، ويحتاط فيه، والغسل يجب على وجه الاحتياط وبالشبهة، فإذا تعلق الحد بهذا الفعل فلأن يتعلق به الغسل أولى (١). وأيضا فإن النوم لما كان حالا لا يؤمن معه الحدث جعل كالمتيقن في وجوب الطهارة، فجاز أن يجب الغسل في مسألتنا؛ لأنه غاية ما تطلب به الشهوة، فأشبه الإنزال. وأيضا فإن الوطء يتعلق به فساد الحج، والصوم، والكفارة، وتكملة المهر، والحد، والحصانة، وتحريم الربيبة، والخروج من الإيلاء، وبطلان العدة، والتحليل للزوج الأول، [ولما] (٢) استوى في جميع (١٢٠) هذه الأشياء الإنزال وغير الإنزال فكذلك الاغتسال، بل هو آكد. وأما من جهة القياس فنقول: هو حكم يتعلق بالجماع، فلا يعتبر فيه الإنزال كالحد والإحصان. ونقول أيضا: إن الأحكام التي تجب في الإيلاج مع وجود الإنزال هي في الإيلاج بلا إنزال آكد منها في الإنزال دون الإيلاج، وذلك أن الإيلاج يتعلق به جميع الأحكام التي تتعلق به إذا وجد معه الإنزال، من الحصانة، والحد، وغير ذلك من الأحكام، فيجب أن يتعلق وجوب الغسل عليه كما

стр. 870

يتعلق على المولج كسائر الأحكام. ويجوز أن نقول: كل [إيلاج] (١) في الفرج يتعلق به الحد، والحصانة، وتكملة المهر يجب فيه الغسل، أصله إذا أولج فأنزل. فإن قيل: فإن للإنزال في الغسل مزية ليست للإيلاج المنفرد؛ لأن الإنزال يوجب الغسل في النوم واليقظة، وخارج الفرج وداخله، وليس الإيلاج كذلك؛ لأنه لو أولج في النوم ولم ينزل فلم يجب الغسل، ولو أنزل ولم يولج وجب الغسل. قيل: الإيلاج لقوته في اليقظة وتعلق سائر الأحكام به هو كالإيلاج الذي يقارنه الإنزال، وما أوجب الأحكام التي ذكرناها أكد مما لم يوجب انفراده إلا الغسل، فيجب أن يكون في وجوب الغسل أولى. وعلى أن الإيلاج في النوم ليس هو شيئا موجودا حقيقته، والإيلاج في اليقظة هو موجود وحقيقة، هو كوجود الإنزال حقيقة، فعلى أي وجه وجد الإنزال حقيقة وجب الغسل، وعلى أي وجه وجد الإيلاج حقيقة وجب الغسل (٢)، والله أعلم.

стр. 871

مَسْألة (٣٠): خروج المني غير مقارن للذة لا يوجب الغسل عندنا، وعند أبي حنيفة (١)، سواء كان قبل البول أو بعده، فإذا اغتسل من الجنابة ثم خرج منه مني بعد ذلك لم يجب فيه الغسل (٢). وقال الأوزاعي: إن كان قد بال ثم خرج منه لم يعد الغسل، وإن خرج منه قبل البول أعاد (٣). وقد حكي عن أبي حنيفة مثل هذا (٤). وعند الشافعي أنه يعيد الغسل، سواء خرج قبل البول أو بعده (٥).

стр. 872

والدليل لقولنا استصحاب الحال، وكونه على جملة الطهارة قبل خروج هذا منه، فمن زعم أن طهارته انتقضت فعليه الدليل. فإن قيل: هو غير متطهر عندكم؛ لأن الوضوء واجب. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن من أصحابنا من قال: الوضوء مستحب، وإلا فهو طاهر. والجواب الآخر: هو أننا قلنا: هو على طهارة، وإطلاق هذا على من اغتسل من الجنابة؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، ولم يقل: انتقض وضوؤه، وإنما قلنا: هو على جملة الطهارة بغسل الجنابة المتقدم. ولنا أن نقول: قد اغتسل، فمن زعم أن الغسل من هذا الخارج يجب فعليه الدليل. فإن قيل: الصلاة عليه بيقين، فمن زعم أنها تسقط عنه بغير غسل من هذا المني فعليه الدليل. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن الصلاة واجبة عليه على شرط أن يؤديها بطهارة مأمور بها

стр. 873

من جهة الشرع، وقد اغتسل من المني كما أمر، فمن زعم أن طهره بعد ذلك قد انتقض فعليه الدليل. والجواب الآخر: هو أننا نوافقهم على أن الصلاة واجبة عليه، وأنها تسقط عن ذمته على شرط ما نقوله، فأما على شرطكم فإننا نخالفكم فيه. ولنا ظواهر أخر مثل قوله ﵇: "لا صلاة إلا بطهور" (١). وهذا قد تطهر بالغسل الأول، فمن زعم أن عليه طهارة احتاج إلى دليل. وأيضا قوله: "وإنما لامرئ ما نوى" (٢). وهذا إذا صلى ونوى الصلاة فله ما نواه إلا أن يقوم دليل. وأيضا قوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٣). دليله أن الصلاة تصح بفاتحة الكتاب، وهذا قد صلى وقرأ فاتحة الكتاب، فنفرض المسألة فيه إذا صلى وقرأ بغير غسل. ونقول أيضا: إن هذا خارج من غير لذة الجماع ولا دفق فلا يصير جنبا، أصله المذي. وأيضا فإن المذي من أجزاء المني إلا أنه جزء رقيق، وإن كان يوجب الوضوء، والمني يوجب الاغتسال، وليس هاهنا معنى يفرق بينهما إلا خروج

стр. 874

المني مقارن للذة مخصوصة، والمذي لغير لذة الجماع، فدل على أن الجنابة تتعلق بالمعنى الذي ذكرناه من خروجه على الشهوة والدفق (١). وأيضا فإن أصل هذا الباب ما بيناه في خروج الأحداث على على وجه المرض؛ لأن خروج المني موضوع على مقارنة (١٢١) اللذة المخصوصة، فإذا خرج عن أصله وعادته فهو مرض كدم الاستحاضة، ألا ترى أن دم الحيض يوجب الغسل، فإذا خرج عن عادته سقط الغسل (٢)، فكذلك خروج المني مقارنا للذة يوجب الغسل، فإذا خرج عن عادته سقط الغسل. فإن قيل: فقد قال ﵇: "الماء من الماء" (٣). فأوجب الغسل من خروج الماء فهو عموم (٤). وسألته ﵇ أم سليم عن المرأة ترى الماء في نومها. فقال: "إذا رأت الماء اغتسلت" (٥). ولم يخص ما تقارنه اللذة من غيره. قيل: أما قوله: "الماء من الماء" (٦) فعنه جوابان: أحدهما: أنه من قول الأنصار لا من قول النبي ﵇ (٧)، بدليل ما روي

стр. 875

عن عمر ﵁ أنه سأل الأنصار عن ذلك فقالوا: كنا نقول ذلك في بدء الإسلام، فقال لهم عمر: أسمعتم ذلك من رسول الله ﷺ أنه فرضه من الحكم؟. فقالوا: لا، فقال: فلا إذن (١). والجواب الآخر: وهو أن إطلاق اسم الماء لا يتناول المني؛ لأن اسم المني خاص به، وإنما يتناوله اسم الماء مجازا، واللفظ محمول على الحقيقة دون المجاز، فيجب أن يرجع إلى معناه دون الحكم بظاهره، ومعنى ما قالت الأنصار: "إن الماء الماء" (٢) من بمعنى أن الاغتسال من الإنزال، والإنزال لا يطلق فيما خرج على غير وجه اللذة والدفق، وكلام النبي ﵇ يتوجه إلى ما خرج على العادة، وكذلك خرج كلامه في سائر الأحداث التي هي معتادة، كما حكم في الحيض وغيره، ثم لما سئل عما خرج عن العادة من دم الاستحاضة فرق بينه وبين دم الحيض. فإن قيل: فإنه إنزال فوجب أن يتعلق به الغسل، كالإنزال المقارن للذة. وأيضا فإن المني يوجب الطهارة العليا، والبول يوجب الطهارة الصغرى، ثم لو بال الرجل بعض البول وبقي البعض، ثم توضأ، ثم أرسل باقي البول وجب عليه أن يعيد الوضوء، وإن كان ذلك البول من بقية ذلك البول كالمني. قيل: أما القياس على المني للذة فالمعنى في الأصل أنه خارج على

стр. 876

وجه العادة، فهو كالحيض، وإذا خرج عن وجه العادة لم يجب الغسل كدم الاستحاضة، وهذا هو الاعتبار الصحيح (١)، وقد قسناه على المذي، وهو به أشبه. وما ذكروه من البول فعروضه من مسألتنا إن تبقى من المني بقية تخرج مقارنة للذة، كما خرج بقية البول على عادته. وعروض مسألتنا من البول أن يسلس بوله فيخرج عن عادته، فلا يجب عليه الوضوء عندنا (٢). فإن قيل: إنه خارج من مخرجه، وهو مما يخلق منه الولد، فأشبه ما خرج منه على وجه اللذة. قيل: إنه لا معتبر بكون الماء مما يخلق منه الولد، بدليل أن ماء الخارم والمجبوب (٣) وماء العقيم لا يكون منه الولد -عندكم- في العادة، وإن كان خروجه على وجه الدفق واللذة، وهو مع هذا يوجب الغسل، فدل ذلك على أن اعتبار ما ذكرناه هو الصحيح، دون خلق الولد. وأما الكلام على الأوزاعي وعلى ما حكي عن أبي حنيفة فإننا نورد عليه الظواهر التي تقدمت. وأيضا فلا فرق بين ظهوره قبل البول وبعده؛ لأنه خرج عن عادته

стр. 877

وموضوعه من مقارنة اللذة، كما لا فرق بين خروج دم الاستحاضة على أي وجه خرج، لخروجه عن العادة. ونقول: هو ضرب من المني خارج غير مقارن للذة فأشبه خروجه بعد البول. فإن قاسوه على المني المعتاد انتقض عليهم به إذا خرج بعد البول. فإن قيل: إنه إذا خرج بعد البول فالظاهر منه أنه لم يحصل من الإنزال الأول، وإنما حصل إنزالا بغير دفق ولا شهوة، ألا ترى أنه لو كان من الأول لم يجز بقاؤه مع خروج البول، وإذا خرج قبل البول فهو من الإنزال الأول، والغسل يوجب ظهور ذلك من بدن الإنسان، فإذا ظهر قبل البول حكمنا بوجوب الاغتسال بالسبب المتقدم. قيل: أما قولكم: "إنه إذا خرج بعد البول لم يكن من المني الأول، وليس كذلك قبل البول" فعنه جوابان: أحدهما: أنه يجوز أن يتولد بعد انقطاعه قبل البول، كما يتولد بعد البول لخروجه عن صفة الأول المقارن للذة. والجواب الآخر: هو أنه إذا ظهر قبل البول فإنه لا حكم له لعدم اللذة، وإن كان الأول قد مضى على صفته، فلو أن هذا بقية الأول لوجب أن يكون فيه شيء من اللذة، فلما عدمت اللذة منه جملة فارق حكمه حكم الأول (١٢٢) وإن كان ضربا من المني، ألا ترى أن المذي أن المذي هو ضرب من المني؛ لأنه يتولد عن الشهوة، فإذا كان المذي هو ضرب من المني يتولد عن الشهوة،

стр. 878

ومع هذا لا يوجب الغسل فالمني الذي هذه صفته، وإنما هو ضرب من ذلك المني غير أنه لا شهوة معه، ولم يخرج ملتذا به أولى أن لا به أولى أن لا يجب فيه الغسل، والله أعلم. فإن قال قائل ممن لا يفصل بين قبل البول وبعده (١): وجدنا الصائم ممنوعا من الأكل وهو يفسده، وكذلك يفسده الإنزال للذة في اليقظة على وجهه، ثم لو أكل شيئا غير ملتذ، وأنزل فيه غير ملتذ عند مباشرة لكان مفسدا لصومه، وعليه القضاء، ولم يجز أن يقال: إن موضوع ذلك على الانتفاع بما يأكله، وكذلك لو بلع حصاة، فكذلك لا ينبغي أن تراعى في مسألتنا اللذة. قيل: إن الصوم هو الإمساك عن الأكل الذي يحصل به ضرب من الغذاء، أو ما يقوم مقامه مما يصل إلى الجوف، فعلى أي وجه حصل فهو ضد الإمساك، والصائم أيضا ممنوع من الجماع والمباشرة التي يقارن بها الالتذاذ والإنزال، وقد يخرج أيضا منه المني ولا ينقض صومه مثل المحتلم، ومن كانت منه نظرة فأنزل (٢). وكذلك إن خرج منه المني المتعري من اللذة لم يفسد صومه، ولم يجب فيه غسل، وإن كان على وجه اللذة وجب فيه الغسل، ولم يفسد صومه في مواضع، فعلم أن الصوم ليس بأصل في مسألتنا، وهذا كدم الحيض

стр. 879

والاستحاضة، فإن الصوم يفسد مع وجود الحيض، ولا يفسد مع دم الاستحاضة. فإن قيل: اتفقنا على أن الغسل يجب بشيئين: أحدهما: الإنزال. والثاني: التقاء الختانين، ثم اتفقنا على أن التقاء الختانين قد استوت فيه اللذة وعدمها، فكذلك ينبغي أن يكون الإنزال. قيل: إن الغالب من أمر الصحيح أنه لا يبلغ إلى الإيلاج إلا وقد أخذ غاية من الالتذاذ التي هي أبلغ من الجسة والقبلة. ثم إن للإيلاج من الأحكام ما ليس للإنزال المتعري من الإيلاج، فلِغلظ أمر الإيلاج وتحصين الفرج لزمت فيه تلك الأحكام، فكان الغسل من جملتها، ولما سقطت تلك الأحكام في الإنزال بغير إيلاج افترق الحكم فيه بين خروجه مقارنا للذة وبين عدمها. والله أعلم. مَسْألة (٣١): وإمرار اليد على البدن في غسل الجنابة واجب عند مالك ﵀ (١). وقال بعض أصحابه (٢): إنه مستحب، مثل أبي الفرج المالكي (٣) وغيره.

стр. 880

وإلى مثل هذا ذهب أبو حنيفة (١) والشافعي (٢). وأنا أقول بظاهر قول مالك في وجوبه. والدليل لذلك قوله تعالى في الوضوء: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٣). وكذلك قال النبي ﵇ للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك" (٤). وقال: "لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء، فيغسل وجهه" (٥). وقال تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٦). فذكر الغسل في الوضوء والجنابة، وقد عقل أهل اللغة الفرق بين الغسل، والغمس، والمس، واللمس، وجعلوا كل اسم منها بمعنى معقول غير معنى صاحبه؛ لأن الاغتسال افتعال، لابدّ أن يكون فيه لليد فعل يحصل به غاسلا لجميع بدنه وأعضائه في الوضوء، حتى يفارق تلك المعاني من الغمس، والمس، واللمس التي أسماؤها غير اسم الغسل (٧).
следующие страницы →