← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وجه العادة، فهو كالحيض، وإذا خرج عن وجه العادة لم يجب الغسل كدم الاستحاضة، وهذا هو الاعتبار الصحيح (١)، وقد قسناه على المذي، وهو به أشبه. وما ذكروه من البول فعروضه من مسألتنا إن تبقى من المني بقية تخرج مقارنة للذة، كما خرج بقية البول على عادته. وعروض مسألتنا من البول أن يسلس بوله فيخرج عن عادته، فلا يجب عليه الوضوء عندنا (٢). فإن قيل: إنه خارج من مخرجه، وهو مما يخلق منه الولد، فأشبه ما خرج منه على وجه اللذة. قيل: إنه لا معتبر بكون الماء مما يخلق منه الولد، بدليل أن ماء الخارم والمجبوب (٣) وماء العقيم لا يكون منه الولد -عندكم- في العادة، وإن كان خروجه على وجه الدفق واللذة، وهو مع هذا يوجب الغسل، فدل ذلك على أن اعتبار ما ذكرناه هو الصحيح، دون خلق الولد. وأما الكلام على الأوزاعي وعلى ما حكي عن أبي حنيفة فإننا نورد عليه الظواهر التي تقدمت. وأيضا فلا فرق بين ظهوره قبل البول وبعده؛ لأنه خرج عن عادته

стр. 877

وموضوعه من مقارنة اللذة، كما لا فرق بين خروج دم الاستحاضة على أي وجه خرج، لخروجه عن العادة. ونقول: هو ضرب من المني خارج غير مقارن للذة فأشبه خروجه بعد البول. فإن قاسوه على المني المعتاد انتقض عليهم به إذا خرج بعد البول. فإن قيل: إنه إذا خرج بعد البول فالظاهر منه أنه لم يحصل من الإنزال الأول، وإنما حصل إنزالا بغير دفق ولا شهوة، ألا ترى أنه لو كان من الأول لم يجز بقاؤه مع خروج البول، وإذا خرج قبل البول فهو من الإنزال الأول، والغسل يوجب ظهور ذلك من بدن الإنسان، فإذا ظهر قبل البول حكمنا بوجوب الاغتسال بالسبب المتقدم. قيل: أما قولكم: "إنه إذا خرج بعد البول لم يكن من المني الأول، وليس كذلك قبل البول" فعنه جوابان: أحدهما: أنه يجوز أن يتولد بعد انقطاعه قبل البول، كما يتولد بعد البول لخروجه عن صفة الأول المقارن للذة. والجواب الآخر: هو أنه إذا ظهر قبل البول فإنه لا حكم له لعدم اللذة، وإن كان الأول قد مضى على صفته، فلو أن هذا بقية الأول لوجب أن يكون فيه شيء من اللذة، فلما عدمت اللذة منه جملة فارق حكمه حكم الأول (١٢٢) وإن كان ضربا من المني، ألا ترى أن المذي أن المذي هو ضرب من المني؛ لأنه يتولد عن الشهوة، فإذا كان المذي هو ضرب من المني يتولد عن الشهوة،

стр. 878

ومع هذا لا يوجب الغسل فالمني الذي هذه صفته، وإنما هو ضرب من ذلك المني غير أنه لا شهوة معه، ولم يخرج ملتذا به أولى أن لا به أولى أن لا يجب فيه الغسل، والله أعلم. فإن قال قائل ممن لا يفصل بين قبل البول وبعده (١): وجدنا الصائم ممنوعا من الأكل وهو يفسده، وكذلك يفسده الإنزال للذة في اليقظة على وجهه، ثم لو أكل شيئا غير ملتذ، وأنزل فيه غير ملتذ عند مباشرة لكان مفسدا لصومه، وعليه القضاء، ولم يجز أن يقال: إن موضوع ذلك على الانتفاع بما يأكله، وكذلك لو بلع حصاة، فكذلك لا ينبغي أن تراعى في مسألتنا اللذة. قيل: إن الصوم هو الإمساك عن الأكل الذي يحصل به ضرب من الغذاء، أو ما يقوم مقامه مما يصل إلى الجوف، فعلى أي وجه حصل فهو ضد الإمساك، والصائم أيضا ممنوع من الجماع والمباشرة التي يقارن بها الالتذاذ والإنزال، وقد يخرج أيضا منه المني ولا ينقض صومه مثل المحتلم، ومن كانت منه نظرة فأنزل (٢). وكذلك إن خرج منه المني المتعري من اللذة لم يفسد صومه، ولم يجب فيه غسل، وإن كان على وجه اللذة وجب فيه الغسل، ولم يفسد صومه في مواضع، فعلم أن الصوم ليس بأصل في مسألتنا، وهذا كدم الحيض

стр. 879

والاستحاضة، فإن الصوم يفسد مع وجود الحيض، ولا يفسد مع دم الاستحاضة. فإن قيل: اتفقنا على أن الغسل يجب بشيئين: أحدهما: الإنزال. والثاني: التقاء الختانين، ثم اتفقنا على أن التقاء الختانين قد استوت فيه اللذة وعدمها، فكذلك ينبغي أن يكون الإنزال. قيل: إن الغالب من أمر الصحيح أنه لا يبلغ إلى الإيلاج إلا وقد أخذ غاية من الالتذاذ التي هي أبلغ من الجسة والقبلة. ثم إن للإيلاج من الأحكام ما ليس للإنزال المتعري من الإيلاج، فلِغلظ أمر الإيلاج وتحصين الفرج لزمت فيه تلك الأحكام، فكان الغسل من جملتها، ولما سقطت تلك الأحكام في الإنزال بغير إيلاج افترق الحكم فيه بين خروجه مقارنا للذة وبين عدمها. والله أعلم. مَسْألة (٣١): وإمرار اليد على البدن في غسل الجنابة واجب عند مالك ﵀ (١). وقال بعض أصحابه (٢): إنه مستحب، مثل أبي الفرج المالكي (٣) وغيره.

стр. 880

وإلى مثل هذا ذهب أبو حنيفة (١) والشافعي (٢). وأنا أقول بظاهر قول مالك في وجوبه. والدليل لذلك قوله تعالى في الوضوء: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٣). وكذلك قال النبي ﵇ للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك" (٤). وقال: "لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء، فيغسل وجهه" (٥). وقال تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٦). فذكر الغسل في الوضوء والجنابة، وقد عقل أهل اللغة الفرق بين الغسل، والغمس، والمس، واللمس، وجعلوا كل اسم منها بمعنى معقول غير معنى صاحبه؛ لأن الاغتسال افتعال، لابدّ أن يكون فيه لليد فعل يحصل به غاسلا لجميع بدنه وأعضائه في الوضوء، حتى يفارق تلك المعاني من الغمس، والمس، واللمس التي أسماؤها غير اسم الغسل (٧).

стр. 881

فإذا ثبت أن غسل البدن والأعضاء عند الأحداث واجب فصفة ذلك واجبة؛ لأنه بالأمر وجب، والأمر حصل بفعل يدخل تحت هذا الاسم، فالواجب امتثال ما يدخل تحت الاسم، ولا يمكن أن تتعلق العبادة بمعنى هذا الاسم دون غيره. وأيضا قول النبي ﷺ : "تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر وأنقوا البشرة" (١). فأمر ﷺ بالإنقاء، والأمر بالإنقاء ظاهره واجب، ولا يحصل الإنقاء في غالب الحال إلا بإمرار اليد، فإذا كان الإنقاء من فعل إمرار اليد فظاهره الوجوب. وهذا مثل ما يستدل به على وجوب التلبية بقوله ﷺ : "إن الله يأمركم أن ترفعوا أصواتكم بالتلبية" (٢). فإذا أمر برفع الصوت فيها دل على وجوبها. وأيضا فإن في البدن مواضع كثيرة تغمض، ومواضع ينبو (٣) عنها الماء، وخاصة الأبدان [النمشة] (٤) التي لعلها في أكثر الناس ينفض الماء عنها، وقد أخذ عليه تطهير جميعها، فلا يحصل معنى الغسل فيها إلا بإمرار اليد عليها حتى تطهر.

стр. 882

ولا ينكر أن يجب في الشريعة شيء لأجل الاحتياط، كمن شك في ركعة فلم يدر أهي رابعة أم ثالثة، وكمن شك في صلاة من يوم لا يدري أية صلاة هي فإنه يصلي خمس صلوات، وهذا كله (١٢٣) احتياط حتى يتيقن ما صلى. فإن قيل: فما تقول في أقطع اليد إذا كان إمرار اليد واجبا عليه، ولم يجزئه الغمس في الماء والصب عليه، كيف يعمل؟. قيل: قد نص مالك على أن عليه أن يأتي بمن يمر يده عليه، وقال: إن لم ينل شيئا من بدنه بلّ شيئا من ثوبه، وأمّره عليه. فإن قيل: فإن لم يقدر على شيء من ذلك. قيل: هذه حال ضرورة، يسقط معها الفرض، فيجزئه الانغماس لأجل خلاف الناس فيه، وهذا كالأمي يصلي بالأميين، يصلي لنفسه إذا لم يجد من يصلي خلفه، وكالعاجز عن القيام يصلي جالسا. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، ثم قال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (١). وهذا قد اغتسل. وأيضا ما روي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه للغسل؟. قال: "لا، إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات

стр. 883

من ماء، ثم تفيضي الماء عليك، فإذا أنت قد طهرت" (١). فأخبر بأنه متى وجد إفاضة الماء أجزأ؛ لأن الطهارة تقتضي طهارة مطلقة. وقد قال لأبي ذر: "الصعيد الطيب وضوء المؤمن ولو لم يجد الماء عشر حجج، فإن وجد الماء فليمسسه بشرته" (٢). ولم يأمر بالدلك (٣). قيل: أما قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ فهو حجة لنا، لما بيناه من الفرق بين اسم الغسل، والصب، والغمس، والمس، وإذا أفاض عليه ولم يمر يده لم يقل: قد اغتسل حقيقة، فإن سمي به فهو مجاز. وأما حديث أم سلمة فإنما أعلمها أن الفرض في رأسها بلّ الشعر دون غسل ما تحته. وقوله لها: "ثم تفيضي عليك الماء" فإنه لا ينافي ما قلناه، ألا ترى أن الإفاضة قد تصيب بعض البدن، وقد لا تصيب بعضه، ولا نعلم بوصول الماء إلى تحت الآباط وما غمض بالإفاضة دون إمرار اليد، وإنما قصد بالخبر أن لا تنقض شعرها، فأما صفة الغسل فهو مأخوذ من قوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. وقوله لأبي ذر: "إذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك" (٤) يدل على صحة

стр. 884

قولنا؛ لأن الهاء في "أمسسه" كناية عن الماء، فقال: "أمسسه بشرتك"، فيحتاج أن يكون [ماسا لجميع بدنه، والمماسة بكل جزء من الماء لكل جزء من البشرة تكون] (١) باليد؛ لأن حقيقة المس إنما تكون باليد. على أن الآية في الاغتسال، وما رويناه من قول النبي ﷺ للأعرابي (٢) أخص وأبين مما أوردوه، وليس فيه إجمال، فهو مبين لما أوردوه. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَإِن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. وإذا فعل ما نقوله قيل: قد تطهر. قيل: لا يطلق عليه في الشريعة أنه قد تطهر إلا على صفة، وهو أن يغتسل ويمر يده، كما لا يحصل متطهرا إلا بماء طاهر وبالنية (٣). فإن قيل: فقد روي أن النبي ﷺ قال: "أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء، فإذا أنا قد طهرت" (٤). ولم يقل: قد تدلكت. قيل: عن هذا أجوبة: أحدهما: أنه أراد أن يعلمنا أنه ليس للماء قدر محدود، وأن هذا القدر يكفي.

стр. 885

وجواب آخر: وهو أن هذا القدر من الفعل لا يكفي؛ لأنه معلوم أنه يحثي على رأسه فلا يصيب جميع بدنه، ولا يصل إلى تحت آباطه، وما يغمض منه مما يجب غسله (١)، فصار مفتقرا إلى بيان. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ أخص منه. وجواب آخر: وهو أنه يجوز أن تقوم دلالة تلحق به صفة أخرى، كوجوب النية وغير ذلك، وقد ذكرنا ما هو أخص من هذا من تعليمه الأعرابي، وقوله: "لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل" (٢). وقد بينا أن للغسل صفة يختص بها في اللغة، وقد نفى الإجزاء إلا بوجودها. فإن قيل: قد روت عائشة "أنه ﵇ كان إذا اغتسل من جنابته بدأ بغسل يديه، ثم تنظف الأذى، من ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم خلل أصول شعره بالماء، ثم غرف على رأسه ثلاث غرفات من ماء، ثم أفاض الماء على جلده كله" (٣). فنقلت غسله ﵇ مفروضه، ومسنونه، ومستحبه، ولم تذكر الدلك. قيل: لا يحتاج إلى ذكر الدلك؛ لأن الاغتسال يقتضيه، وهو صفة فيه قد عقل من الآية، وإنما نقلت الأفعال التي فعلها قبل غسله.

стр. 886

وقولها: "ثم يفيض الماء على جلده كله" فقد فهم منه أن المقصود الغسل المطلوب. فإن قيل: فإنه موضع يلحقه حكم الجنابة، فوجب أن لا يلزمه إمرار اليد عليه، أصله الموضع الذي لا تناله يده خلف ظهره لسمنه، وهذا وفاق. قيل: إن كان ما لا تناله يده شيئا كثيرا فعليه أن يأتي بمن يمر يده عليه، وإن كان شيئا يسيرا لا بال له فهو خفيف، كالعمل القليل (١٢٤) في الصلاة، وكالعفو عن دم البراغيث، ولأجل الخلاف في جواز ترك الدلك. فإن قيل: فقد قال تعالى [في الجنابة] (١): ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، وقال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، ففرق بين الأمرين، فوجب اعتبار فائدة الفرق بينهما، ولا يكون إلا بترك إمرار اليد في الغسل، وبإمرارها في التيمم. قيل: إنما ذكر المسح في التيمم لأنه لا غسل فيه، والغسل خلاف المسح، وإن كان لليد فيهما جميعا فعل، فهذا هو الفرق بين الموضعين. ولنا أن نقيس ذلك على المسح في التيمم، وأن لليد فيه فعلا، فنقول: قد اتفقنا على إمرار اليد في التيمم، العلة فيه أنها عبادة تجب للصلاة، وتنتقض بالحدث، والتيمم والوضوء وغسل الجنابة كله -عندنا- بمنزلة واحدة في وجوب إمرار اليد. فإن قيل: فإنه قد أجرى الماء الطاهر على أعضائه، فأشبه إذا تدلك،

стр. 887

ويبين ذلك أن حال الجنابة لم توجد هناك عين يحتاج إلى إزالتها، وإنما العبادة في إجراء الماء على الأعضاء، وقد جرى فعله، فاعتبار الدلك لا معني له، ألا ترى أنه ليس فى الأصول إمرار اليد على الأعضاء على وجه العبادة من غير معنى. وأيضا فإن ذلك غسل واجب فأشبه إزالة الطيب من بدن المحرم، ولأن الدلك مبالغة في الغسل، وزيادة صفة فيه، فأشبهه تكرار الماء في العضو. قيل: أما إذا تدلك فالمعنى فيه حصول اسم الاغتسال على حقيقته، وتحقيق وصول الماء إلى جميع بشرته الغامض منها والظاهر، ومماسته بيده. وقولكم: "إنه لم توجد عين يحتاج إلى إزالتها، وإنما العبادة إجراء الماء على الأعضاء" فإننا نقول: لا يمتنع أن يكون العبادة في إجراء الماء على صفة إمرار اليد، ليتحقق وصول الماء؛ لأن في البدن مواضع ينبو الماء عنها. وقولكم: "ليس في الأصول إجراء اليد على الأعضاء على وجه العبادة" غلط؛ لأنه في المسح في التيمم موجود (١)، والمعنى الذي فيه موجود في الغسل، وهو إجراء اليد على كل موضع وقعت العبادة بتطهيره، ليتحقق وصول الماء إليه، ويجوز أن تتعلق العبادة فيه أيضا بالتنظيف، كغسل الجمعة الذي قصد منه التنظف بزوال الروائح التي لا تزول إلا بإمرار اليد في الغالب. وأما غسل طيب المحرم فالأنجاس أعظم منه، وليس إزالتها بفرض

стр. 888

عندنا (١)، وغسل الجنابة فرض. وقولكم: "إن إمرار اليد مبالغة فأشبه التكرار" فإننا نقول: صفة الغسل هي إمرار اليد بالماء على الأعضاء كصفة المسح في التيمم، فتكرار الغسل كتكرار التيمم، لا تسقط صفة المسح في الأول. فإن قيل: فإن النبي ﵇ أمر بصب ذنوب أو ذنوبين من ماء على بول الأعرابي (٢)، ولم يأمر بدلكه، وهو عين نجسة، ففي غسل البدن الذي لا نجس عليه أولى أن لا يجب إمرار اليد فيه. قيل: إن النبي ﵇ أمر بصب الماء على البول؛ لأن الغرض إزالته، وهو مائع، فإذا لاقى الماء وهو مائع وغلب عليه أزال عينه وأثره؛ لأن الغرض إزالة ذلك، فأما غسل الجنابة فقد اجتمع فيه أمران (٣): أحدهما: المني الذي هو - عندنا - نجس، فإذا خرج كان له حكمان: أحدهما: غسله في نفسه إن أصاب ثوبا أو بقعة من المسجد أو البدن والحكم الآخر: هو الاغتسال منه. فإن أصاب شيئا من الثياب والأبدان احتيج فيه إلى إمرار اليد في غسله، كذلك غسل جميع البدن منه، وما حصل في الأرض من البول إن لم يدلك فقد حصل فيه تطهيران من جهة الماء والتراب الذي له مدخل في التطهير، فاستغنى عن الدلك.

стр. 889

على أنه يجوز أن يكون ﵇ الأمر بصب الماء على بول الأعرابي، وعلموا منه أن الفرض الغسل، فغسلوه بأيديهم، ونقل الخبر إلينا ليفيدنا أن هذا القدر من الماء يطهره. * * * * مسألة (٣٢): ولا بأس بالوضوء من فضل الجنب والحائض، مثل أن يفضل في إنائهما ماء بعد فراغهما من غسلهما، فيجوز للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة وغسلها. وهو مذهب الفقهاء كافة (١). وقال أحمد بن حنبل: لا يجوز أن يتوضأ [الرجل] (٢) من فضل ماء توضأت به المرأة، أو اغتسلت به منفردا (٣). ووافقنا على أنه يجوز لها أن تتوضأ من فضل الرجل (٤)، والرجل من فضل الرجل، والمرأة من فضل المرأة، وكذلك إذا استعملاه جميعا معا جاز أن يتوضأ الرجل منه (٥).

стр. 890

واستدل بخبرين: أحدهما ما روي "أن النبي ﷺ نهى أن يغتسل الرجل من فضل وضوء المرأة، وأن تغتسل المرأة من فضل وضوء الرجل، وليغترفا معا" (١). وروي "أنه ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل من فضل المرأة" (٢). والدليل لقولنا ما رواه مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: "رأيت رسول الله ﷺ وقد حانت صلاة العصر، فالتمس القوم الماء فلم يجدوه، فأتي النبي ﷺ بإناء، فوضع يده فيه، وأمر الناس أن يتوضؤوا منه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم" (٣). فموضع الدليل منه أنهم توضؤوا كلهم من إناء واحد، ومعلوم أنه كان منهم نساء ورجال؛ لأن هذا كان في الحضر، ولم يفصل بين أن يتقدم النساء أولا أو الرجال، أو بعضهم على بعض، بل كلهم استعملوه، فمن متقدم ومن متأخر. وأيضا ما رواه ابن عمر قال: "كان الرجال والنساء يتوضؤون على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد" (٤).

стр. 891

وعند أحمد أن مثل هذا يجوز، وهو مما يسقط مذهبه؛ لأن الرجال والنساء إذا توضؤوا في إناء واحد فإن الرجل يكون مستعملا لفضل المرأة لا محالة. وقد روي عن معاذة العدوية عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد" (١). فلما اغتسل ﵇ معها من إناء واحد علم أنه لا محالة قد استعمل فضل ماءها، فدل على جوازه. وما روي أنه ﵇ أراد أن يغتسل من ماء في جفنة اغتسلت منه امرأة، فقالت له بعض نسائه: أتغتسل منه يا رسول الله وقد اغتسلت منه من الجنابة؟. فقال: "المؤمن ليس بنجس" (٢). وهذا نص في المسألة بفعله، وتعليله أن المؤمن ليس بنجس. ولنا من الظواهر قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٣). ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٤).

стр. 892

وهذا كيفما كان فهو منزل من السماء. وقوله ﵇: "خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" (١). و "طهور" اسم لما يتكرر منه التطهير، فهو على عمومه. ونقول: هو ماء فضل عن استعمال ما سقط به الفرض، فجاز أن يسقط به الفرض، أصله فضل الرجل تتوضأ به المرأة، وفضل الرجل يتوضأ به الرجل، وفضل المرأة تتوضأ به المرأة. ونقول أيضا: هو ماء لم يخالطه شيء أثر فيه، فجاز أن يتوضأ به، أصله لو لم تتوضأ به، أو ما ذكرناه من فضل الرجل، ولا يلزم على هذا الماء المستعمل؛ لأن التوضؤ يقع به عندنا (٢).

стр. 893

فأما أخبارهم فمحمولة على الاستحباب. وعلى أن [في] (١) أخبارهم النهي أن تتوضأ المرأة بفضل الرجل، وقد جاز - عندهم - بدليل، فكذلك يجوز - عندنا - وضوء الرجل بفضل المرأة بدليل، وقد ذكرنا أدلته. ويجوز أن نقول: إن الماء الذي بقي لم يستعمل في عضو يزول به الحدث، فأشبه حال الابتداء، وإذا فضل عن عضو من الأعضاء قبل كمال طهارة المرأة. وأيضا: فإن ما يفضل بعد غسل النجاسة لا ينفي جواز الوضوء، فكذلك ما فضل عن غسل الجنابة؛ لأن كل واحد منهما عبادة، فإذا جاز استعمال الفاضل عن أحدهما جاز في الآخر مثله. وأيضا فإن إدخال يدها فيه لا يؤثر في حكم الماء؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن تمنع منه منه المرأة أولا، وكلٌّ مستعمل؛ لأن ما منع المستعمل لا يختص بالمنع منه واحدا دون الآخر، ولا يجوز اعتبار أداء الفرض به؛ لأنه ينتقض بفضل الرجل، وبما يبقى بعد إزالة النجاسة، والله أعلم.

стр. 894

الكلام في المياه * مسألة (٣٣): عند مالك ﵀ أن المياه كلها طاهرة مطهرة، قليلها وكثيرها، من ماء بحر أجاج أو عذب، لا يغيره عن طهارته وتطهيره شيء يخالطه من غير قراره، إلا ما غير طعمه، أو لونه، أو ريحه. فإن خالطه شيء طاهر من غير قراره وغلب عليه فهو طاهر [غير مطهر، وإن خالطته نجاسة فغلبت عليه بطعم أو ريح أو لون فهو] (١) غير طاهر ولا مطهر، قليلا كان الماء أو كثيرا (٢). وأجمع فقهاء الأمصار أن مياه البحر عذبها وأجاجها بمنزلة واحدة في الطهارة والتطهير، إلا ما حكي عن قوم (٣) أنهم لا يجيزون التوضأ بماء البحر (٤).

стр. 895

والمروي عن أبي بكر وعمر ﵄ وابن عباس وغيرهم ﵃ (١) أنه لا فرق بين مياه البحار وغيرها. وقد حكي عن أبي هريرة (٢) وعبد الله بن عمرو (٣) وعبد الله بن عمر ﵃ (٤) أنهم قالوا بالتيمم مع وجوده. وقال عبد الله بن عمر (٥): "والتيمم أحب إلي منه (١٢٦) " (٦). وقد حكي عن بعض الناس (٧) أنه أجاز التوضؤ به عند الضرورة. والدليل لما عليه الجماعة قول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٨).

стр. 896

وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (١). و "طهور" اسم للطاهر يطهر غيره. وأيضا قول النبي ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (٢). وقال هذا حين قيل له: إننا نحمل معنا القليل من الماء ونحن في البحر، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر.؟. فقال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" (٣). وأيضا ما روي عنه ﵇ أنه قال: "خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء، إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" (٤). وهذا عام في كل الماء. وأيضا ما روي عنه ﵇ أنه قال: من لم يطهره البحر فلا طهره الله" (٥).

стр. 897

وهذه الآيات والأخبار بعضها عام في جميع المياه، لم يخص فيها ماء بحر من غيره، وبعض الأخبار خصوص في ماء البحر. فإن قيل: كيف جعلتم طهورا بمعنى مطهر؟، وإنما الطهور هو الطاهر في نفسه، ولا يعقل منه أنه مطهر إلا بدلالة (١). والدليل أن الطهور بمعنى طاهر قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (٢)، بمعنى طاهر؛ لأننا نعلم أنه ليس في الجنة عبادة حتى يكون الطهور مطهرا لغيره. قيل: قد ذكرنا قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٣)، يبين قوله: "طهورا" بمعنى مطهر (٤). والحديث الذي ذكرناه في ماء البحر يدل على ذلك أيضا (٥)، لأنه ﵇ قال: "توضؤوا، فهو الطهور ماؤه الحل ميتته" (٦).

стр. 898

وأيضا فإنه صحيح على ما قلناه؛ لأن "طهورا" عند أهل اللغة اسم لما يتطهر به (١)، كقولهم: "سحور" اسم لما يتسحر به، و "سعوط" (٢) لما يستعط به، ولو كان بمعنى طاهر لقيل لكل شيء طاهر، فكان يقال للإنسان طهور، ويستمر هذا في الثوب، واللحم، والخل، وغير ذلك، وهذا لا يقوله أحد. وأيضا فإنه لا يكون للماء خصيصة من غيره من المائعات لو قيل فيه: ماء طاهر، فخص هذا الاسم الذي هو طهور ليَبين به من سائر الأشياء، ومن المائعات التي هي طاهرة غير مطهرة. ثم يستفاد به فائدة أخرى تزيد على كونه مطهرا، وهي المبالغة في تطهيره حتى إنه يتكرر منه التطهير لغيره، كما قيل: رجل شكور وصبور، وسيف قتول، وهذا اسم موضوع لمن يتكرر منه الفعل، فحصل في "طهور" فائدتان: إحداهما: كونه مطهرا لغيره، والأخرى: تكرار ذلك منه. فإن قيل: فقد حصلت في هذه ثلاثة ألفاظ: طاهر، وطهور، ومطهر، [فبماذا] (٣) جاز لكم أن تحملوا طهورا ومطهرا على معنى واحد. قيل: إنما نحمل طاهرا على العموم في الماء وسائر الأشياء، ونحمل طهورا ومطهرا على أنهما يفعلان الطهارة في الغير، وتكون كل لفظة منها وإن كانت مشاركة لصاحبتها مرجحة على الأخرى ففي الاسم طهور مبالغة، فوجب تكرار الفعل، وأنتم إذا حملتم طاهرا وطهورا على معنى واحد أسقطتم

стр. 899

فائدة تطهيره لغيره، وفائدة التكرار، ولم تجعلوا للماء مزية على غيره من الأشياء الطاهرة، ونحن نعلم أن الله - تعالى - قد خص الماء من بين غيره بقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (١). وجواب آخر: هو أننا قد اتفقنا على أنه يجوز أن نسمي المطهر طهورا، فإذا وقع النزاع في لفظة فقلتم: المراد طاهر، وقلنا نحن: المراد مطهر فإنهما لا يتنافيان، فهو طاهر مطهر، وكل مطهر طاهر، وليس كل طاهر مطهرا. ثم مع هذا فإن جميع ما أطلق في هذا الباب في الشرع إنما يقتضي المطهر للغير، فمن ذلك قول النبي ﷺ : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" (٢). فأراد أن الأرض لي مطهِّرة، ولم يرد أنها لي طاهرة، ولو كان كذلك لم يكن موضع فضيلة (٣). ومن ذلك: قوله ﵇ في البحر وقد سئل عن التوضؤ بمائه: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (٤). فخرج جوابه عما سئل عنه من التطهر به (٥). وأما ما ذكروه من قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (٦)، وأنه

стр. 900

ليس في الجنة عبادة فنقول: إن الآية توجب أن يكون الشراب طاهرا في نفسه مطهرا لغيره، وليس إذا لم تكن على أهل الجنة عبادة ما يجب أن نسلب الماء صفته (١). ثم إنه ينقلب عليهم في طاهر إن كان هذا معناه عندهم؛ لأنه إنما يقال: طاهر ونجس في موضع العبادة، فإذا لم تكن هناك عبادة وقد ذكر الطاهر جاز أن يخبر عن تطهيره لغيره وإن لم تكن هناك عبادة، وإنما أراد تعالى أن يخبرهم أن لهذا (١٢٧) الشراب فضيلة تزيد على شراب الدنيا، وهو مما لو تعبدتكم بعبادة لجاز أن تتقربوا إلي باستعماله، كما أني في دار الدنيا جعلت الماء فضيلة على غيره، وهو أنه يطهركم، فكذلك لسائر أشربة الجنة فضيلة على سائر أشربة الدنيا. وجواب آخر: وهو أنه تعالى أراد أن يصف لنا شراب الجنة بشيء مما نعرفه بيننا، ووجدنا أشرف الأشربة عندنا هو الماء الذي هو طاهر مطهر، فوصف شراب أهل الجنة بأشرف شيء نعرفه، ألا ترى أنه تعالى ذكر الأشياء التي نعرفها في الدنيا، ونستلذها من الخمر والعسل واللبن وقال: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ (٢)، وذكر الحور العين، وقال: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (٣)، وليس في الجنة بكرة ولا عشي، فكذلك هذا. فأما ما روي عن عبد الله بن [عمر] (٤)، وقوله: "التيمم أحب إلي من

стр. 901

ماء البحر" (١) فإنه يحتمل تأويلين: أحدهما: أنه أراد أنني أركب البحر فأعدم الماء، فأتيمم أحب إلي من أن أركب البحر فأتوضأ منه، وهذا لهول البحر وخطره. ألا ترى أنه لما قال له عمر ﵁: صف لي أمر البحر. قال: خلق شديد، يركبه خلق ضعيف، دود على عود، إن ضاعوا هلكوا، وإن سلموا فرَقوا (٢). فامتنع عمر ﵁ من أن يركبه أبدا. والتأويل الثاني: هو أن يكون قوله: "التيمم أحب إلي منه" لو كان ذلك يجوز، وقد يحب الإنسان شيئا غير ما يجب عليه، إلا أن الشرع قد منع منه، وأوجب عليه غيره إذا كان ذلك الشيء الذي قد أحبه مما قد كان يجوز أن يتعبد به فلا يمتنع أن يقول: قد كان هذا أحب إلي من هذا. على أنه لو ثبت ذلك (٣) على ما يذكرونه لقضى عليه قول النبي ﷺ في البحر وقد سئل: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (٤). فإن قيل: فقد روي عنه ﵇ أنه قال في البحر: "هو نار من نار" (٥)،

стр. 902

وقال تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (١). قيل: ليس في هذا دليل يمنع من التوضؤ به؛ لأن قوله: "هو نار من نار" (٢) يحتمل أحد معنيين: إما أن يكون لهوله وغرره وشدته هو نار من نار، كما قال في الإبل: "إنها جن من جن" (٣). والمعنى الآخر: أي أنه يؤول إلى النار، فكأنه سماه للمقارنة، أي من ركب البحر وخاطر بنفسه وماله آل أمره إلى نار (٤). ويحتمل أن يكون أراد أن البحر يصير يوم القيامة نارا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (٥). وجملته أنه ليس في ظاهر ذلك ما يمنع التطهر منه، كما لا يمنع غسل النجاسة به.

стр. 903

ولنا أن نستدل بظواهر فنقول: إذا كان معه ماء البحر هل يستعمله أو يتيمم؟. قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، وهذا واجد لما يقع عليه اسم ماء. وأيضا فإنه ﵇ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه" (١). فدليله أنه إذا لم يبل فيه جاز له أن يتوضأ منه، والبحر ماء دائم. ولنا أيضا القياس على ماء البئر، بعلة أنه ماء اكتسب الملوحة من قراره. وأيضا فإنهم لا يَخلُون في الامتناع منه إلا لأنه ماء بحر، أو لأنه ملح، أو لركوده، فيبطل ذلك لكونه بحرا؛ لأن ماء البحر العذب يجوز، ويبطل لكونه ملحا بماء الآبار المالحة، ويبطل لكونه راكدا بماء المصانع (٢) وغيرها، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣)، قيل: إنه ماء البحار (٤).

стр. 904

وقال: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (١)، فدل على جواز التوضؤ به، والله أعلم. * * * * مسألة (٣٤): والماء المستعمل مكروه عند مالك، مثل أن يجمع وضوءه من الحدث أو غسله من الجنابة في إناء فيتوضأ به دفعة أخرى، أو يغتسل به من جنابة. وقال ابن القاسم في موضع إنه لا يستعمل، وإن لم يكن غيره تيمم. فكان الشيخ أبو بكر ﵀ يقول: معناه يتوضأ به ويتيمم ويصلي (٢). وبعض أصحابنا قال: هذه رواية أخرى في أنه لا يجوز أن يتوضأ به (٣). وحكى أبو يوسف عن أبي حنيفة أن الماء نجس إذا كان قد استعمل، سواء أزال به فرض الطهارة وغسل الجنابة، أو كان مجددا به ذلك. وقال محمد بن الحسن: هو طاهر غير مطهر (٤).

стр. 905

وقد كان أصحابنا يحكون هذا عن أبي حنيفة، وأن أبا يوسف قال: هو نجس. والصحيح (١) أن أبا يوسف وأبا حنيفة يقولان: هو نجس، ومحمد يقول: هو طاهر (٢) غير مطهر (٣). والظاهر من قول الشافعي أنه طاهر غير مطهر. واختلف أصحابه، فقال بعضهم: إن له قولا آخر في أنه طاهر مطهر، كقولنا. (١٢٨) وقال بعضهم: ليس له إلا قول واحد وهو أنه طاهر غير مطهر (٤). ومثل قولنا قال الحسن، والنخعي، والزهري، وداود (٥).

стр. 906

والدليل لقولنا إنه طاهر مطهر: قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١). فوصفه بهذه الصفة، وطهور اسم للطاهر الذي يتكرر منه التطهير (٢)، كقولهم: رجل شكور، وسيف قتول، ورجل شروب، وما أشبه ذلك، فإذا ثبت هذا فيه في الأصل فمن زعم أنه انتقل عما هو عليه بالاستعمال فعليه الدليل. فإن قيل: هذا الاستدلال لا يلزم من وجهين: أحدهما: أن الله - تعالى - جعل جنس الماء طهورا، ونحن نقول: إن جنس الماء طهور يتكرر منه التطهير، والرجل إذا توضأ فليس هذا القدر جنس الماء، وإنما هو جزء من الجنس. والوجه الآخر هو أن [الطهور] (٣) - عندنا - هو الطاهر المطهر، لا ما تكرر منه الطهارة. قيل: أما قولكم: "إن الله - تعالى - جعل جنس الماء طهورا، وأن هذا جزء من الجنس" فإننا نقول: إنه إذا أراد الجنس فكل جزء منه له هذه الصفة، كقولنا: طعام مشبع، وماء مُرو، وشراب مسكر، فإن كل جزء منه له هذه

стр. 907

الصفة، فاللقمة تشبع الصغير من الحيوان، وأكثر منها تشبع ما هو أكبر من ذلك الصغير، وإنما يختلف الشبع في الحيوان، فما يشبع الصغير منه لا يشبع الكبير، ولا يخرج الجنس كله وكل جزء منه عن جنس ما يشبع. وهذا هو جوابنا لأصحاب أبي حنيفة في أن النبي ﷺ حرم جنس المسكر وهو قليله وكثيره (١)؛ لأن قليله يسكر ما صغر من الحيوان، كما يسكر كثيره ما كبر من الحيوان. ومع هذا فقد عقل العلماء أن الله - تعالى - لم يرد أن مياه الدنيا كلها هي الطاهرة المطهرة، وأن ماء دجلة لا تكون له هذه الصفة دون انضمام ماء البحر إليه، فسقط هذا الوجه. وأما قولهم: "إن الطهور هو الطاهر المطهر، لا ما تكرر منه الطهارة" فإننا نقول: إنما سمي بهذا الاسم ووصف بهذه الصفة للمبالغة فيما يتكرر منه، كما قيل: سيف قتول، ورجل شكور، فإذا وصف بهذه الصفة لهذا المعنى لم تزل صفته باستعماله أول مرة؛ لأن هذه صفة طاهر مطهر، لا صفة طهور. وأيضا فإن الله - تعالى - قال: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٢). فهو على عمومه أينما وجد، وليس يخرج باستعماله عن كونه منزلا من السماء.

стр. 908

فإن قيل: إن هذا إخبار عن تطهيره حين ينزله من السماء، ونحن كذلك نقول. قيل: تأخره بعد نزوله وبعد استعماله لا يخرجه أن يكون منزلا من السماء، فلا نخرجه عن صفته إلا بدليل، وهذا كقوله: ماء دجلة، لو استعملته لم يخرجه أن يكون ماء دجلة، وحيثما نقلته فهو كذلك. وأيضا قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. وهذا واجد لما قد تناوله الاسم، فهو عموم حتى يقوم دليل، والنفي يتناول الجنس إذا كان نفيا في نكرة، فلما قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ دل على أنه إذا وجد ماء لم يتيمم. وأيضا قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. وهذا إذا كان جنبا واغتسل بالماء المستعمل قيل: قد اغتسل. وأيضا قول النبي ﵇ لأبي ذر: "إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك" (١). وهذا واجد للماء. وكذلك قوله ﵇: "أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء، فإذا أنا قد طهرت" (٢). ولم يخص ماء من ماء. ولنا عمومات كثيرة، مثل ما روي أنه ﵇ قال لأسماء في دم الحيض:

стр. 909

"حتيه، ثم اقرصيه بالماء" (١). ومثل ما روي أنه ﵇ كان عند جنابته يغسل الأذى، ويغسل يديه، ثم يتوضأ ثم يخلل أصول شعره، ثم يفيض الماء على جسده (٢). ولم يخص ماء من ماء. ومثل قوله للمرأة التي سألته فقالت: "أنقض شعر رأسي؟ فقال: "إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضي الماء على جسدك" (٣). ومثل قوله ﵇: خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" (٤). فخبرنا أن الله - تعالى - خلق الماء على هذه الصفة التي هي كونه طاهرا مطهرا، يتكرر ذلك منه، فلا يغيره عن صفته إلا ما غير طعمه أو لونه (٥)، إلا أن يقوم دليل. وإذا كان الله - تعالى - قد خلق الماء على هذه الصفة فكل جزء منه ينطلق عليه اسم الماء على ما بيناه قبل هذا الفصل. فإن قيل: فإن هذه الظواهر كلها إنما هي فيما يقع عليه اسم (١٢٩) ماء

стр. 910

المطلق، وإذا صار مقيدا بصفة لازمة له [لا] (١) تفارقه، وليست من قراره فلا يتناوله اسم ماء مطلق. فأما إذا قيل: ماء مستعمل فقد لزمته هذه الصفة، فلا يدخل تحت الظواهر. قيل: إن الصفات في الماء على ضروب: فما كان منها مضافا إلى قرار مثل ماء دلجة، وماء الفرات، وماء الجب (٢)، والجرة (٣)، والماء الكدر (٤) لا معتبر به. وما كان موصوفا بشيء يخالطه ويغلب عليه إما طاهر أو نجس فهو معتبر. وصفات لشيء عمل به، أو كان فيه غير أنه لم يؤثر فيه شيء - أعني في عينه - مثل: الماء المشمس، والمسخن والمغلي، فهذه أوصاف قد وصف بها الماء، لازمة حيثما نقلته وفي أي إناء تركته هو موصوف بها، ولم يتغير حكمه فيها. فكذلك الماء المستعمل وإن كان صفته فيه لازمة فهي غير معتبرة، ولا مغيرة لحكمه؛ لأن الصفة لم يؤثر فيها شيئا. والدليل على أن الاستعمال لم يخرجه عن إطلاقه حتى يصير في صفة

стр. 911

ماء الورد، والخل، وماء الباقلاء أنه لو شربه من حلف أن لا يشرب ماء لحنث، ولو لم يشربه لبر، ولو شرب ماء ورد لم يحنث، فصار كالمسخن، والمغلي والمشمس، فثبت أن هذه الصفة لما لم تؤثر فيه لم تخرجه عن إطلاقه. ولنا أيضا ما روي عن ابن عباس ﵀ أن بعض أزواج رسول الله ﷺ اغتسل في جفنة، فجاء رسول الله ﷺ ليغتسل منها أو يتوضأ، فقالت: إني كنت جنبا، فقال: "إن الماء لا يجنب" (١). رواه أبو الأحوص عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس. وهذا نص في جواز الماء المستعمل؛ لأنها اغتسلت في الجفنة، وقالت: إني كنت جنبا، فاغتسل النبي ﵇ فيها، وقال: "إن الماء لا يجنب"، أي هو على ما كان عليه. فإن قيل: إنما هذا فيما فضل عن غسلها، وليس هو فيما استعملته قيل: هذا غلط؛ لأنه قال: اغتسلت فيها، ولم يقل: منها (٢)، ولولا ذلك لم يقل: "إن الماء لا يجنب"، أي إذا اغتسلت فيه لم تنتقل جنابتك إليه. وأيضا فإننا إذا اعتبرنا الاستعمال علمنا أنه لم يؤثر في عينه، فلا يؤثر في حكمه، ألا ترى أنه [لو] (٣) لم يؤثر في طهارته فلا يؤثر في تطهيره.

стр. 912

الذي يكشف عن هذا: أن الأشياء التي تحدث في الماء فتؤثر في عينه مما ينفك الماء منه - إما من نجس عندنا، أو طاهر - عندنا وعندكم - (١) إذا لم يؤثر في عين الماء لم يغيره عن حكمه في طهارته وتطهيره، فإن لم يكن الاستعمال أولى منه فينبغي أن يكون مثله؛ لأننا نعلم أن تلك الأشياء إذا كثرت غلبت على الماء فغيرت حكمه، والاستعمال لو تكرر أبدا لم يغير عينه، فينبغي أن يكون أولى بأن لا يغير حكمه عما كان عليه. ونقول أيضا: هو ماء طاهر لاقى جسما طاهرا، أو جرى على جسم طاهر، فجاز أن يسقط به الفرض ثانيا، أصله الماء الذي غسل به ثوب طاهر وبدن طاهر. ونقول: هو ماء مستعمل لم يؤثر الاستعمال في عينه، فجاز أن يزول به الفرض ثانيا، أصله ما ذكرناه إذا غسل به ثوب طاهر أو بدن طاهر. وأيضا فإن الماء يستعمل في إسقاط فرض الوضوء، كما يستعمل في إسقاط مسنون الوضوء، وهو التوضؤ في المرة الثانية والثالثة، ثم إن المستعمل في إسقاط المسنون لم يمنع إسقاط الفرض به؛ لأنه لو جمع ماء المرة الثانية والثالثة جاز أن يتوضأ به من حدث، فكذلك المستعمل في إسقاط الفرض. وأيضا فإن كل ما أسقط به الفرض مرة جاز أن يتكرر في ذلك الشيء، ويسقط فرضا آخر، كالسوط في الحدود، وكالمد في الكفارة، لو عاد إليه جاز أن يكفر به ثانية، وكالبقعة يتيمم عليها، ثم يتيمم ثانية، وكالثوب يصلي

стр. 913

به صلاة فرض، ثم يصلي فيه فرضا آخر. فإن قيل: قياسكم عليه إذا غسل به ثوبا طاهرا المعنى فيه: أنه لم يسقط به فرضا، وليس كذلك إذا رفع به الحدث؛ لأنه يصير كالعتق في الكفارة (١). قيل: علتنا أولى؛ لأنها تتعدى، وتجلب حكما زائدا، ويشهد لها غير الماء مما يزيل فرضا، ثم يجوز أن يزال به فرض آخر كما ذكرنا في السوط، والطعام في الكفارة، والثوب يصلي فيه. وأما العتق في الكفارة فلو جاز أن يعود الرق جاز ذلك فيه، ولكنه يزيل الملك أصلا حتى لا يصح أن يتملك ثانية، ألا ترى أن الطعام والكسوة لما صح عود الملك فيه جاز أن يسقط به فرض آخر. وعلى أن هذا قد يتأتى في العتق على وجه، وذلك أن أبا حنيفة يُجوِّز للمكفر أن يعتق رقبة كافرة في غير القتل (٢)، ثم يجوز أن تنقض تلك الرقبة المعتقة العهد، وتلحق بدار الحرب، ثم تسبى وتسلم عند السابي أو لا تسلم، فإن أسلمت جاز - عندنا - أن تعتق في الكفارة بعد تقدم عتقها (١٣٠) أولا في الكفارة، وإن لم تسلم جاز عتقها عند أبي حنيفة في كفارة ثانية، سواء كان من صار إليه بالسبي هو الذي كفر بها أو غيره، فسقط هذا.

стр. 914

فإن قيل: فإن ما ذكرتموه في الماء الذي يسقط المسنون في أصحابنا من قال: لا يجوز الوضوء به، وليس بشيء؛ لأن الشافعي يجوزه (١)، ولكن المعنى فيه: أنه لم يَسقط به فرض، فلهذا جاز أن يسقط به الفرض. قيل قياسنا أولى؛ لأنه يفيد حكما زائدا، وهو جواز الوضوء به ثانيا. فإن قيل: ما ذكرتموه من السوط والتيمم من موضع، ثم يتيمم منه هو وغيره فإن التراب - عندنا - شرط، فما حصل على وجهه من التراب لا يجوز أن يتيمم به ثانية كالماء (٢). وأما السوط والمد والثوب فليس بإتلاف ملك قصد به إسقاط فرض، فلهذا جاز أن يسقط به فرض آخر، وليس كذلك الماء؛ لأنه إتلاف ملك قصد به إسقاط فرض، فهو كالعتق. قيل: أما التراب فليس شرطا في التيمم عندنا وعند أبي حنيفة وعند الشافعي (٣)، فنحن نعلم أن التراب الذي يحصل على يديه لا يتحصل في كل العضو، وإنما يصيب بعض الوجه، فإلى أن يبلغ الذقن لا يبقى منه شيء، وهذا يجيء في باب التيمم. وقولهم: "إن الماء إتلاف قصد به إزالة الفرض، وليس كذلك السوط والمد والثوب يصلي به" غلط؛ لأن كلامنا في جميع الماء الذي توضأ به،

стр. 915

وليس هو متلفا، ولا نسلم أن من شرط الوضوء إتلاف الماء، لأنه يجوز له أن يجمعه ليشربه، والوضوء به على ما شرحناه، فلم نسلم وصف علتهم. ونقول أيضا: إن الإجماع حاصل على جواز استعمال الماء المستعمل، وذلك أن الماء إذا لاقى أول جزء من أجزاء العضو فقد صار مستعملا، ثم يمره على كل جزء بعده وهو مستعمل، فيجزئه فلو كان التوضؤ بالماء المستعمل لا يجوز لم يجزئه إمراره على باقي العضو، ولوجب عليه أن يأخذ لكل جزء من العضو ماء جديدا (١). فإن قيل: إن الماء المستعمل - عندنا - هو إذا سقط عن جميع العضو، فأما ما دام على العضو فليس بمستعمل. ووجه آخر: وهو أنه وإن صار في أول جزء مستعمل فإن الماء ذو طبقات، فالطهارة لباقي العضو تقع بالطبقة التي لم تلاق الجزء الأول. قيل: قولكم: "إنه لا يكون مستعملا حتى يسقط عن العضو "يلزمكم أن لا يكون مستعملا حتى يسقط عن الأعضاء كلها، لأن حكم الحدث لا يزول، والطهارة لا تتم إلا بغسل الأعضاء كلها، ألا تري أنه لا يصح أن يصلي، ولا يكون متوضئا بغسل بعض الأعضاء وترك البعض مع القدرة، لأن الأعضاء كلها كالعضو الواحد في حكم الوضوء. وقولكم: "إن الماء ذو طبقات" خطأ في جهة المشاهدة؛ لأن الطبقة الأولى يذهب منها جزء وينحدر باقيها على باقي العضو، فإن كان طبقات الثاني غير الأول فما يفضل عن العضو هو طبقة أخرى غير مستعملة على حسابكم.
следующие страницы →