ماء الورد، والخل، وماء الباقلاء أنه لو شربه من حلف أن لا يشرب ماء لحنث، ولو لم يشربه لبر، ولو شرب ماء ورد لم يحنث، فصار كالمسخن، والمغلي والمشمس، فثبت أن هذه الصفة لما لم تؤثر فيه لم تخرجه عن إطلاقه.
ولنا أيضا ما روي عن ابن عباس ﵀ أن بعض أزواج رسول الله ﷺ اغتسل في جفنة، فجاء رسول الله ﷺ ليغتسل منها أو يتوضأ، فقالت: إني كنت جنبا، فقال: "إن الماء لا يجنب" (١).
رواه أبو الأحوص عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وهذا نص في جواز الماء المستعمل؛ لأنها اغتسلت في الجفنة، وقالت: إني كنت جنبا، فاغتسل النبي ﵇ فيها، وقال: "إن الماء لا يجنب"، أي هو على ما كان عليه.
فإن قيل: إنما هذا فيما فضل عن غسلها، وليس هو فيما استعملته قيل: هذا غلط؛ لأنه قال: اغتسلت فيها، ولم يقل: منها (٢)، ولولا ذلك لم يقل: "إن الماء لا يجنب"، أي إذا اغتسلت فيه لم تنتقل جنابتك إليه.
وأيضا فإننا إذا اعتبرنا الاستعمال علمنا أنه لم يؤثر في عينه، فلا يؤثر في حكمه، ألا ترى أنه [لو] (٣) لم يؤثر في طهارته فلا يؤثر في تطهيره.
стр. 912
الذي يكشف عن هذا: أن الأشياء التي تحدث في الماء فتؤثر في عينه مما ينفك الماء منه - إما من نجس عندنا، أو طاهر - عندنا وعندكم - (١) إذا لم يؤثر في عين الماء لم يغيره عن حكمه في طهارته وتطهيره، فإن لم يكن الاستعمال أولى منه فينبغي أن يكون مثله؛ لأننا نعلم أن تلك الأشياء إذا كثرت غلبت على الماء فغيرت حكمه، والاستعمال لو تكرر أبدا لم يغير عينه، فينبغي أن يكون أولى بأن لا يغير حكمه عما كان عليه.
ونقول أيضا: هو ماء طاهر لاقى جسما طاهرا، أو جرى على جسم طاهر، فجاز أن يسقط به الفرض ثانيا، أصله الماء الذي غسل به ثوب طاهر وبدن طاهر.
ونقول: هو ماء مستعمل لم يؤثر الاستعمال في عينه، فجاز أن يزول به الفرض ثانيا، أصله ما ذكرناه إذا غسل به ثوب طاهر أو بدن طاهر.
وأيضا فإن الماء يستعمل في إسقاط فرض الوضوء، كما يستعمل في إسقاط مسنون الوضوء، وهو التوضؤ في المرة الثانية والثالثة، ثم إن المستعمل في إسقاط المسنون لم يمنع إسقاط الفرض به؛ لأنه لو جمع ماء المرة الثانية والثالثة جاز أن يتوضأ به من حدث، فكذلك المستعمل في إسقاط الفرض.
وأيضا فإن كل ما أسقط به الفرض مرة جاز أن يتكرر في ذلك الشيء، ويسقط فرضا آخر، كالسوط في الحدود، وكالمد في الكفارة، لو عاد إليه جاز أن يكفر به ثانية، وكالبقعة يتيمم عليها، ثم يتيمم ثانية، وكالثوب يصلي
стр. 913
به صلاة فرض، ثم يصلي فيه فرضا آخر.
فإن قيل: قياسكم عليه إذا غسل به ثوبا طاهرا المعنى فيه: أنه لم يسقط به فرضا، وليس كذلك إذا رفع به الحدث؛ لأنه يصير كالعتق في الكفارة (١).
قيل: علتنا أولى؛ لأنها تتعدى، وتجلب حكما زائدا، ويشهد لها غير الماء مما يزيل فرضا، ثم يجوز أن يزال به فرض آخر كما ذكرنا في السوط، والطعام في الكفارة، والثوب يصلي فيه.
وأما العتق في الكفارة فلو جاز أن يعود الرق جاز ذلك فيه، ولكنه يزيل الملك أصلا حتى لا يصح أن يتملك ثانية، ألا ترى أن الطعام والكسوة لما صح عود الملك فيه جاز أن يسقط به فرض آخر.
وعلى أن هذا قد يتأتى في العتق على وجه، وذلك أن أبا حنيفة يُجوِّز للمكفر أن يعتق رقبة كافرة في غير القتل (٢)، ثم يجوز أن تنقض تلك الرقبة المعتقة العهد، وتلحق بدار الحرب، ثم تسبى وتسلم عند السابي أو لا تسلم، فإن أسلمت جاز - عندنا - أن تعتق في الكفارة بعد تقدم عتقها (١٣٠) أولا في الكفارة، وإن لم تسلم جاز عتقها عند أبي حنيفة في كفارة ثانية، سواء كان من صار إليه بالسبي هو الذي كفر بها أو غيره، فسقط هذا.
стр. 914
فإن قيل: فإن ما ذكرتموه في الماء الذي يسقط المسنون في أصحابنا من قال: لا يجوز الوضوء به، وليس بشيء؛ لأن الشافعي يجوزه (١)، ولكن المعنى فيه: أنه لم يَسقط به فرض، فلهذا جاز أن يسقط به الفرض.
قيل قياسنا أولى؛ لأنه يفيد حكما زائدا، وهو جواز الوضوء به ثانيا.
فإن قيل: ما ذكرتموه من السوط والتيمم من موضع، ثم يتيمم منه هو وغيره فإن التراب - عندنا - شرط، فما حصل على وجهه من التراب لا يجوز أن يتيمم به ثانية كالماء (٢).
وأما السوط والمد والثوب فليس بإتلاف ملك قصد به إسقاط فرض، فلهذا جاز أن يسقط به فرض آخر، وليس كذلك الماء؛ لأنه إتلاف ملك قصد به إسقاط فرض، فهو كالعتق.
قيل: أما التراب فليس شرطا في التيمم عندنا وعند أبي حنيفة وعند الشافعي (٣)، فنحن نعلم أن التراب الذي يحصل على يديه لا يتحصل في كل العضو، وإنما يصيب بعض الوجه، فإلى أن يبلغ الذقن لا يبقى منه شيء، وهذا يجيء في باب التيمم.
وقولهم: "إن الماء إتلاف قصد به إزالة الفرض، وليس كذلك السوط والمد والثوب يصلي به" غلط؛ لأن كلامنا في جميع الماء الذي توضأ به،
стр. 915
وليس هو متلفا، ولا نسلم أن من شرط الوضوء إتلاف الماء، لأنه يجوز له أن يجمعه ليشربه، والوضوء به على ما شرحناه، فلم نسلم وصف علتهم.
ونقول أيضا: إن الإجماع حاصل على جواز استعمال الماء المستعمل، وذلك أن الماء إذا لاقى أول جزء من أجزاء العضو فقد صار مستعملا، ثم يمره على كل جزء بعده وهو مستعمل، فيجزئه فلو كان التوضؤ بالماء المستعمل لا يجوز لم يجزئه إمراره على باقي العضو، ولوجب عليه أن يأخذ لكل جزء من العضو ماء جديدا (١).
فإن قيل: إن الماء المستعمل - عندنا - هو إذا سقط عن جميع العضو، فأما ما دام على العضو فليس بمستعمل.
ووجه آخر: وهو أنه وإن صار في أول جزء مستعمل فإن الماء ذو طبقات، فالطهارة لباقي العضو تقع بالطبقة التي لم تلاق الجزء الأول.
قيل: قولكم: "إنه لا يكون مستعملا حتى يسقط عن العضو "يلزمكم أن لا يكون مستعملا حتى يسقط عن الأعضاء كلها، لأن حكم الحدث لا يزول، والطهارة لا تتم إلا بغسل الأعضاء كلها، ألا تري أنه لا يصح أن يصلي، ولا يكون متوضئا بغسل بعض الأعضاء وترك البعض مع القدرة، لأن الأعضاء كلها كالعضو الواحد في حكم الوضوء.
وقولكم: "إن الماء ذو طبقات" خطأ في جهة المشاهدة؛ لأن الطبقة الأولى يذهب منها جزء وينحدر باقيها على باقي العضو، فإن كان طبقات الثاني غير الأول فما يفضل عن العضو هو طبقة أخرى غير مستعملة على حسابكم.
стр. 916
فإن قيل: فإن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (١).
فأمر تعالى بغسل اليد بما أمر به في غسل الوجه، فلما كان غسل الوجه بماء غير مستعمل كذلك سائر الأعضاء.
هذا استدلال الشافعي.
قيل: المقصود من الآية غسل اليدين كما يغسل الوجه بالماء، ولم يخص ماء من ماء، وليس شرط الوجه في الابتداء أن يكون بماء غير مستعمل، فإن اتفق في أول وهلة أن يستعمل ماء من دجلة أو الفرات فالوجه يقع بماء منفرد، واليدان بغير ذلك الماء، فالماء الثاني غير مستعمل كماء الوجه، وإن جمع ذلك الماء على الأعضاء كلها فهو المستعمل، إن غسل منه الوجه فهو كماء يغسل منه اليد.
فإن قيل: فإن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة (٢)، وفضل الوضوء حقيقته ما يفضل عن العضو، ويتساقط منه، فدل على أن الماء المستعمل لا يجوز التوضؤ به.
قيل: قوله ﵇: "لا يتوضأ الرجل بفضل المرأة" (٣) ظاهره ما فضل عنها، لا ما تساقط منها، وأصحاب الحديث ذهبوا إلى هذا (٤)، وهو - عندنا -
стр. 917
منسوخ بالحديث الذي رويناه أنه ﵇ توضأ أو اغتسل في الجفنة التي اغتسلت منها زوجته، وقال: "إن الماء لا يجنب" (١).
ويجوز أن يحمل (١٣١) خبر النهي على الندب إلى تركه، وكراهية التوضؤ به (٢)، ويدل خبرنا هذا على جوازه، واستعمال الأخبار إذا تعارضت واجب مع الإمكان (٣).
على أنه روي في خبر النهي أنه ﵇ قال: "وليغترفا معا" (٤)، فدل على نهى عن فضل مائها لا ما يتساقط منها.
فإن قيل: فقد روى أبو هريرة أن النبي ﵇ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ به، ولا يغتسلن فيه من جنابة" (٥).
فتقديره: لا يبولن في الماء الدائم، ولا يغتسلن فيه من جنابة ثم يتوضأ فيه، فمنع من أن يبول في الماء الدائم ويغتسل منه ثم يتوضأ، فعلم أن للاغتسال فيه تأثيرا في المنع من التوضأ (٦).
стр. 918
وروى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي ﵇ نهى عن البول في الماء الراكد والاغتسال منه (١).
ووجه الدليل منه كما ذكرناه في الخبر الأول.
قيل: هذا كله - عندنا - محمول على الكراهية؛ لأنه يصير ماء مختلفا فيه، وليس هذا في الماء الكثير الراكد الذي هو كالغدير الكثير، وأكثر من القلتين، فإن البول النجس إذا لم يؤثر فيه جاز استعماله، فالمستعمل أولى بجوازه، فإذا جاز هذا في الكثير مع عدم التأثير في عينه ففي القليل كذلك، لعدم التأثير في عينه.
وهذا يطرد لنا نحن في قليل الماء وكثيره، كما نقول في النجس الذي لا يغير الماء: لا فرق بين قليله وكثيره، وعكسه أن يؤثر في قليله وكثيره، فيتفق الحكم فيه.
فإن قيل: فإن إجماع الصحابة معنا؛ لأن النبي ﷺ سافر وسافر معه أصحابه، وسافروا بعده ﵇، وخرجوا إلى الغزوات، وعدِموا الماء فيها، فلم ينقل أنهم أو بعضهم توضؤوا بالماء المستعمل، ولا جمعوا الماء بعد استعماله ليتوضؤوا به، فعلم ما ذكرناه (٢)، ولو جاز ذلك لوجب عليهم أن
стр. 919
يجمعوه ولا يتيمموا؛ لأن الله تعالى أباح لهم التيمم عند عدم الماء، وهم - عندك - قادرون عليه بأن يجمعوه ليتوضؤوا به.
قيل: هذا لا يلزم؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسافرون، وفي الغالب أن الأواني التي يجمع فيها الماء يتعذر وجودها في السفر، وإنما يكون معهم ما ما فيه [الماء، وإما (١) أن يكون معهم ما يجمعون فيه ماء الوضوء] (٢) فيتعذر، فلم يؤخذ عليهم ذلك، ألا ترى أنهم لم يجمعوه للشرب الذي ضرورته أشد من ضرورة الوضوء؛ لأن للوضوء بدلا هو التيمم، ولا ينوب مناب الماء في شربه شيء (٣).
ومع هذا فإننا نقلب ذلك فنقول: لما لم ينقل عنهم أنهم جمعوه للشرب، وحاجتهم إليه أشد وجب أن لا يجوز شربه على قود قولكم، فلما جاز شربه بالإجماع مع أنه لم ينقل عنهم جمعه كان الاستعمال أولى.
وأيضا فقد يجوز أن يكون فيهم من جمعه وتوضأ به، كما يجوز أن يكون فيهم من جمعه ليشربه ولم ينقل.
وعلى أن استعماله مكروه عندنا، فعفي لهم عن جمعه واستعماله.
فإن قيل: إنما لم يجمعوه للشرب لأن أنفسهم تعاف شربه.
قيل: هم يشربون في السفر الماء الآجن (٤)، والماء الذي تحله الميتة
стр. 920
والنفوس تعافه أشد من هذا.
وأيضا فإن النفوس تعاف ما جددت به الطهارة ولم يؤثر في عينه، سواء كان وضوؤه من حدث أو تجديدا، ومع هذا فالوضوء به جائز، وقد كان ابن عمر يجدد الطهارة عند كل صلاة (١)، ولم ينقل عنه أنه جمعه للوضوء به.
فإن قيل: [فإنه ماء] (٢) أُدي به الفرض مرة فوجب أن لا يؤدي به الفرض مرة أخرى، أصله الماء المزال به النجاسة إذا كان متغيرا بالإجماع أنه لا يجوز إسقاط الفرض به (٣).
قيل: هذا خطأ من وجهين:
أحدهما أن إزالة النجس - عندنا - ليس بفرض (٤)، فلا نسلم قولكم: إنه أزال فرضا.
والوجه الآخر: أنه إذا كان الماء متغيرا فلم يزل حكم النجاسة، فكيف يكون مزيلا للفرض وذلك الفرض باق؟ لأن النجاسة لا تزول والماء الذي أزيلت به متغير؛ لأنه ماء، نجس، فالنجاسة لم تزل، فسقط هذا، ولكنه لو أزال حكم النجس بأن غلب الماء عليها فلم يتغير الماء لكان الماء الذي قد زالت به النجاسة طاهرا عندنا، يجوز الوضوء به، كما يجوز بالماء المستعمل، بل المستعمل أولى بالجواز.
стр. 921
فإن قيل: إن العضو طاهر غير مطهر، والماء طاهر مطهر، فلما صار العضو مطهَّرا بعد الاستعمال علم أنه سلب من الماء حكم التطهير.
قيل: هذا غلط، مع كونه دعوى، وذلك أننا حكمنا للمحدث (١٣٢) بهذا الحكم لدلالة الشرع، ولم يدل على تغيير حكم الماء بعد تطهيره للمحدث؛ لأن الماء في الأصل يتكرر منه التطهير، لقوله تعالى: ﴿مَاءً طَهُورًا﴾.
على أن هذا فاسد ومنتقض، فإن كان استدلالا فهو فاسد بالماء الذي تغسل به اليد إلى المرفقين بعد الحدث كل جزء من اليد يصير مطهرا بما يلاقيه، ثم ينحدر الماء إلى الجزء الذي يليه فيصير مطهرا، وكذلك في الجزء الثالث إلى المرفق، فكان ينبغي أن لا يجوز إمرار الجزء الأول، وقد صار الجزء الذي لاقاه مطهرا؛ لأن ما لاقاه وصار طاهرا قد سلبه حكم تطهيره، فلما كان انحدار الماء إلى آخر اليد قبل انفصاله عنها طاهرا مطهرا علمنا أنه لم يسلب حكم تطهيره، فكذلك إذا انفصل عن آخر العضو.
وإن كان ذلك قياسا فهو منتقض بهذا.
فإن قيل: لا يصير شيء من العضو مطهرا إلا بسقوط الماء على آخره.
قيل: فينبغي أن لا يصير العضو كله مطهرا إلا بغسل آخر الأعضاء؛ لأن الطهارة لا تتم إلا بالفراغ من غسل سائر الأعضاء.
فإن قيل: فإنه ماء الذُّنوب؛ لأن النبي ﵇ قال: "إذا توضأ تحاتت الذنوب فيه" (١).
стр. 922
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنه ﵇ أراد ضرب المثل، أي كما ينغسل الدرن (١) من الثوب فكذلك تنحات الذنوب بالغسل، لا أن الذنوب شيء ينماع في الماء، ولا يؤثر في حكمه، وإنما يصير المتوضئ كمن لا ذنب له، فهذه الإضافة كما نقول ماء القرآن، وماء الختمة.
ثم إننا نعلم أن الذنوب تنحات مع كل جزء منه عند غسل أول جزء مس الوجه أو اليد، ثم كل ما انحدر على جزء آخر هو كذلك، فينبغي أن لا يجزئه ما مر على الجزء الأول؛ لأنه ماء الذنوب.
والجواب الآخر: هو أن ابن عمر كان يجدد وضوءه لكل صلاة (٢)، ولولا زيادة الثواب وتحات الذنوب ما فعل ذلك ومع هذا فإن الماء الذي جدد به وضوءه يجوز الوضوء به.
هذا يلزم أصحاب الشافعي؛ لأن أبا حنيفة وأبا يوسف يمنعون الوضوء بهذا الماء، والذي يلزمهما ما ذكرناه من ملاقاته كل جزء من العضو؛ لأنه - عندهم - نجس، ونحن نعلم أنه لو كان على أول جزء من يده نجاسة، فمر عليها الماء، ثم وصل إلى جزء آخر من العضو نجسه ذلك الماء، فكذلك
стр. 923
ينبغي إذا مر الماء على الجزء الأول وصار نجسا، ثم مر على جزء آخر أن ينجسه، فلما حكموا بطهارته ما لم ينفصل عن آخر العضو علم أنه لم ينجس، فكذلك لا يتنجس بانفصاله عن العضو كله.
وأيضا فإن الأصول ترد هذا، وذلك أن الثوب فيه حكمان: أحدهما: أنه طاهر، والآخر: كونه ساترا للعورة التي به نستبيح الصلاة مع القدرة، وفي المصلي حكمان: أحدهما: أنه طاهر، والآخر أنه ممنوع من الصلاة إلا بالسترة، فإذا صلى زال عنه المنع، فينبغي أن يزول حكم الثوب؛ لأنه قد أباح الصلاة وأسقط حكم الفرض بالمنع، فيجب من هذا أن لا تصلى به صلاة أخرى؛ لأن حكمه قد سلب في أول صلاة، ويجب أن لا يدفعه إلى من يصلي فيها، كما يجب في الماء المستعمل، ومثل هذا يلزم في إطعام المساكين إذا أخرج في الكفارة، ثم عاد إلى المكفر إذا رتب هذا الترتيب، ويلزمه في الأحجار التي رمى بها الجمار، وهم يجيزون الرمي بها ثانية (١). وبالله التوفيق.
فصل
قد دخل في جملة الكلام الرد على أبي حنيفة في قوله: إنه نجس، والمعول منه على فصلين:
أحدهما: قوله ﵇: "خلق الله الماء طهورا، لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" (٢).
стр. 924
وهذا ماء لم يغيره شيء.
والفصل الآخر: ما ذكرناه من ملاقاة الماء الأول جزءا من اليد، لو تنجس تنجس ما بعده.
وأيضا فإن الإجماع بخلافه؛ لأنهم أجمعوا أن الإنسان غير مأخوذ عليه أن يوقي ثوبه أو بدنه من شيء يترشش عليه من الماء الذي استعمله، وقد أخذ عليه أن يتحرز من ترشش البول عليه، فلو صار الماء المستعمل نجسا لوجب التحرز منه كالبول، ولما لم ينقل عن أحد من السلف والخلف التحرز منه، ولا أنه غسل ما أصابه منه علم أنه طاهر، والله أعلم.
وأيضا فقد روى شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: "دخل علي رسول الله ﷺ وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ وصب علي من وضوئه" (١).
وهذا نص؛ لأنه لو كان (١٣٣) نجسا لم يصبه عليه.
وقد روي أنه أخذ من بلل لحيته، ومسح به رأسه (٢).
وروي أنه مسح رأسه بفضل ماء يده (٣).
стр. 925
وأيضا فإنه ماء طاهر لم يلاق نجسا أثر فيه، فينبغي أن لا يكون نجسا، كالماء الذي يغسل به شيء طاهر.
وأيضا فإن الماء طاهر مطهر، فمن أين تحدث النجاسة (١)؟
فإن قيل: هذا غير ممتنع، ألا ترى أن العبد يتزوج امرأة على أنها حرة فيستولدها، ثم تظهر أنها أمة، فإن الولد حر، فلما جاز أن يحدث الولد الحر من بين رقيقين جاز أن تحدث النجاسة من بين طاهرين.
قيل: هذا خطأ على مذهبنا؛ لأن الولد يكون رقيقا لسيد الأمة.
وعلى أن الحرية والرق يتغير بالاعتقاد ألا ترى أن الحر يتزوج امرأة على أنها أمة فيكون الولد - عندكم - مملوكا، ولو تزوج امرأة على أنها حرة فكانت أمة كان الولد حرا باعتقاد الحرية، وليس كذلك الطهارة والنجاسة؛ لأنه لا يتغير بالاعتقاد (٢).
فإن قيل: فقد روى أبو هريرة أن النبي ﵇ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه، ولا يغتسلن فيه من جنابة" (٣).
فجمع ﵇ بين الاغتسال من الجنابة وبين البول في الماء الدائم، فلما كان البول فيه ينجسه كذلك الاغتسال فيه ينجسه (٤).
стр. 926
وأيضا فإنه ماء قد أدي به الفرض، فوجب أن يكون نجسا، أصله الماء المزال به النجاسة.
قيل: الجواب عن الخبر من وجهين:
أحدهما أنه محمول - عندنا - على الكراهية؛ لأن البول إذا لم يغير الماء فالماء طاهر مطهر عندنا، فالماء المستعمل مثله.
وعلى أنه ﵇ جمع بينهما في المنع لا في النجس.
فإن أرادوا به إذا لم يتغير الماء فهو - عندنا - طاهر، فلم نسلم قولهم: إنه نجس.
وإن أرادوا إذا تغير الماء فإن الفرض من إزالة النجس لم يزل، وهو باق؛ لأن النجس لا يزول حتى يغلب الماء عليه ولا يتغير الماء، فسقط هذا، وبالله التوفيق.
ويجوز أن يكون كل شيء استعماله شرط من شرائط الصلاة لا يبطل حكمه عنه بمجرد الاستعمال، كالثوب يصلي فيه، والأرض يتيمم منها.
* * *
* مسألة (٣٥):
الماء الذي يلغ فيه الكلب - عندنا - طاهر؛ لأن الكلب طاهر، وإنما غسل الإناء من ولوغه تعبد (١).
стр. 927
وبه قال الزهري، والأوزاعي، وداود (١).
وقال الثوري: يتوضأ بذلك الماء، ويتيمم معه (٢).
وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد وإسحاق: الكلب نجس، وولوغه نجس، ويغسل الإناء منه لأنه نجس (٣).
والدليل على طهارة الكلب ما نهي عن الانتفاع به مع القدرة، وقد قامت الدلالة على الانتفاع بالكلب لا لضرورة من الكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٤).
فأباح تعالى تعليمها، والانتفاع بها في الصيد، وأكل ما صاده؛ لأنه من جملة الجوارح.
ومن السنة قوله ﵇ لعدي بن حاتم وغيره: "إذا أرسلت كلبك المعلم على صيد فقتله فكل ما أمسك عليك كلبك" (٥).
ففيه دليل على إباحة اقتناء الكلب، والانتفاع به، وأكل ما صاده، كما
стр. 928
هو في البازي والصقر.
وقول النبي ﷺ : "من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية أو زرع" (١).
فأباح اقتناءه والصيد به، كما أباح ذلك في غيره من الجوارح، فصار كسائر الطاهرات التي أباح لنا الانتفاع بها من غير ضرورة.
وأما الإجماع فقد أجمعوا على ما دل عليه الكتاب والسنة من ذلك.
وأيضا فإن الكلب إذا قتل الصيد، ونيب أنيابه ومخالبه فيه جاز أكله، ولم ينقل عن أحد أنه غسله في حال اصطياده، ومعلوم أنهم في موضع الصيد يسمطونه (٢) تارة، ويشتوونه، وما ينتف منه نتف (٣) بحيث لا يكون معهم الأواني لغسله، ولو غسلوه بالماء لم ينقلع ما يداخل في لحمه، فلما جاز أكله على هذه الحال إما بغير غسل، أو بغسل يعلم أنه لا يقلع ما شاع فيه من ريق الكلب، أو ملاقاة أنيابه ومخالبه للرطوبة التي فيه من دم وغيره علم أنه طاهر.
وأيضا فإن النبي ﷺ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة، تردها السباع والكلاب فقال ﵇: "لها ما شربت في بطونها، ولنا ما بقي شرابا وطهورا" (٤). (١٣٤)
стр. 929
وروى ابن وهب قال: أخبرني ابن جريج أن رسول الله ﷺ ورد معه أبو بكر وعمر على حوض، فخرج أهل الماء فقالوا: يا رسول الله! إن السباع والكلاب تلغ في هذا الحوض. فقال: "لها ما حملت، ولكم ما غبر (١) شرابا وطهورا" (٢).
ورواه ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة عن النبي ﵇ (٣).
فهذا نص على طهارة الكلاب؛ لأنه قال في بقية الماء الذي ولغت فيه: "شراب وطهور"، ولم ينقل قدر الماء الذي ولغت فيه، فلو كان يختلف لبينه النبي ﵇، والفصل بين الحياض، فإن فيها الكبير والصغير، وربما كان الحوض الكبير فيه القليل من الماء، والنبي عيه السلام ومن سأله لم يفصلوا.
وكذلك قال عمر ﵁ بحضرة الصحابة لصاحب الحوض: "يا صاحب الحوض لا تخبرنا، فإننا نرد على السباع وترد علينا" (٤)
ولم يفرق بين السباع التي الكلب من جملتها، ولا فرق بين قدر الماء في قليله وكثيره.
ولنا أيضا ما روي من حديث أبي قتادة أنه حصل في بيت كبشة بنت
стр. 930
كعب بن مالك وهي زوجة ابنه، فقربت له إناء يتوضأ منه، فجاءت الهرة تشرب منه، فأصغى لها الإناء، فشربت منه وكبشة تنظر إليه، فقال لها أبو قتادة: ما لك تنظرين إلي؟! سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الهرة ليست بنجس، إنما، إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات" (١).
ففي هذا الخبر دليلان:
أحدهما: أنه أثبت طهارة الهر التي هي سبع من السباع، تفرس الحي ولا ترعى الكلأ، فنبه به على ما هو مثلها، لئلا يظن ظان أن السباع التي هذه صفتها بخلاف الهر، فأعلمهم أن الأمر في السباع واحد.
والدليل الثاني: أنه ﵇ علل لطهارتها بكونها من الطوافين عليهم والطوافات، والكلب أشد طيافة على العرب من الهر، خاصة للزرع، والضرع، والصيد، فينبغي أن تجري العلة في الكلب كهي في الهر (٢).
فإن قيل: فقد قال ﵇ في هذا الخبر: "إن الهر ليست بنجس"، فدل على أن غير الهر نجس، وقال: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات" التي لم ينه عن اقتنائها، وقد نهى عن اقتناء الكلب، فدل على أن الكلب نجس من دليل الخطاب، ومن جهة النهي عن اقتنائه، ولم ينه عن اقتناء الهر (٣).
стр. 931
قيل: قد اجتمع في الخبر دليل خطاب وتعليل، والتعليل صريح، فقضى على الدليل، فنحمل الدليل على أنه أراد أن الهر ليست بمبعدة؛ لأن النجس في اللغة هو المبعد (١)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢)، والكافر ليس بنجس العين، فكأنه أراد أن الكلب مبعد، والهر ليست بمبعدة.
والتعليل بكون الهر من الطوافين يدل على طهارتها، لكونها من الطوافين، والكلب كذلك يطوف عليهم للانتفاع به في الصيد والزرع، والضرع، فلا فرق بين أن يطوف عليهم في بيوتهم، أو مواضع ماشيتهم، وصيدهم، وزرعهم.
وأما النهي عن اقتناء ضرب منها لأنها في الحِلل (٣) تروّع المسلم لا يدل على تنجيسها، إذ لو كانت نجسة لم يفترق حكمها في كل موضع، فإن دل على كونها نجسة من منع في اقتنائها في البيوت دل على طهارتها إذا اقتنيت للصيد والضرع والزرع، إذ لا أحد يفرق في تطهيرها أو تنجيسها في الموضعين.
стр. 932
وإذا ثبت بالعلل طهارة الكلاب كلها لم يدل النهي على اقتناء بعضها في حال دون حال على تنجيسها، ألا ترى أن النبي ﷺ قد نص على تحريم في البُر (١) لعلة من العلل، وتلك العلة موجودة في الأرز والدُّخْن (٢)، فلو قال: لا تأكلوا البر في هذا الوقت، أو في هذه الدار، أو إذا بيع قبل قبضه لم يكن هذا مزيلا لعلة الربا، فكذلك نهيه عن اقتناء الكلب في موضع ما، وأن لا يطوف عليهم في الحِلة لا يزيل حكم طهارته للعلة التي وردت في الهر، واستوائهما فيها.
على أننا قد نهينا أيضا عن اقتناء ما يتأذى بها، ويتأذى بها الناس، وليس في ذلك دليل على زوال طهارتها.
على أنه ﷺ قد أباح اقتناء الكلب من صيد، وزرع، وضرع (٣)، فهو طاهر كالهر.
وأيضا فقد روي عن عائشة أنها قالت: "كنا نتوضأ أنا ورسول الله (١٣٥) من إناء قد أصابت منه الهر" (٤).
وقد علم أنها سبع من السباع ذو ناب، تفترس الحي ولا ترعى الكلأ،
стр. 933
ولم تنقل إلينا ذلك إلا لتفيدنا أن هذا الجنس طاهر، لا تخصيصا للهر؛ لأن جميع المعاني التي في السباع موجودة فيها [ولو أرادت تخصيص الهر من جملة السباع وفيها من المعاني ما فيها] (١) لم يكن بد من أن تبين لأي معنى خصت، فلما لم تبين علمنا أنها نبهت على جملة السباع التي هي مثلها، وأنها بهذه المنزلة، ألا ترى أنها لما قالت كنت أتوضأ أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد" (٢)، أرادت أن تعلمنا بأننا كلنا يجوز لنا ذلك، لا أنها أرادت تخصيص عينها وعين النبي ﷺ ، فكذلك لم ترد تخصيص عين الهرة بذلك.
فإن قيل: إنها لم ترد تخصيص ذلك الهر دون غيرها من السنانير (٣)، وإنما أرادت جنس السنانير دون سائر السباع، كما أنها لم ترد عينها وعين النبي ﷺ ، وإنما أرادت ما هو من جنسها دون الحمير، والدواب، وغير ذلك.
قيل: لا فرق بين الأمرين إذا كان المعنى في الهر وسائر السباع واحدا، إلا أن يبين موضع التخصيص، إذ جنس السباع واحد وإن اختلفت صورها وخلقها، كما أن جنس بني آدم واحد وإن اختلفت خلقهم وصورهم.
وعلى أننا عقلنا أنها أرادت بالوضوء جنس بني آدم دون الحمير والدواب؛ لأنها خصصته بذكر الوضوء الذي لا يصح إلا من المتعبدين دون غيرهم.
стр. 934
على أننا لو قلنا: إنها أفادتنا أن كل حي إذا لم تكن عليه نجاسة، وانغمس كله أو بعضه في الماء فإنه طاهر، كما أن النبي ﵇ وهي غمسا أيديهما في الماء وهما حيان، فالماء طاهر.
ولنا أن نستدل بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (١).
والولوغ [ليس] (٢) من هذه الأشياء، والماء مما يطعم، فلا يكون محرما إلا بدليل.
وأيضا فإن الكلب في حياته ذو روح، فوجب أن يكون طاهرا، أو فوجب أن لا يكون ولوغه نجسا دليله سائر الحيوانات المتفق عليه، ولا يلزمنا الخنزير؛ لأنه - عندنا - طاهر في حياته (٣)
فإن قيل: هذه العلة فاسدة من وجهين:
أحدهما: أنه لا تأثير لها؛ لأننا نجد الشاة طاهرة في حياتها لكونها ذات روح، ثم تذكى وقد زالت الروح، فتكون طاهرة أيضا، وكذلك السمك حيه وميته بمنزلة واحدة، وإذا لم يكن للعلة تأثير سقطت.
والوجه الآخر: هو أنه لو كانت صحيحة لوجب أن يوجد الحكم بوجودها، ويرتفع بارتفاعها من جهتها، فلما وجدنا السمك الميت والشاة
стр. 935
المذكاة طاهرين مع ارتفاع العلة علم فسادها (١).
قيل: علتنا صحيحة، ألا ترى أن الشاة في حياتها طاهرة، وتموت حتف نفسها فتصير نجسة، ولم تكن كذلك إلا لعدم الروح منها، فاستمر هذا.
لا ننكر أن تخلف علة الحياة علة أخرى تقوم مقامها في الطهارة، فالتذكية تقوم في الطهارة مقام الحياة، فكذلك موت السمك يقوم مقام حياته.
وهذا كما يقول أصحاب الشافعي: إن علة نجاسة الخمر كون الشدة المخصوصة فيها، ثم تخلل فتزول الشدة وهي نجسة بالتخليل، فخلفت هذه العلةُ العلةَ المتقدمة (٢).
وكذلك نقول جميعا إنه لو طرح في الخمر ميتة أو دم، ثم خللت لكانت نجسة باتفاق؛ لأن النجاسة التي وقعت فيها خلفت النجاسة التي هي الشدة بعد زوالها، وهذا في الأصول كثير (٣).
قياس آخر: اتفقنا على أن الهر طاهرة، فكذلك الكلب، بعلة أنه سبع من السباع، أو بعلة أنها بهيمة ذات ناب، أو بعلة أنها تفرس الحي ولا ترعى الكلأ.
قياس آخر: اتفقنا على أن الصقر والبازي طاهران، كذلك الكلب، بعلة
стр. 936
أنه جارح أبيح لنا الاصطياد به.
فإن قيل: العلة في سائر الحيوان أنه لا يجب غسل الإناء من ولوغه، والكلب والخنزير يجب غسل الإناء من ولوغهما.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن علتنا متعدية فهى أولى؛ لأنها تجلب حكما.
والجواب الآخر: هو أن غسل الإناء من ولوغ الكلب والخنزير ليس بفرض عندنا (١)، فهو كالهر إذا كانت تأكل الجيف.
وعلى أن غسل ذلك تعبد، كغسل الخلوق والطيب من ثوب المحرم.
فإن قيل: العلة في طهارة الشاة في حياتها كونها مأكولة اللحم، وليس كذلك الكلب.
قيل: عن هذا أجوبة:
أحدها: أن هذه العلة غير متعدية، وعلتنا متعدية، فهي أولى عند التعارض.
والوجه الثاني: أن علتا (١٣٦) مستمرة في كل حيوان في حال حياته (٢)، من السباع وغيرها مما هو طاهر ولا يؤكل لحمه، مثل بني آدم.
وجواب آخر: هو أن علتكم لا تأثير لها؛ لأن الطهارة موجودة فيما
стр. 937
لا يؤكل لحمه.
وجواب آخر: هو أننا قسنا الكلب على الهر، بعلة أنه سبع يفرس الحي ولا يرعى الكلأ، وهذا أصل لم يحصل ما يعارضه.
وقسناه أيضا على البازي والصقر فهو أشبه.
وقياسنا أولى أيضا؛ لأننا رأينا سائر الحيوان على ضربين: فضرب منه يجوز أكل لحمه، كالأنعام، والصيد المباح، وغير ذلك مما يجوز أكله، وضرب آخر لا يجوز أكله، كابن آدم والسباع، ووجدنا هذين الضربين جميعا طاهرين، فوجب أن لا يخرج حكم السبع والكلب والحمار عن ذلك؛ لأنها من جملة الحيوان.
فإن قيل: فقد أن روي النبي ﵇ حرم الكلب وحرم ثمنه (١)، وحرم الخنزير وحرم ثمنه (٢).
فأخبرنا أن الكلب محرم، فيقتضي أن يكون محرما من جميع الوجوه.
وأيضا فالدليل على نجاسة ولوغه ما رواه أبو هريرة أن النبي ﵇ قال:
стр. 938
"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبع مرات" (١).
فأمر بإراقة ما ولغ فيه، وقد يكون المولوغ لبنا وعسلا وغيرهما، فلولا أنه نجس لم يأمر بإراقته؛ لأنه تضييع للمال، وقد نهى عنه (٢).
وأيضا فقد روى أبو هريرة أن النبي ﵇ قال: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات" (٣).
والطهور إما أن يكون عبارة عن رفع الحدث، أو رفع النجاسة، فلما لم يكن بالإناء حدث علم أن فيه نجاسة (٤).
قيل: أما قولكم: إن النبي ﵇ حرم الكلب وحرم ثمنه فإن عين الكلب ليست محرمة؛ لأن الأعيان لا تحرم وإنما تحرم أفعالنا فيها. كقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٥)، المراد حرم علينا نكاحهن.
فإذا كان المراد تحريم أفعالنا في الكلب فهو عموم، قد أبيح لنا بعضها من الاقتناء للصيد والزرع، والضرع، ولم يدل ذلك على تنجيسها؛ لأن النجس لا يجوز الانتفاع به لغير ضرورة كالبول والخمر.
وأما تحريم ثمنه فإنما هو مكروه (٦) - عندنا - لا واجب.
стр. 939
وقد روي "أنه ﵇ نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد، أو زرع، أو ماشية" (١).
ثم لو ثبت تحريم ثمنه لم يدل على تنجيسه؛ لأن بيع أم الولد لا يجوز وهي طاهرة.
فإن قيل: إن النهي عن ثمنه لا يخلو من أحد ثلاثة أوجه:
إما أن يكون لحرمته كالنهي عن ثمن الحر وأم الولد.
أو يكون لعدم منفعته كثمن العقارب والخنافس، وغير ذلك مما لا منفعة فيه، فيكون صرف الثمن فيه من إضاعة المال.
أو يكون النهي لأجل نجاسته كالنهي عن ثمن الخمر، والخنزير، والميتة.
فلما بطل أن يكون لحرمته؛ لأنه لا حرمة له، وليست مع هذا حرمته لو كانت له حرمة بأوكد من حرمة البقر والغنم، وقد جاز بيعها.
وبطل أيضا أن يكون لعدم منفعته؛ لأن فيه منافع كثيرة موجودة، فلم يبق إلا أن يكون النهي لنجاسته.
قيل: قد ذكرنا أن النهي إنما هو تنزيه وكراهية عندنا (٢)، لا لأنه محرم، وإنما غلظ بذلك النهي عن اقتنائه حيث يروع المسلم، وإلا فبيعه جائز، ألا
стр. 940
ترى أنه قد روي في الخبر أنه نهى عن بيعه إلا أن يكون كلب صيد، أو ماشية، أو زرع (١).
وللكلام في جواز بيعه مسألة مفردة تجيء في موضعها (٢).
وليس يمتنع في الأصول أن ينهى عن اقتناء شيء أو عن ثمنه تنزها وكراهية، كالنهي عن كسب الحجام (٣)، وثمن الصور، وقد قال ﷺ : "إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة" (٤).
فكذلك النهي عن اقتناء الكلب وبيعه، وليس كذلك الميتة والدم والخنزير الذي لم يبح استعماله واقتناؤه في غير ضرورة، ألا ترى أننا قد أبحنا اقتناء الكلب للصيد والزرع والماشية لغير ضرورة، ولو كان كالميتتة
стр. 941
والدم لم تجز الوصية به، ولا قسمته إذا كان مباحا استعماله، فلما جازت الوصية به وقسمته في المواريث، واقتناؤه للصيد وغيره فارق حكم سائر الأنجاس.
فإن قيل: لو قتل لم يجب على قاتله قيمة.
قيل: تجب عندنا (١).
فإن قيل: لو سرقه سارق لم يقطع.
قيل: يقطع عندنا.
على أننا لو قلنا: إنه لا تجب قيمته ولا القطع في سرقته لم يدل على نجاسته؛ لأنه لو صال عليه جمل فقتله لم تجب فيه قيمته، ولو سرق حرا لم يجب قطعه إن كان صغيرا عندكم، وكبيرا عندنا وعندكم (٢)، ولم يدل ذلك على كونهما نجسين.
وأما قوله ﵇: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبع مرات" (٣) فإنه لا يلزم؛ لأن الانتفاع بالكلب واقتناءه قد أبيح لغير ضرورة، وهو كالطاهرات في الشرع.
فأما الأمر بإراقته وغسل الإناء من ولوغه فلا يدل على نجاسته، بل هو لأن النفس تعافه، كما لو بصق إنسان في الماء، وامتخط فيه لعافته نفسه،
стр. 942
وجازت إراقته، ألا ترى أن إنسانا لو اضطر إلى أكل الميتة ثم يشرب من إناء لعافته النفس حتى يراق الماء، ويغسل الإناء منه تنظفا وتنزها، فكذلك الكلب إذا ولغ فيه؛ لأنه لا يجتنب أكل الأنجاس في الغالب، فتعافه النفوس، فيؤمر الإنسان بإراقته وغسل الإناء؛ لأن التنزه من الأقذار مندوب إليه، وليس إراقته - عندنا - فرضا، ولا غسل الإناء منه فرض (١).
ويحتمل أن يكون ذلك تغليظا عليهم في الماء؛ لأنهم نهوا عن اقتنائها؛ لأنها تروع الضيف والمجتاز، كما قال ابن عمر، والحسن (٢)، فلما لم ينتهوا غلظ عليهم في الماء لقلة المياه عندهم في البادية، حتى يشتد عليهم فيمتنعوا من اقتنائها، لا لأنها نجسة.
والدليل على أنه على وجه التغليظ دخول العدد والتراب فيه؛ لأنه مع قلة المياه عندهم يجتمع عليهم إراقة الماء من الإناء، وتكرير الغسل سبع مرات بالماء، ثم بالتراب الذي لم يدخل في سائر الأنجاس التي هي أغلظ من ولوغ الكلب؛ لأن الدم والبول والعذرة المتفق على نجاستها أغلظ من ريق الكلب المختلف في طهارته، طهارته، فلما لم يدخل العدد والتراب في الأغلظ، ودخل في الولوغ الذي هو أضعف علم أنه لم يدخل لنجاسته.
وقد رأينا العدد في الغسل قد دخل عبادة لا لنجاسة كوضوء الإنسان،
стр. 943
ودخل التراب في غسل الإناء أيضا عبادة، كما دخل في التيمم لا لنجاسة.
وأما قولهم: "إنه قد يكون في الإناء لبن أو عسل فيكون فيه تضييع المال" فإننا نقول: إن الخبر لم يرد إلا في الماء على طريق الاستحباب، والماء يسير القيمة في الغالب، وقد قال ﵇: "إذا وجد أحدكم قذى في إنائه فليرقه ولا ينفخ فيه" (١)، وكله - عندنا - مستحب.
وقد سئلت عائشة ﵂ عن القِدر يلغ فيه الكلب، فقالت: "يؤكل المرق، ويغسل القدر سبعا" (٢)، وكانت تفتي به بحضرة الصحابة ﵃.
وما وري أنه ﵇ قال: "طهور إناء أحدكم" (٣) فإننا نقول: "طهور" اسم مشترك يصلح لإزالة النجس، ويصلح لتمييز الشيء من الأشياء الدنية، ويصلح للتعبد.
فأما إزالة النجس، كالثوب، والبدن، والمكان، إذا كان عليه نجس طهر بإزالة ذلك بالماء.
وأما التعبد فكغسل الجنابة والوضوء الذي قيل فيه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٤).
وأما تمييز الشيء من الأشياء الدنية فكقولنا في أزواج رسول الله ﷺ :
стр. 944
الطاهرات، وكقولنا: فلان طاهر مطهر، أي متميز ممن يدخل فيما لا يجوز من الدناءة.
ويكون أيضا لرفع درجة، كقوله تعالى لعيسى ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١).
فإذا كان "طهور" من الأسماء المشتركة لم يجز الحجاج به حتى يعلم أي ذلك أريد به، ولا يدعى في الاسم المشترك العموم (٢).
فإذا احتمل ما يقولون من إزالة النجاسة احتمل أن يكون للعبادة كغسل الخلوق من ثوب المحرم الذي لا هو لإزالة حدث، ولا لرفع نجاسة.
على أن حقيقية الطهارة إنما هي نقل من حال إلى حال في جميع المواضع، فهو نقل مما لا يجوز إلى ما يجوز، فقد نقل امتناع جواز استعمال الإناء إلى جواز استعماله.
وإراقة الماء فقد ذكرنا أنه على وجه التنزه والتنظف، ويحتمل أن يكون تغليظا ليمتنعوا من اقتناء الكلب (٣).
فإن كان للتنظف وأن النفس تعافه فهو كمن كان يجد القذى في إنائه قد أمر إراقته ولا ينفخه؛ لأنه بالنفخ يتطاير من البصاق في الإناء مع يسارة قيمة الماء في الأغلب، وقد ندب الإنسان إلى التنزه والتنظف، كما ندب
стр. 945
المتوضئ إلى غسل يده قبل إدخالها (١٣٨) في وضوئه (١).
فإن قيل: فكيف خصت الأواني بذلك دون غسل الصيد إذا نيبه الكلب عندكم؟ وخص ذلك الإناء أيضا بالغسل كما خص غسل موضع النجاسة، والأواني أيضا لا تعبد عليها؟ وخص الماء وحده من بين غيره من المائعات؟.
قيل: أما تخصيص الأواني فلأن الكلاب في الحضر وبين الناس تروع المجتاز والضيف، وتلغ في الأواني، وفي الصحاري ومكان الصيد والمواشي والزرع لا ينتشر الناس في الغالب فتروعهم، ولا تكون الأواني هناك.
وأما تخصيص داخل الأواني فإنه موضع الاستعمال، والقدر من الريق هو المستقذر يحصل داخل الإناء وإن لم يكن نجسا.
وأما تخصيص الماء وحده فإنه في الأغلب لا يحفظ كما يحفظ غيره من المائعات، فالكلب في الغالب يشرب الماء دون غيره من المائعات.
وقولهم: "لا تعبد على الأواني" فإننا نقول: نحن المتعبدون فيها، كما تعبدنا بأن نربص الصغيرة المعتدة، وتعبدنا بغسل الطيب من ثوب المحرم، وكما تعبدنا بغسل الميت الذي لا يخلو أن يجب غسله لنجاسة تزول، أو لعبادة، فإن كان الميت نجسا بالموت فإن نجاسته لا تزول بالغسل، وإن ذهب عنه الدرن، وإن كان طاهرا وعليه نجاسة فليس هو متعبدا بإزالتها بعد الموت (٢)؛ لأن العبادة قد انقطعت عنه، فصرنا نحن المتعبدين بغسله،
стр. 946
فكذلك النجاسات التي على الثياب والبقاع نحن المتعبدون بها، فكذلك نحن المندوبون المتعبدون بغسل الإناء من ولوغ الكلب تنزها وتنظفا، فلا معنى لقولهم: إنه لا عبادة على الأواني.
فإن قيل: إنما وجب غسل الإناء لحدوث حادث فيه، فوجب أن يكون عن نجاسة، كالبول وغيره من النجاسات إذا وقعت في الإناء.
وأيضا فإنه مائع ورد الشرع بإراقته، فوجب أن يكون نجسا كالخمر. قال في الولوغ: "فأريقوه" (١)، وقال في الخمر: "اقلبوها في البطحاء" (٢).
وأيضا فإنه غسل بالماء تعلق بموضع الإصابة، فوجب أن يكون غسل نجاسة لا غسل تعبد، وأصله النجاسة إذا وقعت على ثوبه أو على بدنه.
وأيضا فإن الكلب لا يماس الإناء ولا أصابه، وإنما أصاب الذي في الإناء، فلما وجب غسل الإناء علم أنه [وجب غسله لنجاسة ما في الإناء لا تعبدا.
قيل: قولكم: إنما] (٣) وجب غسل الإناء لحدوث حادث فيه.
فإننا نقول: ليس غسله فرضا، فلم تسلم علتكم، وإنما غسله مسنون، وليس ما كان غسله مسنونا يكون لنجاسته، كالطيب من ثوب المحرم، فلم
стр. 947
يسلم بالقياس على البول، وإنما كان بول ابن آدم نجسا لأنه محرم أكله، وإن كان في حياته طاهرا.
وأما الكلب فأكله مكروه (١)، فبوله مثله، وكذلك سائر السباع غير الخنزير فإنه محرم كابن آدم، وبوله مثله.
وعلى أن إزالة النجاسات - عندنا - ليست بفرض (٢)، فكيف ولوغ الكلب الذي هو - عندنا - طاهر؟!
وقولهم: "إنه مائع ورد الشرع بإراقته" فقد قلنا: إن النبي ﵇ ﷺ قال: "إذا وجد أحدكم قذى في إنائه فليرقه ولا ينفخه" (٣)، فقد ورد الشرع بإراقته لا لنجاسة، وهذا ندب، وكذلك ولوغ الكلب إراقته ليست بفرض، وأما الخمر فنجسة محرمة الثمن (٤)، كبول ما لا يؤكل لحمه.
وقولهم: "إنه غسل بالماء تعلق بموضع الإصابة فوجب أن يكون غسل نجاسة" فنقول: غسل داخل الإناء مندوب وليس بمفروض، وإنما هو تغليظ
стр. 948
أو للنظافة، فإن النفس تعاف الشرب من الإناء بعد ولوغ الكلب فيه إن لم يغسل بالماء، فهو - عندنا - مندوب إلى غسل بول ما لا يؤكل لحمه من السباع وهي طاهرة، ومندوب إلى غسل ما يؤكل لحمه من الدواب أيضا وهي طاهرة.
وهذا هو الجواب عن قولهم: "إن الكلب لم يماس الإناء، وإنما مس ما فيه"؛ لأنه إذا ولغ في الماء اختلط ولوغه، فقذر الإناء لا لنجاسة، كما لو امتخط في الإناء قذره بلا نجاسة.
على أن قياسنا الكلب في طهارته على سائر الحيوان أولى من هذا.
ويجوز أن نستدل على طهارة الماء الذي ولغ فيه بقوله ﵇: "خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" (١).
فإن قيل: فقد روي أن النبي ﵇ أراد أن يدخل بيت رجل فقيل له: إن فيه هرا، فقال: "الهر ليست بنجس" (٢).
стр. 949
فدليله أن الكلب نجس.
قيل: قد ذكر أن هذين خبران قد دخل أحدهما في الآخر (١).
على أننا نقول: إن كان هذا تعليلا في الكلب، وأنه لم يدخل البيت الذي هو فيه لأنه نجس فينبغي أن تجري العلة في كل موضع فيه نجس، ولو كان كذلك لوجب أن لا يدخل بيتا فيه دم ولا بول، ولا غير ذلك من الأنجاس التي هي أغلظ من الكلب، فلما كان ﷺ يدخل البيوت التي فيها الأنجاس دل على أن هذا ليس بتعليل، وإنما معناه أن الكلب مبعد، والهر ليست بمبعدة؛ لأن النجس في اللغة هو المبعد (٢)، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾.
وهذا أولى من تعليل لا يصح، وقد كانت مبولة النبي ﵇ معه في البيت تحت سريره (٣)، ولم يمتنع من دخول البيت.
стр. 950
وعلى أنه ﵇ لم ينص في الكلب على شيء، وإنما قال في الهر: "إنها ليست بنجس" (١)، فاستدلوا بالتنبيه ودليل الخطاب على الكلب، ونحن ننازعهم في النص على الهر وفي دليله، وهل أراد النجس اللغوي أو غيره؟.
فإن قيل: اسم النجس والطاهر إذا أطلقا في الشريعة عقل منه خلاف اللغة، فالصلاة التي هي الدعاء في اللغة، ثم إذا أطلقت في الشرع عقل منها هذه الأفعال المخصوصة.
قيل: إن الأحكام معلقة على الأسماء اللغوية حتى يقوم الدليل على نقلها، وليس إذا نقلت في موضع بدليل ينبغي أن تنقل في كل موضع، ولم تقم - عندنا - دلالة في هذا الموضع أنه أريد به غير اللغوي.
ثم لو ثبت الدليل على ما يذكروه من دليل الخطاب لم يمتنع أن يلحق الكلب بالهر بدليل، وقد ذكرنا دلائل تقدمت تدل على طهارة الكلب، ودليل الخطاب يخص، ويسقط بالدلالة، فإسقاطه هاهنا بالدلالة، ويصير تقديره كأنه قال: الهر ليست بنجس ولا الكلب كما قال تعالى في خبر الصيد: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ (٢)، فالخاطئ بخلافه، ثم قامت دلالة ألحقت الخاطئ بالعامد، فصار تقديره: متعمدا أو مخطئا (٣).