ذلك من التفاصيل التي جاءتنا في كتب اللَّه وعلى ألسُنِ رُسُله فلا يُستفاد من العقل؛ بل من ذلك النقلِ الذي منه جاءت، وإلينا به وَصلت.
واعلمْ أنى عند الاشتغال ب «علم الكلام»، وممارسةِ تلك المذاهب والنِّحل، لم أَزدَدْ بها إلا حَيرةً، ولا استفدتُ منها إلا العلمَ بأن تلك المقالات خزعبلاتٌ (١)؛ فقلت إذ ذاك مشيرًا إلى ما استفدته من هذا العلم:
ومِن نظري بعدَ طولِ التدبُّرِ … وغايةُ ما حَصَّلتُه مِنْ مَباحثي
فما عِلمُ مَنْ لم يَلْقَ غيرَ التحيُّرِ؟! … هو الوقفُ ما بين الطريقينِ حَيرةً
وما قَنِعَتْ نفسي بدونِ التبحُّرِ … على أنني قد خُضْتُ منه غِمارَهُ
وعند هذا رميتُ بتلك القواعدِ من حالقٍ، وطرحتُها خلف الحائط، ورجعت إلى الطريقةِ المربوطةِ بأدلة الكتاب والسُّنة، المَعمودةِ (٢) بالأعمدةِ التي هي أوثقُ ما يَعتمد عليه عِبادُ اللَّه، وهم الصحابةُ ومَن جاء بعدهم مِنْ علماء الأمة المقتدِين بهم، السالكين مسالكَهم؛ فطاحت الحَيرة، وانجابت ظُلمةُ العَماية، وانقشعتْ سحابةُ الجهالة، وانكشفت ستورُ الغِواية، وللَّهِ الحمد (٣).
على أني وللَّهِ الشكر لم أشتغل بِهذا الفنِّ إلَّا بعد رسوخ القدَم في أدلة
стр. 177
الكتاب والسُّنة، فكنتُ إذا عَرَضتْ مسألةٌ من مسائله مبنيةٌ على غير أساس؛ رجعتُ إلى ما يدفعُها من علم الشرع، ويدمغُ زائفها (١) من أنوار الكتاب والسنة، ولكنى كنتُ أُقدِّرُ في نفسي أنه لو لم يكن لديَّ إلا تلك القواعدُ والمقالات، فلا أجدُ حينئذٍ إلا حيرةً، ولا أمشي إلا في ظُلمة، ثم إذا ضربتُ بها وجهَ قائلها، ودخلت إلى تلك المسائل مِنْ الباب الذي أَمر اللَّهُ بالدخول منه، كنتُ حينئذٍ في راحةٍ من تلك الحيرة، وفي دَعَةٍ من تلك الخُزعبلات، والحمدُ للَّهِ رب العالمين عَدَدَ ما حَمِدَه الحامدون بكل لسانٍ في كل زمان.
• [علم التفسير]:
ثم بعد إحرازِ هذه العلوم، يشتغلُ بعلم التفسير، فيأخذُ عن الشيوخ ما يحتاج مثلُه إلى الأخذ ك «الكشاف» (٢)، ويُكبُّ على كتب التفسير على اختلافِ أنواعها، وتبايُنِ مقاديرها، ويعتمدُ في تفسير كلام اللَّه سبحانه ما ثبت عن رسول اللَّه ﷺ ، ثم عن الصحابة؛ فإنهم مع كونِهم أعلمَ من غيرهم بمقاصدِ الشارع، هم أيضًا من أهلِ اللسان العربي؛ فما وجده من تفاسير رسول اللَّه ﷺ في الكتب المعتبرة كالأمهات وما يلتحق بها قدَّمه على غيره؛ بل يتعيَّنُ عليه الأخذُ به، ولا يحلُّ له مخالفتُه، وأجْمعُ مؤلَّفٍ في ذلك وأنفعُه وأكثرهُ فائدة: «الدر المنثور» للسيوطي.
وما ذكرنا مِنْ تقديم ما وَرد عن الصحابة مقيَّدٌ بما إذا لم يخالِف ما يُعلم من لغةِ العرب، ولم تكن تلك المخالفةُ لأجل معنًى شرعيٍّ؛ فإن كانت لمعنًى شرعيٍّ فقد تقرر أن الحقائق الشرعية مقدَّمةٌ على اللغوية.
стр. 178
وينبغي له أن يُطوِّلَ الباع في هذا العلم، ويطالعَ مطوَّلاتِ التفاسير، ك «مفاتيح الغيب» للرازي (١)؛ فإن المعاني المأخوذةَ من كتاب اللَّه سبحانه كثيرةُ العدد، يَستخرج منها كلُّ عالِمٍ بحسب استعداده، وقدْرِ مَلَكته في العلوم.
ولا يَغترَّ بما يزعمُه بعضُ أهل العلم مِنْ أنه يكفي الاطلاعُ على تفسير آياتِ الكتاب العزيز، كما وقع لكثيرٍ من التآليف في تفسير آياتٍ مخصوصةٍ مسمِّيًا لها ب «آيات الأحكام» كالموزعي (٢)، وصاحب «الثمرات» (٣)؛ فإن القرآنَ جميعَه حتى قَصصَه وأمثالَه لا يخلو من فوائدَ متعلِّقةٍ بالأحكام الشرعية، ولطائفَ لا يأتي الحصرُ عليها لها مدخلٌ في الدين؛ يعرفُ هذا مَنْ يعرفه، ويجهلُه من يجهله.
وينبغي أن يقدِّم على قراءة التفاسير الاطلاعَ على علوم الأداء، وكلِّ ما كان له مدخلٌ في التلاوة (٤)، وسائرِ العلوم المتعلِّقة بالكتاب العزيز، وما أنفع
стр. 179
«الإتقان» للسيوطي في مثل هذه الأمور.
ثم لا يُهمِلُ النظرَ في الكتب المدوَّنة في القراءات، وما يتعلق بها، ك «الشاطبية» وشرحها، و «الطيِّبة» وشروحها.
• [كُتب السُّنة]:
إذا عرفتَ ما ينبغي لمن أراد أن يكون من أهل الطبقة الأولى، فاعلمْ أن أعظمَ العلوم فائدةً، وأكثرَها نفعًا، وأوسعَها قدْرًا، وأجلَّها خطرًا: علمُ السُّنة المطهَّرة؛ فإنه الذي تكفَّل ببيان الكتاب العزيز، ثم استقلَّ بما لا ينحصرُ من الأحكام.
ولستُ أقول: إن الطالبَ يشتغلُ به في وقتٍ معيَّن، ولا أقولُ: إنه يقدِّمُه على هذه العلوم المتقدمة، أو يؤخرُه عنها؛ بل أقول: إنه ينبغي لطالب العلم بعد أن يُقيمَ لسانه بما يحتاجُ إليه من النحو أن يُقبِلَ على سماع الكتب التي جَمَعَ فيها أهلُ العلم متونَ الأحاديث مقطوعةَ الأسانيد، ك: «جامع الأصول»، و «المشارق»، و «كنز العمال»، و «المنتقى» لابن تيمية (١)، و «بلوغ المرام» لابن حجر، و «العمدة» (٢).
стр. 180
ثم يَسمعُ الكتب التي فيها الأسانيد، كالأمهات الست، و «مسند أحمد»، و «صحيح ابن خزيمة»، و «ابن حبان»، و «ابن الجارود»، و «سنن الدَّارَقُطْني»، و «البيهقى».
وبالجملة: فما بلغتْ إليه قُدرتُه، ووَجَد في أهل عصره و [عند] شيوخه مِنْ كُتب السُّنةِ جدَّ في سماعه، واجتهد بحسْب ما يمكنه، ويكون هذا الاشتغالُ بِهذا العلمِ الجليل مصاحِبًا لاشتغالِه بجميع العلوم المتقدِّمة من البداية إلى النهاية.
فإذا قَضَى وَطَره (١) من سماع كُتب المتْن والإسناد، اشتغل بشُروح هذه المؤلَّفات؛ فيَسمع منها ما تيسَّر له سماعُه، ويطالعُ ما لم يتيسَّرْ له سماعُه.
• [علمُ الجرح والتعديل]:
ويستكثرُ من النظَر في المؤلَّفات في عِلم «الجرح والتعديل»، ولا يقتصر على المختصرات، فقد يكتفي مؤلِّفوها بقولِ فردٍ من أفرادِ أئمة الجرح والتعديل؛ بل يتوسَّعُ في هذا العلم بكلِّ ممكن، وأنفعُ ما يَنتفع به: «سير أعلام النبلاء» (٢)، و «تاريخ الإسلام»، و «تذكرة الحُفَّاظ»، و «الميزان»؛ فإنه يجد في هذه المؤلَّفات من الاختلاف في المترجَم له، وذِكر أسباب الجرح والتعديل، ما لا يجدُه في غيرها ك «تهذيب الكمال» وفروعه (٣).
• [علم مصطلح الحديث]:
وهذا بعدَ أن يشتغلَ بشيءٍ من علم اصطلاح أهل الحديث، كمؤلفات
стр. 181
ابن الصلاح، و «الألفية» للعراقي وشروحها. ولا يستغني عن المطوَّلات بالمختصرات، لا سيَّما إذا بالغ مؤلِّفوها في الاختصار ك «النُّخبة» (١) وما هو مشابهٌ لها.
• [كُتب التاريخ]:
وينبغي له أن يشتغلَ بمطالعةِ الكتب المصنَّفة في تاريخ الدول؛ وحوداثِ العالَم في كل سَنة، كما فعله الطبري في «تاريخه»، وابن الأثير في «كامِله»، وكما فعله كثيرٌ من المؤرِّخين على اختلاف مسالكهم في تخصيص التصنيف بدولةٍ من الدول، أو طائفةٍ من طوائف أهلِ العلم والأدب، أو فرقةٍ من فِرق أهل الرئاسات، أو غير ذلك؛ فإن للاطلاع على ذلك فائدةً جليلةً لا يعرفُها إلا مَنْ عَرف أحوال العالَم، وأتقنَ معرفةَ أهلِ كلِّ عصرٍ منهم، وعَلِم بأوقاتِ موالِدِهم ووَفَيَاتِهم.
فإذا أحاط الطالبُ بما ذكرناه من العلوم، فقد صار حينئذٍ في «الطبقة العالية» من طبقات المجتهدين، وكمُلت له جميعُ أنواع علومِ الدين، وصار قادرًا على استخراج الأحكام من الأدلة متى شاء، وكيف شاء.
ولكنه ينبغي له أن يطَّلعَ على علومٍ أُخرى؛ لِيَكْمُلَ له ما قد حازه من الشرف، ويَتمَّ له ما قد ظَفِر به من بلوغ الغاية.
• [علم الفقه]:
فمن ذلك «علم الفقه»، وأقلُّ الأحوال أن يعرف مختصرًا في فقهِ كل مذهبٍ من المذاهب المشهورة؛ فإن معرفةَ ما يذهبُ إليه أهلُ المذاهب
стр. 182
الإسلامية قد يحتاجُه المجتهدُ لإفادة المتمذهِبين السائلين عن مذاهب أئمَّتهم، وقد يحتاجُه لدفعِ مَنْ يُشنَّعُ عليه في اجتهاده، كما يقعُ ذلك كثيرًا من أهل التعصُّبِ والتقصير؛ فإنه إذا قال له: «قد قال بِهذه المقالةِ العالِمُ الفلاني، أو عَمِل عليها أهلُ المذهب الفلاني»، كان ذلك دافعًا لصَولته، كاسرًا لسورته، وقد وقعنا في كثيرٍ من هذه الأمور مع المقصِّرين، وتخلَّصْنا من شَغَبهم بحكايةِ ما أنكروه علينا عن بعض مَنْ يعتقدونه من الأموات.
وما أنفعَ الاطلاعَ على المؤلَّفات البسيطةِ (١) في حكايةِ مذاهب السلف، وأهلِ المذاهب، وحكايةِ أدلتهم، وما دار بين المتناظِرين منهم، إما تحقيقًا أو فرضًا، كمؤلَّفات ابن المنذر، وابن قُدامة، وابن حزم، وابن تيمية، ومن سلك مسالكهم؛ فإن المجتهد يزداد بذلك علمًا إلى علمه، وبصيرةً إلى بصيرته، وقوةً في الاستدلال إلى قوَّته؛ فإن تلكَ المؤلفاتِ هي مطارحُ أنظار المحقِّقين، ومطامحُ أفكار المجتهدين، وكثيرًا ما يحصُلُ للعالِمِ من النُّكتِ واللطائف الصالحةِ للاستدلال بها ما لا يحصُلُ للعالِم الآخر وإن تقاربت معارفهما، وتوازنت علومُهما؛ بل قد يتيسَّرُ لمن هو أقلُّ علمًا ما لا يتيسَّرُ لمن هو أكثرُ علمًا من الاستدلال والجواب والنقض والمعارضة، كما قيل:
ورأيانِ أحزمُ من واحدٍ … ورأيُ الثلاثةِ لا يُنقَضُ
وكما قيل:
ولكنْ تأخُذُ الأفهامُ منه … على قَدْرِ القَرايحِ والفُهُومِ
ولا سيَّما مؤلفاتُ أهلِ الإنصاف الذين لا يتعصَّبون لمذهبٍ من المذاهب،
стр. 183
ولا يَقصِدون إلا تقريرَ الحق، وتبيينَ الصواب؛ فإن المجتهدَ الطالبَ للحق ينتفعُ بها، ويستعينُ بأهلها، فينظرُ فيما قد حرَّروه من الأدلة، وقدَّرُوه منَ المباحث، ويُعمِلُ فِكرَه في ذلك، فيأخذُ ما يَرتضيه، ويزيدُ عليه ما بلغت إليه قدرتُه، ووصلت إليه مَلَكتُه، غيرَ تاركٍ للبحث عن تصحيح ما قد صحَّحوه، وتضعيفِ ما قد ضعَّفوه على الوجه المعتبر.
• [من حقوقِ الإنصاف والاجتهاد]:
ومن حقِّ الإنصاف، ولازمِ الاجتهاد: ألَّا يُحسِنَ الظن أو يُسيئَه بفردٍ من أفراد أهل العلم على وجهٍ يوجبُ قبولَ ما جاء به أو ردَّه؛ من غير إعمالِ فكرٍ وإمعانِ نظرٍ وكشفٍ وبحث؛ فإن هذا شأنُ المقلِّدين، وصنيعُ المتعصِّبين، وإنْ غرَّته نفسُه بأنه من المنصفين.
وألَّا يغترَّ بالكثرة (١)، فإن المجتهدَ هو الذي لا ينظرُ إلى مَنْ قال؛ بل إلى
ما قال، فإنْ وَجد نفسَه تُنازعُه إلى الدخول في قول الأكثرين، والخروج عن قول الأقلِّين، أو إلى متابعةِ مَنْ له جلالةُ قَدْر ونَبالةُ ذِكر وسَعةُ علم، لا لأمر سوى ذلك، فلْيَعلم أنه قد بقي فيه عِرقٌ من عروق العصبية، وشُعبةٌ من شُعب التقليد، وأنه لم يوفِّ الاجتهادَ حقه.
وبالجملة: فالمجتهدُ على التحقيق: هو مَنْ يأخذُ الأدلةَ الشرعيةَ من مَوطنها على الوجه الذي قدَّمناه، ويَفرضُ نفسَه موجودًا في زمن النبوة، وعند نزول الوحي وإن كان في آخِر الزمان، وكأنه لم يَسبِقْه عالِمٌ ولا تَقَدَّمَه مجتهد؛ فإن الخطاباتِ الشرعيةَ تتناولُه كما تناولتِ الصحابةَ من غير فَرقٍ، وحينئذٍ يَهونُ الخَطبُ، وتذهبُ الرَّوعةُ التي نزلت بقلبه من الجمهور، وتزولُ الهيبةُ التي تُداخلُ قلوب المقصِّرين.
• [أهَميةُ الاطِّلاعِ على الأدبيَّات النافعة -نظمًا ونثرًا -]:
ومما يزيدُ مَنْ أراد هذه الطبقةَ العليةَ علوًّا، ويُفيدُه قوةَ إدراك، وصحةَ فهم، وسَيَلان ذهن: الاطلاعُ على أشعار فُحولِ الشعراءِ ومُجِيديهم
стр. 186
والمشهورينَ منهم، باستخراج لطائفِ المعانى ومُطرِباتِ النكات؛ مع ما يحصلُ له بذلك من الاقتدارِ على النَّظْم، والتصرُّفِ في فنونه؛ فقد يحتاج العالِمُ إلى النَّظم لجوابِ ما يَرِدُ عليه من الأسئلةِ المنظومة، أو المطارحاتِ الواردة إليه مِنْ أهل العلم، وربما يَنظِمُ في فنٍّ من الفنون لغرَضٍ من الأغراض الصحيحة؛ فإن مَنْ كان بِهذه المنزلةِ الرفيعة من العلم إذا كان لا يقتدرُ على النَّظم؛ كان ذلك شِيَةً (١) في وجه محاسنه، ونقصًا في كماله.
وهكذا الاستكثارُ من النظر في بلاغاتِ أهل الإنشاء المشهورين بالإجادة والإحسان، المتصرِّفين في رسالاتِهم ومُكاتباتِهم بأفصحِ لسان وأبينِ بيان؛ فإنه يَنتفعُ بذلك إذا احتاج إلى الإنشاء، أو جاوَبَ صديقًا أو كاتَبَ حبيبًا؛ لأنه ينبغي أن يكون كلامُه على قدْر علمه، وهو إذا لم يمارسُ جيِّدَ النظم والنثر كان كلامُه ساقطًا عن درجة الاعتبار عند أهل البلاغة، والعلمُ شجرةٌ ثمرتُها الألفاظ، وما أقبَحَ بالعالِمِ المتبحِّرِ في كلِّ فنٍّ أن يَتلاعبَ به في النَّظم والنثر مَنْ لا يُجاريه في علمٍ من علومه، ويتضاحكَ منه مَنْ له أدنى إلمامٍ بمستحسَنِ الكلام ورائقِ النظام.
ويستعينُ على بلوغ ما يَليقُ به، ويُطابقُ رتبتَه بمثل علم العَروض والقوافي، وأنفع ما في ذلك «منظومة الجزاز» وشروحها، وبمثل المؤلفاتِ المدوَّنة لذلك، وأنفعُ ما يُنتفع به: «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لابن الأثير.
• [علومُ الرياضةِ والطبيعةِ والهندسةِ والهيئة والطِّب]:
ثم لا بأسَ على مَنْ رَسَخَ قدمُه في العلوم الشرعية أن يأخذَ بطرَفٍ من فنونٍ هي مِنْ أعظم ما يُصقِلُ الأفكار، ويُصفِّي القرائح، ويَزيدُ القلب سرورًا،
стр. 187
والنفسَ انشراحًا، كالعلم الرياضي والطبيعي والهندسةِ والهيئةِ والطب.
وبالجملة: فالعلمُ بكل فنٍّ خيرٌ من الجهل به بكثير، ولا سيَّما من رَشَّح نفسَه للطبقة العليَّةِ والمنزلةِ الرفيعة؛ ودعْ عنك ما تسمعُه من التشنيعات؛ فإنها كما قدمنا لك شُعبةٌ من التقليد، وأنت بعدَ العلم بأيِّ علمٍ من العلوم حاكمٌ عليه بما قد تحصَّل لديك من العلم، غيرُ محكومٍ عليك، واختَرْ لنفسك ما يحلو، وليس يُخشى على مَنْ قد ثَبَت قدمُه في علم الشرع من شيءٍ، وإنما يُخشى على مَنْ كان غيرَ ثابتِ القدم في علوم الكتاب والسُّنة؛ فإنه ربما يتزلزل، وتتحوَّلُ ثقتُه.
فإذا قدَّمتَ العلمَ بما قدمناه لك من العلوم الشرعية، فاشتغِلْ بما شئت، واستكثِرْ من الفنون ما أردت، وتبحَّر في الدقائق ما استطعت، وجاوِب مَنْ خالفك وعَذَلك (١) وشنَّع عليك بقول القائل:
أتانا أن سَهْلًا ذمَّ جَهْلًا … علومًا ليس يَعرِفُهُنَّ سهلُ
علومًا لو دَراها ما قَلاها … ولكنَّ الرضا بالجَهلِ سهلُ (٢)
وإني لأَعجبُ من رجلٍ يدَّعي الإنصافَ والمحبةَ للعلم، ويجري على لسانِه الطعنُ في علمٍ من العلوم لا يَدري به، ولا يعرفُه، ولا يعرفُ موضوعَه، ولا غايتَه، ولا فائدتَه، ولا يَتصوَّرُه بوجهٍ من الوجوه! وقد رأينا كثيرًا ممن عاصَرْنا ورأيناه يشتغلُ بالعلم، ويُنصِفُ في مسائل الشرع، ويقتدي بالدليل؛ فإذا سمع مسألةً من فنٍّ من الفنون التي لا يعرفُها كعِلم المنطق، والكلام، والهيئة، ونحو ذلك، نَفَر منه طبعُه، ونَفَّر عنه غيرَه، وهو لا يدري ما تلك
стр. 188
المسألة، ولا يَعقِلُها قط، ولا يَفهم شيئًا منها (١)!.
فما أحقَّ مَنْ كان هكذا بالسكوت، والاعترافِ بالقصور، والوقوفِ حيث أوقَفَه اللَّه، والتمسُّكِ في الجواب إذا سُئل عن ذلك بقوله: «لا أدري»؛ فإن كان ولابدَّ متكلمًا ومادحًا أو قادحًا، فلا يكون متكلمًا بالجهل، وعائبًا لما لا يفهمُه، بل يُقدِّمُ بين يدي ذلك الاشتغالَ بذلك الفنِّ حتى يعرفَه حقَّ المعرفة، ثم يقول بعد ذلك ما شاء.
ولقد وجدنا لكثيرٍ من العلوم التي ليست من علم الشرع نفعًا عظيمًا، وفائدةً جليلةً في دفع المُبطِلين والمتعصِّبين وأهلِ الرأي البحت ومن لا اشتغالَ له بالدليل؛ فإنه إذا اشتغل مَنْ يشتغلُ منهم بفنٍّ من الفنون كالمُشتغلين بعلم المنطق، جعلوا كلامَهم ومذاكراتِهم في قواعد فنِّهم، ويعتقدون لعدم اشتغالهم بغيره أن مَنْ لا يُجاريهم في مباحثِه ليس من أهل العلم، ولا هو معدودٌ منهم، وإن كان بالمَحِلِّ العالي من علوم الشرع، فحينئذٍ لا يُبالون بمقالِه، ويُوردِون عليه ما لا يدري ما هو، ويَسخَرون منه، فيكون في ذلك من المهانة على علماء الشريعة ما لا يُقادَرُ قَدْرُه.
وأمَّا إذا كان العالِمُ المتشرِّعُ المتصدِّرُ للهداية إلى المسالك الشرعية، والمناهجِ الإنصافية عالمًا بذلك، فإنه يَجري معهم في فنِّهم، فيَكبُرُ في عيونِهم، ثم يَعطِفُ (٢) عليهم، فيُبيِّنُ لهم بطلانَ ما يعتقدونه بمَسلكٍ من المسالك التي يعرفونها؛ فإن ذلك لا يصعُبُ على مثله، ثم بعد ذلك يوضِّحُ لهم أدلةَ الشرع، فيَقبلون منه أحسنَ قبول، ويقتدون به أتمَّ قُدوة.
стр. 189
وأما العالِمُ الذي لا يعرفُ ما يقولون، فغايةُ ما يجرى بينه وبينهم خصامٌ وسِبابٌ ومشاتمة، هو يَرميهم بالاشتغال بالعلوم الكُفرية، ولا يدري ما هي تلك العلوم؛ وهم يرمُونه بالبلادة، وعدمِ الفهم، والجهلِ بعلم العقل (١)، ولا يدْرُون ما لديه من علم الشرع.
• [الْمُتعالِمون وآثارُهم الْمُرَّةُ على العلمِ وأهلِه]:
ولقد أهدَت لنا هذه الأيامُ ما لم يكن لنا في حساب؛ من زعانفَ (٢) هم سَقَطُ المَتاع (٣)، وفُقْعةُ القاع (٤)، وأبناء الرَّعاع (٥)، لابَسوا طلبةَ العلم بعض الملابسة، وشاركوهم بجامع الخِلطة والعِشرة في مثل النظر في مختصراتِ النحو؛ حتى صاروا ممن يتمكَّنُ من إعراب أواخِرِ الكلم، ثم طاحت بهم الطوايح (٦)، ورمت بهم الروامي إلى مطالعة «تجريد الطوسي» (٧) وبعض شروحه، وفهموا بعضَ مباحثه، فظنوا أنهم قد ظفِروا بما لم يظفر به أرسطاطاليس ولا جالينوس؛ دع مثل الكِندي والفارابي وابن سينا (٨)؛ فإنهم عندهم في عِداد المقصرين! وأما الرازي وطبقتُه، فليسوا من أهل العلم
стр. 190
في وِرْدٍ و لا صَدَر، وأما سائرُ العلماء المتبحِّرين في علم الشرع وغيره من أهل العصر وغيرهم، فهم عند هؤلاءِ النُّوَكاء الرُّقعاء (١) لا يفهمون شيئًا ولا يعقلون.
فقبَّح اللَّهُ تلك الوجوه؛ فإنها صارت عارًا وشنارًا (٢) على أهل العلم، وصار دخولُ مِثلِ هؤلاء الذين دنَّسوا عِرضَ العلم، وجهَّموا (٣) وجهه، وأهانوا شرفه من أعظم المصائب التي أصابت أهلَه، وأكبرِ المِحن التي امتُحن بها حَمَلتُه؛ فإنه يَسمعُهم السامعُ يَثلِبون أعراض الأحياء والأمواتِ من المشهورين بالعلم، الذين قد اشتُهرت مصنفاتُهم، وانتشرت معارفُهم، فيَزهدُ في العلم، ويخافُ من أن يعرِّضَ نفسَه للوقيعة مِنْ مثل هؤلاء الجهلة.
وعلى أنهم لا يعرفون شيئًا إلا ما ذكرتُ لك، ولا يفهمون علمًا من العلوم لا بالكُنْهِ (٤) ولا بالوجه؛ فما أحقَّ هؤلاء بالمَنع لهم عن مجالس العلم، والأخذِ على أيديهم منَ الدخول في مداخِلِ أهله، والتشبُّهِ بهم في شيءٍ من الأمور، وإلزامهم بملازمةِ حِرَفِ آبائهم وصناعاتِ أهلهم، والوقوفِ في الأسواق لمباشرة الأعمال التي يباشرُها سَلفُهم! فليس في مفارقتهم لها إلا ما جَلبوه من الشرِّ على العلم وأهله.
ولكنهم قد تَحذلقوا، وجعلوا لأنفسهم حِصنًا حصينًا، وسورًا منيعًا، فتظهَّروا بشيءٍ من الرَّفْض، وتلبَّسوا بثيابه، فإذا أراد مَنْ له غَيرةٌ على العلم المعاقبةَ لهم، وإعزازَ دين الإسلام بإهانتهم، قالوا للعامة: إنهم أُصيبوا بسبب
стр. 191
التشيُّع، وأُهينوا بما اختاروه لأنفسهم من محبةِ أهل البيت ﵃.
وقد علم اللَّهُ وكلُّ مَنْ له فَهمٌ أنهم ليسوا من ذلك في قَبيل و لا دَبير (١)؛ بل ليس عندهم إلا التهاونُ بالشريعة الإسلامية، والتلاعبُ بالدين، والطعنُ على الأنبياء صلوات اللَّه عليهم وسلامه؛ فضلًا عن غيرهم من المتمسكين بالشرع.
وكلُّ عارفٍ إذا سَمِع كلامَهم، وتدبَّر أبحاثَهم، يتضوَّعُ له (٢) منها روائحُ الزندقة؛ بل قد يقفُ على ما هو صريحُ الكفر الذي لا يَبقى معه رَيب.
ولقد كان القضاةُ من أهلِ المذاهب في البلاد الشامية والمصرية والرومية (٣) والمغربية وغيرها، يَحكُمون بإراقةِ دم من ظهر منه دون ما يظهرُ من هؤلاء حسْبما تحكيه كتبُ التاريخ، وقد أصابوا أصاب اللَّه بهم، فإعزازُ دين اللَّه هو في الانتقام مِنْ أعدائه المتنقِّصين به.
• [ما قد يتعرَّضُ له العالِمُ إذا بيَّن حُكمَ الْمفسدين]:
وما يصنعُ العالِمُ في مثل أرضِنا هذه في مِثل هؤلاء المخذولين! فإنه إن قام عليهم، وأفتى بما يستحقونه ويُوجبُه عليهم الشرعُ، حال بينه وبينهم حوائلُ:
منها: عدمُ اعتياد مثلِ هذه البلاد لمثل سفكِ دماء المتزندِقين.
ومنها: عدمُ نفوذِ أفهام المُنفِّذين لأحكام الشرع حتى يعرِفوا الدقائقَ الكفريةَ الموجبةَ للخروج من الإسلام، القاضيةَ بسفك دمِ مَنْ صدرت عنه.
стр. 192
وكيف يفهم ذلك غالبُ القضاة وهم يَعجِزون عن فهم شروطِ الوضوء وفرائضِه وسننه! بل يَقصُرون عن فهم مباحثِ أبواب قضاءِ الحاجة! فهل تُراهم يَفهمون ما يقول لهم المُفتي بسَفك دم المتزندق من أنه كَفَر بكذا؛ فاستحق سَفك دمه بكذا؟! هيهاتَ هيهات! فإنهم أبلدُ من ذاك، وأسوأُ فهمًا من البلوغ إليه.
ومنها وهو أعظمها: ما عرَّفناك به من تظهُّرِهم بالرفض، وادعائِهم أنهم لم يُصابوا بذنبٍ سواه، ولا نالَهم ما نالَهم إلَّا بسببه! فإن هذه الدعوى سريعةُ النَّفاق تدخلُ إلى أذهان غالب الناس، وتَقبلُها عقولُهم بأيسرِ عمل، للاشتراك في الجنس، وإن لم يكن على التواطؤ؛ بل على التشكيك، وكفاك مِنْ شرٍّ سَماعُه.
وبعد هذا؛ فإني أرجو اللَّهَ أن يُمكِّنَ منهم، فتُجرى عليهم الأحكامُ الشرعية، ويَنفُذَ فيهم ما يقتضيه مُرُّ الحق ونصُّ الدليل.
وقد عَلم اللَّهُ أني أجدُ من الحسرةِ والتلهُّفِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُه، ولا يمكنُ التعبيرُ عنه؛ لأنه ليس بتغاضٍ عن مبتدع، ولا بمجردِ سكوتٍ عن انتهاكِ حُرمةٍ من حرماتِ الشرع؛ بل هو سكوتٌ عن الكفر، وإغماضٌ عن متظهِّرٍ بالزندقة، يتكلمُ فيها بمَلءِ فيه، ويُبدي منها ما تَبكي له عيونُ الإسلام وأهلِه، فتارةً يتهاونُ بالقرآن، وتارةً يتهاون بالأنبياء، وتارةً يتهاون بحَمَلَةِ الدين، وحينًا يُزري على علماء المسلمين، ولكن بعباراتٍ لا يفهمُها المقصِّرون، ورموزٍ لا يَهتدي إليها المُشتغلون بأبواب الفقه، مع خلطِ تلك العبارات بشيءٍ من الرفْض يَفهمُه المقصِّرُ والكامل؛ فإذا نظر المقصِّرُون في كلامهم لم يَفهموا منه إلَّا ما فيه من الرفض، ولا يفهمون شيئًا مما عداه.
стр. 193
• [رفضُ العامَّة لنُصحِ علماءِ السُّنَّة]:
وإذا أخبرهم العالِمُ بما اشتمل عليه ذلك الكلامُ من الكفرِ والزندقة، لم تقبَلْه أفهامهم لأمرين:
أحدهما: الجهلُ بالعلوم التي يتوصَّلون بها إلى فهم ذلك.
والثاني: اعتقادُهم أن ذلك المتكلم شيعيٌّ، وأن هذا العالِمَ الذي أنكره إنما قام عليه لأجل تشيُّعه؛ لكونِهم يعتقدون في كلِّ من اشتغل بعلوم الاجتهاد أنه يخالفُ الشيعة! طبيعةٌ راسخةٌ فيهم، وأمرٌ ورِثوه عن أسلافهم، وداءٌ قبلوه مِنْ كلِّ مخذول، ومحنةٌ تعاظَمَ بسببها البلاءُ على الشريعة وعلى أهلها.
فبهذه الأسبابِ علمتُ أن قيامي عليهم لا يُجدي إلا ثَوَرانَ فتنةٍ وظهورَ محنة، وقد يكون سببًا لتظهُّرِهم بزيادةٍ على ما يتظهَّرون به من تلك الأمور الفظيعة، والكُفريَّات الشنيعة.
اللَّهم إني أُشهِدُك وأنت خيرُ الشاهدين أني أولُ حاكمٍ بسَفكِ دمِ مَنْ صَدَر منه ذلك، وأولُ مُفتٍ بقَتل مَنْ فعل شيئًا منه أو قال به، عند أولِ بارقةٍ من بوارق العدل، وفي إخفاءِ رائحةٍ من روائح الإنصاف.
ولستُ أقول: إن جميعَ من أشرتُ إليهم هم على الصفة التي ذكرتُها الموجبةِ لإراقة الدمِ وإزهاقِ الروح؛ بل يتظهَّرُ بذلك بعضُ مخذوليهم، ويشتغلُ به أُناسٌ من شياطينهم، والبقيةُ وإن كانوا بما يَصدرُ منهم نقمةً على العلم وأهله؛ فإنهم ينفِّرون الناس عن علم الشرع، ويُهوِّنُونه في صُدروهم، ويستصغرون علومَ الدين بأسرها، ويَجذِبون مَنْ يَطمَعون فيه إلى جهالاتِهم وضلالاتِهم، فهم مستحقُّون للحيلولة بينهم وبين كلِّ سبب يتوصَّلون به
стр. 194
إلى العلم على كل تقدير كما أشرنا إليه سابقًا، مع إنزال بعض ما فيه إهانةٌ لهم بهم، ومَسِّهم بسَوطِ إذلال؛ ليكون في ذلك إعزازٌ للدين، ورفعٌ لمَناره، وغسلٌ لما قد لوَّثوا به أهلَه من القَذَر الذي يُلقُونه عليهم، وينجِّسونَهم به.
واللَّهُ المرجوُّ، فعنده الخيرُ كله، وهو أَغْيرُ على دينه، وهو أكرمُ عليه من أن يُهانَ أو يُضامَ (١) أهلُه.
وفيهم أفرادٌ قليلون يَصلُحُون بتعلُّم العلم، ويتشبَّهون بأهله، ويَجرُون على نَمَطِ مَنْ يتعلَّمون منه، ويأخذون عنه إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ولكن ما أقلَّ مَنْ يكون هكذا منهم!.
• [الصِّفاتُ الْمؤهِّلةُ لتلقِّي العِلم]:
فإن قلت: وما هذه الأهليةُ التي يكون صاحبُها مَحِلًّا لوضع العلم فيه وتعليمِه إياه؟.
قلت: هي شرفُ المَحتِد (٢)، وكَرَمُ النِّجَار (٣)، وظهورُ الحسَب، أو كونُ في سَلفِ الطالب مَنْ له تعلُّقٌ بالعلم والصلاح ومعالِم الدين، أو بمعالي الأمور، ورَفيعِ الرُّتب.
وقد أشار إلى هذا النبيُّ ﷺ في الحديث الثابت عنه في «الصحيح»؛ فقال: «الناسُ معادنُ كمعادِنِ الذهبِ والفضة، خِيارُهم في الجاهلية خِيارُهم في الإسلام إذا فَقِهوا» (٤).
стр. 195
فاعتَبر ﷺ الخيارَ في الجاهلية، وليس ذلك لأمرٍ يتعلق بالدين فإنه لا دينَ في الجاهلية؛ بل المرادُ بخِيار أهل الجاهلية مَنْ كان منهم مِنْ أهل الشرف وفي البيوت الرفيعة؛ فإن هذا أمرٌ يَجذِبُ بطبع صاحبه إلى معالي الأمور، ويحولُ بينه وبين الرذائل، ويُوجِبُ عليه إذا دخل في أمرٍ أن يكونَ منه في أعلى محلٍّ وأرفع رتبةٍ، فمُتعلِّمُ العلمِ منهم يكونُ في أهله على أتمِّ وصفٍ وأحسنِ حال، غيرَ شامخٍ بأنفه، ولا مُتباهٍ بما حصَّله، ولا مترفِّعٍ على الناس بما نال منه.
وأما مَنْ كان من سَقَط المتاع، وسفسافِ أهل المهن كأهل الحياكة والعِصارة والقضابة (١)، ونحو ذلك من المهن الدنيَّةِ والحِرَف الوضيعة، فإن نفسه لا تفارقُ الدناءة، ولا تجانِبُ السقوط، ولا تأبى المهانة (٢)، ولا تنفرُ عن الضيم (٣).
فإذا اشتَغل مشتغلٌ منهم بطلب العلم، ونال منه بعض النَّيل، وقع في أمور:
١ - منها: العُجبُ والزَّهْوُ والخُيَلاء؛ لأنه يرى نفسه بعد أن كان في أوضعِ مكانٍ وأخسِّ رتبةٍ قاعدًا في أعلى محل، وأرفعِ موضع؛ فإن منزلةَ
стр. 196
العلمِ وأهلِه هي المنزلةُ التي لا تُساميها منزلةٌ وإن عَلَت، ولا تساويها رتبةٌ وإن ارتفعت.
فبينما ذلك الطالبُ قاعدٌ بين أهل حِرفته من أهل الحياكة، أو الحجامة، أو الجزارة، أو نحوهم، في أخسِّ بقعةٍ، وأعظمِ مهانةٍ؛ إذ صار بين العلماء المعلِّمين الذين هم في أعلى منازلِ الدنيا والدين؛ فبمجرَّد ذلك يحصُلُ له من العُجبِ والتطاول على الناس والترفُّعِ عليهم ما يَعظُم به الضررُ على أهل العلم فضلًا عن غيرهم ممن هو دونَهم، مع ما ينضمُّ إلى ذلك مِنْ السُّخف الذي نشأ عليه، وتلقَّاه من سَلَفِه، وسقوطِ النفس، وضعفِ العقل، ونَذالةِ الهمَّة، ومثل تأثُّر الصبيِّ بما ينشأ عليه من أخلاق آبائه؛ [وهذا] لا ينكره أحد.
ولهذا يقولُ ﷺ فيما صح عنه في «الصحيح»: «كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفطرة، ولكنْ أبواهُ يُهوِّدانِه، ويُنصِّرانِه، ويُمجِّسانه» (١)؛ فإذا كان الصغيرُ ينطبع بطابع الكفر بسبب أبويه، فما بالُك بسائر الأخلاق التي يجدهم عليها؟!.
ومما يقع فيه هذا الطالبُ الناشئُ بين أهل الوضاعة، المرتضِعُ من ثدي الرَّقاعة (٢): أنه بحُكم الطبع وإلْفِ المنشأ لا يرى في الناس إلَّا أهل حرفته وبَنِي مِهْنته؛ فيعودُ من حيث بدأ، ويرجعُ من الباب الذي خرج منه، فيكون في ذلك منَ الإهانةِ للعلم، والإزراءِ على أهله، والوضعِ بجانبهم ما لا يُقادَرُ قَدرُه؛ لأن هذا يراهُ الناسُ تارةً في المدارس قاعدًا بين أيدي شيوخ العلم مشاركًا للمتعلِّمين، وتارةً يرَونه في دكاكين الحجَّامين وحوانيت العطارين، ومَن جرى هذا المجرى منَ المحترفين.
стр. 197
٢ - ومما يقع فيه: أنه بحُكم الطبع الذي استفاده منَ المنشأ وتطبَّع به من أبويه ومن يماثلُهما وإن دخل في مداخل العلم، وتزيَّا بزيِّ أهله، فهم أبغضُ الناس إليه، وأحقرُهم لديه؛ لا يُقيم لهم وزنًا، ولا يعترف لهم بفضيلة؛ بل يكون دَيدنُه وهِجِّيَراهُ (١)، ومعنى كلامه وفحواه: هو التهاونُ بهم، وتحقير ما عظَّمه اللَّهُ من أمرهم، والإغراءُ بين أماثِلهم، والتعرُّضُ للمفاضلةِ بين فضائلهم، وإدخالُ الشحناء بينهم بكل ممكن.
ومَن أنكر هذا، فعليه بالاستقراءِ والتتبُّع، فإنه سيجدُ ما وجدناه، ويقفُ على صحة ما حَكَيناه، ولا يَخرج من هؤلاء إلا النادرُ القليل، ولا يكونُ ذلك إلا لعِرْقٍ ينزعُه إلى الشرف، ويجذبُه إلى الخير في سَلفِه القديم، وإن جَهِلَه مَنْ لم يعرفه.
وبالجملة: فهذا ما تُفيدُه التجربة، وتشيرُ إليه بعضُ الأدلة الشرعية، وإذا صحَّ قوله ﷺ : «واضِعُ العِلمِ في غير أهلِه كمُقلِّدِ (٢) الخنازيرِ الجوهرَ»، ففيه أعظمُ عبرةٍ للمعتبرين منَ الحاملين لعلوم الدين.
وقد عزاه بعضُ أهل العلم إلى ابن ماجه، ولا أستحضرُه حالَ الرَّقْم (٣) فيما هو في حفظي من أحاديث «سنن ابن ماجه»، فلْيُنظَر.
ثم كشفتُ عنه؛ فوجدتُه في «سنن ابن ماجه»، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: قال رسول ﷺ : «طلبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم، وواضعُ العلم عند غيرِ أهلِه كمقلِّد الخنازيرِ الجوهرَ واللؤلؤَ والذهب»، وفي إسناده «حفصُ بن سليمان
стр. 198
البزَّاز (١)»، وفيه مقال (٢).
وأما مَنْ كان أهلًا للعلم، وفي مكانٍ من الشرف، فإنه يزدادُ بالعلم شرفًا إلى شرفه، ويكتسبُ به من حُسنِ السمت، وجميلِ التواضع، ورائقِ الوقار، وبديعِ الأخلاق: ما يزيدُ عِلمَه عُلوًّا، وعرفانَه تعظيمًا؛ فيتخلق بأخلاق الأنبياء ومَن يمشي على طريقهم من عامِلِي العلماء وصالحي الأمة، ويَعرفُ للعلم حقَّه، ويُعظِّمُه بما ينبغي من تعظيمه، فلا يكدِّرُه بالمطامع، ولا يشوبُه بالخضوع لأهل الدنيا، ولا يُجهِّمُه (٣) بالتوصل به إلى ما في يد الأغنياء، فيكونُ عندهم مخدومًا لا خادمًا، ومقصودًا لا قاصدًا.
• [مَنْ يطلبُون العلمَ للدنيا]:
وبين هاتين الطائفتين طائفةٌ ثالثةٌ ليست من هؤلاء، ولا من هؤلاء، جَعلوا العلم مكسبًا من مكاسب الدنيا، ومعيشةً من معايشِ أهله، لا غرضَ لهم فيه إلا إدراكَ منصبٍ من مناصب أسلافهم، ونيلَ رئاسةٍ من الرئاسات التي كانت لهم؛ كما نشاهدُه في غالب البيوت المعمورة بالقضاء أو الإفتاء أو الخطابة أو الكتابة، أو ما هو شبيهٌ بِهذه الأمور، فإنَّ مَنْ كان طالبًا للوصول إلى شيءٍ من هذه الأمور، ذهب إلى مدارسِ العلم يتعلمُ ما يتأهَّلُ به لما يطلبه، وهو لا يتصوَّرُ البلوغَ إلى الثمرة المستفادةِ من العلمِ والغايةِ الحاصلة لطالبه؛ فيكون ذهنُه كليلًا، وفهمُه عليلًا، ونفسُه خائرة (٤)، ونيَّتُه خاسرة؛ بل غايةُ تصوُّرِه
стр. 199
ومعظمُ فكرتِه في اقتناص المنصبِ والوصولِ إليه، فيَخدمُ في مدةِ طلبه واشتغالِه أهلَ المناصبِ ومَن يرجو منهم الإعانةَ على بلوغ مراده أكثرَ مما يخدمُ العلم، ويترددُ إلى أبوابِهم، ويَتعثَّرُ في مجالسهم، ويذوقُ به من الإهانة ما فيه أعظمُ مرارة، ويَتجرَّعُ من الغُصص ما يَصغُر قدرُ الدنيا بالنسبة إليه؛ فإذا نال ذلك المنصبَ ضربَ بالدفاتر وجهَ الحائط، وألقاها خلفَ السُّور لعدم الباعثِ عليها من جهةِ نفسه والمُنشِّطِ على العلم والمرغِّب فيه.
فهذا شبيهٌ بمن يتعلَّمُ مهنةً من المهن، ويتدرَّبُ على حرفةٍ من الحِرَف، فيَقصِدُ أهلها حتى يُدركَها، ويكونَ فيها أستاذًا، ثم يذهبُ إلى دكانٍ من الدكاكين، فيعتاشُ بتلك الحرفة.
وليس هو مِنْ أهل العلم في وِرْدٍ ولا صَدَر، ولا ينبغي أن يكون معدودًا منهم وإن ارتسم في ذهنه منه رُسوم؛ فهو من أزهد الناس فيها، وأجفاهم لها، وأقلِّهم احتفالًا بها، ولا فائدةَ في تعلُّمِه راجعةٌ إلى الدين قط، بل غايةُ ما استفاده منه العلمُ وأهلُه: تعريضُه وتعريضُهم للإهانة عند أهل الدنيا، وإيقاعُه وإيقاعُهم في يدِ من لا يعرفُ للعلم قدرًا، ولا يرفعُ له ذِكرًا، ولا يُقيم له وزنًا، كما يشاهَدُ من المتعلِّقين بالأعمال الدَّوْلية، فإنهم يتلاعبون بطلبةِ المناصب الدنيوية غايةَ التلاعب، ويعرِّضونَهم للإهانة مرةً بعد أخرى، ويتلذَّذون بذلك ويبتهجون؛ لأنهم يظنُّون أنها قد ارتفعت طبقتُهم عن طبقات أهل العلم، وحَكموا تارةً فيهم بالولاية، وتارةً بالعزل، وتمرَّغوا على عتباتِهم مرةً بعد مرة؛ فبهذه الوسيلة دُخِل على أهل العلم بما يصنعُه هؤلاء من هذه الهَنَات (١) الوضيعة، والفَعْلاتِ الشنيعة ما يُبكِّي عيونَ العلم وأهله، وتقومُ عليه
стр. 200
النواعي (١)، ويَغضبُ له كلُّ مَنْ له حَمِيَّةٌ دينيةٌ وهِمَّةٌ عليَّة.
ولو عَلم أولئك المغرورون لم يبتهجوا بمن قَصَدهم من هؤلاء النُّوَكاء؛ فإنهم ليسوا من أهل العلم، ولا بينهم وبينهم علاقة، ولا فرقَ بينهم وبين مَنْ يطلبُ الأعمال الدَّوْلية التي لا تَعلُّقَ لها بالعلم.
ومن هذه الحيثيةِ تنازَلَ منصبُ العلم، وتهاوَنَ الناسُ به؛ لأنهم يَرون رجلًا قد لَبِس لباسَ أهل العلم، وتزيَّا بزِيِّهم، وحَضَر مجالسَهم، ثم ذهب إلى مجالس أهل الدنيا ومَن لهم قدرةٌ على إيصال أهل الأعمال الدنيوية إليها من وزيرٍ أو أمير، فتصاغَرَ لهم وتذلَّل، وتهاوَنَ وتحقَّر، حتى يصيرَ في عِداد خَدَمهم، ومَن هو في أبوابهم، ثم أعطَوه منصبًا من المناصب، فعَمِل على ما يُريدونه منه وإن خالَف الشرع، واعتَمد ما يرسُمُونه له وإن كان طاغوتًا بحتًا (٢)؛ فيَظنُّ مَنْ لا علم عنده بحقائق الأمور أن أهلَ العلم كلَّهم هكذا، وأنهم يَنسلخون من العلم إذا وُظِّفوا بمنصبٍ من المناصب هذا الانسلاخ، ويُمسَخون هذا المسخ، ويعود أمرُهم إلى هذا المعاد، فيزهد في العلم وأهله، وتَنفِرُ عنه نفسُه، وتقلُّ فيه رغبتُه، ويُؤثِرُ الحِرَفَ الدنيويةَ عليه؛ ليربحَ السلامةَ من المهانة التي رآها نازلةً بِهذا المشؤومِ؛ الجالبِ على نفسِه وعلى أهل العلم ما جلب من الذلِّ والصَّغار.
وإذا كان ما جناهُ هؤلاءِ النُّوكاءُ على العلم وأهلِه بالغًا إلى هذا الحدِّ عند سائر الناس، فما ظنُّك بما يعتقدُه فيهم مَنْ يطلُبون منه المناصب، بعد أن شاهد منهم ما يشاهدُه من الخضوع والذِّلَّة والانسلاخِ عن الشرع إلى ما يريدونه منه، وبَذْلِ الأموال لهم على ذلك، ومهاداتِهم بأفخرِ الهدايا، والوقوفِ
стр. 201
على ما يطلبونه منه على أيِّ صفةٍ تُراد منهم! وينضمُّ إلى هذا خُلوُّهم عن العلم، وجَهلُهم لأهله الذين هم أهلُه، فيظنُّون أن أولئك الذين قصدوهم وتعثَّروا على أبوابهم هم رؤوسُ أهله، لِمَا يشاهدونه عليهم من الهيئة واللباس الفاخر؛ الذي لا يجدونه عند المشتغِلِين بالعلم.
فهل تُراهم بعد هذا يَميلون إلى ما يقوله أهلُ العلم، ويَنزجرون بما يُوردونه عليهم من الزواجر الشرعيةِ المتضمِّنةِ لإنكارِ ما هو منكر، والأمرِ بما هو معروفٌ، والتخويفِ لهم من مجاوزةِ حدود اللَّه؟! هيهات أن يُصغُوا لهذا سمعًا، أو يفتحوا له طَرْفًا؛ فإلى اللَّه المشتكى، وعليه المعوَّل؛ فهذا أمرٌ وقع فيه أهلُ العصور الأَولُ فالأول.
وما أحقَّ أهلَ العلم الحامِلِين لحُجج اللَّه، المُرشِدِين لعباده إلى شرائعه أن يَطرُدوا هؤلاء عن مجالسهم، ويُبعدوهم عن مواطنِ تعليمهم، وألَّا يبذلُوا العلم إلا لمن يَقدُرُه حقَّ قَدْرِه، ويُنزِلُه منزلته، ويطلبُه لذاته، ويَرغَبُ فيه لشرفه، ويعتقد أنه أشرفُ مَطلَبٍ من مطالب الدين والدنيا، وأنه يصغُرُ عنده المُلْكُ؛ فضلًا عما هو دونه.
• [تولِّى أهلِ العلم الْمَناصبَ، وشروطُ هذا التولِّي]:
ولا أقول: إن أهل العلم العارفينَ به، المطَّلِعين على أسراره يَمنعون أنفسهم من المناصب الدينية! وكيف أقول بِهذا، وهذه المناصبُ إذا لم تُربط بهم ضاعت، وإذا لم يَدخل فيها الأخيارُ تتابع فيها الأشرار، وإذا لم يقُم بها أهلُ العلم قام بها أهلُ الجهل، وإذا أدبَر عنها أهلُ الورع أقبلَ إليها أهلُ الجَور! وكيف أقول هذا! وأهلُ العلم هم المأمورون بالحُكم بين الناس بالحقِّ والعدلِ والقسطِ وما أنزل اللَّه، وما أَراهم اللَّهُ [منَ] القيامِ بين الناس
стр. 202
بحُججه، والتبليغِ لأحكامه، وتذكيرهم بما أَمَر اللَّهُ بالتذكير به، وإرشادِهم إلى ما أرشدَهمُ اللَّهُ إليه، ولأهلِ القضاءِ والإفتاءِ ونحوها من هذه الأمورِ أوفرُ نصيب وأكبرُ حظ.
ولكنِّي أقولُ: إنه ينبغي لطالب العلم أن يطلبَه كما ينبغي، ويتعلَّمه على الوجه الذي يريدُه اللَّهُ منه، معتقدًا أنه أعلى أمورِ الدين والدنيا، راجيًا أن ينفعَ به عبادَ اللَّه بعد الوصول إلى الفائدةِ منه.
ومِن جُملة النفع: إذا احتاج إليه الملوكُ وأهلُ الدنيا أن يَلِيَ منصبًا من المناصب، فطلبوا منه ذلك، وعوَّلوا عليه في الإجابة، معترِفين بحقِّ العلم، مُنقادِينَ إلى ما يوجبُه الشرع، معظِّمين لِمَا أوجب اللَّهُ تعظيمه، وكان قد بَلغ إلى منزلةٍ في العلم تصلحُ لذلك المنصب، وشَهِد له أهلُ العلمِ بكمال التأهيل، وإحرازِ عُدَّته؛ فهذا إذا كان الحالُ هكذا لا يَحِلُّ له أن يمتنعَ من الإجابة، أو يأبى من قبول ذلك؛ فإنه إذا فَعل ذلك كان تاركًا لِما أوجبه اللَّهُ عليه من القيام بحُجتِه ونشرِ أحكامه، وإرشادِه عبادَه إلى معالِمه، ونَهيهِم عن تجاوُز حدوده؛ ولا شك أن ذلك مِنْ أوجب الواجبات على أهل العلم، وأهمِّ المهمات، ولو جاز ذلك (١) لِمَنْ طُلب منه وعُوِّل عليه، لجاز لغيره مِنْ أهلِ العلمِ أن يَصنع كصُنعِه، ويسلكَ مَسلكَه، فتتعطَّلُ معاهدُ الشرع، وتذهب رسومُه، ويتخذُ الناسُ رؤوسًا جُهَّالًا يَقضُون بغير علمٍ فيَضِلون ويُضلون؛ وذلك من علاماتِ القيامة وأشراطِ الساعة؛ كما ورد به الخبر الصحيح (٢).
* * *
стр. 203
[الطبقةُ الثانيةُ من حَمَلةِ العلم]
وإذا عرفتَ ما ينبغي لأهلِ الطبقةِ الأولى من العلوم، فلْنتكلم الآن على ما ينبغي لأهل الطبقة الثانية من الطبقات المذكورة سابقًا (١)، وهى طبقةُ مَنْ يريدُ أن يَعرف ما طلبه منهُ الشارعُ من أحكام التكليف والوضعِ على وجهٍ يستقلُّ فيه بنفسه، ولا يحتاجُ إلى غيره، مِنْ دون أن يتصوَّرَ البلوغَ إلى ما تصوَّره أهلُ الطبقة الأولى مِنْ تعدِّي فوائدِ معارفهم إلى غيرهم والقيامِ في مقام أكابر الأئمة المرجوعِ إليهم، كما يَتصوَّرُه أهلُ الطبقة الأولى.
فنقول: صاحبُ هذه الطبقة الثانية: هو مَنْ يطلبُ ما يَصدُق عليه مسمَّى «الاجتهاد»، ويُسوِّغُ له العملَ بأدلة الشرع، وهو يكتفي بأن يأخذَ من كلِّ فنٍّ من فنون الاجتهاد بنصيبٍ يَعلَمُ به ذلك الفنَّ علمًا يَستغني به عن الحاجة إليه، أو يهتدي به إلى المكانِ الذي فيه ذلك البحثُ على وجهٍ يَفهمُ به ما يقفُ عليه منه:
• [علم النحو]:
فيَشرعُ بتعلُّمِ علم النحو، حتى تثبُتَ له فيه ملكةٌ يَقتدِرُ بها على معرفة أحوالِ أواخِرِ الكلِمِ إعرابًا وبناءً. وأقلُّ ما يحصلُ له ذلك بحِفظ مختصَرٍ من المختصرات المشتملةِ على مهمَّات مسائل النحو، والمتضمِّنةِ لتقرير مباحثِه على الوجه المعتبر، ك «الكافية» لابن الحاجب، وقراءةِ شرحٍ من شروحها المختصرة، وأحسنُها بالنسبة إلى الشروح المختصرة شرح الجامي؛ فإنه ينتفعُ به الطالبُ انتفاعًا لا يجده في غيرِه من مختصرات الشروح.
стр. 204
• [علم الصرف]:
ثم يحفظُ مختصرًا في الصرف، ك «الشافية» لابن الحاجب، وقراءةِ شرحٍ من شروحها المختصرة، وأحسنُها شرح الجاربردي.
• [علم البيان والمعاني]:
ثم يشتغلُ بحفظِ مختصرٍ من مختصراتِ علم المعاني والبيان، ك «التلخيص» للقزويني، وقراءة شرحٍ من شروحه المختصرة؛ ك «شرح السعد» المختصر.
• [علم أصول الفقه]:
ثم يشتغلُ بحِفظِ مختصَرٍ من مختصرات الأصول الفقهية، وقراءةِ شرحٍ من شروحه، وأنفعُ ما يَنتفعُ به الطالبُ «الغاية» للحسين بن القاسم، وشرحُها له؛ فإنهما مع المبالغة في الاختصار قد اشتملا على ما حَوَتْه غالبُ المطوَّلاتِ الكبار.
• [علم التفسير]:
ثم يَشتغلُ بقراءة تفسيرٍ من التفاسير المختصرة؛ ك «تفسير القاضي البيضاوي»، مع مراجعةِ ما يمكنه مراجعتُه من التفاسير.
• [كتب الحديث]:
ثم يشتغلُ بسماع ما لابد مِنْ سماعِه مِنْ كتب الحديث، وهى الستُّ الأمهات؛ فإن عَجَز عن ذلك اشتغل بسَماع ما هو مشتملٌ على ما فيها مِنْ المتون، ك «جامع الأصول»؛ ثم لا يدعُ البحث عمَّا هو موجودٌ من أحاديث
стр. 205
الأحكام في غيرها بحسب ما تبلغ إليه طاقته، ويبحثُ عن الأحاديث الخارجة عن الصحيح في المواطن التي هي مَظِنَّةٌ للكلام عليها من الشروح والتخريجات.
• [علوم متنوعة]:
ويكونُ مع هذا عند ممارسته لعلم اللغة [يمارسُها] على وجهٍ يهتدي به في البحث عن الألفاظ العربية، واستخراجها من مواطنها، وعنده مِنْ علم اصطلاح الحديث، وعلم الجرح والتعديل ما يَهتدي به إلى معرفة ما يتكلَّمُ به الحُفَّاظُ على أسانيد الأحاديث ومتونها.
فمن عَلِم هذه (١) العلوم علمًا متوسطًا، يوجبُ ثبوتَ مُطلَقِ المَلَكةِ في كلِّ واحدٍ منها: صار مجتهدًا مستغنيًا عن غيره، ممنوعًا من العمل بغير الدليل، وعليه أن يبحث عند كل حادثةٍ يحتاج إليها في دينه عن أقوال أهل العلم، وكيفيةِ استدلالهم في تلك الحادثة، وما قالوه، وما رُدَّ عليهم به؛ فإنه ينتفع بذلك انتفاعًا كاملًا، ويضمُّ إلى علومه علومًا وإلى فهمِه فهومًا.
وهو وإن قصَّر عن أهل الطبقة الأولى، فليس بمُحتاجٍ فيما يتعلقُ به من أمر الدين إلى زيادةٍ على هذا المقدار.
ويختلفُ الانتفاعُ بالعلوم باختلافِ القرائح (٢) والفُهوم؛ فقد يَنتفع مَنْ هو كاملُ الذكاء، صادقُ الفهم، قويُّ الإدراك بالقليل ما لا يقتدرُ على الانتفاع بما هو أكثرُ منه كثيرٌ من جامدي الفهم راكدي الفِطنة.
* * *
стр. 206
[الطبقةُ الثالثةُ مِنْ حَمَلةِ العلم]
وأما أهل الطبقة الثالثة؛ وهم الذين يَرغَبون إلى إصلاح ألسنتهم، وتقويم أفهامهم بما يقتدرون به على فَهم معاني ما يحتاجون إليه من الشرع، وعدم تحريفه، وتصحيفه، وتغييرِ إعرابه، من دون قصدٍ منهم إلى الاستقلال؛ بل يَعزِمون على التعويل على السؤال عند عروض التعارُض والاحتياج إلى الترجيح.
• [علم النحو]:
فينبغي تعلُّمُ شيءٍ من علم الإعراب؛ حتى يَعرفَ به إعراب أواخر الكلم، ويكفيه في مثل ذلك حفظ «منظومة الحريرى» المسمَّاة «المُلْحة»، وقراءةُ شروحها على أهل الفن، وتدرُّبه في إعراب ما يطلعُ عليه من الكلام المنظوم والمنثور، ويُحفي (١) السؤالَ عن إعراب ما أُشكل عليه؛ حتى تثبُتَ له بمجموع ذلك مَلَكةٌ يَعرفُ بها أحوالَ أواخِرِ الكلم إعرابًا وبناءً، وإن لم يعلم بوجوه العِلل النحوية، ولا عَرَف الحُجج العربية.
• [علم مصطلح الحديث]:
ثم يتعلمُ اصطلاحَ علم الحديث، ويكفيه في مثل ذلك مثل «النُّخبة» وشرحها.
• [كتب الحديث]:
ثم بعد هذا يُكِبُّ على سماع المختصرات في الحديث؛ مثل: «بلوغ
стр. 207
المرام»، و «العُمدة»، و «المنتقَى»، وإن تمكن من سماع «جامع الأصول» أو شيء من مختصراته فعل؛ فإذا أُشكل عليه معنى حديثٍ، نَظر في الشروح، أو كتب اللغة، وإن أشكل عليه الراجحُ من المتعارضات، أو التبس عليه: هل الحديثُ مما يجوزُ العملُ به أم لا؟ سأل علماءَ هذا الشأنِ الموثوقَ بعرفانِهم وإنصافهم، ويعملُ على ما يُرشِدُونه إليه، استفتاءً وعملًا بالدليل، لا تقليدًا وعملًا بالرأي.
• [علم التفسير]:
ويشتغلُ بسماع تفسيرٍ من التفاسير التي لا تحتاج إلى تحقيقٍ وتدقيق، ك «تفسير البغوي»، وتفسير السيوطي المسمى «الدر المنثور».
• [ماذا يفعل عند حدوث الإشكال؟!]:
وإذا أُشكل عليه بحثٌ من المباحث، أو تعارضت عليه التفاسير، ولم يَهتدِ إلى الراجح، أو التبس عليه أمرٌ يَرجِعُ إلى تصحيح شيءٍ مما يجدُه في كتب التفسير؛ رجع إلى أهل العلم بذلك الفنِّ سائلًا لهم عن الروايةِ لا عن الرأي.
وقد كان من هذه الطبقةِ [عامَّةُ] الصحابةِ والتابعين وتابعيهم؛ الذين يقول فيهم النبيُّ ﷺ : «خيرُ القرون قَرْني، ثم الذين يلُونَهم، ثم الذين يَلُونَهم» (١)؛
стр. 208
فإنهم كانوا يَسألون أهلَ العلم منهم عن حُكم ما يَعرِضُ لهم مما يحتاجون إليه في معاشِهم ومعادهم، فيرْوُون لهم في ذلك ما جاء عن اللَّه تعالى، أو عن رسولِه ﷺ ؛ فيَعملون بروايتهم لا برأيهم، مِنْ دون تقليدٍ ولا التزام رأيٍ، كما يَعرف ذلك من يعرفُه.
وقد أوضحتُ هذا إيضاحًا كثيرًا في كتابي الذي سمَّيته: «القول المفيد في حكم التقليد»؛ فليُرجَع إليه.
* * *
стр. 209
[الطبقةُ الرابعة مِنْ حَمَلةِ العلم]
وأما الطبقة الرابعة: الذين يَقصِدون الوصولَ إلى علمٍ من العلوم، أو عِلمين، أو أكثر، لغرضٍ من الأغراض الدينيةِ أو الدنيوية، مِنْ دون تصوُّرِ الوصول إلى علم الشرع، كما يفعلُه من يريدُ أن يكون مُدرِكًا لصناعةٍ من الصناعات التي لها تعلُّقٌ بالعلم، وذلك كمن يريد أن يكون شاعرًا أو مُنشِئًا أو حاسبًا؛ فإنه ينبغي له أن يتعلمَ ما يتوصَّلُ به إلى ذلك المطلب.
• [من أراد الشِّعر]:
فمن أراد أن يكون شاعرًا، تعلَّم من علم النحو والمعاني والبيان ما يَفهمُ به مقاصدَ أهلِ هذه العلوم، ويَستكثرُ من الاطلاع على علم البديعِ والإحاطةِ بأنواعه، والبحثِ عن نُكَتِه وأسراره، وعِلم العَروض والقوافي، ويُمارسُ أشعار العرب، ويحفظُ ما يمكنُه حفظُه منها، ثم أشعارِ أهل الطبقة الأولى من أهل الإسلام؛ كجَرير والفرزدق وطبقتهما. ثم أشعار مثل: بشار بن بُرد، وأبى نُوَاس، ومسلم بن الوليد، وأعيانِ مَنْ جاء بعدهم: كأبي تمام، والبُحتري، والمتنبي، ثم أشعار المشهورين بالجَودة من أهل العصور المتأخرة.
ويستعينُ على فهم ما استَصعب عليه بكتب اللغة، ويُكِبُّ على الكتب المشتملةِ على تراجم أهل الأدب؛ «كيتيمة الدهر» وذيولها، و «قلائد العِقيان»، وما هو على نمطه من مؤلفات أهل الأدب؛ ك «الريحانة» و «النفحة».
• [من أراد الإنشاء]:
وكما يَحتاج إلى ما ذكرناه من أراد أن يكونَ شاعرًا، فهو يحتاجُ إليه
стр. 210
أيضًا مَنْ أراد أن يكون منشئًا، مع احتياجه إلى الاطِّلاع على «المَثَل السائر» لابن الأثير، و «الكامل» للمبرِّد، و «الأمالي» للقالي، ومجاميع خطب البلغاء ورسائلهم، خصوصًا مثلما هو مُدوَّنٌ من بلاغات الجاحظ، والفاضل، والعماد؛ وأمثالهم؛ فإنه ينتفع بذلك أتم انتفاع.
• [من أراد الحساب]:
ومن أراد أن يكون حاسبًا، اشتَغل بعلم الحساب، ومؤلَّفاتُه معروفة.
• [مَنْ أراد الفلسفة]:
وهكذا من أراد أن يطَّلع على علم الفلسفة؛ فإنه يحتاج إلى معرفةِ العلم الرياضي؛ وهو علمٌ يُعرف به أحوالُ الكمِّ المتَّصل والمنفصل، والعلمِ الطبيعي؛ وهو العلمُ الباحث عن أحوال عالَمِ الكونِ والفساد، والعلمِ الإلهي؛ وهو العلمُ الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود، مع ما يتعلق بذلك من أحوال المبدإ والمعاد؛ وهكذا علم الهندسة، وهو العلم الباحثُ عن مقادير الأشياء كَمًّا وكيفًا، ومبادئ الأشكال.
فمن جَمَع هذه العلومَ الأربعة أعنى الرياضي، والطبيعي، والإلهي، والهندسي، صار فليسوفًا (١).
والعلم بالعلوم الفلسفية لا ينافي علم الشرع؛ بل يزيدُ المتشرِّعَ الذي قد رَسَخت قدمُه في علم الشرع غِبطةً بالشرع ومحبةً له؛ لأنه يعلمُ أنه لا سبيلَ للوقوف على ما حاول الفلاسفةُ الوقوفَ عليه إلَّا من جهة الشرع (٢)، وأن كلَّ
بابٍ غيرِ هذا البابِ لا ينتهي بمن دخل إليه إلى غايةٍ وفائدة (١).
стр. 213
• [من أراد الطب]:
ومَن كان مريدًا لعلم الطب، فعليه بمطالعة كتب «جالينوس»، فإنها أنفعُ شيءٍ في هذا الفن باتفاقِ مَنْ جاء بعدَه منَ المشتغلين بِهذه الصناعة إلا النادر القليل. وقد انتقى منها جماعةٌ من المتأخِّرين ستةَ عشرَ كتابًا، وشرحوها شروحًا مفيدة. فإن تعذَّر عليه ذلك، فأكمَلُ ما وقفتُ عليه من الكتب الجامعة بين المفردات والمركَّبات والعلاجات كتاب «القانون» لابن سينا، و «كامل الصناعة» المشهور ب «المَلكي» لعليِّ بن العباس.
ومِن أنفع المختصرات في هذا الفن: «الذخيرة» لثابت بن قرة؛ فإنها قد تضمَّنت من العلاجات النافعة والأدوية المجرَّبة مع اختصارها ما هو قائمٌ مقامَ كثيرٍ من المطوَّلات.
ومِن أنفعِ ما في هذا الفن باعتبار خواصِّ الأدويةِ المفردة، وبعض المركَّبات: «تذكرة الشيخ داود الأنطاكي»، ولو كمُل بالمعالجات لكان مغنيًا عن غيره، ولكنه انقطعَ بعدَ أن شرع في الكلام على معالجاتِ العِلل على حروف «أبجد»؛ فوصل إلى حرف «الطاء»، ثم انقطع الكتاب.
стр. 214
ومن أنفع الكتب في هذا الفن «الموجز» (١) وشروحه.
وبالجملة: فمَن كان قاصدًا إلى علمٍ من العلوم، كان عليه أن يتوصَّل إليه بالمؤلَّفات المشهورة بنفعِ مَنْ اشتغل بها، المحرَّرةِ أحسنَ تحرير، المهذَّبةِ أبلغ تهذيب، وقد قدَّمْنا في كل فنٍّ ما فيه إرشادٌ إلى أحسن المؤلفات فيه.
• [طلبُ الاطِّلاع على الْمَذاهب الْمَشهورة]:
وكثيرًا ما يَقصِدُ الطالبُ الذي لم يتدرَّب بأخلاق المُنصفين، ويتهذَّب بإرشادِ المحققين الاطلاعَ على مذهبٍ من المذاهب المشهورة، ولم تكن له في غيره رغبةٌ، ولا عنده لما سواه نشاطٌ، فأقربُ الطرُقِ إلى إدراك مقصدهِ ونَيلِ مأربه: أن يبتدئَ بحفظِ مختصَرٍ من مختصرات أهل ذلك المذهب؛ «كالكنز» (٢) في مذهب الحنفية، و «المنهاج» (٣) في مذهب الشافعية؛ فإذا صار ذلك المختصر محفوظًا له، متقَنًا على وجهٍ يَستغني به عن حَمْل الكتاب، شرع في تفهُّم معانيه، وتدبُّرِ مسائلهِ على شيخٍ من شيوخ ذلك الفن، حتى يكون جامعًا بين حفظِ ذلك المختصر وفَهمِ معانيه، مع كونه مكرِّرًا لدرسه، متدبِّرًا لمعانيهِ الوقتَ بعدَ الوقت، حتى يرسَخَ حفظُه رسوخًا يأمنُ معه من التفلُّت.
ثم يشتغلُ بدرسِ شرحٍ مختصرٍ من شروحِه على شيخٍ من الشيوخ، ثم يترقَّى إلى ما هو أكثرُ منه فوائد، وأكملُ مسائل.
стр. 215
ثم يُكِبُّ على مطالعةِ مؤلَّفاتِ المحقِّقين من أهل ذلك الفن، فيَضُمُّ ما وجده من المسائل خارجًا عن ذلك المختصر الذي صار محفوظًا له إليه، على وجهٍ يستحضرُه عند الحاجة إليه.
ولكنه إذا لم يكن لديهِ منَ العلم إلَّا ما قد صار عنده من فقهِ ذلك المذهب، فلا ريب أنه يكون عاميَّ الفهم، سيئَ الإدراك، عظيمَ البلادة، غليظَ الطبع؛ فعليه أن يبتدئَ بتهذيب (١) فهمِه، وتلقيحِ فكرهِ بشيءٍ من مختصَرات النحو، ومجاميعِ الأدب، حتى تثبُتَ له الفقاهةُ الصُّورية (٢)، وأما الفقاهةُ الحقيقية؛ فلا يتصفُ بها إلا المجتهدُ؛ بلا خلافٍ بين المحققين.
* * *