← Фикх общий

Фикх общий · id 1568

الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف - ط الفلاح

ابن المنذر

Полный текст (7 126 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

* وفاته: قال الذهبي نقلًا عن أبي إسحاق الشيرازي قوله: مات بمكة سنة تسع أو عشر وثلاثمائة. فتعقبه الذهبي قائلًا: ما ذكره الشيخ أبو إسحاق من وفاته فهو على التوهم، وإلا فقد سمع منه ابن عمار في سنة لست عشرة وثلاثمائة. وأرخ الإمام أبو الحسن بن قطان الفاسي وفاته في سنة ثماني عشرة قلت: وبهذا قال ابن قنفذ في "الوفيات" (١/ ٦). وكذا في "صلة تاريخ الطبري" (١/ ١٥٩) وابن خلكان في "الوفيات" (٤/ ٢٠٧). * * * * * * *

стр. 107

فصل في ذكر فوائد ملتقطة من "الأوسط" * فوائد حديثية: - منهجه في الشذوذ وزيادة الثقة: - الترجيح بين الروايات المختلفة للكثرة. في (كتاب النكاح - باب ذكر اثبات الخيار للأمة إذا أعتقت وهي تحت زوج). قال، بعد أن أخرج حديث عائشة أنَّها اشترت بريرة لتعتقها .. قال الأسود: وكان زوجها حرًّا. فقال ابن المندر: فالظاهر أن قوله: "كان زوجها حرًّا" من كلام الأسود مع أن عروة والقاصم رويا عن عائشة ﵂ أن زوجها كان عبدًا، ورواية الاثنين أولى من رواية الواحد. ومع أنَّا لو سمحنا فلم نقل أن ذلك من كلام الأسود مقام رواية القاسم وعروة لرجع الأمر إلى أن الأخبار يختلف فيها عن عائشة ﵂ وإذا اختلفت الأخبار عن عائشة ﵂ وتكافأت وجب الوقوف عن القول بها، وانفرد حينئذ خبر ابن عباس، وهو خبر لا معارض له من الأخبار بأن زوج بريرة كان عبدًا، لخبر ابن عباس بروايته وباسم العبد ومواليه، وقد أحاطت العلل بخبر الأسود من حيث ذكرناه رواية عروة والقاسم أولى من رواية الأسود عن عائشة ﵂ لأن عائشة عمة أحدهما وخالة الآخر،

стр. 108

وقد كانا يدخلان عليها في الليل والنهار بغير حجاب بينهما وبينها، ويقيمان ببلدها وهما محرماها، والأسود سماعه منها من وراء حجاب. قلت: وبهذا الترجيح ذهب البخاري وأحمد وغيرهما (١). - تقديم أصحاب الشيخ على من دونهم في الترجيح. في كتاب الصلاة - باب ذكر الرخصة في الجمع بين المغرب والعشاء في السفر) قال: وليس يخلو خبر العمري، عن نافع من أحد أمرين، إما أن يكون فعل ذلك في حال وجمع بين الصلاتين في حال، فلا تكون صلاته كل صلاة لوقتها خلافًا لجمعه بين الصلاتين إذ كل ذلك مباح جائز فعله، أو يتحامل متحامل فيقول: إن في رواية العمري، عن نافع، عن ابن عمر نفيًا؛ لأن يكون ابن عمر جمع في حال، وهذا يبعد لأن الذي روى عن نافع عن ابن عمر أنه كان يجمع بين الصلاتين أتقن من عبد الله وأحفظ منه للرواية مع أن عبد اللّه إذا انفرد برواية عن نافع عن ابن عمر فليس بحجة، فإذا انفرد غيره ممن رووا عن نافع عن ابن عمر أنه جمع بين الصلاتين، فروايته حجة والذين رووا ذلك عن نافع جماعة كلهم متقن لحديث نافع ضابط له منهم: أيوب، وعبيد الله بن عمر، وموسى بن عقبة، ويحيى الأنصاري، وروى ذلك عن نافع طبقة ثانية: محمد بن إسحاق، وعبد العزيز بن أبي رواد، وعمر بن نافع، مع أن عبدة بن سليمان قد خالف عبد الرزاق في روايته عن عبيد اللّه بن عمر: روى إسحاق بن راهويه، عن عبدة بن سليمان، عن عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه جد به السير فأخر المغرب حتى غاب الشفق _________ (١) وانظر تعليقنا على الحديث في موضعه.

стр. 109

ثم نزل فجمع بينهما". قال أبو بكر: وبالأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ أقول ولا معنى لكراهية من كره ما سنه رسول الله ﷺ لأمته إذ ما قالوا من ذلك خلاف السنن الثابتة، والسنة إذا ثبتت استغني بها عن كل قول. - زيادة الثقة مقبولة: قال في كتاب (طهارات الأبدان والثياب - باب ذكر النهي عن الصلاة في المقبرة والحمام): أسند حديث أبي سعيد مرفوعًا: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام"، ثم قال: روى هذا الحديث حماد بن سلمة. قال أبو بكر: إذا روى الحديث ثقة أو ثقات مرفوعًا متصلًا وأرسله بعضهم يثبت الحديث برواية من روى موصولًا عن النبي ﷺ ولم يوهن الحديث تخلف من تخلف عن إيصاله وهذا السبيل في الزيادات في الأسانيد والزيادات في الأخبار وكثير من الشهادات. وفي كتاب (الأذان - باب ذكر الأذان للصلاة بعد خروج وقتها): قال أبو بكر: والزيادة في الأخبار إذا ثبتت يجب استعمالها إذ الزيادة في الخبر في معنى حديث تفرد به الراوي، فكما يجب قبول ما ينفرد به الثقة من الأخبار كذلك يجب قبول الزيادة منه. وفي كتاب (الصلاة - باب رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع): قال أبو بكر: فأما حديث علي الذي احتجوا به، فقد ثبت عن علي، عن النبي ﷺ أنه "كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع"، وأما ابن عمر فالمشهور عنه بالأسانيد الجياد من

стр. 110

وجوه شتى رفع يديه في الصلاة في ثلاثة مواضع كفعل أصحابه، روى عنه ذلك سالم، ونافع، وهما كانا يفعلان ذلك، وهما أعلم به من غيرهما. وفي ثبوت الأخبار عن رسول الله ﷺ بما قد ذكرناه عنه في أول الباب مستغنى عن قول من سواه، فإن اعتل معتل بخبر روي عن ابن مسعود أنه كان يرفع إذا افتتح الصلاة، فلو ثبت هذا عن ابن مسعود، لم يكن حجة على الأخبار التي ذكرناها، لأن عبد اللّه إذا ما حفظ، وحفظ علي بن أبي طالب وابن عمر، وغيرهما، وأبو حميد في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ الزيادة التي ذكرناها عنهم، فغير جائز ترك الزيادة التي حفظها هولاء من أجل أن ابن مسعود لم يحفظها، خفيت تلك الزيادة عليه كما خفي عليه السنة في وضع اليدين على الركبتين، وكان يطبق يديه على فخذيه، وتبعه عليه أصحابه، والسنة التي نقل الناس إليها وضع اليدين على الركبتين. فلما جاز أن يخفى مثل هذِه السنة التي عليها المسلمون اليوم جميعًا، لا نعلمهم اليوم يختلفون فيه على ابن مسعود، ليجوز أن يخفى عليه ما حفظه أولئك، وأقل ما يجب على من نصح نفسه أن ينزل هذا الباب منزلة اختلاف أسامة وبلال في صلاة النبي ﷺ في الكعبة، وأثبت بلال صلاة رسول الله ﷺ في الكعبة، ونفى ذلك أسامة، وحكم الناس لبلال؛ لأنه شاهد، ولم يحكموا لأسامة؛ لأنه نفى شيئًا حفظه غيره، وكذلك يجب أن يكون حال حديث ابن مسعود في اقتصاره على ما حفظه، وحال من حفظه ما لم يحفظه ابن مسعود، إن تثبت الزيادة التي زادوها؛ لأنهم حفظوا ما لم يحفظ عبد الله بن مسعود، وهذا الذي قلناه بيِّن واضح لمن وفقه الله للقول بالصواب واتباع السنن. وفي (كتاب الصلاة أيضًا - باب فضل قراءة فاتحة الكتاب): قال أبو بكر: وإذا زاد الحافظ في الحديث حرفًا وجب قبوله، وتكون

стр. 111

زيادة كحديث يتفرد به، وهذا مذهب كثير من أهل العلم في كثير من أبواب الشهادات. وفي كتاب (الدعاوى والبينات - باب جماع أبواب الحكم باليمين مع الشاهد) وذكر وجوب الحكم باليمين مع الشاهد الواحد في الأموال ساق حديث جابر: "أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد". ثم قال: الصحيح جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي ﷺ مرسل، كذلك رواه مالك والثوري. قلت: وهذا يدل على أن قبول الزيادة ليس لازمًا على الإطلاق؛ فالعبرة بحفظ من زاد، وهنا لم يقبل الزيادة؛ لأن من لم يذكرها أحفظ ممن زادها. وراجع تعليقنا على هذا الحديث في الكتاب. والصواب من مذاهب أهل العلم في قضية زيادة الثقة ما ذهب إليه نقاد أهل الحديث والعلل من أن الزيادة لا تقبل مطلقًا، كما هو قول الفقهاء ولا ترد مطلقًا والقبول والرد مبني على ثقة من زاد، فإن كان أحفظ ممن لم يذكرها قبلت، وإن كان دونه فإنها ترد، وكل حديث يخضع لاجتهاد محققه. والله أعلم. - تليينه صحيفة عمرو بن شعيب: قال في (كتاب الوديعة - باب تلف الوديعة): مثنى ضعيف، وقد تكلم فيما يرويه الثقات، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده وفي القول به. قلت: وهذا القول لا ينزلها عن مرتبة القبول، ولذا عدها أهل الأصول في السلاسل الحسنة. - تعريف المجهول وهل يحتج به: وفي كتاب (الاستبراء - باب إباحة وطئها بعد الاستبراء)

стр. 112

قال أبو بكر: مالك والشافعي يخالفان الثوري في هذا، ويقولان: قد تكون أقصى مدة الحمل أربع سنين، وقد احتج بعض أصحاب الرأي بحديث واهي الإسناد من حديث ابن جريجٍ، عن جميلة بنت سعد، عن عائشة أنَّها قالت: "ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين، قدر ما يتحول ظل عود المغزل". قال أبو بكر: ولكن التي روت امرأة مجهولة لا تعرف. في كتاب (التفليس - باب ذكر الميت يجد عنده الذي باعه سلعته بعينها): قال أبو بكر: أبو المعتمر بن عمرو بن رافع مجهول لم يرو عنه غير ابن أبي ذئب، وسبيل من لم يرو عنه إلا واحد عند أكثر أصحابنا سبيل المجهول من الرجال، وليس تقوم الحجة بخبر من هذا سبيله. وقال في (باب ذكر أولياء الدم الذين لهم القصاص والعفو): قال أبو بكر: حصن الذي روى هذا الحديث لا يعرف له حديث غير هذا الحديث وهو مجهول ليس بمشهور تجب الحجة بروايته. وفي (الاستحاضة - تحث باب ذكر الخبر الثالث المختلف في ثبوته): قال أبو بكر: والمجهول لا يجوز الاحتجاج بحديثه إذ هو في معنى المنقطع الذي لا تقوم به الحجة. وكذا قال بنحو ذلك في كتاب البيوع تحت باب ذكر خبر مجهول الإسناد لا يصح من جهة النقل. - دقته الحديثية: في كتاب (الدعاوى والبينات - باب الدعوى في الحائط) (١) _________ (١) وانظر تعليقنا عليه في موضعه.

стр. 113

قال أبو بكر: جاء الحديث عن النبي ﷺ بإسناد مجهول لا يثبت من جهة النقل أنه قضى في الخص يتداعاه الرجلان يدعيه كل واحد منهما أنه للذي يليه القِمْط. ٦٦٤٣ - حدثنا أحمد بن داود، قال: حدثنا هدبة بن خالد ومحمد بن الصباح وأبو كريب قالوا: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن دَهْثَم بن قرَّان، عن نمران بن جارية، عن أبيه "أن قومًا اختصموا إلى رسول الله ﷺ في خص فبعث معهم حذيفة يقضي بينهم، فقضى للذي يليه القِمْط فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره بخبر فقال: أحسنت". قال أبو بكر: دهثم بن قران مجهول، ونمران بن جارية وأبوه غير معروفين، ولا يدرى هل لجارية صحبة أم لا، والإسناد إذا كان هذا سبيله فالاعتماد عليه غير جائز، وإنما حملني على ذكره، لئلا أخفي أمره على من يجهل معرفة الحديث فيغتر به. وفي باب ذكر الأخبار الدالة على أن القضاء بذلك يجب إذا منع الجار جاره أن يغرز خشبة في جداره. قال أبو بكر: وهذِه اللفظة "لا ضرر ولا ضرار" يرددها كثير من أهل العلم في كتبهم ولا أعلم ذلك يثبت متصلًا، ولا يجوز أن يطلق فيقال: قال رسول الله ﷺ إلا أن يكون ذلك موجودًا بإسناد جيد. - دقته في النقل: في كتاب (الشهادات - باب ذكر خبر خص به خزيمة بن ثابت لا يجوز القياس عليه). قال أبو بكر: حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال: حدثني عيسى بن محمد قال: حدثنا زيد بن الحباب، عن محمد بن زرارة بن عبد الله بن

стр. 114

خزيمة بن ثابت، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه: "أن النبي ﷺ اشترى فرسًا من سواء بن الحارث فجحده. قال: فشهد خزيمة لرسول اللّه ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : ما حملك على الشهادة - قال - يعني: ولست بحاضر معه - فقال: صدقت، ولكني صدقت ما جئت به، وعلمت أنك لا تقول إلا حقًّا. فقال رسول الله ﷺ : من شهد له خزيمة أو شهد له فحسبه". قال أبو بكر: إنما هو "من شهد له خزيمة أو شهد عليه" ووجدته في كتابي غلطًا لا أدري مني أو من الذي حدثني. - الوقوف عند حد السنة: في (كتاب المساقاة): قال أبو بكر: وبالخبر الثابت عن رسول الله ﷺ أقول، وهو قول أبي بكر، وعمر؛ لأن أبا بكر أقر اليهود فيها بعد رسول الله ﷺ وأقرهم عمر صدرًا من إمارته، ولا معنى لقول خالف قائله الثابت عن رسول الله ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وما عليه أهل الحرمين قديمًا وحديثًا إلى زماننا هذا. وفي أول كتاب (الديات - باب ذكر مبلغ دية الحر) قال أبو بكر: جاءت الأخبار عن رسول الله ﷺ بأنه جعل الدية مائة من الإبل، ولا نعلم خبرًا ثابتًا عنه أنه فرض الدية من غير الإبل، فالذي جاء عن رسول الله ﷺ يجب القول به، والوقوف عن استعمال ما سوى ذلك، إلا على معنى القيمة التي جعلها عمر بن الخطاب، فإن أعوزوا الإبل كانت القيمة حينئذ، فأما والإبل موجود فغير جائز واللّه أعلم. وفي (كتاب البيوع) تحت باب (ذكر بيع النخل قبل الإيبار وبعده): قال أبو بكر: فبيع العرايا جائز على ما جاءت به الأخبار؛ لثبوت

стр. 115

ذلك عن رسول الله ﷺ "، والذي أرخص في بيع العرايا هو الذي نسى عن بيع الثمر بالتمر، وليس قبول أحد الخبرين أولى من الآخر، ولا فرق بين نهي النبي ﷺ عن بيع ما ليس عند المرء وإذنه في العرايا، فمن استثنى من جملة نهي النبي ﷺ عن بيع ما ليس عند المرء ما أذن فيه من السلم وأبى أن يقبل الاستثناء في العرية من جملة ما نهى عنه من بيع الثمر بالتمر؛ تناقض في مذهبه غيرمتبع ما يجب عليه فيه. فأما دعوى بعض أصحاب الرأي أن بيع العرايا منسوخ بنهي النبي ﷺ عن بيع الثمر بالتمر فهو نفس المحال؛ لأن الذي روى عن النبي ﷺ النهي عن المزابنة هو الذي روى الرخصة في العرايا، فأثبت النهي والرخصة معًا، ولا يكون الرجل متبعًا للسنن حتى يضع الأخبار مواضعها ويقول بكل خبر منها في موضعه. وفي الباب الذي بعده وهو (ذكر النهي عن بيع الكلب): قال: وأباحت طائفة - لا معنى لقولها؛ إذ فولها خلاف الثابت عن رسول الله ﷺ بيع الكلاب كلها، وأوجبت على قاتلها الغرم. هذا قول النعمان. - التسليم للأخبار الصحيحة: في كتاب (باب ذكر كفارة من أتى امرأة حائضًا): قال أبو بكر: الخبر إذا ثبت وجب التسليم له، وإن لم يثبت الخبر ولا أحسبه يثبت فالكفارة لا يجوز إيجابها إلا أن يوجبها الله أو يثبت عن النبي ﷺ أنه أوجبها، ولا نعلم إلى هذا الوقت حجة توجب ذلك والله أعلم. في كتاب البيوع نحت باب (ذكر بيع النخل قبل الإيبار وبعده.

стр. 116

قال: وفي قوله: (من باع نخلًا لم يؤبر أن الثمرة للمشتري، وهذا قول مالك ﵀ وأهل المدينة، وبه قال الشافعي وأصحابه، وكذلك قال النعمان، ويعقوب، وعامة أهل العلم، إلا ابن أبي ليلى فإنه قال: الثمرة للمشتري وإن لم يشترط؛ لأن ثمرة النخل من النخل. قال أبو بكر: وهذا لا معنى له؛ لأنه خلاف السنة الثابتة). - انتقاده على من يعطل السنة بدعوى تخصيصها برسول الله ﷺ : في "كتاب النكاح - باب ذكر عقد السيد نكاح أمته على نفسه بإيجاب العتق لها): قال أبو بكر: حدثنا يحيى، حدثنا مسدد، حدثنا حماد، عن عبد العزيز بن صهيب وثابت البناني، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﷺ صلى الصبح بغلس، ثم ركب فقال: اللّه أكبر، خربت خيبر .. ". وذكر بعض الحديث "وظهر عليهم رسول الله ﷺ فقتل المقاتلة، وسبى الذراري، فصارت صفية لدحية الكلبي، ثم صارت لرسول اللّه ﷺ ، ثم تزوجها، وجعل صداقها عتقها، فقال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمد أنت سألت أنسًا ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها، فتبسم". قال أبو بكر: فهذا حديث لا يختلف أهل المعرفة بالحديث في ثبوته، وجودة إسناده، فاعترض في ذلك معترض من أهل الكوفة، فقال - حيث لم يوافق هذا الحديث مذاهب أصحابه ولم يمكنه دفع إسناده - هذا لرسول اللّه ﷺ خاص، فجعل ما أبيح للناس الاقتداء برسول الله ﷺ فيه، له خاصًّا بغير حجة، ولو جاز ذلك لم يشأ من بلغه حديث لا يوافق مذاهب أصحابه أن يفعل كفعله، إذًا يعجز عن مثل هذا أحد، ثم قصد إلى ما خص الله به نبيه ﵇ في كتابه، فجعله له خالصًا

стр. 117

من دون المؤمنين، فقال: إذا وهبت المرأة نفسها للرجل وقبلها شهود، أن يلزمه لها مهر مثلها، إن مات عنها أو دخل بها، وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة، فجعل ما خص الله به نبيه ﵇ عامًا للناس، وحظر على الناس الاقتداء برسول الله ﷺ فيما هو لهم مباح أن يقتدوا به، فجعله خاصًّا بغير حجة، حيث لم يوافق مذاهب أصحابه، وقد أظهر النبي ﷺ الوجد من مثل هذا. - الراوي أدرى بمرويه من غيره: في كتاب (النكاح - باب ذكر عقد السيد نكاح أمته على نفسه بإيجاب العتق لها): قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في الرجل يعتق أمته، ويجعل عتقها صداقها. فممن فعل ذلك بعد رسول الله ﷺ : أنس بن مالك، وهو الراوي قصة صفية، وتزويج النبي ﷺ إياها، ولو كان ذلك له خاصًّا لم يرتكب أنس ما لا يجوز من الفعل. وفي أول كتاب البيوع تحت باب (ذكر الأخبار الدالة على أن الافتراق افتراق الأبدان): قال أبو بكر: ويقول ابن عمر أقول، وهو أعلم بمعنى ما رواه عن النبي ﷺ وما قلناه بين في ألفاظ أخبار رسول الله ﷺ وليس لمتأول معها تأويل، وهو قول أكثر علماء أهل الأمصار، وغير جائز أن يخفى على ابن عمر، وأبي برزة وهما ممن روى عن النبي ﷺ قوله: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا"، ومن المحال أن يخفى على الصحابي الذي روى عن النبي ﷺ معنى خبره ويستخرجه بعض المتأخرين مع أن في ألفاظ هذِه الأخبار بيان ما ذكرناه.

стр. 118

- استعمال "رُوي" في الصحيح أيضًا: في كتاب (الأذان - باب استحباب الدعاء بين الأذان والإقامة .. ) قال: وروي عن النبي ﷺ أنه كان يذكر الله على كل أحيانه (١). - المرسل ليس بحجة: (كتاب الجزية - باب جماع أبواب الأسلاب والأنفال التي تجب لأهلها): قال: والمرسل لا يجوز الاحتجاج به. وكذا قال في كتاب الطهارة تحت باب (ذكر الوضوء من الضحك في الصلاة). وكذا قال في (كتاب البيوع) تحت باب (ذكر بيع اللحم بالحيوان). - أخبار المغازي عامَّتها ضعيف: (كتاب الجزية - باب ذكر الاختلاف في المشرك يستعان به على العدو): قال: وعامة أخبار المغازي لا تثبت من جهة الإسناد. - الأدب مع المخالف أو المخطئ: في (كتاب الإحداد - باب ذكر نهي المرأة الحاد في عدتها من وفاة الزوج عن الطيب): ذكر اختلاف أهل العلم وخالف الحسن الجمهور وقال: ليس للمرأة إحداد فقال: وليس لأحد ممن بلغت الأخبار في ذلك إلا التسليم له، ولعل الحسن لم يبلغه ذلك أو يكون بلغه فتأول حديث أسماء بنت عميس. _________ (١) قلت: وهذا لا يعني تضعيفه للحديث، وهذا اصطلاح مستعمل في الصحيح أيضًا لكن غلب إطلاقه على الضعيف.

стр. 119

- ألفاظ التحمل: استعماله للمكاتبة: في كتاب الغصب تحت آخر أبواب الكتاب. قال: وكتب إليَّ محمد بن أحمد … وكذا قال في كتاب البيوع تحت باب (ذكر النهي عن بيع الطعام إذا ابتيع حتى يكتال). - ثناؤه على أحمد وإسحاق: في (كتاب الإمامة - باب ذكر اختلاف أهل العلم في صلاة المأموم خلف الصف وحده). قال: وقد ثبَّت هذا الحديث أحمد وإسحاق وهما من معرفة الحديث بالموضع الذي لا يدفعان عنه. وفي (كتاب الجنائز - باب ذكر الخبر الدال على أن الجلوس كان بعد القيام): قال: كذهب أحمد وإسحاق حسن في الوجهين جميعًا. - تأثره بابن خزيمة: كثيرًا ما عرَّض بذكره في مواضع من كتابه، وربما قال: ذكر بعض أصحابنا وقد وجدناه ينقل كلامه كاملًا من صحيحه، وهذِه بعض المواضع: في (كتاب الوتر - باب ذكر خبر يحسب بعض الناس) أن وتر النبي ﷺ في بعض الأوقات كان بعد الفجر. وقد ذكر بعض أصحابنا أن وتره هذا إنما كان بعد الفجر الأول. - قال ابن خزيمة في صحيحه - (ج ٤/ ص ٢٣٨):

стр. 120

أوهم بعض من لم يتبحر العلم ولم يكتب من العلم ما يستدل بالخبر المفسر على الخبر المجمل أن النبي ﷺ أوتر بعد طلوع الفجر الثاني. وهذِه بعض الأمثلة وأتينا بالمصدرين (الأوسط والصحيح لابن خزيمة) ليتبين الأمر: - قال ابن المنذر في الأوسط في كتاب (صفة الصلاة) تحت باب (ذكر الدليل على أن الالتفات في الصلاة ينقص الصلاة لا أن الإعادة تجب على من التفت فيها): الدليل على أن الالتفات المنهي عنه هو أن يلتفت بغير حاجة يحتاج إليه المصلي أن يتعرف أفعال المأمومين ليأمر بفعل أو ينهى عن شيء بالإيماء إليهم. - قال ابن خزيمة في "صحيحه" (ج ٢/ ص ٣١٠) باب ذكر الدليل على أن الالتفات المنهي عنه في الصلاة هو الالتفات في الصلاة في غير الوقت الذي يحتاج المصلي أن يعرف فعل المأمومين أو بعضهم ليأمرهم بفعل أو يزجرهم عن فعل بإشارة أو إيماء يفهمهم ما يأتون وما يذرون في صلواتهم. - قال ابن المنذر في "الأوسط" في كتاب "صفة الصلاة": ذكر الدليل على أن أنسًا إنما أراد بقوله: لم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم، وأنهم كانوا يسرون بسم الله الرحمن الرحيم. - قال ابن خزيمة في "صحيحه" (٢/ ٣٢٥): باب ذكر الدليل على أن أنسًا إنما أراد بقوله: لم أسمع أحدا منهم يقرأ: بسم اللّه الرحمن الرحيم. أي لم أسمع أحدا منهم يقرأ جهرا بسم اللّه الرحمن الرحيم، وأنهم كانوا يسرون بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، لا كما توهم من لم يشتغل بطلب العلم من مظانه وطلب الرئاسة قبل تعلم

стр. 121

العلم. - قال ابن المنذر في الأوسط في كتاب (صفة الصلاة) تحت باب (ذكر وضع اليدين قبل الركبتين): وقد زعم بعض أصحابنا أن وضع اليدين قبل الركبتين منسوخ. قال أبو بكر: وقد زعم بعض أصحابنا أن وضع اليدين قبل الركبتين منسوخ - وقال هذا القائل: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن سلمة، عن مصعب بن سعد، عن سعد، قال: "كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين". وانظر: "صحيح ابن خزيمة" (١/ ٣١٩ رقم ٦٢٨) قال أبو بكر: وحدث بعض أصحابنا عن هارون بن عبد الله البزاز، قال: حدثني الحارث بن عبد الله الهمداني، يعرف بابن الخازن، قال: ثنا هشيم، عن عاصم بن كليب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه: "أن النبي ﷺ كان إذا سجد ضم أصابعه". انظر صحيح ابن خزيمة (١/ ٣٢٤ رقم ٦٤٢). - قال ابن خزيمة في "صحيحه" - (ج ٣/ ص ٢٨) باب ذكر الدليل على أن الأمر بوضع اليدين قبل الركبتين عند السجود منسوخ، وأن وضع الركبتين قبل اليدين ناسخ، إذ كان الأمر بوضع اليدين قبل الركبتين مقدمًا، والأمر بوضع الركبتين قبل اليدين مؤخرًا، فالمقدم منسوخ، والمؤخر ناسخ.

стр. 122

* فوائد فقهية: - إحسان الظن بالعلماء: قال في (كتاب باب ذكر الاختلاف في الانتفاع بالسمن المائع الذي سقطت فيه الفأرة): ولو علم من بعد رسول الله ﷺ ما سنه رسول الله ﷺ في هذا الباب لرجع إليه ولا يجوز أن يظن بهم غير ذلك. - ومما يدل على اجتهاده، وعدم تقيده بمذهب: في آخر أبواب كتاب الجنائز. قال أبو بكر: إن كان البحر الذي مات فيه الميت الأغلب منه أن يخرج أمواجه إلى سواحل المسلمين يفعل به ما قاله الشافعي، فإن لم يكن كذلك فعل ما قاله أحمد، والله أعلم. - دقة نقله عن الأئمة وتحريه للراجح من أقوالهم: في (كتاب الطلاق - باب المريض يطلق زوجته التي لم يدخل بها). قال: وابن القاسم أضبط لحكايات مالك من أبي عبيد. وفي كتاب (الإجارات - باب إباحة استئجار الرجلين الرجل الواحد على عمل واحد لهما .. ) قال أبو بكر: والجريت: الماهر بالهداية - هكذا وجدته في كتابي عن الدبري، والصحيح خريتًا، والخريت: الماهر بالهداية. - طريقته في الجمع بين النصوص المتعارضة ظاهرًا. في كتاب الإجارات - باب ذكر اختلاف أهل العلم في كسب الحجام) وفي (باب الأخبار التي خصت بالنهي عن كل كل ذي ناب من السباع):

стр. 123

قال أبو بكر: وفي أصول أصحابنا أن كل خبرين جاز إذا أمكن استعمالهما، أن لا يعطل أحدهما وأن يستعملا جميعًا ما وجد السبيل إلى استعمالهما فمما هذا مثاله في مذهبهم نهي النبي ﷺ عن استقبال القبلة واستدبارها، قالوا: ذلك في الصحاري؛ لأن ابن عمر، قال: رأيت النبي ﷺ على لبنتين مستقبل بيت المقدس واستعملنا كل خبر في موضعه، فاستعملنا خبر ابن عمر في المنازله، وخبر أبي أيوب في الصحاري إذ لم نعطل واحدًا من الخبرين لأمكان أن يوجه لكل واحد منهما وجهًا غير وجه الآخر، وفعلوا مثل هذا في أبواب صلاة الخوف واستعملوا الأخبار فيها. وفي (كتاب الصلاة - باب فضل قراءة فاتحة الكتاب). قال: والذي يجب علينا إذا جاءنا خبران يمكن استعمالهما جميعًا أن نقول بهما ونستعملهما وذلك أن نقول لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، إلا صلاة أمر النبي ﷺ المأموم إذا جهر الإمام بقراءته أن يستمع لقراءته فيكون فاعل ذلك مستعملًا للحديثين جميعًا. ولا يعدل عن هذا القول أحد إلا عطل أحد الحديثين. - تقديم الدليل: في (كتاب الصلاة - باب ذكر الدليل على أن النبي ﷺ إنما كان يكبر في بعض الرفع لا في كل الرفع) قال: ولا حجة في أحد مع رسول الله ﷺ . وتحت باب ذكر الأمر بقتل الحية والعقرب في الصلاة: قال أبو بكر: وكره قتل العقرب في الصلاة النخعي، ولا معنى لقوله مع أمر رسول الله ﷺ بقتله، ثم هو بنفسه قول شاذ لا نعلم أحدًا

стр. 124

قال به. وفي (كتاب الفرائض - باب ذكر ميراث الجنين) قال: الأخبار لا يجوز فيه غير ما قال الرسول؛ لأن الخبر خارج من باب الأمر والنهي. - تقديم الأخبار على الآراء: في (الجنائز - باب ذكر الوالي والولي يحضران الصلاة على الجنائز) قال أبو بكر: النظر يحتمل ما قاله الشافعي غير أن مذهبه ومذهب عوام أهل العلم القول بالأخبار إذا جاءت، وترك حمل الشيء على الظن عند وجود الأخبار. وخالف الشافعي في مسألة أخرى وقال في (كتاب الاغتسال من الجنابة (تحت باب) ذكر دخول الجنب المسجد): لا يمنع من ليس بنجس من المسجد إلا بحجة ولا نعلم حجة تمنع الجنب من دخول المسجد. وتحت (باب ذكر تطهير الخفاف والنعال من النجاسات) قال أبو بكر: لا تقع طهارة لشيء من النجاسات إلا بالماء إلا موضع دلت عليه السنة فإن ما دلت عليه السنة يطهر بغير الماء. - لا معنى للنظر والرأي مع وجود الدليل: في (كتاب الهبات - باب ذكر خبر رابع يدل ظاهره على الأمر بالتسوية بين الأولاد): قال أبو بكر: يجب استعمال النظر فيما لا خبر فيه، فأما ما فيه خبر يمنع منه فلا معنى للاشتغال بالنظر فيه. وقال هذِه العبارة أيضًا في (كتاب الإيمان والنذور - قبل باب ذكر اليمين بالطلاق).

стр. 125

- التأنِّي في أمر الفتيا: (باب ذكر مبايعة من الغالب على أمواله الحرام وقبول هداياه وجوائزه) قال أبو بكر: وأولى الأشياء يجب أن يستعمل فيه التوقف والتأني وترك العجلة، والتثبت في أمر الفتيا، بل يحرم على من سئل عن أمر لا علم له به أن يجيب فيه ولكن ليقل: لا علم لي. - توجيه كلام الأئمة على أحسن المحامل: في (كتاب المرتد - باب ذكر اختلاف قول من رأى أن يستتاب المرتد) قال أبو بكر: قال النخعي: يستتاب أبدًا. قال سفيان الثوري: هذا الذي نأخذ به. قال أبو بكر: ليس معنى قولهما عندي أن يستتاب أبدًا ولا يقتل، إنما معناه أن يستتاب كان أصله مسلمًا ثم ارتد، أو مشركًا ثم أسلم ثم ارتد، أي ليس بين ذلك فرق كما فرق عطاء. - ثناؤه على مذهب أحمد: في (كتاب السهو - باب ذكر اختلاف أهل العلم في سجدتي السهو قبل التسليم وبعده): قال أبو بكر: وأصح هذِه المذاهب أحمد بن حنبل، أنه قال بالأخبار كلها في مواضعها، وقد كان اللازم لمن مذهبه استعمال الأخبار كلها إذا وجد إلى استعمالها سبيلًا أن يقول بمثل ما قال أحمد، وذلك كقول من قال: إن خبر أيوب في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها في الصحارى، والقول بإباحة ذلك في المنازل استدلالًا بخبر ابن عمر،

стр. 126

وإمضاء الأخبار التي رويت في صلاة الخوف على وجهها، والقول بها في مواضعها، وغير ذلك مما يطول الكتاب بذكره. - ثناؤه على العلماء: في (كتاب الوصايا - باب ذكر اختلاف أهل العلم في الوصية هل تجب فرضًا أم لا). قال أبو بكر: قول أبي ثور أحسن ما قيل في هذا الباب. وأيضًا في نفس الباب - باب ذكر الوصايا لأناس شتى لبعضهم أفضل لما لبعض: قال أبو بكر: قول أبي ثور أصح في النظر. وفي باب الوصايا للجماعات المتفرقين وذكر الوصية للقرابة: قال أبو بكر: الذي قاله الشافعي ﵀ حسن. - تقديمه قول الجماهير: في (كتاب الاستبراء تحت مسألة في آخر الكتاب - ذكر استبراء الأختين) قال أبو بكر: وأجمعوا جميعًا على أن الرجل إذا اشترى أختين، أو أخوات، أو امرأة وابنتها في صفقة واحدة، أن الشراء ينعقد، وأنه مالك لهن جميعًا، فإن أراد وطء واحدة من الأخوات اللواتي عقد عليهن البيع فله ذلك، فإن أراد الجمع بين ثنتين منهما في الوطء، فإن الأخبار جاءت في ذلك مختلفة عن أصحاب رسول اللّه ﷺ ، وعامة أجوبتهم في ذلك على معنى المنع من ذلك والكراهية له، وذلك بَيِّن عنهم في ألفاظ أخبارهم، ومنع بعضهم من ذلك على معنى التنزيه للشيء من جهة اجتناب الشبهات؛ لأنهم لما تلوا الآيتين: قوله:

стр. 127

﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ احتمل قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ بالنكاح دون ملك اليمين، واحتمل أن يكون أراد بالآية المعنيين جميعًا، واحتمل كذلك قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ما أباحه الله دون ما حرمه، فوقف كثير من أهل العلم على التقدم في ذلك؛ لاحتمال الآيتين التأويل فكرهوا ذلك، واتقوه من جهة الشبهات، ولعل من حجتهم في اتقاء ذلك، والوقوف عنه، قول النبي ﷺ : "الحلال بَيِّن، والحرام بَيِّن، وبين ذلك أمور مشتبهات"، فاتقوا ذلك لاحتمال أن يكون ذلك حرامًا، واحتمال أن يكون ذلك حلالًا، فلما أشكل ذلك كرهوه، وتنزهوا عنه، ورخص في ذلك ابن عباس كما قد ذكرته عنه، وأكثر من لقيناه من أهل العلم يرى أن ذلك محرمًا، ويمنع منه منع تحريم لا تنزيه، واستدل بعضهم في ذلك بإجماعهم على تحريم وطء الأم والأخت من الرضاعة إذا ملكتا بالشراء الصحيح أو الهبة أو الميراث، فقال بعضهم: فلما أجمعت الأمة على تحريم ذلك وهو مما ملكت اليمين ثبت أن إباحة وطء ما ملكت اليمين ليس على العموم، وأنه خاص على شرط ما حرم اللّه في كتابه. وفي كتاب (الطهارة) تحت باب (ذكر دم الاستحاضة) ذكر اختلاف العلماء فيما يجب على المستحاضة من الطهارة: ونقل قولًا خامسًا عن ربيعة وقد انفرد به: أنَّها لا وضوء عليها لكل صلاة إلا أن يصيبها حدث بغير الاستحاضة .. قال: والنظر دال على ما قال ربيعة، إلا أنه قول لا أعلم أحدًا سبقه إليه.

стр. 128

* فوائد أصولية: * الإجماع: - الإجماع لا يثبت إلا بدليل: في (كتاب الحدود - باب ذكر الحد الذي يجب أن يجلد شارب الخمر من العنب وغير العنب) قال أبو بكر: وقد احتج بعض من يوجب جلد الشارب للخمر والسكران ثمانين بأن جلد السكران عقوبة، وحد القذف عقوبة، فالذي يجب أن يضرب السكران أقلّ الحدود وهو ثمانون، وقد أمر عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف بذلك بين المهاجرين والأنصار وتبعهم عليه عوام أهل العلم من علماء الأمصار، ولا يجتمع أهل العلم على مثل هذا إلا بما تثبت الحجة به. - معنى الإجماع اتفاق كل أهل العلم ولو شذ واحد لم ينعقد: في (كتاب الإحداد - أول أبواب هذا الكتاب) قال: فإن لم يكن في ذلك إجماع فهو مسلَّم له وليس فيه إجماع لأن الحسن البصري كان لا يرى الإحداد. - الإجماع يقين: في كتاب الجزية - باب ذكر المال يغلب عليه العدو ويستنقذه المسلمون، ثم يدركه صاحبه قبل القسم) قال: الإجماع يقين، والاختلاف شك ولا يجوز الانتقال من اليقين إلى الشك. - تثبته في نقل الإجماع: في (كتاب الصلاة - باب ذكر اختلاف أهل العلم في المسافر يأتم بالمقيم).

стр. 129

قال: فمن ادعى الإجماع في المسافر يدخل في صلاة المقيم مع ما ذكرناه من اختلاف فيه قليل المعرفة بالإجماع والاختلاف في هذِه المسألة. - حجية الإجماع: في أول (كتاب المضاربة): قال أبو بكر: لم نجد للقراض في (كتاب الله ذكرًا ولا في سنة نبيه ﷺ ، ووجدنا أهل العلم قد أجمعوا على إجازة القراض بالدنانير والدراهم فوجب لما لم يكن له في (كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ أصل أن يجاز منه ما أجمعوا عليه، ويوقف على إجازة ما اختلفوا فيه منه. وفي كتاب البيوع تحت باب (النهي عن بيع المجر): قال بعد أن ساق حديث ابن عمر " أنه نهى عن بيع المجر": البيع في هذا باطل؛ لأن ذلك إنما أجمع أهل العلم عليه وهو من بيوع الفرد، وإن كان في إسناد الحديثين مقال. - دعوى الإجماع في عصر مع وقوع الخلاف في العصر السابق عليه. في (كتاب الكفالة - باب الكفالة في الحدود). قال أبو بكر: أجمع كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار - إلا شيئًا رويناه عن الأوائل. - لا يجتمع أهل العلم إلا على حق. في (كتاب أمهات الأولاد تحت أول أبوابه) قال أبو بكر: وقل ما يجمع من ذكرنا على شيء إلا كان الحق ولم يجز أن يعدل عن قول جماعتهم، إذ غير جائز على عوامهم وجماعاتهم

стр. 130

على افتراق آرائهم في كثير من أبواب العلم وافتراق أبدانهم أن يعدلوا عن الحق إلى ما ليس بصواب من القول. - تقييد النص بالإجماع: في باب ذكر وجوب نفقة الولد قال أبو بكر: أوجبت طائفة النفقة لجميع الأولاد الأطفال والبالغين من الرجال والنساء إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها عن نفقة الوالد على ظاهر قول رسول الله ﷺ لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" لم يستثن ولدًا بالغًا دون طفل، فإن أجمع أهل العلم على إسقاط النفقة عن أهل اليسار منهم سقط بذلك نفقتهم، وكل مختلف فيه من ذلك فنفقته ثابتة. * العموم والخصوص: في (كتاب الهبة - باب كر الزوج والمرأة يهب كل واحد منهما لصاحبه. قال أبو بكر: مخاطبة النبي ﷺ الرجال والنساء، واحد إلا أن تدل سنة على خصوصية لبعضهم. في (كتاب الظهار - باب ذكر الخبر الدال على أن الكفارة تجب على المتظاهر مدة معلومة) قال: ( .. فلما عم ولم يخص لم يكن لأحد أن يستثني من ذلك شيئًا، وهذا يوافق ظاهر الآية .. وإنما يستثنى من السنة بسنة مثلها أو إجماع). وفي كتاب البيوع تحت باب (ذكر النهي عن منع فضل الماء ليمنع به الكلأ) قال: أما نهي النبي ﷺ عن بيع الماء فظاهر ظاهره عام، ومراده بعض المياه دون بعض، يدل على ذلك نهيه عن بيع فضل الماء، ويدل

стр. 131

أيضًا على أن ذلك معناه قولُ كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من أخذ ماءً مباحًا، مثل: أنْ يأخذ الرجل ماء من النيل أو الفرات في ظرف معه؛ أن له بيع ذلك، ولا يجوز أن يجمعوا على خلاف سنة لرسول الله ﷺ ، فدل ما ذكرت على أن النبي (أراد بنهيه عن بيع الماء بعض المياه دون بعض، ودل على أن الماء الذي يحوزه المرء ملك له، ليس لأحدٍ أن يغلبه عليه، ولا يأخذه منه إلا بإذنه إلى قوله: ولا يأخذه منه إلا بإذنه. - الحكم بالعموم ما لم يخصص. في (كتاب أحكام السراق - باب ذكر السارق يسرق منه المتاع الذي سرقه). قال: اختلف أهل العلم في السارق يُسْرق منه المتاع الذي سرقه، فقالت طائفة: على كل واحد منهما القطع. كذلك قال مالك، ولو كانوا سبعين قطعوا كلهم. وهذا على مذهب إسحاق، وبه قال أبو ثور، وحكي ذلك عن ربيعة وابن شبرمة. قال أبو بكر: وكذلك نقول؛ لأن الأول سارق والثاني سارق، ولا يجوز الخروج عن ظاهر كتاب اللّه إلا بحجة. وفي كتاب البيوع تحت باب (ذكر النهي عن بيع الكلب) قال: وإذ نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب وأخبر أنه حرام فذلك على العموم، يدخل فيه جميع الكلاب، ولا يجوز أن يستثنى من خبر النبي (إلا بخبر مثله، وإذا لم يكن له ثمن لم يجز أن يغرم من قتل كلبًا - أي كلب كان - قيمته. فإن قال قائل: لما جاز الانتفاع به جاز بيعه، قيل: قد وجدت المضطر تحل له الميتة، ولحم الخنزير في حال الضرورة، وغير جائز بيع ذلك بوجه ولو استهلك مستهلك ما أبيح

стр. 132

للمضطر من الميتة ولحم الخنزير لم يكن على مستهلكه قيمة. وفي (باب ذكر القسامة والحكم بالبينة على المدعي واليمين على المدعى عليه). قال أبو بكر: فقال بظاهر هذين الخبرين عوام أهل العلم من علماء الأمصار قديمًا وحديثًا، والحكم بظاهر ذلك عندي يجب إلا أن يخص اللّه في كتابه أو على لسان نبيه حكمًا في شيء من الأشياء، فيجب أن يستثنى من جملة هذين الخبرين ما دل عليه الكتاب أو السنة. - الكتاب لا يخصص إلا بسنة ثابتة أو إجماع. (كتاب الديات - باب ذكر اختلاف أهل العلم في ديات أهل الكتاب). قال: وليس مع من خالف ظاهر الكتاب، فأوجب شطر دية أو ثلث دية سنة ولا إجماع. قال: وقد يستوي المؤمنون والمعاهدون في كثير من أحكام الإسلام لا فرق بينهم وبين المسلمين في حد الزنا، والقطع في السرقة، وقد يقتل الرجل بالمرأة، وتختلف ديتاهما، فكذلك الذمي يكافئ المؤمن في الدية ولا يكافئه في القود، وكما غلَّظ الله في قتل الذمي في الدية، وفي تحرير رقبة جعل صيام الشهرين متتابعين لمن لا يجد السبيل إلى الرقبة، وذلك حكمه في المؤمن سواء، ولما أجمعوا أن على قاتل الذمي تحرير رقبة أو صيام شهرين إذ لم يجد الرقبة؛ لأن الله سوى بينهما في حكم الكتاب، فكذلك لا فرق بينهما في الدية، وليس لأحد أن يفرق بين شيئين جمع بينهما الكتاب إلا بسنة ثابتة وإجماع.

стр. 133

- دعوى التخصيص لا تثبت إلا بدليل: قال أبو بكر: لو جاز أن يقال في شيء من الأشياء خاصة بغير حجة لجاز لكل من أراد فيما لا يوافق من السنن مذاهب أصحابه أن يقول: ذلك خاص. - تفسير السنة للقرآن: كتاب أحكام السراق - أول أبوابه قال: قال أبو بكر: أمر الله بقطع يد السارق أمرًا عامًّا، وثبت عن نبي الله ﷺ أنه قال "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا" فدلت السنة على أن الله - تعالى - أيضًا أراد بقوله ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) من بلغت سرقته ربع دينار دون من سرق أقلّ من ذلك. - السنة لا تنسخ الكتاب. كتاب الحدود - باب ذكر الرجل يزني بذات محرم منه قال أبو بكر: والسنة غير جائز أن تنسخ الكتاب. في (كتاب صلاة المسافر - باب ذكر خبر يدل على أن الله قد يبيح الشيء في كتابه بشرط، ثم يبيح النبي ﷺ ذلك الشيء بغير ذلك الشرط). قال أبو بكر: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمار، عن عبد الله بن بابي، عن يعلى قال: قلت لعمر بن الخطاب: قول الله : أنْ تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا الآية، قال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: "صدقة تصدق الله بها _________ (١) المائدة: ٣٨.

стр. 134

عليكم فاقبلوها" قال أبو بكر: فدل هذا الحديث على أن اللّه قد يبيح في كتابه الشيء بشرط، ثم يبيح ذلك الشيء على لسان نبيه بغير ذلك الشرط، ألا ترى أن القصر إنما أبيح على ظاهر الكتاب لمن كان خائفًا، فلما أباح النبي ﷺ القصر في حال الأمن كانت الإباحة في القصر قائمة في حال الخوف بكتاب اللّه، وفي حال الأمن بالأخبار الثابتة عن نبي اللّه ﷺ . - قول الصاحب لا يخصص السنة: في (كتاب الدباغ - باب ذكر الثعلب). قال أبو بكر: وأعلى ما يحتج به من أباح أكل الثعلب قول عمر ﵁: "وما يدريك لعله ليس بذكي"، ولا يجوز أن يستثنى من السنة بقول صحابي، ولو علم عمر ﵁ لرجع إليها، كما رجع إلى ما أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي حين ذكر أن النبي ﷺ قضى لامرأة أشيم الضبابي من دية زوجها. * المجمل والمفسر. في (كتاب المزارعة - باب كر علة سادسة احتج بها من جعل نهي رسول اللّه ﷺ من ذلك). قال أبو بكر: والمفسر يقضي على المجمل عندنا وعند أهل المعرفة بالحديث. * القياس: - حجبة القياس (باب اليمين في الركوب) قال أبو بكر: إذا كان القياس حقًّا فتركه غير جائز، وإن لم يكن حقًّا

стр. 135

فلا يجوز استعماله في شيء. ومن شروط القياس: وفي (كتاب المحاربة - باب ذكر ما يجب على من قطع الطريق فأخذ أقلّ مما يقطع فيه اليد) قال أبو بكر: وقد فرق الله بين حكم المحارب والسارق فأوجب الله على المحارب قطع اليد والرجل، وأوجب على السارق قطع اليد لا غير، فكما جاز التغليظ على المحارب دون السارق في باب قطع اليد والرجل، فكذلك جائز أن يغلظ عليه فيوجب عليه قطع اليد، وإن أخذ أقلّ من قدر ما يجب فيه قطع اليد، ولا يجوز أن يقاس أصل على أصل، وهذا يلزم النعمان؛ لأنه فرق بين حكم المحاربة وحكم القاتل في غير باب المحاربة فزعم أن من قتل في المحاربة بعصا أو بحجر أو بغير ذلك بعد أن يقتله ويأخذ المال أن حكم المحارب له لازم تقطع يده ورجله من خلاف ويقتل أو يصلب، وهو لا يرى القَوَد في غير باب المحاربة إلا على من قتل بحديدة، فإذا فرق بينهما وامتنع أن يجعل أحدهما قياسًا على الآخر؛ وجب عليه كذلك أن يمتنع من أن يجعل المحارب إذا أخذ أقلّ مما يجب في مثله قطع اليد قياسًا على السارق. وكان الشافعي وأبو ثور يقولان: قطع الطريق بالعصا والرمي بالحجارة مثله بالسلاح. (كتاب الجنائز - باب رفع اليدين في التكبير على الجنائز) قال: قال أبو بكر: بقول ابن عمر أقول اتباعًا له؛ ولأن النبي ﷺ لما بَين رفع اليدين في كل تكبيرة يكبرها المرء وهو قائم، وكانت تكبيرات العيدين والجنائز في موضع القيام، ثبت رفع اليدين فيها، قياسًا على رفع اليدين في التكبير في موضع القيام، ولما أجمعوا أن لا يدرى فرفع في أول تكبيرة، واختلفوا فيما سواها، كان حكم ما اختلفوا فيه حكم

стр. 136

ما أجمعوا عليه. - القياس في مقابلة النص مردود: كتاب القصاص - باب ذكر القصاص في اللطمة قال أبو بكر: حديث عمر ثابت، والقول به يجب، وليس لاعتراض من اعترض، حيث يحمل ما قد ثبت به الحديث عن النبي ﵇ على القياس معنى إذ يقول لا يوقف على حد الضرب وشدته وخفته ووجعه؛ لأن الأخبار يجب التسليم لها، وترك أن تعرض على عقل أو قياس، هذا مذهب من لقيناه من أهل العلم، وأخبرنا عنهم ممن كان قبلنا من تبع الحديث منهم. - القياس غير جائز في العبادات: في كتاب الطهارة تحت باب (اختلاف أهل العلم فيما يجب على الراعف) قال: وليس وجوب الطهارات من أبواب النجاسات بسبيل ولكنها عبادات .. ثم قال: وغير جائز أن يقال: إن الطهارات إنما تجب لنجاسة تخرج فنجعل النجاسات قياسها عليها بل هي عبادات لا يجوز القياس عليها. - الفرض لا يثبت إلا بكتاب أو سنة أو إجماع: كتاب الديات - باب في الهاشمة. قال أبو بكر: الفرائض لا يجوز إيجابها إلا بكتاب أو سنة أو إجماع، والنظر يدل على أن في الهاشمة أقلّ ما قيل إلا أن يكون فيه سنة أو إجماع فيسلم له.

стр. 137

* الاستحسان: وفي باب مسائل من باب القسم بين الضرائر. قال: ولا يجوز معارضة السنة وليس كذلك سبيل من استحسن فجاز ذلك إلى غيره، مع أن فيما بينه وبين رسول الله ﷺ ، وسنت عليه أصحابه، وسائر من قد سبق من التابعين وأهل العلم مستغنى عما سواه. - الأمر يدل على الوجوب: في (كتاب الأذان - باب ذكر الأمر بالأذان ووجوبه: قال أبو بكر: فالأذان والإقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر؛ لأن النبي ﷺ أمر بالأذان، وأمره على الفرض. في كتاب المكاتب - أول أبوابه: قال أبو بكر: ولعل من حجة من رأى أن الكتابة غير واجبة، أن يقول لك: احتمل أن يكون الأمر به ندبًا وإرشادًا، واحتمل أن يكون فرضًا، لم يجز أن يفرض على الناس فرضًا يلزمه يحتمل معنيين، وعلى أن ما يجب أن يكاتب عليه العبد ليس بمعلوم يوقف عليه، وإذا كان كذلك فغير جائز أن يلزم السيد مكاتبة عبده. ومن حجة من أوجب الكتابة أن يقول: إن الله إذا أمر بشيء فأمره لازم واجب، وليس لأحد أن يسقط فرضًا ألزمه الله الخلق في كتابه إلا بحجة من سنة أو إجماع، وليس مع من أسقط ذلك عن السيد إذا جمع العبد القوة على الاكتساب والأمانة حجة، وأحق الناس بهذا القول من قال بالأمر على الفرض حتى تدل سنة أو إجماع أنه على غير الفرض، وليس يجوز إلا هذا القول، أو يقول قائل: إن الأمور كلها على الندب حتى يدل دليل أنه على الفرض، وإذا سقط أن يكون هذا قولًا يجب أن يقال به ثبت القول الأول.

стр. 138

- الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة: كتاب المكاتب - باب ذكر اختلاف أهل العلم في الكتابة، هل تجب فرضًا أم هو ندب؟ قال: فأما قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١)، وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) فبعيد البتة من الأمر بالكتابة؛ وذلك أن الله نهى عن الصيد في حال الإحرام، وعن البيع إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، ثم أباح ما كان من حظر بقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ وبقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ ولم يتقدم الأمر بالكتابة نهيًا عن معنى فيكون الأمر بعد النهي إباحة مما كان حظر، والله أعلم. - المحرم لا يتحول إلى الحل إلا بيقين. وفي (باب ذكر الأمر باجتناب ما شك المرء فيه .. ). قال أبو بكر: لما كان الصيد محرمًا أن يؤخذ منه عضو وهو في حال الحياة فيؤكل حتى يذكى، فكان هذا يقين تحريم، ثم لما شك في الشاة من الحي هل ذكيت أم لا؟ كان ذلك على أصل التحريم حتى يوقن بالذكاة، فينتقل المرء من يقين تحريم إلى يقين علم بالذكاة، فيباح بيقين ما كان محظورًا وممنوعًا منه باليقين، وهذا أصل لكل شيء محرم أنه أبدًا على أصل تحريمه حتى يعلم أن الشيء المحرم قد صار بمعنى من المعاني حلالًا، ومن هذا المعنى أن يكون رجل له أخ لا وارث له غيره، فيبلغه وفاة أخيه ولا يصح عنده ذلك؛ فوطئ الجارية التي كانت محرمة عليه على سبيل ما كان). حتى _________ (١) المائدة: ٢. (٢) الجمعة: ١٠.

стр. 139

يعلم يقين وفاة أخيه وانتقال ملكه إليه؛ فينتقل من يقين تحريم إلى يقين إباحة. قال أبو بكر: وكل ما ورد عليك من هذا النوع من المأكول والمشروب، وما كان من الحيوان والرقيق واللباس، فالجواب فيه كالجواب في هذا. * المباح: في (كتاب الحدود - باب ذكر القصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس). قال: الشيء إذا أبيح منه الكثير كان القليل أولى. وفي (كتاب الحجر - أول باب): قال أبو بكر: وكل محظور أبيح بمعنيين لم يجز إطلاقه وإباحته بأحد المعنيين.

стр. 140

خطة العمل - أُجْمِلُ طَريقةَ العملِ التي سرنا عليها في نقاط هامَّة: ١ - نسخ المخطوط ومقابلته. ٢ - عزو الآياتِ من المصحف الشريف، والأحاديث والآثار إلى مواضعها المطبوعة من الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم والأجزاء الحديثية، وغيرها. ٣ - تخريج الأحاديث؛ اعتمد على العزو من نفس مخرج المُصَنِّف فنصدِّر بأقرب المصادر إليه في مخرج السند لنلتقي معه في الإسناد إلى أقرب شيخ للمصنف وقد عمدنا إلى هذا، طلبًا لضبط نصوص الكتاب؛ ولهذا ترى تقديم بعض المصادر كالطبراني على البخاري لهذِه العلة. ٤ - الأحاديث التي علق عليها المُصَنِّف، أو أعلها، أو تكلم على رواتها ناقشناه فيها وتوسعنا بقدر الحاجة. ٥ - لم نشترط استقصاء التخريج من جميع مصادره وإنما اكتفينا بضبط نص الحديث والأثر من المصادر المشتركة معه في نفس الإسناد. وقد نزيد بعض المصادر التي تدل بذكرها على صحة الحديث ك "الصحيحين" أو ضعفه ك "الكامل" لابن عدي أو غيره.

стр. 141

٦ - خرجنا الأقوال التي ذكرها عن الأئمة، واهتمامنا في المقام الأول على الأئمة الأربعة فقد اعتنى الناس بمذاهبهم، ولا ترى مسألة في العلم خارجة عن دواوينهم. ٧ - اعتمدنا في تخريجنا لأصحاب المذاهب الأربعة الكتب المعتمدة عندهم، ولم ننزل إلى كتب المتأخرين منهم إلا للحاجة. - فريق العمل: شارك في هذا الكتاب فريق من إخواني الباحثين ابتداءً من نسخ المخطوط، ومقابلته، ثم التخريجات الفقهية والحديثية. وليس من العدل أن ينسب كل هذا الجهد لشخص واحد ويُهْمَل ذكر الآخرين، وقد كثر في زماننا من ينسب العمل لنفسه وما خطت يداه كلمة، وربما لم يره إلا في المكتبات العامة - ولا حول ولا قوة إلا بالله -، وربما يدعي الواحد لنفسه عملا يحتاج عشرات المحققين لسنوات، ولو قضى عمره فيه لما كفاه، وقد أشرت إلى هذا المرض العضال في مقدمتي لكتاب "الشافي في شرح مسند الشافعي"، وانظر أيضًا ما كتبه العلامة: بكر أبو زيد في (كتابه" الرقابة على التراث". وانظر أيضًا مقدمة الأخ خالد الرباط لكتاب "التوضيح لشرح الجامع الصحيح". وها أنا أسن سنة حسنة لعلي أتبع فيكون الأجر لي مضاعفًا بإذن الله، أذكر كل من شاركنا في إتمام هذا الكتاب - وقد ذكرتهم على أغلفة المجلدات التي شاركوا فيها - وأرتبهم هنا على حروف المعجم: ١ - أبو عمر إبراهيم الشيخ: قام بالتخريجات الحديثية وعمله كان في الأجزاء الآتية: (١/ ١١١ ب: ق ١٧٨ ب) من أول ذكر اختلاف أهل العلم في التعجيل

стр. 142

بصلاة العصر وتأخيرها إلى آخر مسألة. (١/ ١٩٠ ب: ق ٢٤٠ أ) من أول ذكر النهي عن تخطى رقاب الناس يوم الجمعة إلى آخر مسألة. (١/ ٢٥٩ ب: ق ٣٠٩) من أول ذكر استحباب مسألة الله الهداية لما اختلف فيه من الحق عند افتتاح صلاة الليل إلى آخر المجلد الأول من المخطوط. (٣/ ٣١١ ب: ق ٣٤٨). من أول كتاب البيوع إلى آخر المجلد الثالث من المخطوط ٢ - أبو مازن أيمن السيد عبد الفتاح: تخريج الأحاديث والآثار الفقهية وعمله كان في القطع الآتية: (١/ ٥٣ ب: ق ١١١ ب) من أول كتاب التيمم إلى آخر ذكر التعجيل بصلاة الظهر. (٣/ ٢٤٨ أ: ق ٣١١ أ) من أول كتاب الطلاق إلى آخر مسائل. (٤/ ١٥٣ ب: ق ١٨١ ب) من أول كتاب الإيمان والنذور إلى آخر مسائل. (٤/ ٢٠٤ أ: ق ٢٥٥ ب) من أول كتاب الحدود إلى آخر باب ذكر المؤمن يقتل ببلاد الحرب خطأ. وكتاب الغصب. وساهم في التخريجات الفقهية. ٣ - إيهاب عبد الواحد: التخريجات الفقهية والحديثية للأجزاء الآتية: (٣/ ٢٢٥ ب: ق ٢٤٧ ب) من أول ذكر توقيت الحولين في الرضاعة إلى آخر ذكر الاستمناء في اليد. (٤/ ٢٥٥ أ: ق ٢٨٢ أ) من أول كتاب الديات إلى آخر ذكر مقدار ما يلزم كل رجل من العاقلة من دية المقتول.

стр. 143

٤ - أبو عبد اللّه حسام عبد الله: التخريجات الفقهية والحديثية: (٤/ ١: ق ١٨ ب) من أول كتاب السلم إلى آخر باب ذكر فضل إقالة النادم في البيع أو الشراء. وساهم في مقابلات المخطوطات، وتجارب الصف، والفهارس. ٥ - أبو سارة خالد إبراهيم: التخريجات الفقهية والحديثية للأجزاء الآتية: القطعة التي قبل المجلد الثالث من الأصل، وهي من: ذِكر أخذ الجزية من ثمن الخمر والخنتزير، إلى آخر الأخبار التي رويناها عن الأوائل في هذا الباب، أي قبل جماع أبواب الأمان. من أول (ذكر أخذ الجزية من ثمن الخمر .. ) إلى (التفرقة بين الأخوة وبين سائر القرابات). (٤/ ١٩ أ: ق ٥٨ أ) من أول كتاب أحكام الديون إلى آخر ذكر الدين يكون على الرجل فيقول الذي عليه المال ضع عني. (٤/ ٨١ أ: ق ١٥٣ أ) من أول كتاب الاستبراء إلى آخر باب ذكر هبة المريض. (٤/ ١٨٢ أ: ق ٢٠٤ أ) من أول كتاب أحكام السراق إلى آخر ذكر الأخبار التي رويت في النهي عن الخروج على السلطان. ٦ - أبو عبد الملك رأفت حمدي: التخريجات الفقهية والحديثية: (٤/ ٥٨ ب: ق ٨١ أ) من أول كتاب المزارعة إلى آخر ذكر النهي عن تكليف الموالي عبيدهم ما لا يطيقون من العمل وساهم في مقابلات تجارب الصف وعمل الفهارس، وراجع أكثر من نصف الكتاب لغة. ٧ - أبو آية سيد محمود المر: ساهم في مقابلات المنسوخ على المخطوطات، وتجارب الصف، والتخريجات الفقهية، وعمل

стр. 144

الفهارس. ٨ - أبو أنس محمد أحمد إبراهيم: ساهم في مقابلات المنسوخ على المخطوطات. وتجارب الصف، وعمل الفهارس. ٩ - محمد سعد عبد السلام: التخريجات الفقهية والحديثية: (٣/ ١٤٥: ق ٢٢٥ ب) من أول كتاب الولاء إلى آخر ذكر الخبر الدال على أن رضاع الكبير منسوخ. (٤/ ٢٨٣ ب: ق ٣١٠ ب) من أول ذكر اختلاف أهل العلم فيما يلزم العاقلة من الدية إلى آخر الكتاب. ١٠ - محمد نعناعة: التخريجات الحديثية: (١/ ١٧٨ ب: ق ١٩٠ أ) من أول جماع أبواب فضائل الجمعة إلى آخر ذكر الحبوة والإمام يخطب يوم الجمعة. (١/ ٢٤٠ أ: ق ٢٥٩ ب) من أول جماع أبواب صلاة الخوف إلى آخر ذكر الخبر الذي احتج به من قال: إن هذا الدعاء كان النبي يدعو به بعدما يفتتح صلاته بالليل. ١١ - أبو عبد اللّه محيي الدين جمال الدين البكاري: التخريجات الحديثية: (٣/ ١: ق ١٤٤) من أول كتاب السلم إلى آخر ذكر الحكم في الرجلين بينهما العبد يتق أحدهما نصيب منه، وهو معسر. ١٢ - أبو عمار ياسر كمال: التخريجات الفقهية والحديثية: (١/ ١: ق ٥٣ ب) من أول الكتاب إلى آخر كتاب المسح على الخفين، وأشرف على المقابلات والتخريجات الفقهية وعمل الفهارس، ومراجعتها، وشارك في مراجعات الطبعة الثانية.

стр. 145

كما نشكر جميع العاملين بدار الكوثر الذين ساهموا معنا في نسخ المخطوط، ومقابلة المنسوخ على المخطوط، ومقابلة تجارب الصف، وعمل الفهارس، وكذا العاملين بدار الفلاح في بعض المراجعات النهائية، والإخراج النهائي لكل الكتاب. ولا ننسى أن نشكر من قام على تنضيد الكتاب على الحاسب: الأخت: رضا حجاج: ساهمت معنا في صف المجلدات الستة الأولى بتجزئة التحقيق، أي ما يزيد عن المجلد الأول المخطوط. أبو عمر علي بن حسين: قد قام بصف غالب المجلدين الثالث والرابع من المخطوط. أبو مهاب محمد بن فاروق: ساهم معنا في صف المجلدين الثالث والرابع من المخطوط. هذا وقد راجعتُ أعمال الباحثين فزدت في بعض التخريجات بما يقتضيه المقام وحذفت ما خالف المنهج الموضوع وقابلت على المخطوط لتحقيق اللفظ الصائب. ثم أطلت النفس بعض الشيء في التعليق على الأحاديث والآثار والأقوال التي تكلم عليها المصنف وناقشته فيها، وكذا ما تكلم عليه في باب الجرح والتعديل. ثم كانت الخطوة الأخيرة بإخراج النسخة النهائية المعدة للطبع والنظر فيها، بإشراف ومشاركة الأخ خالد الرباط، والأستاذ محمود حمزة، والإخوة بدار الفلاح بالفيوم، وشاركوا أيضًا في مراجعات الطبعة الثانية. فالله أسأل أن يتقبل منا صالح العمل، ويعفو عما بدر من نقص وخلل.
следующие страницы →