← Фикх общий

Фикх общий · id 1568

الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف - ط الفلاح

ابن المنذر

Полный текст (7 126 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الصحاري إذ لم نعطل واحدًا من الخبرين لإمكان أن يوجه لكل واحد منهما وجهًا غير وجه الآخر، وفعلوا مثل هذا في أبواب صلاة الخوف واستعملوا الأخبار فيها، ووجهوا لكل حديث منها وجهًا على سبيل ما قد ذكرناه في كتاب صلاة الخوف، فمن كان هذِه مذهبه وجب عليه أن يقول بالخبرين جميعا، ولا أحسب الشافعي لو دفع إليه خبر أبي المليح عن أبيه لقال به، ولم يخالفه، كما قال بالأخبار التي ذكرناها في مواضعها. ومما يبرز اجتهاده أنه إذا وافق الشافعي فإن موافقته له مبنية على موافقة الشافعي للسنة الصحيحة. وانظر إلى هذا المثال: قال في كتاب الصلاة - باب ذكر إحداث النية عند دخول كل صلاة يريدها المرء فريضة كانت أو نافلة): وبقول الشافعي أقول، وذلك لموافقته السنة الثابتة. ولهذا قال الذهبي في "السير" (١٤/ ٤٩١): ما يتقيد بمذهب إلا من هو قاصر في التمكن من العلم كأكثر علماء زماننا، أو من هو متعصب، وهذا الإمام فهو من حملة الحجَّة، جار في مضمار ابن جرير وابن سُريج وتلك الحلبة ﵏. وإليك بعض الأمثلة في مخالفته للشافعي: في (باب ذكر خبر احتج به من زعم أن معنى قول عمر: إلا بعض من تملكون من أرقائكم: أن الذين لا حق لهم في مال الفيء من العبيد من لم يشهد بدرًا دون من شهد بدرًا). - قال أبو بكر: ووافق بعض أصحابنا الشافعي في عامة ما حكيناه عنه، وخالفه في إيجابه الخمس من الفيء، ولعمري لا نحفظ عن أحد

стр. 72

قبل الشافعي أنه قال في الفيء: خمس كخمس الغنيمة، وإنما تلا الشافعي ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ الآية. فرأى أن القسمة إنما وقعت لهؤلاء فقط، ولم يعمل على أن الآيات بعد هذِه الآية معطوفة على هذِه، فلما كان التأويل عنده على هذا، ووجد الإجماع على أن أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية، وغير ذلك إنما هو من مال الفيء تأول أن الذي قسمه الله في الآية للرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين هو الخمس؛ فجعل خمس الفيء واجبًا لهؤلاء كما أن لهم خمس الغنيمة، وجعل أربعة أخماس الفيء لجماعة المسلمين يقسم فيهم على سنة قسم الفيء كما يقسم أربعة أخماس الغنيمة من حضر الوقعة على سنة قسم الغنائم؛ فاتبع جمل أهل العلم عمر بن الخطاب لما تلا الآيات الثلاث يقول عند تلاوة كل آية منها: والله ما هو لهؤلاء وحده، واستعمل الناس ما رآه ولا نحفظ عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا التابعين، ولا من بعدهم من أهل العلم أنه أوجب من الفيء خمسًا كخمس الغنيمة قبل الشافعي؛ لأن الآيات التاليات لآية الفيء معطوفات على آية الفيء لقوله ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، فإذا كان من مذهب أصحابنا الامتناع من بيع أمهات الأولاد لقول عمر، وقد خالفه جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ويجب لقوله التفريق بين رجل وامرأته، وقد عقدا بينهما نكاحًا صحيحًا بكتاب وسنة وإجماع لعيب يجده بها من العيوب التي جعل عمر بن الخطاب للرجل الخيار إذا وجد بها عيبًا من العيوب، ثم يجعل قول عمر أصلًا تبنى عليه المسائل فيقال: وكذلك إذا وجدت به عيبًا من تلك العيوب كان لها الخيار كما كان له الخيار، ويجب التفريق بين العنِّين وبين زوجته اتباعًا لعمر،

стр. 73

وفي ذلك كله اختلاف ويوجب في حمام مكة شاة، وإن كان ظاهر الكتاب لا يدل عليه بل يقال: إن ظاهر الكتاب يدل على أن لا جزاء من النعم في الحمام يقتل لا يصغر عن ذلك، فإذا أوجب موجب لقول عمر ما ذكرناه، فاتباع عمر فيما يدل عليه ظاهر الكتاب، وقول كل من نحفظ قوله من أهل العلم غير الشافعي أولى - والله أعلم. وفي (كتاب آداب القضاء - باب ذكر إقامة الحدود في المساجد) ذكر اختلاف العلماء وقال: وكره الشافعي وأحمد وإسحاق إقامة الحدود في المساجد. قال أبو بكر: أمر الله - جل ذكره - نبيه ﷺ أن يحكم بين الناس ولم يخص للحكم بينهم مكانًا دون مكان، فللحاكم أن يحكم بينهم إن شاء في المسجد وإن شاء في منزله، ليس لأحد أن يمنع الحاكم من الحكم في مكان دون مكان بغير حجة، فإن اعتلال من اعتل في منعه من ذلك بحضور الكافر والحائض فليس نعلم حجة تمنع الكافر من دخول المساجد سوى المسجد الحرام "قدم وفد ثقيف على رسول الله ﷺ فأنزلهم في المسجد" وليس في منع الحائض من دخول المسجد خبر يثبت، و"أفلت" الذي روى خبر عائشة مجهول، وقد نظر نبي الله داود ﵇ بين الخصمين اللذين وعظ بهما في المحراب وهو المسجد، قال الله - جل ذكره -: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ قال ابن جريج في قوله: ﴿الْمِحْرَابَ﴾: المسجد. وهذا معروف في كل بلد أن محاريبهم تكون في مساجدهم. وفي (كتاب الدعوى والبينات - ذكر استحلاف المدعي مع بينته والاختلاف فيه). قال أبو بكر: قال الشافعي: إذا اعترف الرجل دابة في يد رجل، فإن

стр. 74

جاء بالبينة أنها دابته لا يعلمون أنه باع ولا وهب أحلف صاحب الدابة بالله أن هذِه - لدابته - ما خرجت عن ملكه بوجه من الوجوه. وهذا اختلاف من قوله، وكان أحمد، وأبو عبيد، والنعمان يقولون: إذا جاء بالبينة فلا يمين عليه. قال أبو بكر: بهذا أقول. قال أبو بكر في كتاب (التيمم) تحت (باب ذكر إثبات التيمم للجنب المسافر الذي لا يجد الماء): وفي (كتاب الأذان والإقامة - ذكر التثويب في أذان الفجر) قال أبو بكر: وما هذا إلا سهوًا منه ونسيانًا حيث كتب هذِه المسألة، لأنه حكى ذلك في الكتاب العراقي عن سعد القرظ، وعن أبي محذورة، وروي ذلك عن علي. وقال في كتاب (الأذان والإقامة) (باب ذكر الأذان للصلاة بعد خروج وقتها) قال أبو بكر: قال الشافعي إذا جمع بين الصلاتين وقد ذهب وقت الأولى منهما أقام لكل واحدة منهما بلا أذان، وكذلك كل صلاة صلاها في غير وقتها كما وصفت. قال أبو بكر: هذا منه غلط؛ لأن النبي ﷺ قد من للجامع بين الصلاتين، في وقت الأولى منهما جمع بينهما أم في وقت الآخرة، أن يوذن للأولى من الصلاة ويقيم فيصليها، ثم يقيم للآخرة فيصليها، كذلك فعل بعرفة في حجته حين جمع بين الظهر والعصر. قال أبو بكر في كتاب (صفة الصلاة) (باب ذكر السلام على النبي ﷺ ومسألة الله فتح أبواب الرحمة عند دخول المسجد): وبقول الشافعي أقول وذلك؛ لموافقته السنة الثابتة. قال أبو بكر في (جماع أبواب التشهد) (باب ذكر الصلاة على رسول الله ﷺ ): ونحن نختار أن لا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها على رسول الله

стр. 75

ﷺ ، من غير أن نوجبه ونجعل على تاركه الإعادة، وعلى هذا مذهب مالك وأهل المدينة، وسفيان الثوري، وأهل العراق من أصحاب الرأي وغيرهم، وهو قول جملة أهل العلم، إلا الشافعي، فإنه كان يوجب على المصلي إذا ترك الصلاة على النبي ﷺ في صلاة الإعادة. وكان إسحاق يقول: إذا فرغ من التشهد إمامًا أو مأمومًا صلى على النبي ﷺ ، لا يجزيه غير ذلك، ثم قال: إن ترك ذلك ناسيًا رجونا أن يجزيه. قال أبو بكر: ولو كان ذلك فرضًا عنده كالركوع والسجود، وقراءة فاتحة الكتاب، لأوجب عليه الأعادة على كل حال، وقوله: رجونا أن يجزيه، إما أن يكون رجوعًا منه عن القول الأول، أو اختلافًا بين القول، وقد ذكرت الحديث الذي أغفل به الشافعي، وأن الذي رواه ليس ممن يجوز الاحتجاج بحديثه، في غير هذا الكتاب. وفي (كتاب الطلاق - ذكر الطلاق الذي يكون مطلقه مصيبًا للسنة). قال أبو بكر: وقال بمثل قول الشافعي: أبو ثور، وأحمد بن حنبل، ثم بلغني عن أحمد أنه رجع عن ذلك وقال بمثل قول مالك، وروي عن ابن سيرين والشعبي مثل قول الشافعي. قال أبو بكر: فأما طلاق عبد الرحمن بن عوف وفاطمة بنت قيس، فإنما طلق فاطمة آخر تطليقة كانت بقية طلاقها، وكذلك عبد الرحمن بن عوف إنما طلق آخر التطليقات فليس في واحد من ذين حجة، وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع، فبالقول الأول أقول للحجج التي بينتها في هذا الكتاب، وفي الكتاب الذي اختصرت منه هذا الكتاب. وفي (كتاب (الطلاق) تحت باب (جماع أبواب الخيار وما فيها من الآثار والسنن): قال أبو بكر: هذا أصح الأقاويل - يعني قول أبي عبيد -، والله أعلم.

стр. 76

قال أبو بكر: ما قاله أصحاب رسول الله ﷺ وعوام أهل العلم أولى. وقال في (جماع أبواب كفارات الظهار: - ذكر أبواب العتق في الظهار): قال أبو بكر: اختلفوا في عتق اليهودي والنصراني في كفارة الظهار. فقالت طائفة: ذلك جائز. كذلك قال عطاء، وإبراهيم النخعي، وحكي ذلك عن طاوس، وبه قال سفيان الثوري، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: لا يجزئ في شيء من الكفارات إلا عتق مسلم. هذا قول الحسن البصري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، والشافعي، وأبي عبيد، وحكي ذلك عن أحمد، وإسحاق. وبالقول الأول أقول؛ وذلك لأن الله قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ والآية على ظاهرها، وغير جائز أن تقاس آية على أخرى؛ لأن لكل آية حكمها، ولما قال من خالفنا في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ أنها مبهمة على العموم ولم يجعلوا حكمهن حكم الربائب فجعلوا إحداهما قياسًا على الأخرى وجب كذلك أن يكون لكل آية حكمها في باب الكفارات، وأحق الناس بهذا القول من مذهبه أن يقاس أصل على أصل. وفي (كتاب اللعان - باب ذكر نفي الولد عن الزوج باللعان وإلحاقه بالأم): قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في الوقت الذي يزول فيه فراش المرأة وتقع الفرقة بينهما. فقالت طائفة: تقع الفرقة بينهما بإتمام اللعان، وذلك أن يلتعن الرجل والمرأة اللعان كله، وإذا كان ذلك وقعت الفرقة بينهما. هذا قول مالك بن أنس، وأبي عبيد، وأبي ثور، وقد روي ذلك عن ابن عباس، وبه قال

стр. 77

ربيعة بن أبي عبد الرحمن، والأوزاعي، وعبيد الله بن الحسن .. وفيه قول ثان وهو: أن الفرقة تقع بإكمال الزوج اللعان قبل أن تلتعن المرأة وبه يزول الفراش، وإن مات أحدهما وقد أكمل الزوج اللعان لم يتوارثا. هذا قول الشافعي .. قال أبو بكر: بقول مالك ومن وافقه أقول. وفي (كتاب اللعان - ذكر وفاة الزوجين بعد القذف قبل أن يلتعن واحد منهما): قال: واختلفوا في الزوج يلتعن دون المرأة يموت أحدهما. فقالت طائفة: يتوارثان كذلك قال مالك، وأهل المدينة، وبه قال أصحاب الرأي، وأبو عبيد. وقال الشافعي: لا يتوارثان. وبالقول الأول أقول، وذلك أن الزوجية قائمة حتى يأتي الوقت الذي علمنا رسول الله ﷺ لا سبيل له عليها، وإنما قال ذلك بعد التعانهما، ولا يجوز إزالة زوجية ثابتة قبل ذلك الوقت إلا بحجة، ولا حجة مع من ذكر أن التفريق بينهما يجب بالتعان الزوج وحده. وفي (كتاب الغصب) تحت باب (ذكر اختلافهم في الشيء يغصب وله غَلَّة): قال أبو بكر: قول الشافعي: المغصوب بالخيار غلط. وفي (جماع أبواب الأذان في الخطبة في الجمعة .. ) (باب ذكر ما تجزي الخطبة من الجمعة): وأما الذي قاله الشافعي فلست أجد دلالة توجب ما قال، وقد عارض الشافعي غيره من أصحابنا فقال: يقال من قال بقوله: من أين أوجبت الجلسة بين الخطبتين فرضًا؟ أبطلت الجمعة بتركها وقد أتى بالجمعة والخطبتين، وليست الجلسة من الجمعة؛ لأن الجمعة فرضها ركعتان،

стр. 78

كذلك في حديث عمر، والخطبة معروفة، والجلسة غير هذا، ولو كانت الجلسة واجبة لم يجز أن تبطل الجمعة بتركها؛ لأنها غير هذا، فإن اعتل بجلوس النبي ﷺ بين الخطبتين، فالفعل عنده وعند غيره لا يوجب فرضا، ولو ثبت أنه فرض لم يدل على إبطال الجمعة، ويقال له: وما الفرق بين الجلسة الأولى والجلسة بين الخطبتين؛ فإن اعتل بأن الجلسة بين الخطبتين من فعل النبي ﷺ ، فكذلك الجلسة الأولى من فعل النبي ﷺ ، وذكر كلامًا تركت ذكره هاهنا كراهية التطويل. وفي (كتاب الاستبراء - باب ذكر استبراء العذراء): قال: وقد اختلف في الرجل يقع في سهمه الجارية من السبي وهي حامل فيطأها. قال أبو بكر: ولا أحسبهما وقع إليهما خبر أبي الدرداء. وفي كتاب (السلَم) (باب باب ذكر بيع الأمة واستثناء ما في بطنها): قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في بيع الأمة أو الناقة، ويستثني ما في بطنها. فقالت طائفة: البيع جائز، والشرط لازم. كذلك قال النخعي، والحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقد أعتق ابن عمر جارية واستثنى ما في بطنها. حدثنا موسى قال: حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا عباد بن عباد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر "أنه أعتق غلامًا له وامرأته واستثنى ما في بطنها". وقال بمثل قول ابن عمر: النخعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وقالت طائفة: إذا فعل ذلك فسد البيع. كذلك قال سفيان الثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.

стр. 79

قال أبو بكر: البيع جائز؛ لأن الذي وقع عليه البيع معلوم، فلا يضرهما أن يجهلا ما لم يدخل في البيع، ولا أعلمهم يختلفون إذا بيع جارية قد أعتقت بما في بطنها، ولا فرق بين هذِه وتلك؛ لأن المبيع في المسألتين جميعًا الجارية دون الولد، والمدني والكوفي يريان فيما لا كتاب فيه ولا سنة تقليد الواحد من أصحاب النبي ﵇ وهذا لهم لازم على مذهبهم؛ لأن ذلك ثابت عن ابن عمر، ولا نحفظ عن أحد من الصحابة ﵃ خلاف قوله، ويلزم ذلك من قال بمثل قولهم في تقليد أصحاب رسول الله ﷺ . وفي (كتاب الاستبراء - باب ذكر الجارية المشتراة تحيض وللبائع الخيار أو للمشتري أو لهما): قال أبو بكر: واختلفوا في الرجل يكاتب جارية له، ثم تعجز فترجع إليه. فقال الشافعي: لا يطؤها حتى يستبرئها؛ لأنها كانت ممنوعة الفرج منه، وإنما أبيح له فرجها بعد العجز. وقال أبو ثور: ليس عليه أن يستبرئها. قال أبو بكر: تحريم وطء المكاتبة ليس بإجماع يعتمد عليه.

стр. 80

- وأكثر المصنف في كتابه انتقاده لأبي حنيفة وأصحابه، وإليك أمثلة على ذلك: ففي (كتاب العارية - باب ذكر عارية الدواب): قال أبو بكر: القياس عنده حق، وقد ترك الحق على لسانه وقضى بغير الحق. وفي (جماع الأبواب التي توجب الآداب - ذكر الوجه الثالث المختلف فيه وهو شبه العمد): قال أبو بكر: جعل المقتول بالخنق وإن عمده في معنى الخطأ وجعل الدية على العاقلة، ثم زعم أنه إن وجده قد خنق غير مرة فعليه القود فجعله مثل العامد، يقال من يقول بقوله: هل رأيت بابًا من أبواب القصاص يكون فاعله في أول فعله مخطئًا وإن عمد الفعل، فإذا ثنى أو ثلث ففعل مثل فعله الأول فعليه القود. وفي (كتاب الطلاق - باب ذكر طلاق الأخرس): قال متعقّبًا أبا حنيفة: ذكر أن الذي به يحكم ليس بقياس، وأن القياس في ذلك أنه باطل، ففي إقراره بأن القياس في ذلك باطل إقرار بأنه حكم بالباطل؛ لأن القياس عنده حق، فإذا حكم بضده فقد أقر أنه حكم بضد الحق وهو الباطل. وفي إظهاره القول بالاستحسان وهو ضد للقياس دفع منه للقياس الذي هو عنده حق، وقد يكتفى بحكاية هذِه المعاني عن الإدخال على قائلها. قال: فبقي قوله مهجورًا مخالفًا للأخبار التي ذكرناها عن رسول الله ﷺ فأما أصحاب الرأي فإنهم فرقوا بين من طلعت الشمس وقد بقي عليه من الصبح ركعة وبين من غربت الشمس وقد بقيت عليه من العصر ركعة، فأفسدوا صلاة من طلعت الشمس وقد بقي عليه من الصبح ركعة. قالوا:

стр. 81

عليه أن يستقبل الفجر إذا ارتفعت الشمس، فإن نسي العصر، فذكرها حين أحمرت الشمس، فصلى ركعة أو ركعتين، ثم فربت الشمس. قالوا: يتم على صلاته، فيصلي ما بقي؛ قالوا: لأن الذي صلى الفجر، فطلعت له الشمس وهو في الصلاة فسدت عليه صلاته؛ لأنه ليست بساعة يصلى فيها، والذي غربت له الشمس وقد صلى ركعة أو ركعتين فقد دخل في وقت الصلاة، والصلاة لا تكره تلك الساعة، فعليه أن يتم ما بقي منها. قال أبو بكر: قد جعل النبي ﷺ من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس مدركا للصلاتين، وجمع بينهما، فلا معنى لتفريق من فرق شيئين جمعت السنة بينهما، ولو جاز أن تفسد صلاة من جاء إلى وقت لا تحل الصلاة فيه ألزم أن تفسد صلاة من ابتدأها في وقت لا تجوز الصلاة فيها، وليس فيما ثبت عن رسول الله ﷺ إلا التسليم له، وترك أن يحمل على القياس والنظر. وفي (كتاب المرتد - باب ذكر ارتداد المرأة المسلمة عن الإسلام): قال أبو بكر: والذي يجب القول به قول رسول الله ﷺ ؛ لأنه الحجة على الأولين والآخرين، ولا يجوز ترك السنة بقول أحد من الناس، والذي خالف السنة الثابتة في هذا الباب، وخالف عمر بن الخطاب فأظهر اتباع ابن عباس فيما لا يثبت عنه، قد خالف ابن عباس في أشياء ثابتة عنه. ثم قال متعقبًا: وخالف النعمان هذا الحديث فقال: لا حد عليه. ولو ذهبنا نكتب ما خالف أصحاب الرأي ابن عباس لكثر ذلك وطال الكتاب. وفي (كتاب أحكام السراق - باب ذكر الخيانة): قال أبو بكر: وبالقول الأول نقول، ونلزم أصحاب الرأي أن لو جاء صاحب الشاة، وأراد أخذ اللحم أن للسارق دفعه عنه؛ لأنهم قالوا: وصار لحمها له. ويلزمهم أن يقولوا أن صاحب الشاة ظالم للسارق، وأن للسارق

стр. 82

دفعه عن اللحم الذي زعموا أنه له، وقد عارضهم غيري فألزمهم أن السارق لو دفع عن ذلك وتنازعا فأتي على نفس السارق أنه شهيد داخل في جملة قوله "من قتل دون ماله فهو شهيد" وهذا قول تجزئ حكايته عن الإدخال على قائلهِ، حرم الله الأموال فقال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وثبت عن نبي الله ﵇ أنه قال: "لا يحل مال أمرئ مسلم إلا بطيب نفس منه". فقائل هذا القول قد عارض الكتاب والسنة بالخلاف وملَّكه ظالمًا سارقًا مالًا بغير طيب نفس صاحبه ولا بتجارة أباحها الكتاب له، والقول إذا كان خلاف كتاب الله وسنة نبيه وجب هجرانه ولزمه الذم من كل وجه، ومن قول أصحاب الرأي: أن ثوبًا لو أخذه سارق وشقه في منزل صاحبه، ثم أخرجه مشقوقًا وهو يسوى وقت إخراجه ما يقطع فيه اليد أن عليه القطع، وليس بين الثوب يشق والشاة تذبح فرق؛ إذ ملك رب الشاة والثوب ثابت عليها قبل أن يحدث فيها الحدث، ولا يجوز إزالة ملك من أجمع أهل العلم على ثبوت ملكه قبل أن يحدث السارق ما أحدث فيه بتعدي متعدٍ فعل في مال لا يملكه ما لا يحل له، وليس مع من أزال ملك رب الشاة عن ماله حجة إلا دعواه المغفل. الذي لا حجة معه تثبت دعواه وهو قوله: "لأنه قد ضمن قيمتها حية". وفي (كتاب الحدود - باب ذكر إقامة الحدود بعد حين من الزمان وبعد أن يتوب .. ): قال أبو بكر: ولأصحاب الرأي في هذا الباب كلام ينقض بعضه بعضًا. قال النعمان: إذا شهد الشهود على زنا قديم لم آخذ بشهادتهم ولم أحدهم، وإذا أقر بزنا قديم أربع مرات فإني أحده. وفي كتاب محمد بن الحسن قلت: أرأيت إن قذف رجلًا فأتي به الإمام بعد زمان هل يحده قال: نعم وفي

стр. 83

السرقة إذا أتي به بعد زمان لم يقطع؛ لأن هذا من حقوق الناس، وزعم النعمان وصاحباه في رجل شهد عليه شهود بسرقة بعد حين أو بشرب خمر أنه لا يؤخذ بشيء من ذلك إلا أن يضمن السرقة ولا تقطع يده، ولو أمن بعد حين قطع. وقال النعمان ويعقوب: إذا أقر بشرب خمر بعد حين فلا حد عليه. وقال ابن الحسن: عليه الحد. فإسقاطهم جميعًا ما أوجبه الله من القطع في السرقة بشهادتهم بعد حين غفلة وإبطال النعمان ويعقوب الحد عن المعترف بشرب الخمر بعد إيجابهما القطع على المقر بالسرقة غفلة أخرى، وكل ذلك متناقض في نفسه خلاف ما أوجبه الله في كتابه. وقال أصحاب الرأي في الزنا إذا تقادم فإن على الزاني المهر، وقد ثبت أن نبي الله ﷺ نهى عن مهر البغي. قال أبو بكر: وقد أجمع أهل العلم أن الزاني بالزانية لا مهر عليه، ولا مهر للزانية وليس تخلو الشهادة على الزنا القديم من أحد معنيين، إما أن تكون جائزة فإقامة الحد تجب؛ لأن الله أمر بجلد الزاني، أو تكون غير جائزة ولا حد ولا مهر. فأما أن تكون جائزة في معنى غير مستعملة فيما أوجبه الله من إقامة الحد بل تستعمل فيما نهى عنه رسول الله من مهر البغي، فهذا خطأ من كل وجه، وحكاية هذا القول تجزئ عن الإدخال على قائله .. قال أبو بكر: فأما إسقاط الحد عن من جاء تائبًا فغير جائز؛ لأن الله أوجب إقامة الحد ولم يذكر استثناءً، ولو كان لله في ذلك مراد لبيَّنه في كتابه كما ذكر توبة المحارب، والدليل على صحة هذا القول مجيء الغامدية إلى رسول الله ﷺ لما أمر برجمها، وسبها خالد فقال: "لا تسبها فلقد تابت توبة لو تابها صاحب مكْس لغفر له" ولم يجعل توبتها مزيلة للحد عنها، وكذلك قال في قصة الجهنية حيث قال له عمر: "يا رسول الله، رجمتها

стр. 84

ثم تصلي عليها فقال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة وسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها" فإقامة النبي ﷺ الحد على هاتين مع ثبوتهما دليل على أن سقوط الحد بالتوبة إنما خص به المحاربين دون غيرهم. وفي (كتاب العاقل - باب ذكر القتيل يوجد في المحلة أو القرية مع فقد اللوث .. ): قال أبو بكر: وقول أصحاب الرأي - يختار الولي من أهل المحلة أو القرية التي وجد القتيل بين أظهرهم خمسين رجلا يحلفون بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا، فإن لم يبلغوا خمسين كررت عليهم الإيمان حتى يحلفوا خمسين يمينًا فإذا حلفوا غرموا الدية، وكانت الدية على العاقلة، ولا يقسم فيهم صبي ولا امرأة ولا عبد، ودعوى المدعيين الخطأ والعمد في ذلك سواء - خارج من هذِه السنن كلها، فصار قولهم قولًا خارجًا عن السنن كلها، ثم لم يرضوا بذلك حتى أباحوا مالا محظورًا بكتاب الله وسنة نبيه، وبالاتفاق بغير حجة يرجعون إليها، قال الله : ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ بأنه قال: "دماؤكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا". في كتاب أحكام السراق - باب ذكر حد البلوغ الذي يجب على من بلغه الفرائض والحدود): قال أبو بكر: قد ذكرنا ما انتهى إلينا من اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم من أهل العلم في حد البلوغ، وجاء النعمان بحد لا نعلم أحدًا من أهل العلم سبقه إليه؛ ذكر أن حد البلوغ في الغلام استكمال ثمان عشرة سنة إلا أن يحتلم قبل ذلك، وفي الجارية استكمال سبع

стр. 85

عشرة سنة إلا أن تحيض قبل ذلك، فقوله: هذا شاذ مخالف للسنن الثابتة عن رسول الله ﷺ ولقول أصحابه، وقول كل من نحفظ عنه من أهل العلم قديمًا وحديثًا، ولو خالفه مخالف فجعل حد بلوغ الغلام سبع عشرة وحد بلوغ الجارية تسع عشرة سنة لم يكن بينه وبين النعمان فرق، وكان جوابه كجواب النعمان فيما خالف فيه السنن الثابتة وأقاويل أهل العلم. وفي (أول كتاب التفليس): قال أبو بكر: وهذا قول - هو أسوة الغرماء - خلاف السنة الثابتة عن نبي الله ﷺ . وقد حكى الشافعي عن قائل أنه قال: كيف يكون أن تملكني عبدك فإن بعته أو أعتقته جاز؛ لأنه ملكي، ثم أفلس فتأخذه دون غرمائي. قال الشافعي: ليس في السنة إلا الاتباع، وقد أدخل عليهم الشافعي دارًا تباع فيها لشفيع شفعة فقال: أليس المشتري مالكًا يجوز بيعه وهبته وصدقته فيما ابتاع؟ قال: نعم. قال: فإذا جاء الشفيع أخذ ذلك ممن هو في يده. قال: نعم. قلت: أفتراك نقضت الملك الصحيح؟ قال: نعم، ولكن نقضته بالسنة، وكذلك الرجل يصدق المرأة العبد أو الأمة، فللمرأة أن تبيع وتهب وتعتق، فإذا طلقها قبل الدخول انتقض الملك في نصف العبد أو الأمة؟ قال: ينتقض الملك. قيل: فكيف نقضت الملك الصحيح؟ قال: بالكتاب. قال: فما نراك عبت في مال المفلس شيئًا إلا دخل عليك في الشفعة والصداق مثله أو أكثر. قال أبو بكر: وحكى بعض الناس عنهم أنهم تأولوا قول النبي ﷺ : "فمن وجد عين ماله" أنه في الأمانات مثل الودائع والمضاربات التي يعمل بها والبضائع. قال أبو بكر: ولعمري إنهم يستعملون الحيلة في دفع الأخبار التي لا يمكنهم ردها من جهة الأسانيد؛ لشهرتها وصحتها بعلة يعتلون بها

стр. 86

يوهمون العامة بذلك كما يقولون. وفي (كتاب الدعوى والبينات - باب ذكر اختلاف أهل العلم في الرجل ينتفي من ولد سريته .. ): قال أبو بكر: أن الذي قاله النعمان خطأ بَيِّن إذ هو خلاف السنة، وخلاف قول عمر بين المهاجرين والأنصار على المنبر. وفي (كتاب النكاح - باب ذكر ولاية العبيد): قال أبو بكر: أجاب في هذِه المسألة، ثم جعل حجته فيها مسألة أخرى أخطأ فيها كخطئه في هذِه المسألة، وهم لعمري كثيري الاستعمال مثل هذا إذا سئلوا عن الحجة في مسألة، ذكروا أخرى قد خولفوا فيها فجعلوا إحداهما حجة للأخرى. (وفي (كتاب الوصايا - باب الوصية بالمشاع): قال أبو بكر: قال أصحاب الرأي: إذا استحق الثلثان أو هلكا وبقي الشك، وله مال كثير يخرج ذلك من ثلثه، فإن الثلث الباقي من ذلك جائز في الوصية. قال أبو بكر: ثم نقضوا ذلك فقالوا: لو أوصى له بثلث ثلاثة آدر، أو ثلاثة من الرقيق، أو ثلاثة من الدواب مختلفة أجناسها، فهلك اثنان وبقي واحد، وهذا الواحد يخرج من ثلثه، فإنه لا يكون له إلا ثلث هذا الواحد من قبل أن هذا لا يقسم، والأول يقسم. قال أبو بكر: وليس بين هذِه والأولى فرق. وفي (كتاب الاستبراء) تحت باب (ذكر استبراء العذراء): قال أبو بكر: مسألة: واختلفوا في الرجل يشتري الجارية من الرجل فلم يقبضها المشتري حتى تناقضا البيع، وذلك بعد أن صح البيع بينهما. قال أصحاب الرأي: القياس أن تستبرأ، ولكنا ندع القياس، ونأخذ

стр. 87

الاستحسان. فقال أبو بكر: وهذا إقرار منهم بأنهم تركوا الحق، وأجابوا بغيره، وهو الباطل؛ لأن الباطل ضد الحق. وفي (جماع أبواب السهو) تحت باب (ذكر المصلي يصلي خمس ركعات ساهيًا .. ): قال أبو بكر: هم يظهرون اتباع أخبار ابن مسعود، وهذا الإسناد من جياد أسانيد أهل الكوفة، وقد خالفوه، وخالفوا علقمة، والنخعي، وخالفوا خبر أبي سعيد الخدري، لأن في حديث أبي سعيد: "ألق الشك، وابن علي اليقين، فإذا استيقنت التمام فاسجد سجدتين"، وفي حديث ابن عباس: فإن كانت الركعة التي صلى خامسة شفعتها بهاتين، وإن كانت رابعة فالسجدتين تركيم للشيطان، فهذِه الأخبار متفقة كلها، وقول أصحاب الرأي خلافها، وليس معهم لقولهم حجة. وفي (جماع أبواب الكلام المباح في الصلاة .. ) باب (ذكر المصلي يسلم عليه): قال أبو بكر: وقد روينا عن النخعي قولا رابعا: وهو أن يرد في نفسه. وقال النعمان: لا يرد السلام، ولا أحب أن يشير. فاستحب خلاف ما سنه رسول الله ﷺ لأمته؛ لأن النبي ﷺ من للمصلي أن يرد السلام بإشارة، وقد سن النبي ﷺ الإشارة في الصلاة في غير موضع، من ذلك إشارته إلى الذين صلوا خلفه قيامًا أن اجلسوا، وأوما إلى أبي بكر يوم خرج إلى بني عمرو بن عوف أن امضه.

стр. 88

* ابن المنذر في ميزان الجرح والتعديل: أثنى عليه جمهور النقاد وغمزه آخرون بغير حجة. قال الذهبي في "السير": الإمام الحافظ العلامة، شيخ الإسلام. وقال في التذكرة: الحافظ العلامة الفقيه الأوحد شيخ الحرم، وصاحب الكتب التي لم يصنف مثلها .. وقال في "الميزان": عدل صادق فيما علمت. وقال السبكي في "طبقاته": أحد أعلام هذِه الأمة وأحبارها كان إمامًا مجتهدًا حافظًا ورعًا. وقال النووي في "تهذيب الأسماء": الإمام المشهور أحد أئمة الإسلام المجمع على إمامته وجلالته ووفور علمه. وجمعه بين التمكن في علمي الحديث والفقه، وله من التحقيق في كتبه ما لا يقاربه أحد وهو في نهاية من التمكن في معرفة صحيح الحديث وضعيفه، .. ثم له من التحقيق ما لا يدانى فيه. وقال ابن حزم في "الإحكام" (٥/ ٦٧٤): ومن الأئمة المتقدمين من أهل الثبات على السنن الأول، ولكنهم ليسوا في أعداد أهل الأمصار منهم خراسانيون، ومنهم من سكن بغداد فسمى جماعة ثم قال: وكان بعد هؤلاء: داود بن علي، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ثم محمد بن جرير الطبري، ومحمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري. وقال النووي في "المجموع" (١/ ٧٢): المزني وأبو ثور وأبو بكر بن المنذر أئمة مجتهدون وهم منسوبون إلى الشافعي.

стр. 89

وقال ابن المقرئ صاحب "المعجم" حديث رقم (٢٥): حدثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر فقيه مكة في مسجد الحرام. وقال الخلال في "طبقات الحنابلة" (١/ ٣٨): حدثنا الأكابر بخراسان منهم محمد بن المنذر. وقال ابن القطان (١): كان ابن المنذر فقيهًا محدثًا ثقة. وقال ابن ناصر الدين: هو شيخ الحرم ومفتيه، حافظ فقيه مجتهد علامة، ثقة فيما يرويه، له مصنفات عظم بها الانتفاع. (٢) وقال تقي الدين الفاسي في "العقد الثمين" (١/ ٤٠٧): ثقة حجة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: أبو بكر النيسابوري إمامٌ في الفقه والحديث، وكان له عناية بالأحاديث الفقهية وما فيها من اختلاف الألفاظ، وهو أقرب إلى طريقة أهل الحديث والعلم التي لا تعصب فيها لقولِ أحدٍ من الفقهاء مثل أئمة الحديث المشهورين (٣). _________ (١) نقلًا من مقدمة "الأوسط" (١/ ١٧). (٢) "التبيان البديع" لوحة (١٩٦) نقلًا من مقدمة "الإقناع" للدكتور الجبرين. (٣) "مجموع الفتاوى" ٢٤/ ١٤٦.

стр. 90

* مناقشة الطاعنين في ابن المنذر: قال الذهبي في "الميزان": ونُسِبَ إلى العقيلي أنه كان يحمل عليه وينسبه إلى الكذب، وكان يروي عن الربيع بن سليمان عن الشافعي، ولم ير الربيع ولا سمع منه. قلت: وهنا تعقبات عدة. الأول: أن نسبة القول إلى العقيلي فيها نظر، وقد صدَّر الذهبي القول بالتمريض فقال: "نُسِبَ" فإن كان العقيلي كذبه فلماذا لم يذكره في كتابه "الضعفاء"؟!!. وعلى التسليم بصحة النسبة إليه فالقول مردود لما يأتي في: التعقب الثاني: أن العقيلي معلوم بتعنته في التجريح ويكفي في هذا المقام أن أذكر كلام الذهبي في "ميزانه" عندما غمز العقيليُّ - إمامَ العلل - عليَّ بنَ المديني، ووضعه في كتابه "الضعفاء" قال الذهبي (٣/ ١٤٠): أفما لك عقل يا عقيلي؟! أتدري فيمن تتكلم؟! وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم ولنزيف ما قيل فيهم؛ كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك. فهذا مما لا يرتاب فيه محدِّث .. إلى أن قال: فزن الأشياء بالعدل والورع. وقد قسم الذهبي في رسالته (ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل أن المتكلمين ثلاثة أقسام. قسم منهم متعنت في الجرح متثبت في التعديل يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث فهذا إذا وثق شخصًا فعض على قوله بنواجذك وتمسك بتوثيقه،

стр. 91

وإذا ضعف رجلا فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه؛ فإن وافقه ولم يوثق ذلك الرجل أحد من الحذاق فهو ضعيف. وإن وثقه أحدٌ فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل فيه الجرح إلا مفسرًا (١). ولهذا لم يقبل أهل العلم طعن العقيلي لأسباب منها ما تقدم ومنها؛ لأنه كان قرينًا لابن المنذر فخرج القول منه مخرج القرين من قرينه، وقد وقع هذا مع جماعة من الأئمة ولم يُعتبر بقول بعضهم في بعض ككلام مالك في ابن إسحاق، والشافعي في محمد بن الحسن، وأحمد بن صالح والنسائي، والبخاري ومحمد بن يحيى الذهلي، وغيرهم كثير. قال ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢/ ١٩٣): من صحت عدالته وثبتت في العلم إمامته وبانت ثقته وبالعلم عنايته؛ لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جَرْحته ببيِّنة عادلة يصح بها جرحته على طريق الشهادت والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب تصديقه فيما قاله لبراءته من الغل والحسد والعداوة والمنافسة، وسلامته من ذلك كله فذلك كله يوجب قبول قوله من جهة الفقه والنظر، وأما من لم تثبت إمامته ولا عرفت عدالته ولا صحت لعدم الحفظ والإتقان روايته؛ فإنه ينظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه ويجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه، والدليل على أنه لا يقبل فيمن اتخذه جمهور من جماهير المسلمين إماما في الدين قول أحد من الطاعنين: أن السلف ﵃ قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير منه في حال الغضب، ومنه ما حمل عليه الحسد، كما قال ابن عباس ومالك بن _________ (١) وانظر أيضًا "الرفع والتكميل" (٢٨٣).

стр. 92

دينار وأبو حازم، ومنه على جهة التأويل مما لا يلزم المقول فيه ما قال القائل فيه. وقال الذهبي في "السير" (١١/ ٤٣٢): بكل حال كلام الأقران بعضهم في بعض يحتمل، وطيه أولى من بثه إلا أن يتفق المعاصرون على جَرح شيخ فيعتمد قولهم. قلت: وقد اتفق النقاد على إمامة ابن المنذر وعلو شأنه، فبان بهذا معنى قول العقيلي فلا عبرة به. ولذا لم يعبأ الذهبي بهذا الطعن فقال في "الميزان": وأما العقيلي فكلامه من قبيل كلام الأقران بعضهم في بعض مع أنه لم يذكر في كتاب الضعفاء. وقال أبو الحسن القطان: لا يلتفت إلى كلام العقيلي فيه. وأما التعقيب الثالث: ففي دعواه أنه لم ير الربيع ولم يسمع منه، فأنا آتيك بما يرد قوله. أولًا: ثبت تعاصر ابن المنذر للربيع فقد تقدم أن مولد ابن المنذر في عام (٢٤١) هجرية وولد الربيع (١٧٤) هجرية وتوفي سنة (٢٧٠). ثانيًا: ثبت لقاء ابن المنذر وسماعه من الربيع، وهذِه أدلتي: أ - صرح ابن المنذر بسماعه من الربيع في كتابه مئات المرات، وهذِه أمثلة: ٦٤٠٥ - حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا ابن وهب، عن أسامة بن زيد: أن صالح بن كيسان حدثه، عن عقبة بن عامر الجهني: أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ألا إن القوة الرمي - ثلاثا - وإن الأرض ستفتح عليكم، وتكفون المونة، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه".

стр. 93

٦٤٥٩ - حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا بشر بن بكر، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، قال: حدثني أبو سلمة، قال: حدثني أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من وال إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالا، فمن وُقِيَ شرهما فقد وُقِيَ، وهو من التي تغلب عليه منهما". ٦٦٦٤ - حدثنا الربيع بن سليمان، قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة أن رجلًا من أهل البادية أتى النبي ﷺ فقال: إن أمرأتي ولدت غلامًا أَسْودَ فقال له النبي ﷺ : "هل لك من إبل؟ " قال نعم: قال: "ما ألوانها؟ " قال: حمر، قال: "هل فيها من أورق؟ " قال: نعم، قال: "أنى ترى ذلك؟ " قال: عرق نزعه، فقال النبي ﷺ : "فلعل هذا عرق نزعه". ٦٦٩٥ - حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا حجاج - يعني ابن إبراهيم الأزرق - قال: حدثنا عيسى، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن مكحول وعطية بن قيس، أن عمر بن الخطاب ضرب شاهد الزور أربعين سوطًا، وسخم وجهه، وطاف به في أسواق المدينة. ٦٧١٧ - حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه، وهشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يضع لحسان بن ثابت منبرًا في مسجد رسول الله ﷺ فينشد عليه قائمًا ينافح عن رسول الله ﷺ فيقول رسول الله: "إن الله يؤيد حسان بن ثابت بروح القدس ما نافح عن رسوله".

стр. 94

٧١٣١ - حدثنا الربيع قال: حدثنا الشافعي ﵀ قال: حدثنا مالك بن أنس، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة ابنة قيس أن زوجها طلقها فبتها، فأمرها النبي ﷺ أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، وقال: "إذا حللت فآذنيني"، فلما [حللت] أخبرته أن أبا جهم ومعاوية خطباني، فقال رسول الله ﷺ : "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، انكحي أسامة". قال: فكرهت. فقال: "انكحي أسامة"، فنكحته فجعل الله فيه خيرًا واغتبطت به". ٧٢٣٢ - حدثنا الربيع بن سليمان قال: حدثنا ابن وهب، عن أسامة [أن] صفوان بن سلم حدثه، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "من يمن المرأة أن تيسر خطبتها، وأن ييسر صداقها، وأن تيسر رحمها". قال عروة: وأنا أقول من عندي: أول شؤمها أن يكثر صداقها. ٧٦٥٤ - حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا جرير بن حازم، عن الزبير بن سعيد، حدثنا عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده أن ركانة طلق امرأته البتة .. الحديث. ٧٦٥٩ - حدثنا الربيع، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، حدثني عبد الرحمن بن سليمان، عن حمزة بن أبي أسيد، عن أبيه، وعن عباس بن سهل، عن أبيه قالا: دخل رسول الله ﷺ نخل بني ساعدة وفيه امرأة من كندة يقال لها: أميمة ابنة النعمان بن شراحيل في بيته، .. الحديث. ٧٧٠٨ - حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا أيوب بن سويد، حدثنا ابن أبي ذئب، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله

стр. 95

قال: قال رسول الله ﷺ : "لا طلاق قبل نكاح". ٧٨١٧ - حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا حجاج الأزرق، قال: حدثنا عبيد اللّه، عن عبد الكريم، عن قيس بن حبتر، عن ابن عباس "أنه لم يكن يرى بثمن السنور بأسًا. ٧٨٨٥ - حدثنا الربيع بن سليمان، وسليمان بن شعيب قالا: حدثنا بشر بن بكر قال: أخبرني الأوزاعي: عن ابن شهاب، عن سالم ابن عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر، عن زيد بن ثابت: "أن النبي ﷺ رخص في بيع العرايا بالتمر، والرطب، ولم يرخص في غير ذلك. ٨١٩٩ - حدثنا الربيع بن سليمان قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول اللّه، إن قتلت في سبيل اللّه صابرًا محتسبًا، مقبلًا غير مدبر .. الحديث. ٨٢٨٩ - حدثنا الربيع بن سليمان، وسليمان بن شعيب قالا: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا معاوية بن صالح، قال: سمعت عبد الرحمن بن جبير بن نفير، يحدث عن أبيه، عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم. قال: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس". ٨٦٩٣ - حدثنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب عن سنين أبي جميلة رجل من بني سليم "أنه وجد منبوذًا في زمان عمر بن الخطاب فجاء به إلى عمر بن الخطاب، فقال: ما حملك على أخذ هذِه النسمة قال: وجدتها ضائعة، فأخذتها. فقال عريفي: يا أمير المؤمنين، إنه رجل صالح. قال كذاك؟ قال: نعم. فقال عمر: اذهب فهو حر ولك ولاؤه، وعلينا نفقته.

стр. 96

وانظر كذلك الأحاديث أرقام: ٨٨١٥، ٩٦٥٩، ٩٢٠٦، ٩٢٥٨، ٩٣٩١. ب - ذكر ابن المنذر في كتابه أنه سمع منه بمصر فقال في كتاب (المكاتب - باب ذكر بيع المكاتب): .. ثم قال بمصر - أي الشافعي - فيما أخبرنيه الربيع عنه. وقال في كتاب الطهارة تحت باب (ذكر الوجه الثالث الذي أجمع أهل العلم على وجوب الطهارة منه، وهو الملامسة .. ) .. ولم أجد هذِه المسألة في كتبه المصرية التي قرأناها على الربيع .. ). وقد قال الذهبي في "السير" (١٤/ ٤٩١): أخذ عن أصحاب الإمام الشافعي. ج - يستحيل على مثل هذا الإمام أن يصرح بالسماع ممن لم يسمع منه، ولو أوردنا ذلك للزمنا - تكذيبه، وهذا باطل لإطباق الجمهور على تزكيته، يؤكد هذا أنه أورد بعض الأحاديث عن بعض من لم يسمع منهم فلم يقل في واحد منها حدثنا وإنما استعمل لفظًا يدل على عدم سماعه منه، فانظر رعاك الله إلى لفظ التحمل الذي استعمله معهم في هذِه الأمثلة: في كتاب (الوديعة - باب ذكر التعدي في الوديعة والعمل بها) قال: حُدِّثنا عن إسحاق بن راهويه. وفي كتاب (الجزية - باب ذكر الأخبار الدالة على صحة القول الأول) وحدَّثونا عن محمد بن المصفى .. وفي كتاب (الطلاق - باب ذكر الوقت الذي يجوز فيه نفي الولد) قال: وحدَّثونا عن يحيى بن يحيى …

стр. 97

وفي كتاب (الوتر - باب نقض الوتر). قال: حدثونا عن الدارمي. إلى غير ذلك من الأمثلة، وهي كثيرة تدل على تحري المُصَنِّف اللفظ الصواب في تحمله الحديث عن شيخه. وتدبر دقته في لفظ التحمل الآتي وتفريقه بين السماع والمكاتبة. قال في كتاب (النكاح - باب نكاح نساء المجوس): كتب إليَّ محمد بن نصر .. وأيضًا في كتاب النكاح - باب ذكر نكاح نساء أهل الكتاب) قال: ومن حديث إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا علي بن الحسين وساقه. د - أثبت ابن قاضي شهبة في "طبقاته" (١/ ٨) سماعه من الربيع فقال: سمع محمد بن عبد الحكم والربيع بن سليمان. والوجه الأخير في رد هذا الطعن ما قاله الحافظ في "اللسان" (٦/ ١٠٦): وروايته عن الربيع عن الشافعي يحتمل أن تكون بطريق الإجازة، وغاية ما فيه أنه تساهل في ذلك بإطلاق (أنا). قلت: والوجه هو ما تقدم فالنافي لم يأت بما يعضض قوله، والله أعلم. ثانيًا: مناقشة طعن مسلمة بن قاسم الأندلسي: قال كما نقل ذلك الذهبي عنه في "الميزان": كان لا يحسن الحديث. ونقل الحافظ قوله بتمامه في "اللسان" (٦/ ١٠٦) فقال: كان فقيهًا جليلًا كثير التصنيف، وكان يحتج في كتبه بالضعيف على الصحيح وبالمرسل على المسند. ونسب في كتبه إلى مالك والشافعي وأبي حنيفة - رحمهم الله تعالى - أشياء لم توجد في كتبهم، وألف كتابًا في "تشريف الفقير على الغني"، وكنت كتبت عنه، فلما ضعفه العقيلي

стр. 98

ضربت على حديثه، ولم أحدث عنه بشيء. وأقول: شرط في الجارح أن يكون عدلًا فإن كان متهمًا في دينه أو بضعف في نفسه أو عداوة فإن قوله مردود. قال الحافظ في مقدمة "اللسان" (١/ ٩٥): وممن ينبغي أن يتوقف في قبول قوله في الجرح من كان بينه وبين من جَرَحَه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد فإن الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب؛ وذلك لشدة انحرافه في النصب وشهرة أهلها بالتشيع فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسان ذلقة وعبارة طلقة حتى أنه أخذ يلين مثل: الأعمش، وأبي نعيم، وعبيد الله بن موسى، وأساطين الحديث وأركان الرواية، فهذا إذا عارضه مثله أو أكبر منه فوثق رجلًا ضعفه؛ قبل التوثيق ويلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خِرَاش المحدث الحافظ فإنه من غلاة الشيعة بل نسب إلى الرفض فسيأتي في جرحه لأهل الشام للعداوة البينة في الاعتقاد، ويلتحق بذلك ما يكون سببه المنافسة في المراتب فكثيرًا ما يقع بين العصريين الاختلاف والتباين لهذا وغيره فكل هذا ينبغي أن يتأنى فيه ويتأمل، وما أحسن ما قال الإمام أبو الفتح القشيري: أعراض الناس حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان الحكام والمحدثون هذا أو معناه. ا هـ. وهذِه القاعدة تتنزل على مسلمة بن القاسم؛ فإنه ضعيف ونسب إلى البدعة. قال الذهبي في "الميزان" (٤/ ١١٢): ضعيف، وقيل: كان من المشبهة. وقال الحافظ في "اللسان" (٧/ ٩٥): هذا رجل كبير القدر ما نسبه

стр. 99

إلى التشبيه إلا من عاداه. قال أبو جعفر المالقي، في "تاريخه": فيه نظر. وكان قوم بالأندلس يتحاملون عليه، وربما كذبوه. قلت: وأهل البلد أدرى ببلديِّهم. وسئل القاضي محمد بن أحمد بن يحيى بن مفرج عنه فقال: لم يكن كذَّابًا ولكن كان ضعيف العقل. قلت: فكان ماذا؟!! ونفي الكذب لا يعني العدالة بل هو أقرب إلى الضعف. وقال عبد الله بن يوسف الأزدي؛ يعني ابن الفرضي: كان مسلمة صاحب رقى ونيرنجات (١). وحفظ عليه كلام سوء في التشبيهات. وجه آخر: لو سلمنا بعدالة مسلمة وصحة اعتقاده. فإن ما قاله يؤكد ضعف عقله وعدم اطلاعه بدقة على ما كتبه ابن المنذر. فمن العجب أن يقول: كان لا يحسن الحديث .. وبينما نرى النووي يقول: له من التحقيق في كتبه ما لا يقاربه أحد، وهو في نهاية من التمكن في معرفة صحيح الحديث وضعيفه وله عادات جميلة في كتابه "الإشراف" أنه إن كان في المسألة حديث صحيح قال: ثبت عن النبي ﷺ كذا أو صح عنه كذا، وإِن كان فيها حديث ضعيف قال: رُوِّينا أو يروى عن النبي ﷺ كذا، وهذا الأدب الذي سلكه هو طريق حذاق المحدثين، وقد أهمله أكثر الفقهاء، وغيرهم من أصحاب باقي العلوم. ثم له من التحقيق ما لا يدانا فيه، وهو اعتماده ما دلت عليه السنة الصحيحة عمومًا أو خصوصًا بلا معارض فيذكر مذاهب العلماء، ثم _________ (١) النيرنج: أخذ السحر. وانظر: "المعجم الوسيط".

стр. 100

يقول في أحد المذاهب: وبهذا أقول ولا يقول ذلك إلا فيما كانت صفته كما ذكرته، وقد يذكر دليله في بعض المواضع ولا يلتزم التقييد في الاختيار بمذهب أحد بعينه ولا يتعصب لأحد، ولا على أحد على عادة أهل الخلاف، بل يدور مع ظهور الدليل ودلالة السنة الصحيحة، ويقول بها مع من كانت. ثم ذكر كلام أبي إسحاق الشيرازي: احتاج إلى كتبه الموافق والمخالف (١). فانظر رعاك الله إلى البون الكبير بين القولين فبالضد تتميز الأشياء. ثم إن كتب ابن المنذر بين أيدينا يسوق الحديث والأثر بإسناده بدقة لا تقل عن دقة مشايخه وهم في طبقة البخاري ومسلم وغيرهما. وهذِه أحكامه على المرويات يتناقلها أهل العلم في مدوناتهم ويعتمدون عليها، وهذِه نقولاته الفقهية، وقد خَرَّجنا كل ما نقله فرأيناه من أعمق من نقل الخلاف. فبان بهذا ثقة هذا الإمام الهمام وبطل قول من طعن فيه بغير برهان، وسيأتي بيان ذلك جليًّا في مباحث منهج المُصَنف في الحديث والفقه. ولهذا كله لم يعتبر الذهبي بقول مسلمة فقال: ولا عبرة بقول مسلمة. فبطل بما قدمناه نقد العقيلي ومسلمة في دعواهما ضعفه والله المستعان. _________ (١) "تهذيب الأسماء" (٣/ ٧٢).

стр. 101

* مؤلفاته: اعتنى الدكتور/ أبو حماد صغير بن أحمد في مقدمة كتاب "الأوسط" وكذا الدكتور/ عبد الله بن عبد العزيز الجبرين في مقدمة كتاب "الإقناع" بمصنفاته وذكرا أماكن وجودها فأنا - كما قدمت في شرطي - أختصر هنا، ومن أراد المزيد فعليه بمراجعة التفاصيل عندهما. وهذا ثبت بأسماء هذِه المصنفات. ١ - تفسير القرآن الكريم: قلت: وقد طبع جزء منه في مجلدين وينتهي إلى آية النساء ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ وقد أشار إليه المُصَنِّف في كتاب "الأوسط" في عدة مواضع ومن ذلك في كتاب المواقيت. تحت باب ذكر مواقيت الصلوات الخمس. قال: ذكرت تمام تفسير هذِه الآياتِ وغيرها مما يدخل في مواقيت الصلوات في كتاب "التفسير" وفي الكتاب الذي اختصرت منه هذا الكتاب، وأيضًا في كتاب القضاء تحت باب ذكر خطأ الحاكم المجتهد وإثبات الأجر له. قال: قد ذكرنا سائر الأخبار في هذا الباب في كتاب التفسير، وفي المختصر الذي اختصرت منه هذا الكتاب. وأيضا في باب (ذكر إثبات التيمم للجنب المسافر) قال: وقد ذكرت أسانيدها في كتاب "التفسير". قال الذهبي في "السير": لابن المنذر تفسير كبير في بضعة عشر مجلدًا يقضي له بالإمامة في علم التأويل أيضًا. ٢ - كتاب السنن والإجماع والاختلاف.

стр. 102

٣ - مختصر كتاب السنن والإجماع والاختلاف. ٤ - اختلاف العلماء. ٥ - المبسوط. ٦ - الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف وهو كتابنا، نسأل اللّه أن ينفع به، وهذا الكتاب هو مختصر المختصر الكبير أو المبسوط، وقد نصّ على ذلك في ثنايا كتابه وهذِه أمثلة على ذلك: في كتاب (الرضاع) تحت باب (ذكر الرضاعة بلبن الفحل): قال أبو بكر: والسنة مستغنى بها عمَّا سواها. وقد تركت إثبات باقي الحجج في هذا الكتاب طلبًا للاختصار، واستغناء بالسنة. وفي كتاب (الأرضين التي افتتحت عنوة وصلحا) تحت باب (ذكر اختلاف أهل العلم في بيع رباع مكة وأجرة منازلها): قال أبو بكر: فإن احتج محتج بأخبار رويت عن عمر عامتها مراسيل، وهي مذكورة أو بعضها في الكتاب الذي اختصرت منه هذا الكتاب. وفي كتاب (آداب القضاء) تحت باب (ذكر خطأ الحاكم المجتهد وإثبات الأجر له في طلبه الصواب وإن أخطأ): قال أبو بكر: وقد ذكرنا سائر الأخبار في هذا الباب في كتاب "التفسير" وفي المختصر الذي اختصرت منه هذا الكتاب. وفي كتاب (الدعوى والبينات) تحت باب إجماع أبواب الحكم باليمين مع الشاهد وذكر وجوب الحكم باليمين مع الشاهد الواحد في الأموال): قال أبو بكر: وقد أثبت في الكتاب الذي اختصرت هذا الكتاب منه حججًا احتج بها الشافعي وغيره من أصحابنا على من خالفهم من أهل الكوفة، تركت ذكرها ها هنا كراهة أن يطول الكتاب.

стр. 103

وفي كتاب (الاستبراء) تحت باب (ذكر استبراء العذراء): قال أبو بكر: وقد ذكرنا هذِه الأخبار بأسانيدها في "المختصر الكبير" من كتاب الدعاوى والبينات. وفي كتاب (التيمم) تحت باب (تحت باب ذكر صفة التيمم): قال أبو بكر: وقد كثر كلام المتكلمين في إبراهيم، وقد ذكرت أخباره في الكتاب الذي اختصرت منه هذا الكتاب مع باقي ما في هذا الباب من الكلام. وفي كتاب (الطهارة - جماع أبواب إزالة النجاسة عن الأبدان والثياب وإيجاب تطهيرها): قال أبو بكر: المَني طاهر ولا أعلم دلالة من كتاب ولا سنة ولا إجماع يوجب غسله وقد ذكرت في الكتاب الذي اختصرت منه هذا الكتاب حجج الفريقين. ٧ - الإشراف على مذاهب العلماء مطبوع (١). _________ (١) طبع الاشراف مؤخرًا بتحقيق الدكتور أبي حماد صغير بن أحمد الأنصاري في عشر مجلدات، واقتنيتها وأنا أعتقد أن الكتاب برمته كاملًا بقلم ابن المنذر لكن فوجئت عندما قرأت المقدمة فإذا بالمحقق أخذ يجهل المحققين لنسخ الاشراف بطبعاتها السابقة ولكن وقع هو أيضًا في خطأ علمي: فقال في مقدمة كتابه (ص ٥٠): ٣ - أكملت السقط من كتاب المغني لابن قدامة والمجموع للنووي والمحلى لابن حزم إذا ما وجدت السقط في كتاب الأوسط مثل كتاب الزكاة والصيام والمناسك. ٤ - اختصرت كتاب الغصب الموجود في آخر نسخة التركية والقاهرة لأنه من كتاب الأوسط. ٥ - أشرت إلى بداية السقط واستكماله من الأوسط أو الكتب الأخرى وذلك في =

стр. 104

٨ - الإقناع. مطبوع. ٩ - الإجماع. مطبوع. ١٠ - الاقتصاد في الإجماع والخلاف. ١١ - إثبات القياس. ١٢ - أدب العلماء. ١٣ - أحكام تارك الصلاة. ١٤ - مختصر الصلاة. ١٥ - تشريف الغني على الفقير. ١٦ - جامع الأذكار. ١٧ - كتاب السياسة. ١٨ - جزء ابن المنذر. ١٩ - جزء ابن المنذر عن ابن النجاد وابن دينار. ٢٠ - حجة النبي ﷺ . ٢١ - رحلة الإمام الشافعي إلى المدينة المنورة. وفي نسبته إليه شك. ٢٢ - زيادات على مختصر المزني وإسماعيل بن يحيى. _________ = قلت: وهذا التلفيق ليس من التحرير العلمي. فإن العلماء غالبًا ينقلون عن ابن المنذر بتصرف وتغيير للألفاظ، وقد قابلت الكثير من ذلك أثناء عملي في الأوسط فكيف ينقل كلام النووي عن ابن المنذر ثم ينسب هذا النقل برمته لابن المنذر؟! فقد أدخل بهذا العمل على الكتاب ما ليس منه، ومَن مِنَ الناس يستطيع الجزم بأن اللفظ الذي نقله الحافظ عن ابن المنذر هو لفظه بتمامه؟! وكان الأولى به أن يجعل هذا النقل بعيدًا عن صلب الكتاب ليكون في حاشيته أو بعد انتهائه، ويُذكر كفائدة، أما إقحام كلام المتأخرين عنه في كلامه فهذا ليس من التحقيق ولا من التوثيق. والله المستعان.

стр. 105

٢٣ - كتاب المسائل في الفقه. ٢٤ - كتاب العمرى والرقبى. وأنت ترى أن معظم هذِه المصنفات لم تخرج حتى الآن إلى النور فيسر اللّه لها من يعتني بها بحق. * * * * *

стр. 106

* وفاته: قال الذهبي نقلًا عن أبي إسحاق الشيرازي قوله: مات بمكة سنة تسع أو عشر وثلاثمائة. فتعقبه الذهبي قائلًا: ما ذكره الشيخ أبو إسحاق من وفاته فهو على التوهم، وإلا فقد سمع منه ابن عمار في سنة لست عشرة وثلاثمائة. وأرخ الإمام أبو الحسن بن قطان الفاسي وفاته في سنة ثماني عشرة قلت: وبهذا قال ابن قنفذ في "الوفيات" (١/ ٦). وكذا في "صلة تاريخ الطبري" (١/ ١٥٩) وابن خلكان في "الوفيات" (٤/ ٢٠٧). * * * * * * *

стр. 107

فصل في ذكر فوائد ملتقطة من "الأوسط" * فوائد حديثية: - منهجه في الشذوذ وزيادة الثقة: - الترجيح بين الروايات المختلفة للكثرة. في (كتاب النكاح - باب ذكر اثبات الخيار للأمة إذا أعتقت وهي تحت زوج). قال، بعد أن أخرج حديث عائشة أنَّها اشترت بريرة لتعتقها .. قال الأسود: وكان زوجها حرًّا. فقال ابن المندر: فالظاهر أن قوله: "كان زوجها حرًّا" من كلام الأسود مع أن عروة والقاصم رويا عن عائشة ﵂ أن زوجها كان عبدًا، ورواية الاثنين أولى من رواية الواحد. ومع أنَّا لو سمحنا فلم نقل أن ذلك من كلام الأسود مقام رواية القاسم وعروة لرجع الأمر إلى أن الأخبار يختلف فيها عن عائشة ﵂ وإذا اختلفت الأخبار عن عائشة ﵂ وتكافأت وجب الوقوف عن القول بها، وانفرد حينئذ خبر ابن عباس، وهو خبر لا معارض له من الأخبار بأن زوج بريرة كان عبدًا، لخبر ابن عباس بروايته وباسم العبد ومواليه، وقد أحاطت العلل بخبر الأسود من حيث ذكرناه رواية عروة والقاسم أولى من رواية الأسود عن عائشة ﵂ لأن عائشة عمة أحدهما وخالة الآخر،

стр. 108

وقد كانا يدخلان عليها في الليل والنهار بغير حجاب بينهما وبينها، ويقيمان ببلدها وهما محرماها، والأسود سماعه منها من وراء حجاب. قلت: وبهذا الترجيح ذهب البخاري وأحمد وغيرهما (١). - تقديم أصحاب الشيخ على من دونهم في الترجيح. في كتاب الصلاة - باب ذكر الرخصة في الجمع بين المغرب والعشاء في السفر) قال: وليس يخلو خبر العمري، عن نافع من أحد أمرين، إما أن يكون فعل ذلك في حال وجمع بين الصلاتين في حال، فلا تكون صلاته كل صلاة لوقتها خلافًا لجمعه بين الصلاتين إذ كل ذلك مباح جائز فعله، أو يتحامل متحامل فيقول: إن في رواية العمري، عن نافع، عن ابن عمر نفيًا؛ لأن يكون ابن عمر جمع في حال، وهذا يبعد لأن الذي روى عن نافع عن ابن عمر أنه كان يجمع بين الصلاتين أتقن من عبد الله وأحفظ منه للرواية مع أن عبد اللّه إذا انفرد برواية عن نافع عن ابن عمر فليس بحجة، فإذا انفرد غيره ممن رووا عن نافع عن ابن عمر أنه جمع بين الصلاتين، فروايته حجة والذين رووا ذلك عن نافع جماعة كلهم متقن لحديث نافع ضابط له منهم: أيوب، وعبيد الله بن عمر، وموسى بن عقبة، ويحيى الأنصاري، وروى ذلك عن نافع طبقة ثانية: محمد بن إسحاق، وعبد العزيز بن أبي رواد، وعمر بن نافع، مع أن عبدة بن سليمان قد خالف عبد الرزاق في روايته عن عبيد اللّه بن عمر: روى إسحاق بن راهويه، عن عبدة بن سليمان، عن عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه جد به السير فأخر المغرب حتى غاب الشفق _________ (١) وانظر تعليقنا على الحديث في موضعه.

стр. 109

ثم نزل فجمع بينهما". قال أبو بكر: وبالأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ أقول ولا معنى لكراهية من كره ما سنه رسول الله ﷺ لأمته إذ ما قالوا من ذلك خلاف السنن الثابتة، والسنة إذا ثبتت استغني بها عن كل قول. - زيادة الثقة مقبولة: قال في كتاب (طهارات الأبدان والثياب - باب ذكر النهي عن الصلاة في المقبرة والحمام): أسند حديث أبي سعيد مرفوعًا: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام"، ثم قال: روى هذا الحديث حماد بن سلمة. قال أبو بكر: إذا روى الحديث ثقة أو ثقات مرفوعًا متصلًا وأرسله بعضهم يثبت الحديث برواية من روى موصولًا عن النبي ﷺ ولم يوهن الحديث تخلف من تخلف عن إيصاله وهذا السبيل في الزيادات في الأسانيد والزيادات في الأخبار وكثير من الشهادات. وفي كتاب (الأذان - باب ذكر الأذان للصلاة بعد خروج وقتها): قال أبو بكر: والزيادة في الأخبار إذا ثبتت يجب استعمالها إذ الزيادة في الخبر في معنى حديث تفرد به الراوي، فكما يجب قبول ما ينفرد به الثقة من الأخبار كذلك يجب قبول الزيادة منه. وفي كتاب (الصلاة - باب رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع): قال أبو بكر: فأما حديث علي الذي احتجوا به، فقد ثبت عن علي، عن النبي ﷺ أنه "كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع"، وأما ابن عمر فالمشهور عنه بالأسانيد الجياد من

стр. 110

وجوه شتى رفع يديه في الصلاة في ثلاثة مواضع كفعل أصحابه، روى عنه ذلك سالم، ونافع، وهما كانا يفعلان ذلك، وهما أعلم به من غيرهما. وفي ثبوت الأخبار عن رسول الله ﷺ بما قد ذكرناه عنه في أول الباب مستغنى عن قول من سواه، فإن اعتل معتل بخبر روي عن ابن مسعود أنه كان يرفع إذا افتتح الصلاة، فلو ثبت هذا عن ابن مسعود، لم يكن حجة على الأخبار التي ذكرناها، لأن عبد اللّه إذا ما حفظ، وحفظ علي بن أبي طالب وابن عمر، وغيرهما، وأبو حميد في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ الزيادة التي ذكرناها عنهم، فغير جائز ترك الزيادة التي حفظها هولاء من أجل أن ابن مسعود لم يحفظها، خفيت تلك الزيادة عليه كما خفي عليه السنة في وضع اليدين على الركبتين، وكان يطبق يديه على فخذيه، وتبعه عليه أصحابه، والسنة التي نقل الناس إليها وضع اليدين على الركبتين. فلما جاز أن يخفى مثل هذِه السنة التي عليها المسلمون اليوم جميعًا، لا نعلمهم اليوم يختلفون فيه على ابن مسعود، ليجوز أن يخفى عليه ما حفظه أولئك، وأقل ما يجب على من نصح نفسه أن ينزل هذا الباب منزلة اختلاف أسامة وبلال في صلاة النبي ﷺ في الكعبة، وأثبت بلال صلاة رسول الله ﷺ في الكعبة، ونفى ذلك أسامة، وحكم الناس لبلال؛ لأنه شاهد، ولم يحكموا لأسامة؛ لأنه نفى شيئًا حفظه غيره، وكذلك يجب أن يكون حال حديث ابن مسعود في اقتصاره على ما حفظه، وحال من حفظه ما لم يحفظه ابن مسعود، إن تثبت الزيادة التي زادوها؛ لأنهم حفظوا ما لم يحفظ عبد الله بن مسعود، وهذا الذي قلناه بيِّن واضح لمن وفقه الله للقول بالصواب واتباع السنن. وفي (كتاب الصلاة أيضًا - باب فضل قراءة فاتحة الكتاب): قال أبو بكر: وإذا زاد الحافظ في الحديث حرفًا وجب قبوله، وتكون
следующие страницы →