← Фикх общий

Фикх общий · id 1568

الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف - ط الفلاح

ابن المنذر

Полный текст (7 126 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال: أنا معمر، عن همام بن مُنبِّه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يتوضأ إذا أحدث" (١). قال أبو بكر: وظاهر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (٢) الآية، يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة، فدل قيام رسول الله ﷺ إلى الصلاة وصلوات بوضوء واحد، على أن فرض الطهارة على من قام إلى الصلاة محدثًا، دون من قام إليها طاهرًا. ٤ - قال: حدثنا علي بن الحسن، قال: نا عبد الله بن الوليد العدني، عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه توضأ يوم الفتح فصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر بن الخطاب: لقد صنعت شيئًا ما كنت تصنعه؟! قال: "عمدًا صنعته يا عمر" (٣).

стр. 212

٥ - قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا عبد الرزاق (١)، قال: أنا معمر وابن جريج، قالا: أنا محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قُرِّبَ لرسول الله ﷺ [خبز ولحم] (٢)، ثم دعا بوَضُوءٍ فتوضأ ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال: ثم دخلت مع أبي بكر فقال: هل من شيء؟ فوالله ما وجدوا، فقال: أين شاتكم؟ فأتي بها فاعتقلها، فحلبها، فصنع لنا لبَأ (٣)، فأكلنا، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ، ثم دخلت مع عمر، فوضعت هاهنا جفنة فيها خبز ولحم، وهاهنا جفنة فيها خبز ولحم، فأكل عمر، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ (٤). قال أبو بكر: وصلى رسول الله ﷺ بعرفة الظهر والعصر بوضوء واحد، وكذلك فعل بالمزدلفة، جمع بين المغرب والعشاء بوضوء واحد (٥)، ولم تزل الأئمة تفعل ذلك بعده (٦)، وقد قام إلى العصر وإلى

стр. 213

العشاء ولم يذكر أحد أنه أحدث لذلك طهارة، والأخبار في هذا المعنى تكثر. فدل كل ما ذكرناه على أن المأمور بالطهارة، من قام إلى الصلاة محدثًا (١)، دون من قام إليها طاهرًا. وقد أجمع أهل العلم (٢) على أن لمن تطهر للصلاة أن يصلي ما شاء بطهارته من الصلوات إلا أن يحدث حدثًا ينقض طهارته (٣). وكان زيد بن أسلم يقول: نزلت الآية يعني قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٤) يعني إذا قمتم من المضاجع، يعني النوم. * * *

стр. 214

جماع أبواب الأحداث التي تدل على وجوب الطهارة منها الكتاب والسنة واتفاق علماء الأمة قال أبو بكر: جُمَلُ فرض الطهارة [مأخوذ إما] (١) من كتاب، وإما من سنة، وإما من اتفاق علماء الأمة، فأما ما علمته مأخوذًا من الكتاب، فهو يفترق على ثلاثة أوجه: فوجه منها يوجب الاغتسال، ووجه منها يوجب الوضوء، ووجه ثالث أجمع أهل العلم على وجوب الطهارة منه، واختلفوا في كيفية الطهارة التي تجب فيه. وأما ما علمته مأخوذًا من السنة، فهو يفترق على وجهين: وجه منه يوجب الاغتسال، ووجه منه يوجب الوضوء، فالوجه الذي يجب الوضوء منه، يفترق على أوجه ثلاثة: فمنها ما يجب بخارج يخرج من [جسد] (٢) المرء، ومنها ما يجب بالطعام يناله دون سائر الأطعمة، ومنها ما يوجبه زوال العقل بالنوم. وأما ما علمته مأخوذًا من اتفاق الأمة فهو يفترق على وجهين: وجه يوجب الاغتسال، ووجه يوجب الوضوء، ويبقى نوعان مما يخرج من جسد ابن آدم، أجمع أهل العلم على ترك وجوب الوضوء من أحدهما. واختلفوا في وجوب الطهارة من النوع الثاني، وتبقى أبواب سوى ما ذكرناه يدفع كثير من أهل العلم أن تكون أحداثًا تنقض الوضوء.

стр. 215

ويدعي آخرون أنها أحداث تنقض الطهارة، وأنا ذاكر تلك الأبواب بعد فراغي مما ابتدأت بذكره - إن شاء الله. * * * ذكر وجوب الاغتسال المأخوذ فرضه من الكتاب قال الله جل ذكره: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (١). قال أبو بكر: فأوجب الله الاغتسال من الجنابة، ودلت السنن الثابتة على مثل ما دل عليه الكتاب. واتفق أهل العلم على القول به (٢). قال: وأخبرني الربيع، قال: قال الشافعي (٣): فكان معروفًا في لسان العرب أن الجنابة: الجماع، وإن لم يكن مع الجماع ماء دافق، وكذلك ذلك في حد الزنا، وإيجاب المهر، وغيره، وكل من خوطب بأن فلانًا أجنب من فلانة، عقل أنه أصابها. * * * ذكر وجوب الاغتسال من المحيض قال الله جل ذكره: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٤) الآية. وجاءت الأخبار الثابتة عن النبي ﷺ على وجوب الاغتسال على

стр. 216

الحائض إذا طهرت. وأجمع أهل العلم على ذلك (١)، وسأذكر الأخبار في هذا الباب في كتاب الحيض - إن شاء الله. * * * ذكر ما يوجب الوضوء مما علمته مأخوذًا من ظاهر الكتاب قال الله : ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (٢). وأجمع أهل العلم (٣) على أن خروج الغائط من الدبر حدث ينقض الوضوء. أخبرني علي بن عبد العزيز قال: نا الأثرم، عن أبي عبيدة ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ كناية عن حاجة ذي البطن، والغائط الفيح من الأرض المتصوب، وهو أعظم من الوادي (٤). وقال أبو عبيد: أصل الغائط المكان المطمئن من الأرض إلا أن العرب إذا طالت صحبة الشيء للشيء؛ سمته باسمه، من ذلك تسميتهم مسح الوجه واليدين تيممًا، وإنما التيمم في كلام [العرب] (٥): التعمد للشيء. قال الله - جل ذكره -: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢) يعني تعمدوا

стр. 217

الصعيد، ألا تراه قال بعد ذلك: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (١) فكثر في هذا الكلام حتى صار عند الناس التيمم هو التمسح نفسه، وكذلك الغائط لما كثر قولهم: ذهبت إلى الغائط، وذهب فلان إلى الغائط، وجاء من الغائط، سموا رجيع الإنسان الغائط (٢). * * * ذكر الوجه الثالث الذي أجمع أهل العلم على وجوب الطهارة منه، وهو الملامسة واختلفوا في كيفية الطهارة التي تجب فيه قال الله - جل ذكره -: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ الآية (١). أجمع أهل العلم (٣) أن الملامسة حدث ينقض الوضوء. واختلفوا في اللمس وفيما يجب على من لمس، فقالت طائفة: الملامسة: الجماع، كذلك قال عبد الله بن عباس، قال: الملامسة والمباشرة والإفضاء، والرفث والجماع: نكاح، ولكن الله تعالى كنَّى. ورُوينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: اللمس: الجماع، ولكن الله تعالى كنَّى عنه، وهذا قول عطاء بن أبي رباح (٤)، والحسن البصري.

стр. 218

٦ - قال: حدثنا محمد بن نصر، قال: نا يحيى بن يحيى، قال: نا هشيم، عن أشعث، عن الشعبي، عن علي قال: اللمس هو الجماع، ولكن الله كنَّى عنه (١). ٧ - قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، قال: أخبرني عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الملامسة، والمباشرة، والإفضاء، والرفث، والجماع: نكاح، ولكنَّ الله كنَّى (٢). ٨ - قال: حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، قال: نا علي بن عثمان اللاحقي (٣)، قال: نا داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الملامسة هي الجماع (٤).

стр. 219

٩ - قال: حدثنا موسى بن هارون، قال: نا أبو بكر (١)، قال: نا حفص، عن الأعمش، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٢) قال: هو الجماع (٣). وقالت طائفة: اللمس ما دون الجماع، كذلك قال عبد الله بن مسعود، وقال عبد الله بن عمر: من قبَّل امرأته أو جسَّها (٤)، بيده فعليه الوضوء. ١٠ - قال: أنا الربيع، قال: أنا الشافعي (٥)، قال: أخبرنا مالك (٦)، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: قبلة الرجل امرأته، وجسها بيده، ملامسة، فمن قبَّل امرأته أو جسَّها بيده، فعليه الوضوء. ١١ - قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: ثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: القبلة من اللمس، فيها الوضوء (٧).

стр. 220

١٢ - قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، (قال: نا أبي) (١)، قال: نا شعبة، عن مخارق، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود قال: الملامسة ما دون الجماع (٢). واختلفوا في الوضوء من القبلة، فقالت طائفة: فيها الوضوء، كذلك قال ابن عمر، وروي ذلك عن ابن مسعود. ١٣ - قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق (٣)، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، أن ابن عمر كان يقول: من قبل امرأته وهو على وضوء؛ أعاد الوضوء. ١٤ - قال: حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٤)، عن معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي عبيدة، أن ابن مسعود قال: يتوضأ الرجل من المباشرة، ومن اللمس بيده، ومن القُبلة إذا قبَّل امرأته، وكان يقول في هذِه الآية ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٥) قال: هو الغمز.

стр. 221

وممن رأى في القبلة الوضوء (١): الزهري، وعطاء بن السائب، ومكحول، والشعبي، والنخعي، ويحيى الأنصاري، وزيد بن أسلم، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، والشافعي (٢). وفيه قول ثان: وهو أن لا وضوء في القبلة (٣) كذلك قال ابن عباس، وطاوس، والحسن، ومسروق، وعطاء بن أبي رباح. وفيه قول ثالث: وهو أن إيجاب الوضوء على من قبل لشهوة، وإسقاطه عمن قبل لرحمة أو لغير شهوة (٤)، هذا قول النخعي، والشعبي، والحكم، و [حماد] (٥)، وبه قال مالك بن أنس (٦)، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل (٧)، وإسحاق بن راهويه (٨). وفي المسألة قول رابع: وهو أن الرجل إذا قبَّل امرأته لشهوة، أو لمسها لشهوة، أو لمس فرجها لشهوة لم ينقض وضوءه، فإن باشرها

стр. 222

لشهوة وليس بينهما ثوب نقض وضوءه، وعليه أن يعيد الوضوء، هذا قول النعمان، ويعقوب. وقال محمد (١): لا وضوء عليه حتى يخرج منه مذي أو غيره. وفيه قول خامس: رُوي عن عطاء، وهو: إن قبَّل حلالًا فلا إعادة عليه، وإن قبَّل حرامًا أعاد الوضوء (٢). قال أبو بكر: وقد احتج بعض من يوجب من اللمس والقبلة الوضوء بظاهر قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٣) قال: جائز أن يقال لمن قبَّل امرأته، أو لمسها بيده، قد لمس فلان زوجته، ويدل على أن اللمس قد يكون باليد قوله تعالى: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ (٤) ونهى النبي ﷺ عن الملامسة (٥)، وهي لمس الرجل الثوب بيده، فظاهر الكتاب والسنة واللغة يدل على أن اللمس يكون باليد وغيرها. وقال الشافعي بعد أن تلا الآية قال: فأشبه أن يكون أوجب الوضوء من الغائط، وأوجبه من الملامسة، وإنما ذكرها [موصولة] (٦) بالغائط بعد ذكره بالجنابة، فأشبهت الملامسة أن تكون اللمس باليد، والقبلة غير الجنابة (٧).

стр. 223

واحتج (بعض) (١) من يخالفهم، فقال: جائز في اللغة أن يقال لمن مس امرأته بيده: قد لمسها، ولكن الملامسة التي ذكرها الله في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٢) الجماع الموجب للجنابة دون غيره، استدللنا على ذلك بكتاب الله وبالخبر عن رسول الله ﷺ ، وبالنظر. فأما الكتاب الذي يدل على معنى ما ذكرناه فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٣)، يعني وقد أحدثتهم قبل ذلك، ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٤)، فأوجب الله غسل الأعضاء التي ذكرها بالماء ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٤) يريد الاغتسال بالماء، فأوجب الوضوء من الأحداث، والاغتسال بالماء من الجنابة، ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٤) يريد الجماع الذي يوجب الجنابة، ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٤) تتوضؤون به من الغائط أو تغتسلون به من الجنابة، كما أمرتكم به في أول الآية، ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾، فإنما أوجب في آخر الآية التيمم على ما كان أوجب عليه الوضوء والاغتسال بالماء في أولها. فأما قول من قال: إن الله تعالى لما ذكر طهارة الجنب في أول الآية ثم ذكر الملامسة في آخر الآية موصولًا بالغائط، استدللنا بذلك على أنها غير الجنابة، فإنما كان يكون ما قالوا دليلًا، لو كان أوجب على الملامس في آخر الآية الطهارة التي أوجبها على الجنب في أولها، فكان يكون

стр. 224

حينئذ ذلك دليلًا على أن اللمس غير الجنابة؛ لأنه قد أوجب الطهارة من الجنابة في أول الآية، فلم يكن إعادة إيجاب الطهارة منها في آخرها معنى يصح، ولكنه إنما أوجب عليه في أول الآية الاغتسال بالماء، وأوجب عليه في آخرها التيمم بدلًا من الماء، إذا كان مسافرًا لا يجد الماء، أو مريضًا، فهذا المعنى أصح وأبين - والله أعلم. واحتج بعضهم بحديث عائشة: ١٥ - قال: حدثنا علي بن الحسن، قال: نا يحيى بن يحيى، قال: أنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. قال: قلت: ما هي إلا أنت، فضحكت (١).

стр. 225

قال أبو بكر: ويقال: إن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة شيئًا (١). وقال بعضهم: للملامسة نظائر في الكتاب، من ذلك المباشرة، واللمس والمس واحد في المعنى، قال الله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٢) الآية، وقال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٣) وقال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٤) فذكر - جل ذكره - المسيس في هذِه الآيات واللمس [والمس] (٥) والملامسة والمماسة. وقد أجمع أهل العلم على أن رجلًا لو تزوج امرأة [ثم مسَّها] (٦) بيده، أو قبلها بحضرة جماعة، ولم يخل بها فطلقها، أن لها نصف الصداق إن كان سمى لها صداقًا (٧)، والمتعة إن لم يكن سمى لها صداقًا، ولا عدة عليها.

стр. 226

فدل إجماعهم على ذلك أن الله تعالى أراد في هذِه الآيات الجماع، فإذا كان كذلك حكمنا للمس بحكم المس إذا كانا في المعنى واحدًا. قال أبو بكر: وقد أجمع كل من حُفظ عنه من أهل العلم على أن لا وضوء على الرجل إذا قبَّل أمه، أو ابنته، أو أخته إكرامًا [لهن] (١) وبرًّا، عند قدوم من سفر، أو مس بعض بدنه بعض بدنها عند مناولة شيء إن ناولها. إلا ما ذكر من أحد قولي الشافعي: فإن بعض المصريين من أصحابه حكى عنه في المسألة قولين: أحدهما إيجاب الوضوء منه (٢)، والآخر كقول سائر أهل العلم، ولم أجد هذِه المسألة في كتبه المصرية التي قرأناها على الربيع، ولست أدري أيثبت ذلك عن الشافعي أم لا؛ لأن الذي حكاه لم يذكر أنه سمعه منه، ولو ثبت ذلك عنه لكان قوله الذي يوافق فيه المدني والكوفي وسائر أهل العلم أولى به.

стр. 227

وقد ثبت أن نبي الله ﷺ صلى وهو حامل أمامة بنت أبي العاص. ١٦ - قال: حدثنا محمد بن عبد الوهاب، قال: نا خالد بن مخلد، قال: نا مالك (١)، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزُّرقي، عن أبي قتادة قال: حمل رسول الله ﷺ أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. قال أبو بكر: في حمل رسول الله ﷺ أمامة بنت أبي العاص، دليل على صحة قول عوام أهل العلم، إذ معلوم متعارف أن من حمل صبية صغيرة لا يكاد يخلو أن يمس بدنه بدنها - والله أعلم - مع [أن] (٢) إيجاب الطهارة من ذلك فرض، والفرائض لا يجوز إيجابها إلا بحجة، وما زال الناس في القديم والحديث يتعارفون أن يعانق الرجل أمه وجدته، و [يقبل] (٣) ابنته في حال الصغر [قبلة] (٤) الرحمة، ولا يرون ذلك ينقض الطهارة، ولا يوجب وضوءًا عندهم، ولو كان ذلك حدثًا ينقض الطهارة ويوجب الوضوء، لتكلم فيه أهل العلم، كما تكلموا في ملامسة الرجل امرأته، وقبلته إياها. * * *

стр. 228

مس الزوجة من وراء الثوب واختلفوا فيمن مس زوجته من وراء ثوب، فقالت طائفة: إن كان ثوبًا رقيقًا فعليه الوضوء، كذلك قال مالك (١)، وقال ربيعة (٢) في متوضئ قبَّل امرأته، وغمزها من تحت الثوب، أو من ورائه: يعيد الوضوء. وفيه قول ثان: وهو أن لا وضوء عليه، كذلك قال الشافعي (٣). وكذلك أقول: لأنه غير مماس لها ولا ملامس. * * *

стр. 229

جماع أبواب الأحداث التي تدل على وجوب الطهارة ذكر وجوب الاغتسال بالتقاء الختانين من غير إنزال ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه أوجب الاغتسال بإلزاق الختان بالختان. ١٧ - حدثنا علي بن عبد العزيز، نا مسلم بن إبراهيم، نا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا قعد بين شُعَبِهَا الأربع، فألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل" (١). قال أبو بكر: وبهذا قال عوام المفتيين، وأنا ذاكر هذا الباب في أبواب الاغتسال من الجنابة بتمامه - إن شاء الله. * * *

стр. 230

جماع أبواب الأحداث التي تدل على وجوب الطهارة منها السنن، وهي الأحداث الخارجة من القبل والدبر الوضوء من البول قال أبو بكر: وجوب الوضوء من البول مأخوذ من أخبار رسول الله ﷺ قولًا وفعلًا. ١٨ - قال: حدثنا علي بن الحسن، قال: ثنا عبد الله بن الوليد، عن سفيان، عن عاصم، عن زر بن حُبَيش، قال: لقيت صفوان بن عسال، أسأله عن المسح فقال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم (١). ١٩ - قال: حدثنا علي، قال: نا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي، حدثنى أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن حُضَيْن بن المنذر بن الحارث، عن المهاجر بن قُنْفُذ أنه سلم

стр. 231

على النبي ﷺ وهو يبول، فلم يرد عليه حتى توضأ، فلما توضأ ردَّ عليه (١). قال أبو بكر: وحكي لي عن بعض أهل العلم أنه قال: البول والغائط [داخلان] (٢) في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (٣) [لأن] (٤) ذهاب القوم إلى تلك المذاهب كان ذهابًا واحدًا. قال أبو بكر: وأصح من ذلك أن الغائط غير البول، لتفريق السنة بينهما بواو، كما فرقت بين البول والنوم. * * * ذكر الوضوء من المذي ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ بإيجابه الوضوء من المذي. ٢٠ - أخبرنا الربيع، عن الشافعي (٥)، قال: وأخبرني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنا ابن وهب، قالا: أنا مالك (٦)، أن

стр. 232

أبا النضر حدثه، عن سليمان بن يسار، عن المقداد بن الأسود، أن علي ابن أبي طالب أمره أن يسأل رسول الله ﷺ عن أحدنا إذا خرج منه المذي ماذا عليه؟ فإن عندي ابنته وأنا أستحيي أن أسأله، قال المقداد: فسألته فقال: "إذا وجد أحدكم ذلك فليغسل فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة" (١). ٢١ - حدثنا محمد بن إسماعيل، نا يحيى بن أبي بُكَيْر، قال: نا زائدة، عن أبي حُصَين الأسدي، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي، عن علي، قال: كنت رجلًا مذاءًا، وكانت عندي ابنة رسول الله ﷺ فأمرت رجلًا فسأله، فقال: "توضأ واغسله" (٢). قال أبو بكر: وقد روينا عن عمر بن الخطاب، وعن عبد الله بن عباس، وعن عبد الله بن عمر، وجماعة من التابعين أنهم أوجبوا الوضوء من المذي، وبه قال مالك وأهل المدينة، والأوزاعي وأهل الشام، وسفيان الثوري وأهل العراق، وكذلك قال الشافعي وأصحابه، ولست أعلم في وجوب الوضوء منه اختلافًا بين أهل العلم (٣).

стр. 233

٢٢ - حدثنا علي بن الحسن، قال: نا عبد الله، عن سفيان، عن الأعمش، عن [سليمان] (١) بن مسهر، عن خرشة بن الحر أن عمر بن الخطاب سئل عن المذي؟ فقال: ذلك القطر وفيه الوضوء (٢). ٢٣ - حدثنا علي، نا عبد الله، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن مُوَرِّق، عن ابن عباس أنه قال في المذي، والمني، والودي: فالمني فيه الغسل، ومن هذين الوضوء، يغسل ذكره، ويتوضأ (٣). ٢٤ - حدثنا محمد بن نصر، قال: نا داود بن رشيد، قال: نا الوليد بن مسلم، عن أبي سعيد روح بن جناح، عن مجاهد بينما نحن أصحاب عبد الله بن عباس جلوس في المسجد - طاوس، وسعيد بن جبير، وعكرمة - وابن عباس قائم يصلي، إذ وقف علينا - يعني: واقف - فقال: هل من مفتي؟ فقلنا: سل. فقال: ما تقولون في رجل إذا بال، اتبعه الماء الدافق؟ قلنا: الذي يكون منه الولد؟ قال: نعم. قلنا: عليه الغسل، فولى الرجل يُرَجِّع، وخفف ابن عباس في صلاته، فلما سلم قال لعكرمة: علي بالرجل، ثم أقبل علينا، فقال: أرأيتم ما أفتيتم به

стр. 234

هذا الرجل، أعن كتاب الله؟ قلنا: [لا] (١). قال: فعن رسول الله؟ قلنا: لا. قال: فعن أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قلنا: لا. قال: فعمن؟ قلنا: عن رأينا. قال: لذلك يقول رسول الله ﷺ : "فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد" (٢). فلما جاء الرجل أقبل عليه ابن عباس، فقال: أرأيت إذا كان ذلك مِنْك، [هل تجد] (٣) شهوة في قلبك؟ قال: لا. قال: فخدرًا؟ يعني: في جسدك. قال: لا. قال: هذِه إبْرِدَة (٤)، يجزيك فيها الوضوء (٥). ٢٥ - حدثنا محمد بن يحيى، نا أبو حذيفة، نا عكرمة، عن عبد ربه بن موسى، عن أمه أنها سألت عائشة عن المذي. فقالت: إن كل فحل

стр. 235

يمذي، وإنه المذي، والودي، والمني، فأما المذي: فالرجل يلاعب امرأته، فيظهر على ذكره الشيء، فيغسل ذكره وأنثييه، ويتوضأ، وأما الودي: فإنه بعد البول، يغسل ذكره وأنثييه، ويتوضأ ولا يغسل، وأما المني: الأعظم منه الشهوة وفيه الغسل (١). ٢٦ - حدثنا محمد بن إسماعيل، نا إسحاق بن عيسى، نا مالك (٢)، عن زيد بن أسلم، عن جندب مولى ابن عياش قال: سألت ابن عمر عن المذي فقال: إذا وجدته فاغسل فرجك، وتوضأ وضوءك للصلاة. قال أبو بكر: وأما الودي، فهو شيء يخرج من الذكر على أثر البول، والوضوء يجب بخروج البول، وليس يوجب بخروجه شيء إلا الوضوء الذي وجب بخروج البول. * * * ذكر الوضوء بخروج الريح قال أبو بكر: وجوب الوضوء بخروج الريح من الدبر مأخوذ من أخبار رسول الله ﷺ . وأجمع أهل العلم على أن خروج الريح من الدبر حدث ينقض الوضوء (٣). ٢٧ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق (٤)، عن معمر، عن

стр. 236

همام بن مُنبِّه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا تُقْبَلُ صلاة من أحدث حتى يتوضأ"، قال: فقال له رجل من أهل حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فُساءٌ أو ضُراط (١). ٢٨ - حدثنا محمد بن إسماعيل وحاتم بن منصور قالا: نا عبد الله بن الزبير (٢)، نا سفيان، نا الزهري، عن سعيد بن المسيب وعباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد قال: شُكِيَ إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه (٣) الشيء في الصلاة؟ فقال النبي ﷺ : "لا ينصرف حتى يسمع [صوتًا] (٤)، أو يجد ريحًا (٥). وكان أبو ثور يقول: وإن خرج ريح من قبل أو دبر توضأ، قال: وهذا مذهب مالك (٦)، وأبي عبد الله (٧) وبعض الناس. * * *

стр. 237

ذكر الوضوء من لحوم الإبل ثابت عن نبي الله ﷺ أنه أمر بالوضوء من لحوم الإبل. ٢٩ - قال: حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (١)، عن الثوري، عن الأعمش، عن عبد الله - هو ابن عبد الله - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ سئل: أَنُصَلِّي في أعطان الإبل؟ قال: "لا". قال: أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم". قال: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "لا". قال: أنتوضا من لحوم الإبل؟ قال: "نعم" (٢). ٣٠ - وحدثنا علي بن عبد العزيز، نا حجاج بن منهال، نا أبو عوانة (٣)، عن عثمان بن عبد الله بن مَوْهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فجاءه رجل فقال: أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت (فتوضه) (٤)، وإن

стр. 238

شئت فلا (توضه) (١) "، قال: أفنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم، تتوضأ من لحوم الإبل"، قال: أفأصلي في مبارك الإبل؟ قال: "لا". قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم" (٢). قال أبو بكر: والوضوء من لحوم الإبل يجب، لثبوت هذين الحديثين وجودة إسنادهما. وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب فقالت طائفة كما قلنا، روينا عن جابر بن سمرة أنه كان يقول: كنا نتوضأ من لحوم الإبل، ولا نتوضأ من لحوم الغنم، وروينا عن ابن عمر أنه قال: (توضئوا) (٣) من لحوم الإبل، ولا (تتوضأ) (٤) من لحوم الغنم. ٣١ - حدثنا علي بن الحسن، نا عبد الله بن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: أنبأني من سمع جابر بن سمرة يقول: كنا نتوضأ من لحوم الإبل، ولا نتوضأ من لحوم الغنم (٥). ٣٢ - حدثنا محمد بن نصر، نا عبيد الله بن سعد، نا عمي، نا أبي، عن ابن إسحاق قال: وحدثني عطاء بن السائب الثقفي، أن محارب بن

стр. 239

دثار المحاربي حدثه أنه سمع ابن عمر يقول: توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم (١). قال أبو بكر: وهذا قول محمد بن إسحاق صاحب المغازي، وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق (٢)، وأبو خيثمة، ويحيى. قال أحمد بن حنبل (٣): فيه حديثان صحيحان، حديث البراء وحديث جابر بن سمرة. وقال إسحاق: قد صح عن رسول الله ﷺ ذلك. وأسقطت طائفة الوضوء من ذلك، وممن كان لا يرى ذلك واجبًا، مالك (٤)، والثوري، والشافعي (٥)، وأصحاب الرأي (٦) وقد روي ذلك عن سويد بن غفلة (٧)، وعطاء (٧)، وطاوس (٧)، ومجاهد (٧)، وروي ذلك عن ابن عمر. ٣٣ - حدثنا محمد بن نصر، نا إسحاق، أنا عائذ بن حبيب القرشي، نا يحيى بن قيس قال: رأيت ابن عمر أكل لحم جزور، وشرب لبن إبل، ثم صلى المغرب ولم يتوضأ (٨).

стр. 240

ذكر الوضوء من النوم قال أبو بكر: وجوب الوضوء من النوم مأخوذ من أخبار رسول الله ﷺ . ٣٤ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (١)، عن معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال المرادي فقال: ما حاجتك؟ قلت: جئت ابتغاء العلم. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من خارج يخرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت الملائكة أجنحتها رِضًا بما يصنع" قال: قلت: جئت أسألك عن المسح على الخفين. قال: نعم كنت في الجيش الذي بعثه رسول الله ﷺ فأمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهور، ثلاثًا إذا سافرنا، ويومًا وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نوم، ولا نخلعهما إلا من جنابة (٢). ٣٥ - أخبرنا الربيع، أنا الشافعي (٣)، أنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (٤).

стр. 241

قال أبو بكر: وظاهر هذا الحديث يوجب الوضوء على كل نائم؛ لأنه لم يخص نائمًا على حال دون حال، وكذلك الوضوء يجب على كل نائم على ظاهر حديث صفوان بن عسال؛ لأن النبي ﷺ لما قرن النوم إلى الغائط والبول، وأجمع أهل العلم أن الغائط والبول حدثان يوجب كل واحد منهما الطهارة على أي حال كان ذلك (١)، وجب أن يكون المقرون إليهما، وهو النوم يوجب الوضوء على أي حال كان النوم، الأخبار عند أصحابنا على العموم، لا يجوز الخروج عن ظاهر الحديث إلى باطنه، ولا عن عمومه إلى خصوصه إلا بكتاب أو سنة أو إجماع، ولا حجة من حيث ذكرنا مع من أوجب الوضوء على النائم في حال، وأسقطه عنه في حال أخرى. وقد أحتج بعض [من] (٢) مذهبه إيجاب الوضوء على كل نائم أن قال: لا يخلو النوم في نفسه من أن يكون حدثًا ينقض الطهارة، أو غير حدث، فإن كان النوم حدثًا كالغائط والبول، فعلى النائم الوضوء على أي جهة كان النوم كسائر الأحداث، أو لا يكون النوم حدثًا يوجب الوضوء، فليس يجب على نائم الطهارة على أي جهة كان النوم منه حتى يكون معه حدث يوجب الوضوء. واحتج بحجة أخرى، وهو أن أهل العلم مجمعون على إيجاب الوضوء على من زال عقله بجنون أو أغمي بمرض إذا أفاق على أي حال كان ذلك منه (١)، قال: فكذلك النائم، عليه ما على المغمى عليه؛ لأنه زائل العقل، مع أن الأخبار مستغنى بها عن كل قول.

стр. 242

وقد احتج بعضهم بظاهر حديث علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما العين وكاء السَّه، فمن نام فليتوضأ" (١). ٣٦ - حدثنا علي بن الحسن، نا إسحاق، نا بقية بن الوليد، نا الوضين بن عطاء، عن محفوظ بن علقمة، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ قال: "إنما العين وكاء السَّه، فمن نام فليتوضأ" (٢). قال: حدثنا علي، عن أبي عبيد قوله: "السه" يعني حلقة الدبر، و"الوكاء" أصله الخيط، أو السير الذي يشد به رأس القربة، فجعل

стр. 243

اليقظة للعين مثل الوكاء للقربة، يقول: فإذا نامتا العين (استطلق) (١) ذلك الوكاء، فكان منه الحدث (٢). قال أبو بكر: وقد اختلف أهل العلم وافترقوا في الوضوء من النوم ست فرق. فقالت فرقة: بظاهر هذِه الأخبار، فأوجبت الوضوء على كل نائم، روينا عن أبي هريرة أنه قال: من استحق النوم فعليه الوضوء. وروينا عن أنس بن مالك أنه قال: إذا وجد الرجل طعم النوم جالسًا كان أو غيره فعليه الوضوء. وروينا عن ابن عباس أنه قال: وجب الوضوء على كل نائم، إلا من خفق (٣) برأسه خفقة. ٣٧ - حدثنا علي بن الحسن، نا عبد الله، أخبرني سفيان، حدثني يزيد بن أبي زياد، عن مِقْسم، عن ابن عباس أنه قال: وجب الوضوء على كل نائم، إلا من خفق برأسه خفقة (٤).

стр. 244

٣٨ - حدثنا علي بن عبد العزيز، نا حجاج، نا حماد، عن سعيد الجُرَيري، عن خالد بن [غلاق] (١)، عن أبي هريرة قال: إذا استحق أحدكم نومًا، فليتوضأ (٢). ٣٩ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٣)، عن جعفر بن سليمان وغيره، عن سعيد الجريري، عن هلال العبسي، عن أبي هريرة قال: من استحق [النوم] (٤) فعليه الوضوء. ٤٠ - حدثنا موسى بن هارون، نا شريح بن يونس، نا أبو معاوية، عن عاصم، عن أنس قال: إذا وجد الرجل طعم النوم جالسًا كان أو غير ذلك، فعليه الوضوء. قال أبو بكر: وكان الحسن البصري يقول: إذا خالط النوم قلب أحدكم فليتوضأ (٥).

стр. 245

وكذلك قال سعيد بن المسيب (١)، وأبو رافع، وقال عطاء بن أبي رباح: إذا ملكك النوم فتوضأ، قاعدًا أو مضطجعًا (٢). وروينا عن عطاء (٣)، وطاوس (١)، ومجاهد أنهم قالوا: من نام راكعًا أو ساجدًا فليتوضأ. وقال إسحاق (٤): كلما نام حتى غلبه على عقله توضأ. وبه قال القاسم بن سلام. وقالت فرقة: إن نام قليلًا [قاعدًا] (٥) لم ينتقض وضوءه، وإن تطاول ذلك توضأ، هذا قول مالك (٦) وبه قال الزهري (٧)، وربيعة. وقال الأوزاعي: إذا استثقل نومًا قاعدًا توضأ، فأما من كان نومه غرارًا كما قال الزهري ينام ويستيقظ فلا وضوء عليه. وقال أحمد بن حنبل (٨): النائم قاعدًا إذا أطال النوم، توضأ. وقالت فرقة ثالثة: لا يجب على النائم الوضوء حتى يضع جنبه، هذا

стр. 246

قول الحكم (١)، وحماد (١)، وسفيان الثوري، وقال سفيان: إن نام قائمًا أو قاعدًا لم يعد وضوءه. وقال أصحاب الرأي (٢) في النوم: إذا كان قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو قاعدًا فلا ينقض ذلك الوضوء، فأما إذا نام مضطجعًا أو متكئًا فإن ذلك ينقض الوضوء. وقال يعقوب (٣): كذلك إلا في الساجد في الصلاة، فإنه زعم أنه إن تعمد النوم وهو ساجد وجب عليه الوضوء، وفسدت صلاته، وإن غلبة النوم فلا وضوء عليه. واحتج بعضهم بحديث روي عن ابن عباس (٤)، لا يثبت (٥)، من

стр. 247

حديث أبي خالد الدالاني، وقد ذكرته وعلله في الكتاب الذي اختصرت منه هذا الكتاب. وممن روى عنه أنه كان ينام قاعدًا ولا يتوضأ: ابن عمر، وأبو أمامة الباهلي، وإبراهيم النخعي (١)، وابن سيرين (٢)، وسالم بن عبد الله، ومحمد بن علي، ونافع. وحكي عن ابن المبارك أنه كان يقول فيمن نام وهو قاعد مستند: لا وضوء عليه. ٤١ - حدثنا إبراهيم بن عبد الله، أنا يزيد بن هارون، أنا يحيى بن سعيد، أن نافعًا أخبره، أن ابن عمر كان إذا نام قاعدًا لم يتوضأ، وإذا اضطجع فنام يتوضأ (٣). ٤٢ - حدثنا محمد بن علي، نا سعيد، نا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد وشرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة الباهلي أنه كان يكثر أن ينام قاعدًا حتى يميل، ثم يصلي ولا يتوضأ (٤).

стр. 248

٤٣ - حدثنا محمد بن علي، نا سعيد، نا عبد اللّه بن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن حميد بن زياد، عن يزيد بن قُسَيْط، عن أبي هريرة قال: ليس على النائم القائم، ولا على المحتبي، ولا على الساجد النائم الوضوء (١). ٤٤ - حدثنا محمد بن إسماعيل، نا إبراهيم، حدثني بن فليح، عن أبيه، عن شيبة بن الحارث أن أبا هريرة كان يفتي من نام مضطجعًا عليه الوضوء، ولا يأمر من نام (مضطجعًا) (٢) بالوضوء. وفرقت فرقة رابعة بين من نام ساجدًا في الصلاة أو غير صلاة، فقالت: إذا نام رجل ساجدًا في الصلاة فليس عليه الوضوء، وإذا نام ساجدًا في غير صلاة فعليه الوضوء (٣)، هذا قول ابن المبارك (٤). وقد ذكرنا عن يعقوب قوله، وقال يعقوب: وأما القائم والقاعد والراكع، فإن غلبه النوم أو تعمد له لم تنقض الصلاة غير أنه مسيء في التعمد. وقد كان الشافعي - إذ هو بالعراق - يقول: إنما سقط الوضوء عن النائم جالسًا بالأثر، وعن النائم في الصلاة كيف كان للأثر (٥). وفي هذِه المسألة قول خامس، قاله الشافعي بمصر، قال الشافعي: وسواء الراكب السفينة والبعير والدابة، والمستوي بالأرض من زال عن

стр. 249

حد الاستواء [قاعدًا] (١) أو نام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو مضطجعًا؛ فعليه الوضوء؛ لأن النائم جالسًا يَكِلُّ (٢) للأرض فلا يكاد يخرج منه شيء إلا انتبه به (٣). وكان أبو ثور يقول: إن نام جالسًا لم يتوضأ، وإن نام مضطجعًا توضأ، قال: وذلك أن الجميع إذا أجمعوا على طهارة، ثم اختلفوا بعد أن نام جالسًا، فلا يجب أن تنقض طهارة مجمع عليها إلا بإجماع مثله. قال أبو بكر: وهو كثير مما ندع هذا المثال، وأسعد الناس بهذا القول: من قال: ليس على من نام مضطجعًا وضوء حتى يوقن بحدث غير النوم، وقد بينت هذا مع غيره في [الكتاب] (٤) الذي اختصرت منه هذا الكتاب. ٤٥ - حدثنا إبراهيم بن عبد الله، نا وهب بن جرير، نا هشام، عن قتادة، عن أنس قال: كان أصحاب النبي ﷺ ينتظرون صلاة العشاء الآخرة، ينعشون حتى تخفق رءوسهم، ثم يصلون، ولا يعيدون الوضوء (٥).

стр. 250

وفي هذِه المسألة قول سادس، روينا عن أبي موسى الأشعري: أنه صلى الظهر ثم استلقى على قفاه فنام حتى سمعنا غطيطه، فلما حضرت الصلاة قال: هل وجدتم ريحًا، أو سمعتم صوتًا؟ قالوا: لا. فصلى العصر ولم يتوضأ. ٤٦ - حدثنا محمد بن نصر، نا إسحاق بن راهويه، نا الفضل بن موسى، عن حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن قيس بن عباد قال: رأيت أبا موسى صلى الظهر ثم استلقى على قفاه، فنام حتى سمعنا غطيطه، فلما حضرت الصلاة قام فقال: هل وجدتم ريحًا أو سمعتم صوتًا؟ قالوا: لا. فصلى العصر ولم يتوضأ (١). ٤٧ - حدثنا يحيى بن محمد، نا الحجبي، نا أبو عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه قال: دخل ابن عمر المسجد، فرأيته يصلي قبل صلاة الفجر، ويتلفت كأنه يبادر الفجر، ثم ركع ركعتين مع الفجر أو قبله، ثم رأيته مستلقيًا على ظهره، حتى عرفت أنه قد نام، ثم قام فصلى (٢). ٤٨ - حدثنا محمد بن نصر، أنا عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قال: كان أناس من أصحاب النبي ﷺ يضعون جنوبهم فينامون، فمنهم من يتوضأ، ومنهم من لا يتوضأ (٣).
следующие страницы →