← Фикх общий

Фикх общий · id 1568

الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف - ط الفلاح

ابن المنذر

Полный текст (7 126 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وقال الأوزاعي في العبد يأبق إلى العدو قال: إن أُخِذَ قبل أن يدخل حصنًا من حصونهم رد إلى مولاه، وإن دخل حصنًا فسبي هو بمنزلة أهل الحصن يجعل في الفيء. وقالت طائفة: سواء أبق العبد إلى العدو، أو أخذ العدو العبد فأحرزوه، لا فرق بينهما، وهما لسيدهما إذا ظفر بهما، قبل أن يقسما وبعد القسم. [سواء] (١) يأخذهما السيد قبل القسم وبعده، هذا قول الشافعي (٢) قال: والدلالة عليه من الكتاب، ودلت السنة، وكذلك يدل العقل والإجماع في موضع؛ لأن الله أورث المسلمين أموالهم وديارهم فجعلها غُنْمًا لهم وخولًا بإعزاز أهل دينه، وإذلال من خالف سوى أهل دينه، فلا يجوز أن يكون المسلمون إذا قَدروا على أهل الحرب تخوّلوهم وتموّلوا أموالهم لم يكن أهل الحرب يحرزون على أهل الإسلام شيئًا فيكون لهم أن يتخوّلوه أبدًا، فإن قال: فأين السنة التي دلت على ما ذكرت؟ قلت: ٦١٨٥ - أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال: سُبيَت امرأة من الأنصار، وكانت الناقة قد أصيبت قبلها - قال الشافعي: - كأنه يعني ناقة النبي ﷺ ، لأن آخر حديثه يدل على ذلك - قال عمران بن حصين: فكانت تكون فيهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق، فأتت الإبل، فجعلت [كلما] (٣) أتت

стр. 2592

بعيرًا فمسته (رغا) (١) فتتركه، حتى أتت تلك الناقة، فمستها فلم ترغ، وهي ناقة هدِرة فقعدت في عجزها، ثم صاحت بها، فانطلقت، فطُلِبت من ليلتها فلم يُقْدر عليها، فجعلت لله عليها إن الله أنجاها عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة عرفوا الناقة وقالوا: ناقة رسول الله ﷺ . فقالت: إنها قد جعلت لله عليها لتنْحرنَّها. فقالوا: والله لا تنحريها حتى نؤذن رسول الله ﷺ ، فأتوه فأخبروه أن فلانة الأنصارية قد جاءت (على) (٢) ناقتك، وإنها جعلت لله عليها إن نجاها الله عليها أن تنحرها. فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله بئس ما جزتها إن أنجاها الله عليها أتنحرنها؟! لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد، أو ابن آدم" (٣). قال الشافعي (٤): وهذا الحديث يدل على أن العدو قد أحرزوا ناقة رسول الله ﷺ ، وأن الأنصارية انفلتت من إسارهم عليها بعد إحرازهموها، ورأت أنَّها لها، فأخبر رسول الله ﷺ أنَّها نذرت فيما لا تملك، ولا نذر لها، وأخذ رسول الله ﷺ ناقته، فدل ذلك على أن المشركين لا يملكون على المسلمين شيئًا، وإذا لم يملك المشركون على المسلمين بما أوجفوا عليه بخيلهم فأحرزوه في ديارهم، أشبه والله أعلم ألا يملكون المسلمون عنهم، ما لم يملكوا هم لأنفسهم قبل القسمة ولا بعدها.

стр. 2593

قال الشافعي: ولا أعلم خلافًا في أن المشركين إذا أحرزوا عبدًا لرجل أو مالًا فإدركه قد أوجف المسلمون عليه قبل المقاسم أن يكون له بلا قيمة، ثم اختلفوا بعدما تقع في المقاسم، وإجماعهم على أنه لمالكه بعد إحراز العدو له، وإحراز المسلمين عن العدو له؛ حجة عليهم في أنه هكذا ينبغي أن يكون بعد القسم، وذكر الشافعي خبر ابن عمر. ٦١٨٦ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (١)، عن ابن جريج قال: سمعت نافعًا مولى ابن عمر يزعم أن ابن عمر ذهب العدو بفرسه، فلما هزم العدو، وجد خالد بن الوليد فرسه، فرده إلى عبد الله بن عمر (٢). ٦١٨٧ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٣) عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: أَبِق غلام لي يوم اليرموك، ثم ظهر عليه المسلمون فردوه إليّ (٤). وقول أبي ثور كقول الشافعي. وقال سفيان الثوري: إذا أبق العبد إلى العدو ثم أصابه المسلمون، فصاحبه أحق به قسم أو لم يقسم. قال أبو بكر: وقوله هذا موافق لقول النعمان (٥). وقال سفيان الثوري: إذا أصاب العدو مملوكًا، فاشتراه رجل من المسلمين فأعتقه، فليس لمولاه عليه سبيل هو استهلاك، وإِن كانت جارية فاشتراها رجل فوقع عليها فولدت فليس لمولاها شيء.

стр. 2594

قال أبو بكر: وقد احتج بخبر عمران بن حصين فرقتان من الناس، احتج به بعض من يقول بالقول الأول وقال: حديث عمران يدل على أن المسلم إذا أدرك ماله الذي أخذه المشركون، أنه أحق به ما لم يقسم؛ لأن القسم لم يكن جرى في الناقة التي كانت لرسول الله ﷺ ، فأخذها رسول الله ﷺ فلذلك يأخذ من أدرك ماله قبل القسم، واحتج به أحمد بن حنبل (١)، وقوله خلاف قول الشافعي، واحتج به الشافعي (٢)، واحتج هذا القائل بخبر تميم بن طرفة. ٦١٨٨ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٣)، عن الثوري، عن سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة أن العدو أصابوا ناقة رجل من المسلمين، فاشتراها رجل من المسلمين من العدو، فعرفها صاحبها، وأقام عليها البينة، فاختصما إلى النبي ﷺ ، فقضى النبي ﷺ أن يدفع إليه الثمن الذي اشتراها به من العدو، وإلا خلى بينها وبين المشتري" (٤). ودفع هذا القائل خبر ابن عمر وقال: ليس لمن خالفنا حجة قال: وذلك أن فرس ابن عمر عَارَ (٥)، فلحق بالروم، وبين العائر، والآبق،

стр. 2595

والمغلوب عليه فرق. قال أبو بكر: ولا أعلم أنه فرق بينهما بفرق يُلزِم، غير قوله: بين ذلك فرق، وذكر كلامَا طويلًا، قد أَثْبَتُّه في الكتابِ الذي اختصرت منه هذا الكتاب، تركته طلبًا للاختصار. قال أبو بكر: والذي به أقول: أن ما هو ملك للمسلم لا يجوز نقله عنه إلا بحجة، ولا نعلم مع من أوجب ملك العدو عليه، ونقل ملك المسلم عنه حجة من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، إلا دعواه الذي لا حجة معه، ومال المسلم لا يحل إلا بطيب نفس منه أو بحكم يلزمه، فمن أزال ملك المسلم عما كان ملكًا له بإجماع؛ بغير إجماعٍ، لم يجب قبول ذلك منه، وذلك أن الإجماع يقين، والاختلاف شك، ولا يجوز الانتقال عن اليقين إلى الشك. ٦١٨٩ - حدثني محمد بن نصر، حدثنا أبو قدامة عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو أسامة، حدثني زائدة قال: حدثني الركين بن الربيع الفزاري عن أبيه، قال: أصاب المشركون قوسًا لهم أزمان خالد بن الوليد، كانوا أحشروه (١)، فأصابه المسلمون أزمان سعد قال: فكلمناه، فرده علينا بعد ما قسم، وصار في (خمس) (٢) الأمارة (٣). * * *

стр. 2596

ذكر أم الولد تُسبى واختلفوا في أم الولد تُسبى، ثم يأخذها المسلمون، ويجري فيها القسم. فقالت طائفة: يأخذها سيدها بقيمة عدل، كذلك قال الزهري، وقال مالك (١): لا أرى أن تُسْتَرَقَّ، وأرى أن يفديها الإمام لسيدها، فإن لم يفعل فأرى على سيدها أن يفديها ولا يدعها، ولا أرى للذي صارت إليه أن يسترقها، ولا يستحل فرجها، وإنما هي بمنزلة الحرة؛ لأن السيد يكلَّف أن يفديها إذا جرحت، فهذا مثله، وليس له إن يسلم أم ولد تسترقُّ ويستحل فرجها -. وقال الليث بن سعد مثل ذلك، وقال: إن لم يكن عنده ما يفديها كان ذلك دينًا عليه يتبع به. وكان الشافعي (٢) يقول: تكون أم الولد أم ولد؛ لأن المشركين لا يملكون على المسلمين، ولا يغرم السيد في قول الشافعي شيئًا، وبه قال أبو ثور. وكان النعمان (٣) يقول: أم الولد، والمدبرة ليس يملكها العدو عليه، وكان يكره أن يطأ الرجل أم ولده ومدبرته في دار الحرب؛ لأنَّها ليست بدار مقام. قال أبو بكر: كما قال الشافعي أقول. * * *

стр. 2597

ذكر الجارية يشتريها الرجل من المغنم فيجد معها مالًا واختلفوا في الجارية تشترى من المغنم فيجد معها المشتري مالًا، فقالت طائفة، يجعل في بيت المال كذلك قال الشعبي. وفيه قول ثان: وهو أنه يرد إلى مغانم الجيش التي غنموها، هذا قياس قول الشافعي، واستدلالًا بقوله: "من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع" (١) فلما كان صاحب المقسم هو البائع، وهو القائم بأمر الجيش (الذين) (٢) غنموا الغنائم، وجب رد (السبي) (٣) إليه ليرده على الذين بيعت عليهم الجارية، وهم الذين يستحقون الغنائم من أهل الخمس، وغيرهم يقسم ذلك بينهم على ما يجب. قال أبو بكر: وكذلك نقول، وممن روينا عنه أنه قال ذلك: مكحول، وحزام بن حكيم، والمتوكل، ويزيد بن أبي مالك. وقال أحمد بن حنبل (٤): يرده لحديث النبي ﷺ : "من باع عبدًا وله (مال) (٥) فماله للبائع". وكذلك قال إسحاق (٤)، وكان مالك (٦) يسهل في القليل من ذلك، ولا يرى ذلك في الكثير واليسير عنده مثل القرطين وأشباههما.

стр. 2598

قال أبو بكر: وقياس قول مالك (١) في الكثير، إذا افترق الجيش أن يتصدق به كما قال فيما يغل، وقد تفرق الناس. قال أبو بكر: وأقول في القليل والكثير منه، إذا لم يجد السبيل إلى رد ذلك إلى المغنم لافتراق الجيش، أن يعطى الإمام خمسه، ويتصدق بالباقي، وقد (بيّنت) (٢) ذلك في كتاب الوديعة، وفي كتاب تعظيم أمر الغلول من هذا الكتاب، وقد روينا عن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد أنه قال في مثل هذا للمشتري: هو لك. * * * ذكر قسم الغنانم في دار الحرب واختلفوا في قسم الغنائم في دار الحرب فكان مالك (٣)، والأوزاعي، والشافعي (٤)، وأبو ثور يقولون: يقسمها الإمام في دار الحرب إن شاء. وقال أصحاب الرأي (٥): لا ينبغي لإمام المسلمين إذا أصابوا غنائم في دار الحرب أن يقسموا شيئًا من ذلك، حتى يحرزه إلى دار الإسلام من قبل أنه لو لحق بهم جيش من جيوش المسلمين وقد غنموا، شركهم في تلك الغنيمة، فلا ينبغي لهم إن يقسموها حتى يحرزوها إلى دار الإسلام،

стр. 2599

وإن هم فعلوا فاقتسموا في دار الحرب كانوا قد أساءوا، وجاز ذلك، وإن احتاج عسكر المسلمين وهم مع الإمام في دار الحرب إلى ما صار في الغنيمة من الثياب، والمتاع، والدواب، فلا بأس أن يقسم ذلك بينهم في دار الحرب، وأما الرقيق فلا ينبغي له أن يقسم بينهم شيئًا منه حتى يحرزوه إلى دار الإسلام، وإن فعل وقسم ذلك جاز. قال أبو بكر: بقول مالك، والشافعي (أقول) (١)؛ وذلك للثابت عن النبي ﷺ أنه قسم يوم خيبر للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا، وقد ذكرت أسانيد هذا الحديث في باب ذكر ما يستحقه الفارس والراجل من السهام، وفي خبر ابن عباس أن رسول الله ﷺ قسم لمائتي فرس يوم خيبر سهمين سهمين (٢). ٦١٩٠ - أخبرنا إبراهيم بن مرزوق، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج قال: أخبرني ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب قال: أصبت شارفًا في مغنم بدر، وأعطاني رسول الله ﷺ شارفًا فأنختهما على باب رجل من الأنصار، وأنا أريد أن أحمل عليهما إِذْخِر، ومعي رجل من بني قينقاع، استعين به على وليمة فاطمة، وحمزة بن عبد المطلب في البيت، وقَيْنة تُغنيه، فقال: ألا يا حمزُ للشُرُفِ النواءِ فقال إليهما بالسيف، فجب أسنمتهما، وبقر خواصرهما، وأخذ من أكبادهما. قال: فقلت لابن شهاب: فما صنع بالسنام؟ قال: ذهب به كله. قال: فنظرت إلى أمرٍ أفظعني قال: فأتيت رسول الله ﷺ ومعه زيد بن

стр. 2600

حارثة، فخرج يمشي حتى قام على حمزة، فتغيظ عليه، فرفع حمزة بصره فقال: هل أنتم إلا عبيد آبائي. قال: فرجع رسول الله ﷺ وهو يقهقر - وقال غيره: أصبت مع رسول الله ﷺ شارفًا يوم بدر (١). قال أبو بكر: واستدل بعض أصحابنا على أن النبي ﷺ إنما قسم غنائم بدر ببدر، لما كان في خبر علي أن النبي ﷺ أعطاه شارفًا، وفي خبر أبي طلحة أن النبي ﷺ كان إذا ظهر على قوم أحب أن يقيم بعرصتهم ثلاثًا، قال: ففي الجمع بين هذين الخبرين كالدليل على أن النبي ﷺ : إنما قسم غنائم بدر ببدر. ٦١٩١ - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، حدثنا عفان، حدثنا معاذ بن معاذ، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة أن النبي ﷺ كان إذا غلب قومًا أحب أن يقيم بعرصتهم ثلاثًا (٢). ٦١٩٢ - وحدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن علي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا شعيب بن إسحاق، حدثنا سعيد بن أبي عروبة والوليد، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة أن رسول الله ﷺ أمر يوم بدر ببضعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقذفوا في طوى من أطواء بدر، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاثًا، فلما كان يوم بدر أقام ثلاثًا (٣).

стр. 2601

ذكر إباحة تأخير الإمام قسم الغنائم إذا غنم من أموال المشركين إلى أن يمكنه قسمها بعد الخروج من دار الحرب ٦١٩٣ - حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن السميط، عن أنس قال: افتتحنا مكة، ثم إنا غزونا حنينًا، فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت. قال: فصف الخيل، ثم صف المقاتلة، ثم صف النساء من وراء ذلك، ثم صف الغنم، ثم صف النعم، قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف، وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرت الأعراب، ومن تعلم من الناس، فنادى رسول الله ﷺ : "يال (١) المهاجرين، يال المهاجرين"، ثم قال: "يال الأنصار، يال الأنصار". قال: قلنا لبيك يا رسول الله، قال فتقدم رسول الله ﷺ قال: فأيم الله، ما أتيناهم حتى هزمهم الله. قال: فقبضنا ذلك المال، ثم انطلقنا إلى الطائف، فحاصرناهم أربعين ليلةً ثم رجعنا فنزلنا، فجعل رسول الله ﷺ يعطي الرجل المائة، ويعطي الرجل المائة .. (٢) وذكر باقي الحديث.

стр. 2602

٦١٩٤ - أخبرنا محمد بن عبد الله، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن عبد ربه بن سعيد، عن عمرو بن شعيب أن رسول الله ﷺ حين صدر يوم حنين وهو يريد الجعرانة، سأله الناس حتى دنت ناقته من شجرة، وتشبكت بردائه، حتى نزعت عن ظهره فقال: "ردوا عليَّ ردائي، أتخافون أن لا أقسم بينكم ما آفاء الله عليكم، والذي نفسي بيده لو آفاء الله عليكم مثل سمر تهامة نعمًا، لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلًا، ولا جبانًا، ولا كذابًا" (١). ٦١٩٥ - وأخبرنا محمد، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عمر بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ بنحو هذا (٢). قال أبو بكر: ومعنى قوله: يوم حنين يعني عام حنين إذ كان تفريقه ذلك بينهم بعد رجوعه من الطائف، ويدل على ذلك. ٦١٩٦ - حديث ابن وهب، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن أنس أن النبي ﷺ عام حنين سأله الناس فأعطى من الغنم، والبقر، والإبل، حتى لم يبق من ذلك شيء (٣). وكل ذلك يدل على أن الإمام بالخيار إن شاء قسم الغنائم بينهم قبل يرجع إلى دار الإسلام، وإن شاء أخر ذلك على قدر فراغه وشغله إلى وقت خروجه، وعلى قدر ما يرى من الصلاح فيه. * * *

стр. 2603

ذكر استئجار الإمام على الغنانم من يحملها ويقوم بحفظها، أو سوق رقيق أو حيوان إن كان فيما غَنِم واختلفوا في استئجار من يحمل الغنائم ويقوم بحفظها، فكان الأوزاعي يقول في الإمام تجتمع عنده الغنائم، فيخاف أن تضيع الغنيمة: لا أعلم بأسًا أن يقول: من حرس الليلة العسكر فله دابة من السبي، أو دابة من الفيء، فإن الراعي يعطى أجرة من الغنيمة، وقال في الأسارى: يوثقون بالحبال والحديد، وينفق عليهم من جماعة الفيء. وقال الأوزاعي: يجعل الإمام للراعي والدليل من جماعة المال، قيل لأبى عمرو: فمن أين يعطى الجاسوس؟ قال: من المال الذي تجهزوا به إلى الصائفة، فإن لم يكن معه، أعطاه من جملة الغنيمة، وقال أبو عمرو: كانت الولاة يجهزون أمراء الصوائف بمال من بيت المال يحمل منه لرجاله وينفق منه على أهل الحاجة وينفق على الجواسيس، وعلى كل من أبلى بلاء في مناهضة الحصون ونحو ذلك، قال أبو عمرو: فإن لم يجهزوا على الصائفة بمال من بيت المال أعطي الجواسيس، والدليل، وراعي دواب الغنيمة مِن قَبْل أن تقسم الغنيمة، وينفق على جماعة السبي من قبل أن يقسم [من] (١) جملة الغنيمة. وقال أحمد بن حنبل (٢) في الإمام يستأجر القوم على سباق الرَمَك (٣) إلى مكان بالشام على النصف أو بدنانير معلومة؟ أكرهه على فرس

стр. 2604

(حبس) (١)، وأما أن يؤاجر نفسه على دابته فأرجو أن لا يكون به بأسًا، وكان الشافعي (٢) يقول: إذا [حوله] (٣) الإمام - يعني ما أصاب من الغنيمة - عن موضعه إلى موضع غيره، فإن كانت معه حمولة حملها عليها، وإن لم يكن معه فينبغي للمسلمين أن يحملوه إن كانت معهم حملوه بلا كراء، وإن امتنعوا فوجد كراءً تكارى على الغنائم واستأجر عليها، ثم أخرج الكراء أو الإجارة من جميع المال. وقال أصحاب الرأي (٤): إن أصاب المسلمون في أرض الحرب شيئًا كثيرًا، وليس مع الإمام فضل من الدواب والإبل، يحملهم عليها في عسكر المسلمين، مشى الرجال ومن أطاق من الصبيان، وإن كان فيما غنم المسلمون دواب وإبل استاقوها معهم إلى دار الإسلام، وإن لم يطيقوا أن يستاقوها ذبحوا الإبل، والغنم، والدواب، وأحرقوها بالنيران، لئلا ينتفع بها أهل الحرب، ولا ينبغي لهم أن يعرقبوها؛ لأن ذلك مثلة، وإن كان في الغنيمة التي أصابوا سلاح، ومتاع، وآنية كثيرة، ولم يكن معهم من الظهر ما يحملون عليه ذلك، فليحرقوا ذلك بالنار ولا يدعوه ينتفع به أهل الحرب.

стр. 2605

ذكر اختلاف أهل العلم في قسم أشياء مما يغنم مما يختلف في بيعها اختلف أهل العلم في المصحف من مصاحف المسلمين يوجد في المغانم، فكان الثوري، والأوزاعي يقولان: إن لم يوجد صاحبه جعل في المغانم فبيع. وفي قول الشافعي (١): إذا علم أنه مما أخذ من المسلمين يوقف ولا يدخل في المقاسم حتى يأتي صاحبه. وكذلك نقول، وقد ذكرت اختلاف أهل العلم في بيع المصاحف في كتاب البيوع. وقال الأوزاعي في المصحف من مصاحف الروم يصاب في بلادهم: يدفن أحب إليَّ، قلت: ولا ترى أن يباع؟ قال: كيف وفيه شركهم. وقال الثوري: أتعلم ما فيه؟ قلت: لا. قال: فكيف يباع؟! وقال الشافعي (٢): ما وجد من كتبهم فهو مغنم كله، وينبغي للإمام أن يدعو من يترجمه، فإن كان علمًا من طب أو غيره لا مكروه فيه، باعه كما يبيع ما سواه من المغانم، وإن كان كتاب شرك، شقق الكتاب، وانتفعوا بأوعيته وأداته فباعها، ولا معنى لتحريقه أو دفنه قبل أن يعلم ما هو. واختلفوا في الفرس يوجد موسومًا عليه حبيسًا في سبيل الله فكان الأوزاعي يقول: أحب إلي أن يحمل الإمام عليه رجلًا فيكون عنده حبيسًا كما كان، وقد كان قبل ذلك سئل عنه فقال مثل ذلك.

стр. 2606

وقال سفيان الثوري: يقسم ما لم يوجد صاحبه، فإن جاء وقد قسم أخذه بالثمن. قال أبو بكر: وفي قول الشافعي: إذا علم أنه حبيس يرد كما كان، وقال أحمد (١): إن عرف صاحبه رد عليه، وإلا حبس كما كان. وقيل للأوزاعي: فأصابوا سيفًا حبيسًا؟ قال: ليس السيف مثل الفرس؛ لأن السيف ربما تبايَعه القوم وهو كذاك. قال أبو بكر: لا فرق بين السيف والفرس إذا علم أنه حبيس، يرد كما كان. واختلفوا في الكلب يصاب، فكان الأوزاعي يقول: الكلب لا يباع في مقاسم المسلمين، الكلب لمن أخذه. وكان الشافعي (٢) يقول: ما أصيب من الكلاب فهو مغنم إن أراده أحد للصيد، أو ماشية، أو زرع، وإن لم يكن من الجيش أحد يريده لذلك، لم يكن له حبسه؛ لأن من اقتناه لغير هذا كان آثمًا، ورأيت لصاحب الجيش أن يخرجه فيعطيه أهل الأخماس من الفقراء والمساكين، ومن ذكر معهم، إن أراده أحد منهم لزرع، أو ماشية، أو صيد، فإن لم يرده قتله، أو خلاه ولا يكون له بيعه. وقال أحمد (٣) في كلب الصيد: لا يجعل في فيء المسلمين ثمن الكلب.

стр. 2607

قال أبو بكر: هذا موافق قول كل من نهى عن بيع الكلب، وكره ثمنه. ٦١٩٧ - حدثنا يحيى بن محمد، حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: كنا نكره مهر البغي، وثمن الكلب، وقال: هو من السحت (١). قال أبو بكر: وكره ثمن الكلب الحسن البصري، والحكم، وحماد. قال أبو بكر: وقياس قول من رخص في ثمن كلب الصيد، أن يقسم ما كان من كلاب الصيد. ٦١٩٨ - حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا حماد، عن أبي الزبير، عن جابر أنه نُهي عن ثمن الكلب، والسنور، إلا كلب صيد (٢). ورخص في ثمن الكلب: إبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، وإسحاق بن راهويه، واحتج بأن عثمان قضى بثمنه على قاتله. وكان مالك (٣) يكره أثمان الكلاب كلها، ويرى على من قتل كلب صيد، أو ماشية قيمته، وكان النعمان (٤) يرى بيع الكلاب كلها، ويوجب على قاتلها الغرم. وقال مالك في كلب كثرت قيمته، وذكروه بالغناء في السبع: فراه إلى صاحب المقاسم.

стр. 2608

قال أبو بكر: لا يجوز بيع الكلب، ولا يقسم إن وقع في المغانم، ولكن الإمام يعطي ما كان منه مما يجوز الانتفاع به من شاء من أصحاب المقاسم، وإنما منَعَنا من قسمته نهيُ النبي ﷺ عن ثمن الكلب فذلك على العموم. ٦١٩٩ - أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك (١)، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي مسعود الأنصاري؛ أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن (٢). واختلفوا في الهر يوجد في المغانم فكان الأوزاعي يقول: لا يباع؛ لأن ثمنه مكروه. ٦٢٠٠ - حدثنا موسى، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (٣)، حدثنا وكيع، عن حماد، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة، وعن أبي الزبير، عن جابر؛ أنهما كرها ثمن الهر (٤). وقد روينا عن مجاهد، وطاوس، وجابر بن زيد أنهم كرهوا بيع السنور.

стр. 2609

٦٢٠١ - حدثنا إبراهيم (بن محمد) (١) بن إسحاق، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن السنور (٢). ورخصت طائفة في بيع السنور، وقياس قول من رخص في بيعه، أن يبيعه صاحب المقاسم، ويضم ثمنه إلى أثمان سائر الأشياء، ويقسم ذلك. ٦٢٠٢ - حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا حجاج الأزرق، حدثنا عبيد الله، عن عبد الكريم، عن قيس بن حبنز، عن ابن عباس؛ أنه لم يكن يرى بثمن السنور بأسًا (٣). ورخص في ثمن الهر الحسن البصري، وابن سيرين، والحكم، وحماد، ومالك (٤)، والثوري، والشافعي (٥)، وأحمد (٦)، وإسحاق، وأصحاب الرأي (٧). قال أبو بكر: فأما الصقر، والبازي، والعقاب فبيعها جائز، وقسم أثمانها، كما يجوز بيع (الحمر) (٨)، والبغال، وإن لم يجز أكلها،

стр. 2610

وهذا على مذهب سفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي (١)، وأحمد (٢)، وإسحاق. وكان الشافعي (٣) يقول في الخنازير إذا كانت تعدو يقتلها، وإن أصابوا في بلاد الحرب خمرًا في خوابي، أو زقاق، أهراقوا الخمر وانتفعوا بالزقاق والخوابي وطهروها، وقال: وإذا ظفروا بالكشوت انتفعوا به، قال: ولا يوقح الرجل دابته، ولا يدهن أشاعرها من أدهان العدو؛ لأن هذا غير مأذون له من الأكل، وإن فعل رد قيمته. وقال الأوزاعي في القوم (يغيرون) (٤) فيوافق ذلك يوم الأضحى: قد كان المسلمون يضحون في بلاد عدوهم، فإذا كانت نسكًا شاة شاة عن كل رجل، فلا أعلم بذلك بأسًا. * * * ذكر بيع الرقيق الذين لم يسلموا من أهل الشرك واختلفوا في بيع السبي الرجال والنساء من أهل الحرب منهم. فقالت طائفة: لا بأس ببيعهم منهم هذا قول الشافعي (٥) في الرجال والنساء يباعون منهم، وكذلك الصبيان إذا كانوا مع آبائهم، وقال مالك (٦):

стр. 2611

لا بأس ببيعهم من أهل الذمة، وبه قال الثوري، وكما قال الشافعي، قال أبو ثور. وقال الأوزاعي: كان المسلمون لا يرون ببيع السبي منهم بأسًا، وكانوا يكرهون بيع الرجال إلا أن يفادى بهم أسارى المسلمين. وقال الثوري في رقيق العجم: إن شاء المسلم باعهم من أهل دينهم، لا يبيعهم من أهل الحرب. وقال أحمد بن حنبل (١): لا يباعون صغارًا كانوا أو كبارًا من اليهود والنصارى، وكذلك قال إسحاق. وقال النعمان (٢): إذا كان السبي رجالًا أو نساءًا، فأخرجوا إلى دار الإسلام، فإني أكره أن يبايعوا من أهل الحرب، فيتقوى أهل الحرب بهم، وقال يعقوب: لا ينبغي أن يباع منهم رجل، ولا صبي، ولا امرأة؛ لأنهم قد خرجوا إلى دار الإسلام، وأكره أن يردوا إلى دار الحرب. وكان الشافعي (٣) يقول: الذي قال أبو يوسف من هذا خلاف (أمر رسول الله ﷺ ) (٤) [في] (٥) أسارى يوم بدر، فقتل منهم وأخذ الفدية من بعضهم، ومنَّ على بعضهم، ثم أسر بعدهم بدهرٍ ثمامة بن أثال قال: فَمَنَّ رسول الله ﷺ عليه (٦) وهو مشرك، ثم أسلم بعد، ومنَّ على غير واحد من رجال المشركين، ووهب الزبير بن باطا لثابت بن قيس بن

стр. 2612

شماس ليمنَّ عليه، وأخذ رسول الله ﷺ سبي بني قريظة، فيهم النساء والولدان فبعث بثلث إلى نجد، وثلث إلى تهامة، وثلث قبل الشام، فبيعوا في كل موضع من المشركين، وفدى رسول الله ﷺ رجلًا برجلين. ٦٢٠٣ - أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي (١) قال: أخبرنا سفيان بن عيينة وعبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ فدى رجلًا برجلين (٢). وكان الشافعي (٣) يقول: أما الصبيان إذا صاروا إلينا ليس مع أحد منهم واحد من والديه، فلا نبيعهم منهم، ولا نفادى بهم؛ لأن حكمهم حكم آبائهم ما كانوا معهم، فإذا تحولوا إلينا، ولا والد مع أحد منهم، فإن حكمه حكم مالكه. وقال أبو بكر: وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: رد إليهم صغيرًا بمسلم فيرده الله علينا كبيرًا فنضرب عنقه، قال الراوي: ذلك عن عمر، فأسر الغلام في ولاية هشام بن عبد الملك فضرب عنقه. وقال أصحاب الرأي (٤): لا بأس بأن يباع السبي إذا كانوا رجالًا ونساء من أهل الذمة، ومن المسلمين، ولا يباعون من أهل الحرب.

стр. 2613

جماع أبواب الحكم في رقاب أهل العنوة من الأسارى أو الفداء أو القتل ذكر إثبات الخيار للإمام بين قتل البالغين من رجال العدو وبين المن، أو الفداء بهم قال الله جل ذكره: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (١). ٦٢٠٤ - حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني زهير بن حرب قال: حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة قال: حدثني أبو زميل قال: حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل رسول الله ﷺ القبلة ومد يديه، فجعل يهتف بربه: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذِه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض"، فما زال يهتف بربه مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداءه عن منكبه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه فقال: يا نبي الله كذاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ﵎: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ (٢)، فأمده الله بالملائكة.

стр. 2614

قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خُطم (١) أنفهُ، وشق وجهه كضرب السوط، فاخضرَّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث رسول الله ﷺ ذلك فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة، فقتلوا يومئذٍ سبعين، وأسروا سبعين. قال أبو زميل: قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ : "يا أبا بكر، وعلي، وعمر! ما ترون في هولاء الأسارى؟ " فقال أبو بكر: يا رسول الله! هم بنو العم، والعشيرة، أرى إن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام. قال رسول الله ﷺ : "ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قلت: لا والله يا رسول الله! ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنا منهم، فنضرب أعناقهم، فَتُمَكَّن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان - نسيبًا لعمر - فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدهم، فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد، جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدان يبكيان، فقلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله ﷺ : "أبكي للذي عرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض عليَّ عذابكم أدنى من هذِه الشجرة"، شجرة قريبة من نبي الله ﷺ ، وأنزل

стр. 2615

الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (١)، فأحل الله لهم الغنيمة (٢). ٦٢٠٥ - حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله والحسن بن علي قالا: حدثنا أبو داود الحفري، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن سفيان الثوري، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عَبيدة، عن علي قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ يوم بدر فقال: خيّر أصحابك في الأسارى، إن شاءوا القتل، وإن شاءوا الفداء، على أن يقتل العام المقبل عدتهم منهم، قالوا: الفداء ويقتل منا عدتهم (٣). * * * ذكر خبر ثابت احتج به من استدل من أصحابنا على إثبات الرق على العرب إذا سبوا واختار الإمام استرقاقهم ٦٢٠٦ - حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: لا أزال أحب بني تميم بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ يقولها فيهم، قال: "هم أشد أمتي على الدَّجال"، وكانت منهم سبية عند عائشة، فقال:

стр. 2616

"أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل"، قال: وجاءت صدقاتهم، فقال: "هذِه صدقات قومنا" (١). ٦٢٠٧ - وحدثونا عن أبي موسى، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن عامر، عن أبي هريرة قال: ثلاث سمعتهن لبني تميم من رسول الله ﷺ ، لا أبغض بني تميم بعدهن أبدًا، كان على عائشة نذر محرز من ولد إسماعيل، فسبى سبي من بني العنبر، فقال لها رسول الله ﷺ : "يا عائشة إن سرك أن تفي بنذرك فأعتقي محوزًا من هؤلاء"، فجعلهم من ولد إسماعيل (٢). * * * ذكر الخبر الدال على إباحة إطلاق الأسارى والمن عليهم من غير أخذ مال قال الله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾. ٦٢٠٨ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٣) عن معمر، عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لأسارى بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيًا فكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له" (٤). ٦٢٠٩ - حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا

стр. 2617

إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم، بعثت زينب ابنة رسول الله ﷺ في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها، كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها، قالت: فلما رآها رسول الله ﷺ رقّ لها رقة شديدة، وقال: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي لها فافعلوا". فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه، وردوا عليها الذي لها، وكان رسول الله ﷺ قد أخذ عليه، أو وعد رسول الله ذلك أن يخلى سبيل زينب إليه، أو كان فيما اشترط عليه في إطلاقه، ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله ﷺ فيعلم ما هو، إلا أنه لما خرج أبو العاص إلى مكة، وخلي سبيله، بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ورجلًا من الأنصار مكانه، فقال: كونا ببطن يأجج، حتى تمر بكما زينب فتصحبانها، حتى تأتياني بها، فخرجا مكانهما، وذلك بعد بدر بشهر، أو شَيعِهِ، فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها، فجعلت تجهز" (١). * * * ذكر إباحة أخذ المال على إطلاق الأسارى ٦٢١٠ - حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن

стр. 2618

عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد قال: ناحت قريش على قتلاهم ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ ذلك محمدًا وأصحابه، فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا في أسرائكم، حتى تستأنوا بهم، لا يا رب (١) عليكم محمد وأصحابه في الفداء، وكان في الأسارى أبو وداعة بن صبيرة السهمي، فقال رسول الله ﷺ : "إن له بمكة ابنًا كيسًا تاجرًا ذا مال، وكأنكم به قد جاءكم في فداء أبيه، فإنما قالت قريش: لا تعجلوا بفداء أسرائكم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه"، قال المطلب بن أبي وداعة: وهو الذي كان رسول الله ﷺ عناه: صدقتم فلا تعجلوا، ثم انسلّ من الليل، فقدم المدينة، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم، فانطلق به. قال أبو بكر: ٦٢١١ - روى هذا الحديث نصر بن علي، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير أن قريشًا ناحت قتلاهم .. (٢) وذكر الحديث. ٦٢١٢ - حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ابن أبي أويس، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن موسى بن عقبة، عن الزهري، عن

стр. 2619

أنس: أن رجالًا من الأنصار قالوا: يا رسول الله! ائذن لنا، فلنترك لابن أخينا عباس فداءه. قال: "لا والله، لا تذرون له درهمًا" (١). ٦٢١٣ - حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي، حدثنا سفيان بن حبيب قال: حدثنا شعبة، عن أبي العنبس، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ جعل فداء أهل الجاهلية يومئذ أربعة آلاف درهم (٢). * * * ذكر إباحة إطلاق الأسير على عمل معلوم يعمله تجوز الإجارة عليه ٦٢١٤ - ومن حديث محمد بن يحيى قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا علي بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان ناس من الأسارى يوم بدر ليس لهم فداء، فجعل رسول الله ﷺ فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة، قال: فجاء غلام من أولاد الأنصار إلى أبيه، قال: ما شأنك؟ قال: ضربني معلمي. قال: الخبيث يطلب بذَحلِ بدرٍ، والله لا تأتيه أبدًا" (٣).

стр. 2620

ذكر خبر احتج به من قال: إن أسر من خرج من المشركين كرهًا إلى قتال المسلمين مباح ٦٢١٥ - حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرِّب، عن علي أن رسول الله ﷺ قال للناس يوم بدر: "انظروا من استطعتم أن تأسروا من بني عبد المطلب، فإنما أخرجوا كرهًا" (١). * * * ذكر الخبر الدال على أن حكم من خرج من المشركين كرهًا إلى القتال، حكم من خربم طائعًا فيما يؤخذ منه من الفداء ٦٢١٦ - حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا خلف بن الوليد وأبو خالد الأموي، قالا: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرِّب، عن علي قال: لما قدمنا المدينة، أصبنا من ثمارها، واجتويناها، وأصابنا بها وعكٌ، وكان رسول الله (يتخبر) (٢) عن بدر، قال: فلما بلغنا أن المشركين أقبلوا، سار رسول الله ﷺ إلى بدر - وبدر بئر - وسبقنا المشركين إليها، فوجدنا فيه رجلين منهم، رجلًا من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط، فأما القرشي فأفلت، وأما مولى عقبة فأخذناه، فجعلنا نقول له: كم القوم؟ قال: هم كثير عددهم، شديد بأسهم،

стр. 2621

فجعلوا إذا قال ذلك ضربوه، حتى انتهوا إلى رسول الله ﷺ فقال: "كم القوم؟ " فقال: هم كثير عددهم، شديد بأسهم، فجهد النبي ﷺ أن يخبره كم هم؟ فأبى، ثم إن رسول الله ﷺ سأله: "كم ينحرون من الجزر؟ قال: عشرة كل يوم. فقال رسول الله: "القوم ألف". قال: ثم أصابنا من الليل طش من مطر، قال: فانطلقنا تحت الشجر [والحجف] (١) نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ يدعو، اللهم إن تهلك هذِه العصابة لا تعبد في الأرض، فلما طلع الفجر نادى بالصلاة، فجاء الناس من تحت الشجر [والحجف] (١)، فصلى بهم، وحض على القتال، ثم قال: إن جمع قريش عند هذا الضلع الحمراء من الجبل، فلما دنا القوم منا وصاففناهم إذا رجل منهم على جمل أحمر يسير في القوم فقال رسول الله ﷺ : "ناد حمزة". وكان أقربهم إلى المشركين من صاحب الجمل الأحمر، وماذا يقول لهم، ثم قال رسول الله ﷺ : "إن يكُ في القوم أحد يأمر بخير فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر". فقالوا: هو عتبة بن ربيعة ينهى عن القتال، ويقول: يا قومِ إني أرى قومًا لا تصلون إليهم وفيكم خير، يا قوم! أعصبوها اليوم برأسي وقولوا: جبن عتبة بن ربيعة، ولقد علمتم أني لست بأجبنكم، فسمع ذلك أبو جهل فقال: أنت تقول هذا، والله لو غيرك يقول هذا عضضته، قد ملئت رئتاك بخوفك رعبًا، فقال عتبة: إياي - تعني يا مُصَفّر استه؟ ستعلم اليوم أينا أجبن؟ فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد، فقالوا من يبارز؟ فخرج فتية

стр. 2622

من الأنصار ستة، فقال عتبة: لا نريد هؤلاء، ولكن يبارزنا من بني عمنا من بني عبد المطلب، فقال رسول الله ﷺ : "قم يا علي، قم يا حمزة، قم يا عَبيدة بن الحارث"، فقتل الله عتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة، وجرح عبيدة بن الحارث، فقتلنا منهم سبعين، وأسرنا سبعين، فجاء رجل قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا فقال العباس: يا رسول الله؟ إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق، ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال: "اسكت، فقد آزرك الله بملك كريم". فقال علي: وأسرنا من بني عبد المطلب العباس، وعقيل، ونوفل بن الحارث (١). * * * ذكر إباحة إيثاق الأسارى إلى أن يرى الإمام فيهم رأيه ٦٢١٧ - أخبرنا محمد بن علي النجار، أخبرنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قيل للنبي ﵇ حين فرغ من بدر: عليك العير ليس دونها شيء. قال: فناداه العباس وهو في وثاقه: لا يصلح. فقال النبي ﷺ : "لِمَ؟ " قال: لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك (٢).

стр. 2623

٦٢١٨ - أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي (١) قال: أخبرنا الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال: أسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلًا من بني عقيل، فأوثقوه، وطرحوه في الحرة، فمر به رسول الله ونحن معه - أو قال: أتى عليه رسول الله ﷺ على حمار، وتحته قطيفة - فناداه يا محمد؟ فأتاه النبي ﷺ : "ما شأنك؟ " قال: فيما أُخذت، وفيما أخذت سابقة الحاج؟ فقال: "أُخِذْتَ بجريرة حلفائك ثقيف"، وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ ، فتركه ومضى، فناداه، يا محمد! يا محمد، فرحمه رسول الله فرجع إليه، فقال: "ما شأنك؟ قال: إني مسلم. قال: "لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح"، فتركه ومضى فناداه: يا محمد؟ فرجع إليه، فقال: إني جائع فأطعمني - قال: وأحسبه قال - وإني عطشان فاسقني. قال: "هذِه حاجتك". قال: [ففداه] (٢) رسول الله بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف، وأخذ ناقته تلك (٣). قال أبو بكر: وقد تكلم أصحابنا في قوله: إني مسلم. قال: "لو قلتها وأنت تملك نفسك أفلحت كل الفلاح"، قال قائل: يحتمل أن يكون قوله: إني مسلم للخوف، يريد مستسلم لا مسلم لله فقال: لو قلتها لا على الخوف الذي اضطرك إلى ما قلت، أفلحت كل الفلاح، فهذا صدق؛ لأن الإكراه إذا ارتفع عنه، كان إسلامه اختيارًا لله ورغبة في توحيد الله، فأعلمه لو سبق هذا القول الإكراه كان إيمانًا، فلما لم يكن سابقًا

стр. 2624

حتى كان الإكراه، كان على غير الإسلام، بل كان على أن يتناول بذلك الطعام والشراب لقوله ﷺ : "ذلك الذي طلبت" فأبان له النبي ﷺ ما في ضميره، لما أعلمه الله، وكذلك يكون الله أعلمه أن إسلامه ليس بإسلام، فكان على كفره المتقدم، ولذلك فدى به رجلين من المسلمين؛ لأن من سنته ألا يفدي مسلمًا بمسلم، ولو كان مسلمًا لم يمكن منه الكفار. وقال آخر: في قوله: "لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح" يشبه أن يكون يريد لو قلت: إني مسلم قبل أن تُؤسر أفلحت كل الفلاح؛ أي: دنيا وآخرة، فلم تؤسر في الدنيا فتوثق، ولم تعذب في الآخرة إذا أسلمت طوعًا لا كرهًا، وأما إذا قلت: إني مسلم بعد [الأسر] (١) فلم تفلح كل الفلاح أي أن هذا الكلام لا يخرجك من الرق في الدنيا بعد إذ أسرت وأنت كافر لا مسلم، إذ لا خلاف بين المسلمين أعلمه أن الأسير من المشركين إذا أسلم بعد الإسار، لا يصير حرًا بإسلامه، إلا من زعم أن العرب لا يجري عليهم ملك. فأما فداء النبي ﷺ العقيلي بالرجلين من المسلمين كانا في يدي ثقيف أسيرين، فيشبه أن يكون إنما أطلقه من الأسر، لتطلق ثقيف عن الأسيرين اللذين له في أيديهم، (فيرجع) (٢) الثقفي إليهم حرًّا مسلمًا مطلقًا من الأسر والوثاق، خارجًا من العبودية، لا أن ثقيف يملكونه ملك رق وهو مسلم، وهم مشركون، إذ غير جائز عند جميع العلماء أن يرد مسلم إلى المشركين، فيستعبدونه في دار [الشرك] (٣)، ولا في

стр. 2625

دار الإسلام، وغير جائز أن يكون حكم العقيلي بعد قوله: إني مسلم حكم المشركين، إذ كان أحكام الدنيا عند النبي ﷺ إنما كان حكم الظاهر لا حكم الباطن المغيب الذي تولى الله علمه، فلم يُطْلِع عليه عباده، "لا تسمع خبر المقداد بن عمرو الكندي، واستئذانه النبي ﷺ في قتل الرجل بعد قوله: أسلمت لله، وتغليظ النبي ﷺ في ذلك، وقوله: "لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وهو بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال" (١). وكان الشافعي (٢) يقول: في قوله "أخذت بجريرة حلفائك" إنما هو أن المأخوذ مشرك، مباح الدم والمال بشركه من جميع جهاته، والعفو عنه مباح، فلما كان هكذا، لم ينكر أن يقول: "أخذت" أي حبست "بجريرة حلفائكم" ثقيف، ولما كان حبسه هذا حلالًا بغير جناية غيره، وإرساله مباحًا، جاز أن يحبس بجناية غيره لاستحقاقه ذلك بنفسه. وقال بعض أهل العلم: إن في قوله "أخذت بجريرة حلفائك" كالدليل على أنه كان بينه وبينهم موادعة أو صلح، فنقضت ثقيف الموادعة أو الصلح بأسرهم الرجلين من أصحاب النبي ﷺ ، فأباح النبي ﵇ أسر العقيلي بنقض ثقيف الموادعة أو الصلح، وترك بني عقيل الإنكار عليهم ومنعهم من فعلهم الذي كان نقض الصلح أو الموادعة. * * *

стр. 2626

ذكر الحكم في الأسارى من المشركين جاءت الأخبار عن رسول الله ﷺ بأنه سن في الأسارى سننًا ثلاثًا: المن، والفداء، والقتل، فمما يدل على المن من سنته، قوله في أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيًا وكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له" (١)، ودل إطلاقه أبا العاص بن الربيع على مثل ذلك، وفعل ذلك بأهل مكة أمنهم، فقال "من أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن "ومنَّ على أهل خيبر فلم يقتلهم، افتتحها عنوة وقسم أراضيها، ومنَّ على رجالهم وتركهم عمالًا في الأرض والنخل معاملة على الشطر (٢)، لحاجة المسلمين كانت إليهم، حتى أخرجهم عمر حين استغنى عنهم، ومما يدل على أن للإمام أن يُفدي بأسارى المشركين أسارى المسلمين خبر عمران بن حصين. ٦٢١٩ - حدثنا يحيى بن محمد قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: أخبرنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ فدا رجلين من المسلمين برجل من المشركين من بني عقيل (٣). قال أبو بكر: فأما سنته في قتل الأسارى؛ فقتله قريظة لما نزلوا على حكم سعد بن معاذ، وأمره بقتل ابن خطل يوم دخل مكة.

стр. 2627

٦٢٢٠ - حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا القعنبي، عن مالك (١)، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المِغْفَر، فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه (٢). ٦٢٢١ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق (٣)، عن معمر، عن قتادة قال: وأخبرنيه عثمان الجَزَري، عن عكرمة (٤)، عن ابن عباس قال: فادى النبي ﷺ أسارى بدر، وكان فدي كل واحد منهم أربعة آلافٍ، وقتل عقبة بن أبي معيط قبل الفداء، قام إليه علي بن أبي طالب فقتله صبرًا. فقال: من للصبية يا محمد؟ قال: النار (٥). * * * ذكر اختلاف أهل العلم في هذا الباب اختلف أهل العلم في الأسارى. فقالت طائفة: الإمام بالخيار إن شاء منَّ عليهم، وإن شاء قتلهم، وإن شاء فادى بهم، وإن شاء من على

стр. 2628

بعضهم، وقتل بعضهم، وفادى بعضهم، ولا ينبغي له أن يقتلهم إلا على النظر للمسلمين من تقوية دين الله، وتوهين عدوه وغيظهم، وقتلهم بكل حالِ مباح هذا قول الشافعي (١)، وبه قال أبو ثور وهو مذهب أحمد بن حنبل (٢). وقال مالك (٣) في الرجال البالغين: ذلك إن شاء قتلهم، وإن شاء فادى بهم أسراء المسلمين. وقال الأوزاعي في الأسير: يقتله إن شاء، وإن شاء عرض عليه الإسلام، فإن أسلم فهو عبد للمسلمين، وإن شاء منّ عليه، وإن شاء فادى به أسراء المسلمين. وكان سفيان الثوري، وأبو عبيد يقولان: الإمام مُخيّر في أسراء المشركين إن شاء قتلهم، وإن شاء فادى بهم، وإن شاء منّ عليهم، وإن شاء استرقهم. وقال أصحاب الرأي (٤) في الرجال البالغين: إن شاء أن يعرض عليهم الإسلام فعل، وإن لم يعرض فلا بأس، فإن شاء ضرب أعناقهم، وإن رأى أن يمنّ عليهم فيصيرهم فيئًا يقسم بين المسلمين فعل، وينبغي للإمام أن ينظر أي ذلك خيرٌ للمسلمين، فإن كان قتلهم خير للمسلمين وأنكى للعدو قتلهم، وإن رأى أن يصيّرهم فيئًا ويقسم بين المسلمين، ورأى ذلك خيرًا فعل، وإن رأى قتلهم فلا يقتل شيخًا

стр. 2629

كبيرًا، ولا مقعدًا، ولا أعمى، ولا مصابًا، ولا زمنًا، ولا امرأة، ولا صبيًا، (ويكونون) (١) فيئًا للمسلمين على كل حال أسلموا أو لم يسلموا، ويقسمون مع الغنيمة. ٦٢٢٢ - حدثنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد (٢)، حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قول الله جل ذكره: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣)، قال: ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذٍ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم، أنزل الله بعد هذا في الأسارى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٤)، فجعل الله النبي ﷺ والمؤمنين في الأسارى بالخيار، إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا استعبدوهم، وإن شاءوا (فادوا بهم) (٥) - ثم أبو عبيد بعّد في استعبدوهم (٦) (٧). * * *

стр. 2630

ذكر قول من مال إلى القتل ورأى أنه أعلى من المن والفداء روينا عن أبي بكر الصديق، وليس بثابت عنه (١)، أنه قال في أسير يعطى به كذا وكذا، اقتلوه قتل رجل من المشركين أحب إليَّ من كذا وكذا، فكان عمر بن عبد العزيز، وعياض بن عقبة بن نافع يقتلان الأسارى. وقال مجاهد في أميرين، أحدهما يقتل الأسارى، والآخر يفادي، الذي يقتل أفضل. وقال مالك (٢) في الأسارى: أمثل ذلك عندي أن يقتل كل من خيف. وقال إسحاق بن راهويه (٣): الإثخان أحب إليّ (إلا) (٤) أن يكون معروفًا يطمع به الكثير. قال أبو بكر: ولعل من يميله إلى القتل قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ (٥). ٦٢٢٣ - حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا سليمان بن داود الزهراني قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر قال: أخبرني أبي وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: اختلف الناس في أسارى بدر فاستشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر. فقال أبو بكر:
следующие страницы →