← Фикх общий

Фикх общий · id 1568

الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف - ط الفلاح

ابن المنذر

Полный текст (7 126 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ : فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين ممن بمكة، يخبر ببعض أمر رسول الله ﷺ فقال: "ما هذا يا حاطب؟ " فقال: لا تعجل عليَّ، إني كنت امرءًا ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان (من) (١) معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها قراباتهم، ولم يكن لي بمكة قرابة، فأحببت إذ فاتني ذلك، أن أتخذ عندهم يدًا، والله ما فعلته شكًا في ديني، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "صدق". فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب هذا المنافق. فقال النبي ﷺ : "إنه قد شهد [بدرًا] (٢)، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم". ونزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٣) (٤). قال الشافعي: وفي هذا الحديث مع ما وصفت لك طرح الحكم باستعمال الظنون؛ لأنه لما كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال، واحتمل المعنى الأقبح، كان القول قوله فيما احتمل فعله، وحكم رسول الله ﷺ بأن لم يقتله، ولم يستعمل عليه الأغلب، ولا أعلم أحدًا أتى في مثل هذا أعظم في الظاهر من هذا؛ لأن أمر رسول الله ﷺ مباين في عِظَمِهِ لجميع الآدميين بعده، وإذا كان من خان من المسلمين رسول الله، ورسول الله ﷺ يريدُ غِرَّتَهم فصدَّقه

стр. 2697

على ما غاب عليه من ذلك، غير مستعمل عليه الأغلب مما يقع في النفوس، فيكون كذلك مقبولًا، كان من بعده في أقل من حاله، وأولى أن يقبل منه [مثل] (١) ما قبل فيه. قال الشافعي: فإذا كان هذا من الرجل ذي الهيئة بجهالة، كما كان هذا من حاطب بجهالة، وكان غير متهم، أحببت أن يتجافى عنه، وإن كان من غير ذي الهيئة، كان للإمام والله أعلم تعزيره. * * * المستأمن يطلع عليه أنه عين للمشركين يكتب إليهم بأخبار المسلمين قد ذكرت قول الأوزاعي فيما مضى في هذِه المسألة، إن كان ذميًا قتل، فإنه قد نقض عهده: وقال الشافعي (٢) في الذي يكتب بعورة المسلمين، أو يخبر عنهم، بأنهم أرادوا بالعدو شيئًا، ليحذروه: يعزر هؤلاء، ويحبس عقوبة، وليس هذا بنقض للعهد يحل سبيهم، ولا أموالهم، ولا دماءهم، وإذا صار منهم واحد إلى بلاد العدو فقال: لم أرد بهذا نقضًا للعهد، فليس بنقض للعهد، ويعزر ويحبس، وقال في الرهبان إذا دلّوا على عورة المسلمين: يعاقبون، ولا ينزلون (٣) من الصوامع، ويكون من عقبوتهم إخراجهم إلى (٤) أرض الإسلام فيخيرون بين أن يعطوا الجزية ويقيمون

стр. 2698

ببلاد المسلمين، أو يتركون يرجعون، فإن عادوا أودعهم السجن وعاقبهم مع السجن. قيل: فإن أعانوهم بالكراع، والسلاح والمال؟ قال الشافعي: بعض هذا أعظم من بعض، ويعاقبون بما وصفت، ولا يبلغ بهم قتل، ولا حد، ولا سباء. وقال الشافعي: إن قاتل أحد من غير أهل الإسلام راهب، أو ذمي، أو مستأمن، مع أهل الحرب، حل قتله وسباؤه، وسباء ذريته، فأما ما دون القتال، يعاقبون بما وصفت، ولا يقتلون ولا تغنم أموالهم، ولا يسبون. وقال أصحاب الرأي (١): لو أن بعض أهل الذمة الذين في دار الإسلام ظهر عليه، وهو مكاتب أهل الحرب، ويطلعهم على عورات المسلمين، لم يكن ذلك نقضًا للعهد، وينبغي للإمام أن يوجعه عقوبة، ويطيل حبسه، (حتى) (٢) يظهر توبة، أو إقلاعًا من ذلك، ولا يقتله. * * * ذكر أم ولد الحربي تسلم وتخرج إلى دار الإسلام قال أبو بكر: قد ذكرنا فيما مضى أن النبي ﷺ أعتق يوم الطائف من خرج إليه من رقيق المشركين، وذكرنا أن كل من نحفظ عنه من أهل العلم قال به. واختلفوا في أم ولد الحربي تسلم في دار الحرب، ثم تخرج إلى

стр. 2699

أرض الإسلام، فكان النعمان (١) يقول: أنه تُزوَّج إن شاءت، ولا [عدة] (٢) عليها. وقال الأوزاعي: أي امرأة هاجرت إلى الله بدينها فحالها كحال المهاجرات، لا تزوج، حتى تقضي عدتها. وقال الشافعي (٣): تستبرأ بحيضة، لا بثلاث حيض. * مسألة: قال النعمان (٤) في امرأة أسلمت من أهل الحرب، وخرجت إلى دار الإسلام، وليست بحبلى: أنه لا عدة عليها، ولو أن زوجها طلقها، لم يقع عليها طلاقه. وقال الأوزاعي (٤): بلغنا أن المهاجرات قدمن على رسول الله ﷺ وأزواجهن بمكة مشركون، فمن أسلم منهم، فأدرك امرأته في عدتها، ردها عليه رسول الله ﷺ (٥)، وقال يعقوب (٤): على أم الولد العدة، وعلى المرأة الحرة العدة، كل واحدة منهن ثلاث حيض، لا يتزوجن حتى تنقضي (عدتهن) (٦)، ولا سبيل لأزواجهن، ولا لمواليهن، إليهن آخر الأبد.

стр. 2700

وقال الشافعي (١) في المرأة تخرج من دار الحرب مسلمة، وزوجها كافر مقيم بدار الحرب: لا تتزوج حتى تنقضي عدتها، كعدة الطلاق، فإن قدم زوجها حرًا مسلمًا قبل انقضاء عدتها، فهما على النكاح الأول، وكذلك لو أسلم أحد الزوجين وهما في دار الحرب، لا فرق بين دار الحرب ودار الإسلام في هذا. * * * * ذكر النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض الشرك ٦٢٧٢ - أخبرنا محمد بن عبد اللّه، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد اللّه بن عمر ومالك وغيرهما، عن نافع، عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو خشية أن يناله العدو (٢). ٦٢٧٣ - حدثنا محمد بن مهل، حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: نهى رسول اللّه ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله المشركون (٣). قال أبو بكر: وسئل مالك (٤) أيسافر الرجل بالمصحف؟ فقال: أما في أرض العدو فلا، وأما في أرض الإسلام فنعم.

стр. 2701

وقال أحمد (١): لا ينبغي أن يغزو الرجل ومعه مصحف. قال أبو بكر: وخالف النعمان الخبر الثابت عن رسول الله ﷺ في هذا الباب، وما جاء في ذلك عن عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، فقال: لا بأس أن يسافر بالقرآن في أرض الحرب (٢). * * * وطئ الرجل جارية يشتريها في دار الحرب واختلفوا في وطئ الرجل أمته التي (يبتاعها) (٣) في أرض الحرب، فأباحت طائفة وطئها على ظاهر قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٤)، وممن أباح ذلك مالك (٥)،

стр. 2702

والأوزاعي (١)، والشافعي (٢)، وسئل مالك عن الرجل يبتاع الجارية في أرض الروم من الفيء يطؤها بعد أن (يستبرئها) (٣) بحيضة؟ قال: نعم. وقال الأوزاعي كذلك، وقال (١): فإن المسلمين قد وطئوا مع رسول اللّه ﷺ ما أصابوا من السبايا في غزوة بني المصطلق قبل أن يقفلوا، وبه قال الشافعي. قال الشافعي (٢): وقد وطئ أصحاب رسول الله ﷺ بعد الإستبراء في بلاد العدو، وعرّس رسول الله ﷺ بصفية بالصهباء، وهي غير بلاد الإسلام، والسبي قد جرى عليهم الرق، و (انقضت العصمة بينهم) (٤) وبين من يملكهم بنكاح أو شراء. وقال سفيان الثوري في أمة يشتريها المرء منهم أيطؤها؟ قال: نعم. وقال أبو ثور: يطؤها. وقال النعمان (٥): إذا اشترى الرجل أمته فليس له أن يطأها. وقال يعقوب (٥): قال النعمان: لا يطؤها، وكان ينهى عن هذا أشد النهي، ويقول: قد أحرزها أهل الشرك، ولو أعتقوها جاز عتقهم، (وكذلك لا يطؤها) (٦) مولاها، وليس هذِه كالمدبرة، وأم الولد؛ لأنهم يملكون الأمة، ولا يملكون أم الولد ولا المدبرة.

стр. 2703

قال أبو بكر: الجواب فيما أجاب به يعقوب حيث قال محتجًا لقولهم: ولو أعتقوها جاز عتقها، ليس كما ذكرت، بل الأخبار عن رسول اللّه ﷺ تدل على أن عتقهم غير جائز، لقول النبي ﷺ : "ولا عتق فيما لا يملك" (١)، ولحديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: "لا نذر فيما لا تملك" (٢)، فأما أن يجعل يعقوب مسألة قد خولف فيها أصلًا لمسألة أخرى خولف فيها، فمن شاء فعل كفعله، والحجة أن يفزع المحتج إلى كتاب، أو سنة، أو إجماع. * * * ذكر وطئ الرجل زوجته وأم ولده اللتين قد سباهما العدو واختلفوا في وطئ الرجل زوجته أو أم ولده إذا أمكنه وطؤهما وهما بأيدي العدو. فقالت طائفة: لا بأس أن يطأهما إذا لقيهما، هذا قول النعمان (٣). وكان الأوزاعي (٤) يقول: إذا أحرزهم عدو كانوا أقدر على فروجهن سرًّا وجهرًا منه، لم يصلح له أن يطأ فرجًا يتعاوره (٥) رجلان، يطؤها هو في السر، وزوجها الكافر في العلانية، ولو لقيها وليست بذات زوج فيهم، ما له أن يطأها، حتى يخلوا بينه وبينها، فيخرج بها إلى دار الإسلام.

стр. 2704

المسلم يدخل دار الحرب بأمان فيغدر واختلفوا في الأسير المسلم في الحرب، أو المسلم يدخل دار الحرب بأمان هل له أن يأخذ من أموالهم أم لا؟ فكان الشافعي (١) يقول: معروف عندهم في أمانهم إياه، وهم قادرون عليه، أنه يلزمه لهم، أن يكونوا مثله آمنين. وهذا على مذهب الأوزاعي، قال: المؤمن ليس بختارٍ (٢)، ولا غدّارٍ، يرد عليهم ما أخذ منهم، وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "للغادر لواء يوم القيامة يقال له هذِه غدرة فلان" (٣)، وقد بلغنا أن رجلًا غدر بأصحابه من المشركين في مسيرهم فقتلهم، وأقبل بأسلابهم إلى رسول اللّه ﷺ فكره أخذها منه، وحمَّله منه ما يحمل (٤)، وقول أحمد بن حنبل (٥) كقول الشافعي. وكان النعمان يقول في الرجل يدخل دار الحرب بأمان فقتل منهم رجلًا في دار الحرب، [أو غصب] (٦) منهم متاعًا، ورقيقًا، (فخرج) (٧)

стр. 2705

بهم إلى دار الإسلام، ثم أن أهل الحرب استأمنوا وصاروا ذمة، قال: ما كنت أرد عليهم، قيل: فلو غدر بهم فأخذ مالًا، ورقيقًا، ثم خرج بهم إلى دار الإسلام فاشترى رجل مسلم من أولئك الرقيق شيئًا، قال: ذلك جائز (١). قال أبو بكر: إذا دخل الرجل دار الحرب بأمان فهو آمن بأمانهم، وهم آمنون بامانه، ولا يجوز له أن يغدر بهم، ولا يخونهم، ولا يغتالهم، فإن أخذ منهم شيئًا، فعليه رده (إليهم) (٢)، فإن أخرج منه شيء إلى دار الإسلام وجب رد ذلك إليهم، وليس لمسلم أن يشتري ذلك ولا يتلفه؛ لأنه مال له أمان، وقد كان المغيرة صحب قومًا فأخذ أموالهم، فقال النبي ﷺ : "أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء" (٣). قال أبو بكر: والغدر لا يجوز، والأمانات مؤداة إلى البرِّ والفاجر، والمؤمن والمشرك، وسئل مالك عن رجلٍ من أهل الحرب دخل إلينا بأمان، فقتله رجل من المسلمين؟ قال مالك (٤): يدفع ديته إلى ورثته في بلاد الحرب. وقال الأوزاعي في رجل من العدو استأمن إلى المسلمين، فلقيه رجل

стр. 2706

من المسلمين، فقتله بعد أمانه عمدًا أو خطأ، قال: إن كان قتله خطأ فعلى عاقلته، ثم يوقف عقله، فإن جاء له ولي يثبت، دفع إليه عقله، وإِن كان عمدًا عاقبه الإمام، وجعل عقله في ماله خاصة، فإن جاء له ولي دفع إليه. * مسألة: قال النعمان في رجل مسلم دخل دار الحرب بأمان، فأدانه حربي دَينًا، ثم خرجا إلينا، خررج الحربي مستأمنًا فأراد الحربي أن يأخذه بماله، قال: لا يقضى له على المسلم بدَينه، وكذلك لو كان المسلم هو أدان الحربي دَينًا، كان سواء، ولم يُقْضَ له على الحربي بدين (١). وفي قول الشافعي (٢) يقضى بالمال في الوجهين جميعًا وكذلك أقول. * * *

стр. 2707

جماع أبواب الصلح والعهود الجائزة بين أهل الإسلام وأهل الشرك سوى أهل الكتاب ذكر مصالحة الإمام أهل الشرك على أن يتركوا مالهم ولا يتعرضوا لأموالهم وذراريهم من غير مال يؤخذ منهم ولا جزية ٦٢٧٤ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن معمر، قال: أخبرني الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم يُصَدِّقُ كل واحد منهما صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة، قلّد رسول الله ﷺ الهدي، وأشعره، وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينًا له من خزاعة، يخبره عن قريش، وسار رسول اللّه ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبًا من عسفان أتاه عينه الخزاعي، فقال: إن كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابش - وقال غيره: الأحابيش، وهو الصحيح - وجمعوا لك جموعًا كثيرة، وهم مقاتلوك، وصادّوك عن البيت. فقال النبي ﷺ : "أشيروا عِليَّ، أترون أن نميل إلى [ذراري] (١) هولاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتورين محزونين، وإن نجوا تكن عنقًا قطعها اللّه، أم ترون أن نؤم البيت، فمن صدنا عنه قاتلناه". فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم، يا نبي اللّه! إنما جئنا معتمرين، ولم نجيء لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين

стр. 2708

البيت قاتلناه. قال رسول اللّه ﷺ : "فروحوا إذًا". قال معمر: قال الزهري: فكان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحدًا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول اللّه، قال الزهري في حديث المسور ومروان -: فراحوا - يعني - حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ : "إن خالد بن الوليد بالغميم، في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين"، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، ثم سار رسول اللّه ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت به راحلته، فقال الناس: حَلُ حَلُ، فألحت. فقالوا: خلأت القصواء، خلأت. فقال النبي ﷺ : "ما خلأت القصواء، وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل" ثم قال: "والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات اللّه إلا أعطيتهم إياها"، (ثم) (١) زجرها فوثبت به. قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية، على ثمد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضًا، فلم يلبثه الناس أن نزحوه (فشُكِي) (٢) إلي رسول اللّه ﷺ العطش فانتزع سهمًا من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فواللّه ما زال يجيش لهم بالريّ حتى صدروا عنه، فبينا هم كذلك، إذ جاء بُديَل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، (وكان) (٣) عيبة نصح رسول اللّه ﷺ من أهل تهامة. فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال رسول اللّه ﷺ :

стр. 2709

"إنا لم نجئ لقتال أحدٍ، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاءوا (هادنتهم) (١) مدة، ويخلوا [بيني] (٢) وبين الناس، فإن أظهر، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا، فَإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره". فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشًا، فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا: فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء. وقال ذووا الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال رسول اللّه ﷺ ، فقال عروة بن مسعود الثقفي: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أوَلستُ بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني. قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلّحوا [علي] (٣)، جئتكم بأهلي، وولدي، ومن أطاعني. قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آته. قالوا: - ائته فأتاه. قال: فجعل يكلم النبي ﷺ . فقال النبي ﷺ نحوًا من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك، وإن [تكن] (٤) الأخرى، فواللّه إني لأرى وجوهًا، وأرى أشوابًا من

стр. 2710

الناس خُلقاء أن [يفروا] (١) ويدعوك، فقال أبو بكر: امصص بظر اللات، أنحن نفر وندعه. فقال: من ذا؟ قال: أبو بكر. فقال: أما والذي نفسي بيده لولا يد لك عندي لم أجز بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي ﷺ ، فكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول اللّه ﷺ ، ومعه السيف، وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب بيده بنعل السيف وقال: أخِّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ ، فرفع عروة رأسه وقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. قال: أي [غدر] (٢)، أو لست أسعى في غدرتك - وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فغدرهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : "أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء" - ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي ﷺ بعينيه، قال: فوالله ما يتنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في يد رجل منهم، فيدلك بها وجهه وجلده، فإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا (تكلم) (٣) خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون النظر إليه تعظيمًا له. قال: فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدتُ على الملوك، ووفدتُ على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله إن رأيتُ مَلِكًا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فيدلك بها وجهه وجلده، وإذا

стр. 2711

أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا (تكلم) (١) خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها منه. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته. قالوا: ائته، فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ : "هذا فلان من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له"، فبعثت له واستقبله القوم يلبّون، فلما رأى ذلك قال: سبحان اللّه ما ينبغي [لهؤلاء] (٢) أن يصدوا عن البيت. قال: فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقال رجل منهم - يقال له مكرز بن حفص - دعوني آته. قالوا: ائته، فلما أشرف عليهم، قال النبي ﷺ : "هذا مكرز" - وهو رجل فاجر - فجعل يكلم النبي ﷺ ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو - قال معمر: فأخبرني أيوب، عن عكرمة أنه لما جاء سهيل، قال النبي ﷺ : "قد سهل الله لكم من أمركم. قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو - فقال: هات أكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعى "الكاتب" (٣)، فقال رسول الله: "اكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم". فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي، [ولكن] (٤) اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: واللّه لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ : "اكتب باسمك اللهم".

стр. 2712

ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللّه". فقال سهيل: واللّه لو كنا نعلم أنك رسوله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد اللّه. فقال النبي ﷺ : "واللّه (١) إني لرسول اللّه، وإِن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد اللّه - فقال الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألوني خطةً يعظمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها" - فقال النبي ﷺ : ["على] (٢) أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به". فقال سهيل بن عمرو: واللّه لا تتحدث العرب أنَّا أُخِذنا ضغطةً، ولكن لك من العام المقبل، فكتب. فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. فقال المسلمون: سبحان اللّه، كيف يرد إلى المشركين، وقد جاء مسلمًا، فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو، يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة، حتى رمى نفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما نقاضيك عليه، أن ترده إلي. فقال النبي ﷺ : "إنا لم نقض الكتاب بعد". قال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء. قال النبي ﷺ : "فأجزه لي". قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: "بلى فافعل". قال: ما أنا بفاعل. فقال مكرز: بلى قد أجزناه لك. فقال أبو جندل: أي معاشر المسلمين: أَأُرَدُّ إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما لقيت، وكان قد عذب عذابًا شديدًا في اللّه. فقال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذٍ، فأتيتُ النبي ﷺ ، فقلت: ألستَ بنبي للّه حقًّا؟ قال: "بلى". قلت:

стр. 2713

ألست على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى". قال. فلِم نُعطي الدنية في ديننا إذًا. قال: "إني رسول اللّه، ولست أعصيه، وهو ناصري". قلت: أو ليس كنت وعدتنا أنَّا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: "بلى. أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ " قلت: لا. قال: "فإنك آتيه ومطوف به". قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر! أليس هذا نبي الله حقًّا؟ قال: بلى. قلت: أفلَسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نُعطي الدنية في ديننا؟ قال: أيُّها الرجل! إنه رسول اللّه، وليس يعصي ربه، فهو ناصره، فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق. قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ [قال: فأخبرنا أنه سيأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به] (١) - قال الزهري: قال عمر فعملت لذلك أعمالًا -. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول اللّه ﷺ لأصحابه: "قوموا فانحروا، ثم احلقوا"، قال: فوالله ما قام منهم أحد حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي اللّه أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فقام فخرج، ولم يكلم أحدًا منهم، حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا، ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلغ

стр. 2714

﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (١) فطلّق عمر يومئذٍ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش، وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا فدفعه النبي ﷺ إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك يا فلان جيدًا، [فاستله] (٢) الآخر: فقال أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به، ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفرَّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: "لقد رأى هذا ذعرًا"، فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا رسول الله! قد والله أوفى الله ذمتك، وقد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم. فقال النبي ﷺ : "ويل أمه، مِسْعَرَ حرب، لو كان له أحد". فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وتفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم، إلا لحق بابي بصير، حتى اجتمع منهم عصابة، قال: فوالله ما يسمعون بعير لقريش إلى الشام، إلا اعترضوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ يناشدونه بالله والرحم، إلا أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ ، فأنزل

стр. 2715

اللّه: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (١)، وكانت حميتهم أنهم لم يقرّوا أنه نبي اللّه، ولم يقروا بسم اللّه الرحمن الرحيم، وحالوا بينه وبين البيت (٢). ٦٢٧٥ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن عكرمة بن عمار قال: أخبرني أبو زميل سماك الحنفي، أنه سمع ابن عباس يقول: كاتب الكتاب يوم الحديبية علي بن أبي طالب (٣). قال أبو بكر: وقد تكلم بعض أهل العلم في معاني أحرف من هذا الحديث، من ذلك قوله: في [الغميم] (٤): قال: هو ماء بين عسفان وضجنان. وقوله: "قترة الجيش" القترة هو: الغبار، يريد غبرة الجيش، وحكي عن أبي عبيدة أنه قال في قوله: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ (٥) قال: القتر: الغبار. وقوله: "فألحت"، يريد لزمت مكانها، أو لم تبرح، يقال: ألح الجمل، وخلأت الناقة، وحرن الفرس. والثمد: الماء القليل، وجمعه ثماد، ويقال: ماء ثمود، إذا كثر عليه الناس حتى يفنى، ورجل مثمود، وقد ثمدته النساء: إذا نزفت ماءه لكثرة الجماع. وقوله: "يتبرضه الناس تبرضًا": أي يأخذونه قليلًا قليلًا، يقال: برضت له برضًا، إذا أعطيته شيئًا يسيرًا.

стр. 2716

وقوله: "ما زال يجيش لهم بالري": أي يرتفع ماؤه. وقوله: "إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكان عيبة نصح رسول اللّه من أهل تهامة"، قوله: "عيبة نصح رسول الله" يعني موضع سره، ومن يستنصح، ويأتمن على أمره، ومنه قوله: "الأنصار كرشي وعيبتي". وقوله: "معهم العوذ المطافيل"، يريد النساء والصبيان، والعوذ جمع عائذ. وقوله: "فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو ينفذن اللّه أمره"، والسالفتان ناحيتا مقدم العنق من لدن معلق القرط إلى الترقوة، كأنه قال: لا أزال أ [جاهد] (١) حتى أنفذ لأمر اللّه وأبلغه، أو يفرق بين رأسي وجسمي. وقوله: "فواللّه إني لأرى وجوهًا، وأرى أشوابًا من الناس، خُلقاء أن يفروا، ويدعوك"، قال: هم الأخلاط من الناس، وكذلك الأوباش. قال أبو بكر: وقد تضمن خبر المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم عدد أبواب من كتاب المناسك، والجهاد، وغير ذلك من الأحكام، والآداب، أحببت إثبات ما حضرني من ذلك بعقب حديثهما، فمن ذلك: أن نبي اللّه سن ذا الحليفة ميقاتًا لمن أراد العمرة من أهل المدينة في سنة ست، وسن المواقيت بعد ذلك، قال رسول اللّه ﷺ بعد ذلك قبل أن يحج: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن، وأهل اليمن من يلَمْلَمْ" (٢).

стр. 2717

ومن ذلك: أن الأفضل والأعلى الإحرام من المواقيت، استدلالًا بأن النبي ﷺ لما خرج يريد العمرة عام الحديبية ترك الإحرام من منزله، وأحرم من ذي الحليفة، وكذلك فعل في حجة الوداع، فدل على أن الإحرام من المواقيت أفضل من إحرام الرجل من دويرة أهله، ومن قبل المواقيت؛ لأن (١) الإحرام قبل المواقيت محظور، وقد فعله جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، واتباع السنن أفضل، وليس معنى قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢) أن يحرم الإنسان من دويرة أهله (٣)، لو كان ما قالوه معنى الآية، لكان أشد الناس له استعمالًا من نزل عليه القرآن، وفرض عليه البيان، ففي إحرام رسول اللّه ﷺ من الميقات، وتركه أن يحرم من منزله، دليل على أن تأويل الآية ليس كما تأوله أولئك، ويؤكد ذلك قوله: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة (٤) .. " الحديث، يأمرهم قبل خروجهم أن يحرموا من مواقيتهم، وقد تأول) (٥) بعضهم قول من قال: من تمام العمرة أن تحرم من دويرة أهلك. أن المراد به: مَنْ بين المواقيت وبين مكة، استدلالًا بخبر ابن عباس عن النبي ﷺ : "ومن كان أهله دونهن فمهله من أهله" (٦)، وكذاك فكذاك حتى أهل مكة يهلون منها، فإن كان علي ﵁، أراد هذا المعنى، فهو صحيح

стр. 2718

موافق خبر ابن عباس، ولا أحسبه أراد غير ذلك؛ لأنه حاضر مع النبي ﷺ عام الحديبية، وهو كان كاتب الكتاب، وغير جائز أن نظن به غير ذلك، ومما يؤيد أنه لا يجوز أن يظن بعلي ﵁ غير ذلك خبره الذي. ٦٢٧٦ - حدثناه علي بن الحسن، حدثنا يعلى بن عبيد الطنافسي وأبو نعيم قالا: حدثنا مسعر، عن عمرو بن مرّة، عن أبي البختري، عن أبي عبد الرحمن - قال أبو نعيم: عن علي، وقال يعلى: قال علي - إذا حدثتم عن رسول اللّه ﷺ بشيء فظنوا به الذي هو أهدى، والذي هو (أهيأ) (١)، والذي هو أتقى (٢). فإذا كان علي ﷺ يأمر فيما يحتمله التأويل أن يظن بأخبار رسول الله ﷺ الذي هو أهدى، فكيف يجوز أن يظن به أنه عدل عما رأى النبي ﷺ يسنه لأمته مرةً بعد مرّة وخالفه. ومن ذلك: أنَّه سن إشعار البدن قبل حجة الوداع بأعوام، وفعل ذلك في حجة الوداع، وقد خالف فعل النبي ﷺ من زعم أن الإشعار مُثلةً، محتجًا بأن النبي ﷺ نهى عن المثلة، ونهيُ النبي ﷺ عن المثلة إنما كان عام خيبر، وإشعار البدن في حجة الوداع في سنة عشر، ولم يكن له غزاة بعد حجة الوداع. ومن ذلك: أن السنة أن يشعر المرء بدنته قبل الإحرام؛ لأن في حديثهما: أن النبي ﷺ قلد الهدي، وأشعره، وأحرم بالعمرة، فأَعلَم أنه أحرم بالعمرة بعد الإشعار والتقليد، وإذا كان ذلك كذلك، فقد

стр. 2719

أغفل من قال: إن من قلد فقد أحرم؛ لأن في الحديث أنه قلد الهدي، وأشعر، وأحرم، ففي ذلك دليل على أن إحرامه كان بعد التقليد والإشعار، إذ غير جائز أن يقال لمن قد لزمه الإحرام بالتقليد أحرم بعد ذكر التقليد؛ لأن الإحرام لا يدخل على إحرام قبله إلا حيث دلت السنة من إدخال الحج على العمرة ومن ذلك السنة في تقليد الهدي، وقد فعل النبي ﷺ ذلك في سنة تسع في العام الذي حج فيه أبو بكر، ذكرت عائشة أنَّها فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ ثم قلدها رسول الله بيده، ثم لم يحرم على رسول الله ﷺ شيء كان أحله الله له، حتى نحر الهدي، وفعل ذلك في حجة الوداع، وكل ذلك يدل على أن (المرء) (١) لا يكون بالتقليد محرمًا. ومن ذلك تقديم الأئمة الطلائع، والعيون بين يدي الجيوش، إقتداء برسول الله ﷺ كلما بعث عام الحديبية بين يديه عينًا له من خزاعة يخبره عن قريش. قال: وسار رسول الله ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبًا من عسفان، أتاه عينه الخزاعي مع ما يجمع فاعل ذلك من الحزم والاحتياط والتحرز من عيون العدو وبغتاته، مع ما فيه من المبالغة في باب الاستعداد والتأهب للقاء العدو، وربما ظفرت الطليعة بالعلج يدل على غفلات العدو وعوراته، ويخبر عن قرب العدو وبعده، وموضع نزوله، وما يدبر من كيد الإمام وأهل الإسلام، فيحترز الإمام من مكائده، ويغتنم غفلاته، فربما ظفر بالحيلة، وربما نجا بالتيقظ. ومن ذلك ما دل على قبول خبر الواحد، وأن خبره حجة يلزم قبولها،

стр. 2720

إذا كان المخبر ثقة، ولا يجوز أن يبعث الإمام في ذلك غير ثقة؛ لأن طليعة رسول الله ﷺ كان رجلًا واحدًا، ولم يكن رسول الله ﷺ ليبعث من يخبره عن العدو بخبر إلا من يقبل ذلك منه؛ لأن ذلك إن كان على غير ما قلناه، فلا معنى للبعثة به ولا فائدة، والنبي ﷺ لا يأمر بما لا معنى له. ومن ذلك الرخصة في مسير الرجل وحده طليعة لجيش؛ لأن الخزاعي قد مضى وحده سائرًا، بأمر النبي ﷺ ، ويشبه أن يكون معنى خبر ابن عمر عن النبي ﷺ (لو يعلم الناس من الوحدة [ما أَعلم] (١)، ما سار راكب بليل وحده أبدًا" (٢) في غير باب الضرورة، والحرب، والحاجة إليه، فإذا كانا اثنين، فغير مكروه لهما السير في شيء من الأحوال، يدل على ما قلناه خبر مالك بن الحويرث أن النبي ﷺ قال له ولصاحب له: "إذا سافرتما فأذِّنا، وأقيما، وليؤمكما أكبركما" (٣)، فإن احتج محتج بخبر عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال: "الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب" (٤).

стр. 2721

فقد اختلف أهل العلم في القول بهذا الإسناد (١)، وقد عارضه خبر مالك بن الحويرث، وإذا تعارضت الأخبار رجعت الأمور إلى أنَّها على الإباحة، حتى نعلم حظرًا، يعني خبر يعارضه (٢). ومن ذلك الرخصة في هجوم الواحد على الجماعة الكثيرة العدد من العدو، استدلالًا بأن النبي ﷺ بعث عينه الخزاعي، عينًا وحده إلى عدد كثير، وفي معنى ذلك قول النبي ﷺ الأحزاب: "من يأتيني بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. فقال النبي ﷺ : لكل نبي حواري، وحواري الزبير" (٣)، وقد ذكرت إسناده فيما مضى. ومنها السنة في مشاورة الإمام أصحابه فيما يشكل عليه من أمر عدوهم، اقتداء برسول اللّه ﷺ لما قال حين جاءه عينه الخزاعي، يخبره عن قريش وجمعهم له، وعزمهم على قتاله، وصده عن البيت الحرام: "أشيروا علي"، وقد فعل هذا قبل ذلك ببدر، استشار من

стр. 2722

استشار من أصحابه في أمر الأسارى، فأشار عليه أبو بكر وعمر ما أشارا به، وقد ذكرت هذِه القصة فيما مضى، وكل ذلك إتباعًا لأمر اللّه، وليتأدب به الأئمة، قال اللّه جل ذكره: " ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١). كان الحسن البصري يقول في هذِه الآية: قد علم اللّه أنه ليس به إليهم حاجةً، ولكن أراد أن يستن به بعده. وقال الحسن البصري: ما يشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم. وقال - الضحَّاك: ما أمر اللّه بالمشورة إلا لما علم بما فيها من البركة، وكان سفيان يقول: بلغني أنَّها نصف العقل، وقد ذكرت الأخبار في هذا في غير هذا الموضع، وإذا كان النبي ﷺ مع نزول الوحي عليه مما يدرك به [عين] (٢) الصواب، قد أمر بذلك، فمن ليس في معناه من الأئمة بعده أولى أن لا يستبد أحدهم برأي دون أصحابه؛ لأن الصواب ربما أجراه اللّه على لسان من دون الإمام في العلم والرأي، يقال: إن عمر بن الخطاب كان يشاور حتى المرأة. وجملة الأمر أن المشورة لا تؤدي إلا إلى خير، وعلى أن المخطئ بعد أن يشاور أصحابه أعذر عندهم من المستبد برأيه دونهم، ويدل على أن الصواب يجب قبوله ممن أشار به، وإن كانت امرأةً؛ لأن النبي ﷺ يوم الحديبية، لما فرغ من قضية الكتاب، قال لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا". فلما لم يقم أحد، دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، قالت أم سلمة: يا نبي الله: أتحب ذلك، أخرج، ثم لا تكلم أحدًا منهم حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فقام فخرج، وفعل ذلك.

стр. 2723

فإن قال قائل: قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: [لن يفلح قومٌ تملكهم امرأة" (١)، فذلك على معنى الإمرة؛ لأن بعض الملوك لما توفي ولوا أمرهم امرأةً، فقال النبي ﷺ : "لن يفلح قومٌ تملكهم أمرأةٌ": على معنى الإمرة لا على معنى المشورة. ٦٢٧٧ - حدثنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا يحيى بن يحيى قال: حدثنا (هشيم) (٢) عن علي بن زيد بن جُدعان، عن سعيد بن المسيب، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس، وأهل المعروف في الدنيا، هم أهل المعروف في الآخرة، ولن يهلك امرؤ بعد مشورة" (٣). ومن ذلك الدليل على إباحة سبي ذراري المشركين، قبل قتل الرجال إذا خرج قوم من المشركين عونًا لقوم آخرين من المشركين، ذلك بيِّن في قوله: "أترون أن نميل إلى ذراري هولاء الذين أعانوهم أم ترون أن نؤم البيت، فمن صدنا عنه قاتلناه" لما كان سبي ذراري القوم، وترك ذلك مباحًا. ومن ذلك إباحة قتال المحرم من صده عن البيت، وعن قضاء المناسك، موجود ذلك في قوله: "أم ترون أن نؤم البيت، فمن صدَّنا عنه قاتلناه".

стр. 2724

وقوله: "والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها"، يحتمل معنيين: أحدهما: يريد إن شاء اللّه، فأضمر ذلك واختصر الكلام؛ لأن النبي ﷺ لا يجوز أن يقول إنه فاعل فعلًا فيما يستقبل إلا على ما أمر اللّه به، قال اللّه: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١). أو يقول قائل: إن اللّه لما أعلمهم أنه معطيهم كل خطة دعت إليه قريش يعظمون بها حرمات الله، ترك الاستثناء لعلمه بأنه فاعل ذلك لا محالة، لما أعلمه اللّه ذلك، والمعنى الأول أحب إليَّ مع أن رجوعه بعدما صالحهم وتركه قتالهم في الحرم من تعظيم حرمات اللّه، استدلالًا بقول النبي ﷺ لما فتح الله عليه مكة: "إن الله حبس الفيل عن مكة، وسلط عليها رسول الله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعةً من نهار، وإنها ساعتي هذِه" (٢). وقد يجوز أن يكون معنى ذلك أي لا تبدءوا فيها بقتال، لا أن محاربة من حاربهم لا يجوز، استدلالًا بقوله جل ثناؤه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (٣)، وهذا موافق لقوله: "أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه" فتكونوا مقاتلين إذا بدئوا بالقتال، لا مبتدئين قتالًا في الحرم.

стр. 2725

ومن ذلك انتزاعه السهم من كنانته، لما شكوا إليه العطش، وأمره إياهم أن يجعلوه في الماء، وذلك أحد علامات النبوة التي أعطاه اللّه ليتحقق عند من حضر ذلك أمره، وأنه نبي مرسل، وليزدادوا من أمره وصدقه بذلك بصيرة. ومن ذلك الإباحة لإمام المسلمين مهادنة المشركين إلى مدة معلومة، على غير مال يأخذه منهم، إذا كان ذلك على النظر للمسلمين، فإن اللّه قد فرض قتال المشركين من أهل الأوثان حتى يسلموا، وقتال أهل الكتاب حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية، وإنما فرض ذلك على من أطاق قتالهم، دون من له مهادنتهم ممن يعجز عن قتالهم، إلى مدة معلومة يرجو أن يقوى إلى تلك المدة، إذ من تخلف عن القتال للعذر غير آثم، ولا حرج، وقد وادع النبي ﷺ عند قدومه المدينة ناسًا على غير مال أخذه، وفعل ذلك عام الحديبية؛ لأنه رأى أن أحوط للمسلمين مهادنة عدوهم إلى مدة يقوون بانقضائها عليهم، فهادنهم عشر سنين، كما ذكر ابن إسحاق، يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض، ويقال: نزلت هذِه الآية مرجعه من الحديبية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (١). ٦٢٧٨ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد، عن قتادة، عن أنس أن هذِه الآية نزلت على رسول الله ﷺ مرجعه من الحديبية، والنبي ﷺ وأصحابه مخالطو (٢) الحزن والكآبة، وقد حيل بينهم وبين مناسكهم، ونحروا الهدي بالحديبية، فقال قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال: "نزلت عليّ آية أحب إلي من الدنيا جميعًا"، قال: فلما

стр. 2726

تلاها نبي الله عليهم، فقال رجل من القوم: هنيئًا مريًا لك يا رسول الله، قد بيّن الله لك ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله بعدها: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (١) (٢). ٦٢٧٩ - حدثنا موسى، حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن أبي جعفر الرازي، عن قتادة، عن أنس ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ (٣)، قال: خيبر" (٤). وقال الشعبي: نزلت يوم الحديبية، فغفر له ما تقدم عن ذنبه وما تأخر، وبايعوا بيعة الرضوان، وأُطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم على فارس، وفرح المؤمنون بتصديق كتاب الله وظهور أهل الكتاب على المجوس. وقد اختلف أصحابنا في المعنى الذي له صالح رسول الله ﷺ أهل مكة عام الحديبية. فقالت طائفة: إنما صالح قريشًا على جهة النظر لأهل الإسلام من وجوه شتى لكثرة عدد المشركين، وعزمهم على منعه ومن معه من الدخول عليهم، وطلبًا للتفرغ لقتال غيرهم، وأمنًا لمن أراد الدخول في الإسلام، وليتقوى لحربهم فيما يستقبل، وإنما يجوز للإمام مهادنة العدو على النظر لأهل الإسلام إلى مدة معلومة، لا يجوز مهادنتهم إلى غير مدة؛ لأن ذلك يوجب الكف عنهم على الأبد، ولا يجوز

стр. 2727

ذلك؛ لأن قتالهم متى قدر عليه يجب إذا كانوا أهل أوثان حتى يسلموا، وقتال الذين أوتوا الكتاب يجب حتى يسلموا، أو يؤدُّوا الجزية، وإذا هادنهم على غير مدة، كان ذلك عقدًا خلاف ظاهر كتاب الله، وذلك مردود؛ لأن الله أمر بقتال المشركين، ولا يجوز أن (يعقد) (١) عقدًا خلاف أمر الله. وقالت طائفة: أن النبي ﷺ إنما صالحهم وهو غير عاجز عن قتالهم، ألا تراه أخبر أن قريشًا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، ولم يصالحهم على وضع الحرب بينهم هذِه المدة؛ لأنهم أقوى منه، وأكثر عددًا وعدة منه، بل طمعًا أن يسلموا أو بعضهم. وفي مهادنة الإمام أهل الشرك مدة أطول من مدة الحديبية قولان: أحدهما: إن ذلك لا يجوز أن يهادن قومًا أكثر من عشر سنين؛ لأن ذلك أقصى ما يحفظ عن رسول الله ﷺ أنه هادن قومًا، وذلك أن الله فرض قتال المشركين، فلما هادن رسول الله ﷺ مشركي أهل مكة، كانت تلك المدة مع العذر الموجود أقصى مدة، يجوز للإمام أن يهادن إلى مثلها على الصلاح لأهل الإسلام، وبه أقول. والقول الثاني: إن ذلك للإمام، يصالح على قدر ما يرى فيه الصلاح لأهل الإسلام. ومتى أبحنا للإمام أن يصالح قومًا على ما ذكرناه، فانقضت المدة التي صالحهم عليها، واحتاج الإمام إلى أن يجدد بينه وبينهم صلحًا إلى مدة ثانية، فله أن يفعل ذلك إلى أن يقوى أهل الإسلام، لأن العلة التي لها صالحهم في المرة الأولى، قائمة حين صالحهم المرة الثانية، ولا فرق بينهما لحاجة أهل الإسلام إلى ذلك.

стр. 2728

ومن ذلك أن للإمام إذا رأى مصالحة عدو ومهادنتهم، أن يبدأ هو، فيعرض ذلك؛ لأن النبي ﷺ بدأ فقال لبديل بن ورقاء: "إن قريشًا قد نهكتهم الحرب، فإن شاءوا هادنتهم مدة، وبخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، فعلوا وإلا فقد جمَّعوا، وإن أبو فوالذي نفسي بيده لأقاتلهم على أمري هذا [حتى] (١) تنفرد سالفتي أو لينفدن الله أمره". ومن ذلك أن معاقدة بعض وجوه المشركين الإمام عن أصحابه جائز؛ لأن الذي عقد الصلح بين النبي ﷺ وبين أهل مكة، إنما عقده سهيل بن عمرو وحده، ولعل ذلك عن رأي أصحابه. ومن ذلك إباحة الوقوف على رأس الإمام في حال الحرب، عند مجيء رسول العدو بالسيوف، ترهيبًا للعدو، وحراسة للإمام، أن ينال بمكروه، وهذا في حال الضرورة، استدلالًا بقيام المغيرة بن شعبة على رأس النبي ﷺ وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ، ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخّر يدك عن لحية رسول الله، فرفع عروة يده. فدل ذلك على أن الفرق بين هذِه الحال وبين الحال التي قال النبي ﷺ : "من أحب أن يمثل [له] (٢) الرجال قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار" (٣)، وذلك إذا لم تكن ضرورة.

стр. 2729

من ذلك أن أموال أهل الشرك وإن كانت مباحة للمسلمين، مغنومة إذا أخذوا ذلك منهم قهرًا، فإنها ممنوعة بالأمان لهم عليها، مردودة إلى أربابها، [إذا] (١) أخذوا ذلك في حال الأمان لهم، يدل على ذلك قول النبي ﷺ للمغيرة: "أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء" (٢)، وإنما حرم ذلك على المغيرة؛ لأنهم لما صحبوه، وقد أمن كل منهم صاحبه، على نفسه وماله، فكان سفكه دماءهم، وأخذه أموالهم في ذلك الوقت غدرًا منه بهم، والغدر غير جائز (٣)، والأمانات مؤداة إلى الأبرار، والفجار، والمؤمنين، والمشركين. ومن ذلك الدليل على طهارة النخامة؛ لأن فيما ذكره عروة بن مسعود لأصحابه، من فعل أصحاب رسول الله ﷺ قوله: فوالله (لا) (٤) يتنخم رسول الله نخامة إلا وقعت في يد رجل منهم، فدلك بها وجهه، وجلده وهذا يلزم النخعي حيث قال: إن البزاق إذا وقع في الماء أهراق الماء، وقد ذكرنا الأخبار الدالة على طهارة البزاق في كتاب الصلاة. ومن ذلك استحباب الفأل، لقول النبي ﷺ فيما ذكر عكرمة: "قد سهل لكم من أمركم"، لما أقبل سهيل، وقد كان النبي ﷺ يحب الفأل. ٦٢٨٠ - حدثنا إسماعيل بن قتيبة، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (٥)،

стр. 2730

حدثنا (يزيد) (١) حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى، ولا طِيرَة، وأحب الفأل الصالح" (٢). ومن ذلك أن للإمام أن يقر فيما يصالح عليه - من رأى صلحه صلاحًا - بعض ما فيه الضيم والضعف، فيما يشترطه العدو على أهل الإسلام في صلحهم، إذا كان يرجو فيما يستقبل عاقبة نفع ذلك، بعد أن لا يكون فيما يعطيهم لله معصية، فمما أعطاهم من ذلك في ذلك اليوم، تركه كتاب بسم الله الرحمن الرحيم، وكتب باسمك اللهم، وكتاب ذكر محمد مكان ذكر رسول اللّه، والانصراف عنهم عامه على غير تمام العمرة، ورده من جاء منهم مسلمًا إليهم، وقد ضاق بذلك بعض من حضره من المسلمين واضطربوا منه، و (عجُّوا) (٣) إذ لم تحتمل عقولهم، وأن لهم ما فعله النبي ﷺ مما كان محمودًا في العاقبة، غير الصديق رضوان الله عليه، فإنه ممن خص بعد رسول الله ﷺ بمعرفة صواب ذلك وفهمه، وقد قال عمر بن الخطاب: اتهموا الرأي على الدين. ٦٢٨١ - حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا يونس بن عبد الله العنبري (٤)، قال: حدثنا مبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: اتهموا الرأي على الدين، فلقد

стр. 2731

[رأيتني] (١) أرد أمر رسول الله ﷺ برأيي اجتهادًا، والله ما آلوا عن الحق، وذلك يوم أبي جندل في الكتاب بين رسول الله وأهل مكة، فقال: "اكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم"، فقالوا: إذًا صدقناك بما تقول، ولكن نكتب كما كنت تكتب، باسمك اللهم، فرضي رسول الله ﷺ ، وأبيت عليهم حتى قال لي: "يا عمر! أتراني رضيتُ وتأبى أنت؟! قال: فرضيت (٢). قال أبو بكر: وكان رسول الله ﷺ أعلمهم بالله، وأشدهم له خشيةً، ولأمره تعظيمًا، ولدينه إعزازًا، ولم يجب إلى ذلك إلا بعد أن رأى أن ذلك أحوط لأهل الإسلام، ولعل فعله ذلك كان عن أمر ربه، بل لا شك فيه، لقوله لعمر: "إني رسول الله، ولست أعصيه" وليس في شيء من ذلك لله معصية، وذلك أن المعنى في قوله: "باسمك اللهم" كالمعنى في قوله "بسم الله الرحمن الرحيم"؛ لأن كل ذلك مخاطبة لله وحده لا شريك له، ليس منه شيء مضاف إلى غيره، وكذلك قوله: "هذا ما قاضي عليه محمد بن عبد الله"، مع ترك ذكر رسول الله ﷺ ، لا يغير معنى النبوة، ونسبته إلى أبيه صدقًا وحقًا، وليس في رد من رد منهم فيما شرطوه في الكتاب، أكثر من تخوف الفتنة على من رُد إليهم منهم، وقد وضع الله الحرج عن من فتن منهم عن دينه، فأعطى بلسانه مكرهًا خلاف ما يعقد عليه قلبه، فأما معطيًا بلسانه على الإكراه ما لا يضره، أو صابرًا على المكروه حتى يقتل شهيدًا، على أنهم إنما كانوا يردون إما إلى أب، أو إلى أخ، أو ذي رحم يؤمن عليه منهم مكروه؛ لأن أولئك الذين ذكرناهم من أهاليهم أشفق عليهم من أن

стр. 2732

يسلموه للمكروه، وقد أمضى الله لنبيه ما فعل من ذلك، وسمَّاه فتحًا مبينًا. قال الزهري: انصرف رسول اللّه ﷺ من وجهه ذلك - يعني غزوة الحديبية - قافلًا، حتى إذا كان بين مكة والمدينة، نزلت سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (١). ٦٢٨٢ - حدثناه علي بن عبد العزيز: قال حدثنا أحمد بن محمد قال: حدثنا إبراهيم، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري. قال أبو بكر: وقد تبين صلاح ذلك؛ لأن أبا جندل صار من أمره بعد ذلك حين جيء بأبي بصير، واجتمعت العصابة التي اجتمعت، وصار من أمرهم أن قريشًا أرسلت إلى رسول الله ﷺ يناشدونه بالله والرحم إلا أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن فأرسل إليهم النبي ﷺ ، فأما من اشتد عليه ذلك من أصحاب رسول الله، ووجدوا من ذلك، فلم يريدوا إلا عز الدين، وكرهوا دخول الضعف والوهن على الإسلام، مع أن الأعلى من ذلك والأفضل تسليم من سلم منهم لما سلم له رسول الله من ذلك، ورضي به، وقد تبين فضل أبي بكر في ذلك على عمر. قال عمر: فأتيت النبي ﷺ فقلت: ألست بنبي الله حقًّا؟ قال: "بلى! ". قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى! ". قلت: فلم نُعط الدنية في ديننا إذًا؟ قال: "إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري". قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: "أفأخبرتك (أنا) (٢) نأتيه العام؟ " قال: لا. قال: "فإنك آتيه ومطوف به". قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي اللّه حقًّا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى.

стр. 2733

قلت: فلم نُعط الدنية في ديننا؟ قال: أيها الرجل، إنه رسول الله، (ليس) (١) يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق. قلت: أو ليس كان عِدَتُنا (٢) أنا سنأتي البيت ونطوف به. قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قال: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال الزهري: قال عمر فعملت لذلك أعمالًا. ففي جواب أبي بكر بمثل ما أجاب به رسول اللّه ﷺ ، دليل على أن أبا بكر كان أعلم الناس بأحكام الله، وأحكام رسوله ﷺ ، ودينه، بعد نبي الله ﷺ ، وفي قوله: "إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري"، دليل على أنه أجاب إلى ما أجاب به، بأمر اللّه. ويدل قول رسول الله ﷺ : "فإنك آتيه ومطوف به"، بعدما قد تقدم من الكلام، على أن من حلف ليفعلن فعلًا لم يجعل لذلك وقتًا، أن وقت ذلك جميع حياته. وقد اختلف فيما يجب عليه إذا لم يفعل ذلك حتى مات إذا كانت اليمين بطلاق أو عتق، وقد بينته في غير هذا الموضع. وفي إجابة أبي بكر بمثل ما أجاب به النبي ﷺ بيان فضل أبي بكر على عمر. وقول من قال من أهل العلم، فيمن حلف بطلاق امرأته ليفعلن فعلًا، له أجل المُولي، خلاف ظاهر هذا الحديث. ومن ذلك الدليل على صحة كتاب الكاتب، هذا ما اشترى فلان بن فلان من فلان بن فلان، وعلى إغفال من أنكر ذلك، وزعم أن "هذا

стр. 2734

ما" نفيٌ، وليس بإثبات، كأنه رأى أن كاتب: هذا ما اشترى، ينفى بقوله أن يكون اشترى شيئًا يجعله في موضع جحدٍ، والدليل على إغفال هذا القائل بيِّن مِن الكتاب والسنة، فأما الكتاب فقوله: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ (١)، وليس ذلك جحد لما أعاد من ذكر الكنز، وأول الكلام وآخره يدل على أن معنى: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ هذا الذي كنزتم لأنفسكم، ليس على معنى الجحد، ويدل على ذلك قوله: "هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللّه"، ومن هذا المعنى قوله: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣)﴾ (٢). ومن ذلك أن المحرم بحج أو بعمرةٍ إذا أحصر بعدوٍ، يحل من إحرامه وينحر هديه حيث أحصر؛ لأن النبي ﷺ حل، ونحر، وأمر أصحابه بذلك بالحديبية في المكان الذي أحصروا فيه، في الحل على ساعة من الحرم، وقد اختلفوا في وجوب القضاء على من فعل ذلك، وقد بينت ذلك في كتاب المناسك. ومن ذلك ذكر النسوة المؤمنات، قال: ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٣)، فطلق عمر امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية. وقد اختلف أهل العلم في الزوجين من غير أهل الكتاب يسلم أحدهما وقد دخل بها، وقد بينت اختلافهم فيه في كتاب الطلاق،

стр. 2735

فكرهت إعادة ذلك هاهنا. ومن ذلك قتل أبي بصير أحد الرجلين اللذين دفعه النبي ﷺ إليهما ليرداه إلى مكة، ففي علم النبي ﷺ ذلك، وتركه أن يحكم عليه في ذلك بشيء، وإن كان المقتول ممن دخل في جملة من وقع الصلح بين النبي ﷺ وبينهم، دليل على أن للإمام أن يقف عن الحكم على القاتل في مثل هذا وشبهه، إذا لم يحضر أولياء القتيل، اقتداءً برسول اللّه ﷺ . وقد اختلف الناس في دخول النساء في العقد الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين أهل مكة، فقال قوم: لم ينعقد الصلح بينهم قط إلا على رد الرجال؛ لأن في حديث المسور، ومروان وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك إلا رددته علينا، فاحتج بهذِه اللفظة من قال: إن الصلح لم يكن بينهم يومئذٍ إلا على رد الرجال. وقال غيرهم: انعقد الصلح بينهم على رد الرجال والنساء؛ لأن في خبر عقيل عن الزهري: "وعلى أنه لا يأتيك منا أحد، وإن كان على دينك إلا رددته علينا"، قالوا: فدخل في قوله: أحد الرجال والنساء، قالوا: ثم أنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (١)، فامتنع النبي ﷺ لما نزلت هذِه الآية أن يردهن إليهم. وقال بعضهم: إن النبي ﷺ كان أعطاهم فيما كان بينه وبينهم أن يرد إليهم الرجال منهم والنساء، فأبطل الله الشرط في النساء، وذكر: أن في ذلك دليلًا على أن الإمام إذا أعطى شرطًا خلاف كتاب اللّه، أنه لا يجوز،
следующие страницы →