← Фикх общий

Фикх общий · id 1568

الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف - ط الفلاح

ابن المنذر

Полный текст (7 126 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

٦٥٠٧ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (١)، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير عن عائشة: أن النبي ﷺ بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقا، فلاحه رجل في صدقته، فضربه أبو جهم فشجه، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: القود يا رسول الله. قال النبي ﷺ : "لكم كذا وكذا ". فلم يرضوا، فقال: "لكم كذا كذا ". فلم يرضوا، فقال: "لكم كذا وكذا ". فرضوا، فقال النبي ﷺ : "إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم ". قالوا: نعم. فخطب النبي ﷺ فقال: "إن هؤلاء الليثيين أتوني يريدون القود، فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا، أرضيتم؟ " قالوا: لا فهم المهاجرون بهم، فأمرهم النبي ﷺ أن يكفوا فكفوا، ثم دعاهم فزادهم فقال: "أرضيتم؟ " قالوا: نعم. قال: "إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم "، فخطب النبي ﷺ وقال: "أرضيتم؟ " قالوا: نعم (٢). ٦٥٠٨ - وحدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا حجاج بن منهال، قال: حدثنا حماد، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، فحدثني محمد بن جعفر، قال: سمعت زياد بن ضميرة الضمري يحدث عروة بن الزبير، عن أبيه وجده وقد شهد مع النبي ﷺ حنينا، أن رسول الله ﷺ صلى الظهر فقام إلى ظل شجرة فجلس في ظلها، فقام إليه عيينة ابن بدر والأقرع بن حابس، فطلب عيينة بدم عامر بن الأضبط - وهو سيد قيس -، والأقرع بن حابس يرد عن محلم بن جثامة - وهو سيد خندف - فقال النبي ﷺ لقوم عامر بن الأضبط: "هل لكم أن

стр. 2942

تأخذوا منا الآن خمسين بعيرا [و] (١) خمسين إذا رجعنا إلى المدينة … " (٢) وذكر الحديث. ٦٥٠٩ - وحدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثنا المقرئ، قال: حدثنا المسعودي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: انطلق رسول الله ﷺ إلى شيء كان بين ناس من الأنصار ليصلح بينهم (٣). ٦٥١٠ - حدثنا أحمد بن هارون، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا سفيان بن حمزة، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "الصلح جائز بين المسلمين، والمسلمون على شروطهم ما وافق منها " (٤). قال أبو بكر: وقد ذكرنا فيما مضى أن النبي ﷺ أمر الرجلين الذين تداعيا في مواريث، وأشياء قد درست وقال: "اذهبا فتوخيا واستهما ثم ليتحلل كل واحد منكما صاحبه " (٥). وقد روينا عن جماعة من القضاة أنهم أصلحوا بين الخصوم، أو أمروا بالصلح بينهم. كان عبد الله بن

стр. 2943

عتبة يقول للخصوم: اصطلحوا، وهو قاض. وقد روينا عن شريح (أنه أمر بشيء، فالصلح بين نفسين مندوب إليه) (١). وروي عن عبد الله بن حسن أنه أمر بالصلح بني خصمين. وقال الشافعي (٢): وإذا كان الأمر بينا عند القاضي فيما يختصم فيه الخصمان، فأحب أن يأمرهما بالصلح، ويتحللهما من أن يؤخر الحكم بينهما يوما أو يومين، فإن لم يجتمعا على تحليله لم يكن له ترديدهما، وأنفذ الحكم بينهما متى بان له، والحكم قبل البيان ظلم، والحبس بالحكم بعد البيان ظلم. وكان أبو عبيد يقول: إن الحاكم يسعه الصلح إذا كان كالذي في حديث أم سلمة، فأما إذا استنارت الحجة [لأحد] (٣) الخصمين على الآخر، وتبين للحاكم موضع الظالم منهما من المظلوم، فليس بواسع له أن يحملهما على الصلح. وكان عطاء بن أبي رباح يقول: لا يحل للإمام إذا تبين له القضاء أن يصلح بين من تبين له القضاء فيما بينهم. وقال أصحاب الرأي (٤): وإن طمع القاضي أن يصطلح الخصمان فلا بأس أن يردهما، ولا ينفذ الحكم بينهما لعلهما أن يصطلحا، ولا ينبغي للقاضي أن يردهم أكثر من مرة ومرتين إن طمع في الصلح فيما بينهم، وإن لم يطمع في ذلك أنفذ القضاء فيما بينهم.

стр. 2944

٦٥١١ - حدثنا محمد بن عبد الوهاب، قال: أخبرنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا مسعر (١)، عن محارب، قال: قال عمر: ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن (٢). ذكر القاضي يقضي بعمله افترق أهل العلم في قضاء القاضي بعلمه ثلاث فرق، فقالت فرقة: لا يقضي بعلمه. وممن هذا مذهبه: شريح والشعبي، وبه قال مالك (٣)، قال شريح لرجل ادعى شهادته: ائت الأمير وأنا أشهد لك. وقال الشعبي: لا يجمع أن يكون قاضيا وشاهدا.

стр. 2945

وقال مالك (١) في الإمام يرى الرجل على حد من حدود الله: لا يقيم عليه، يرفعه إلى من فوقه، ويكون شاهدا من الشهود. وسئل مالك عن القاضي يكون عنده الشهادة لرجل على آخر أيقضي له به؟ فقال: لا يقضي له بشهادته إلا أن يقيم شاهدين سواه. وقال أحمد (٢) وإسحاق (٣) في شهادة الحاكم: لا، حتى يحال إلى غيره، أو تكون شهادة شاهد ويمين الطالب. وقيل لأحمد في شهادة الحاكم إذا رأى هو بعينه، قال (٣): لا يحكم إلا بشهادة الشهود. وقال إسحاق: جائز إذا عاين في حكمه سوى الحد. وقال أبو عبيد: لا ينبغي لحاكم أن يمضي قضاء على أحد بعلمه دون علم غيره على حال من الحالات، وفيه تعرضا لاتهام نفسه عند المسلمين. وقالت فرقة: ما علمه القاضي قبل أن يستقضي لا يحكم به، وما علم به بعد أن يستقضى حكم به. هذا قول أصحاب الرأي. قالوا (٤): إلا الحدود، إذا رأى القاضي في مجلس القضاء أو غيره رجلا يزني أو يسرق أو يشرب خمرا، ثم رفع إليه مكانه، فإنه لا ينبغي له أن يقيم الحد عليه حتى يشهد عليه الشهود، يأخذ في ذلك بالثقة والاستحسان، ويدع القياس فيه، ويضمنه السرقة، فإن رأى القاضي رجلا يغصب رجلا مالا ويقذفه، أو يأخذ منه شيئا، أو يشتري منه أو يبيع، أو يسمع طلاقا، أو نكاحا، أو رأى رجلا يقتل آخر، أو يجرحه فإنه ينفذ ذلك

стр. 2946

كله عليه ويقضي به، لأن هذا من حقوق الناس يقضي بينهم، والقاضي مصدق في ذلك كله، وفيما زعم أنه كانت به البينة عنده، وفيما زعم أنه رأى مقتولا ذلك منه، وما رأى القاضي من حقوق الناس فيما بينهم من غير مصره الذي هو فيه قاض، ثم خوصم إليه في مصره، فإنه لا يقضي به ولا ينفذه، لأنه رأى ذلك حيث لا ينفذ قضاؤه، وإذا علم القاضي قبل أن يكون قاضيا عليها، ثم أتى فيه وهو قاض لم يقض به. وهذا قول النعمان (١). وفيها قول آخر: أن القاضي يقضي ما علم قبل أن يستقضي وعلم في غير مصره، فإنه يقضي به في غير الحدود. وهذا قول يعقوب ومحمد (١). وكان الأوزاعي يقول: ما أقر به الخصمان عند الوالي أخذهما به وأنفذ عليهما إلا ما كان من الحدود إذا مر، إن شهد عليه قبل أن يلي أو في ولايته، فليس له أن يأخذ بشهادته، ولا يقضي بها حتى يكون معه غيره. وقالت طائفة ثالثة: إذا كان الحاكم عدلا كان له أن يحكم بعلمه فيما كان يعلم به قبل الحكم وبعده، وقبل أن يلي وبعد ما ولي، ولا يلحقه في ذلك ظن ولا إثم، ومن ظن بعدل ظن سوء كان آثما ظالما، فإذا قال الحاكم: أقر عندي فلان لفلان بكذا وكذا قبل قوله، وأخذ الحق ممن ذكر ممن أقر عنده، وكذلك لو قال: شهدت عندي بينة عرفتها بالعدالة، أو سألت عنها فعدلت، قبل قوله، وكذلك لو قال: أقر عندي بطلاق أو عتاق أو زنا أو سرقة أو قتل أو شيء من الأشياء، قبل قوله في ذلك كله.

стр. 2947

كان الشافعي يقول (١): واختلف الناس في علم القاضي هل له أن يقضي به؟ فلا يجوز فيه إلا واحد من قولين: أحدهما: إن له أن يقضي بكل ما علم قبل الحكم وبعده، وفي مجلس الحاكم وغيره، فأما علمه بحدود الله فيحتمل أن يكون كحقوق الناس، ويحتمل أن يفرق بينهما. قال الربيع: الذي يذهب إليه الشافعي أنه يحكم بعلمه، لأن علمه أكثر من شهادة الشاهدين عنده، وإنما كره الشافعي إظهار ذلك لئلا يكون القاضي غير عدل فيذهب بأموال الناس. وكان أبو ثور يرى أن يقضي القاضي بعلمه فيما علمه قبل أن يستقضى وبعده في حدود الله وحقوق الناس وغيره. وقال الليث بن سعد في الرجل يجلده القاضي ثم يعزل، فيدعى أنه عدا عليه فضربه ظلما، ويزعم القاضي أنه ضربه في حد وجب عليه: إن كان القاضي متهما رأيت أن يكلف البينة على جلده إياه، وإلا وضع الحد عن ذلك الرجل، وإن كان غير متهم لم يكلف البينة ومضى أمره على ما صنع (٢). قال أبو بكر: من أعلى ما يحتج به من رأى أن القاضي يقضي بعلمه: خبر هند زوجة أبي سفيان: ٦٥١٢ - أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: أخبرنا الشافعي (٣)، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ : أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس لي إلا ما يدخل علي بيتي. فقال رسول الله ﷺ :

стр. 2948

"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " (١). واحتج بعضهم بخبر أبي سعيد: ٦٥١٣ - حدثنا يحيى، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا المعتمر، قال: حدثنا أبي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمنع أحدكم هيبة الناس أن يقول في حق إذا رآه أو سمعه " قال أبو سعيد: وددت أني لم أسمعه (٢). قال أبو بكر: فقد أمر النبي ﷺ هندا أن تأخذ من مال أبي سفيان [ما] (٣) يكفيها وولدها بالمعروف، ولم يسأل هندا البينة لعلمه بأنها زوجته، وأن نفقتها ونفقة ولدها واجبة في ماله، فحكم بذلك على أبي سفيان بعلمه أن ذلك يجب، وأولى الناس أقتدي به الرسول ﷺ . وكذلك قوله "لا يمنع أحدكم هيبة الناس أن يقول في حق إذا رآه أو سمعه ". فالواجب على الحاكم إذا رأى منكرا أن يغيره بلسانه ويأمر بتغييره، قال عبادة: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكروه، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم - أو نقول - بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم (٤).

стр. 2949

ذكر القاضي يذكر بعدما يعزل أنه قضى لفلان على فلان بكذا اختلف أهل العلم في القاضي المعزول، يذكر بعد العزل أنه قضى لفلان على فلان بكذا، فقالت طائفة: لا يقبل قوله حتى [يأتي] (١) المقضي له بشاهدين على أنه حكم بذلك قبل أن يعزل. هذا قول الشافعي (٢) وأصحاب الرأي (٣)، وقال أصحاب الرأي: اثنان سواه. وقال الأوزاعي: لا يجوز قوله بعد عزله إلا ومعه شاهد آخر. وكان ابن أبي ليلى ينزله (٤) بمنزلة شاهد واحد. وقال أحمد (٥) وإسحاق: إذا أقر القاضي بأنه قضى بكذا وكذا قالا: يقبل قوله في ذلك ليست هذه شهادة إنما هذا خبر علم كان عنده. ذكر القاضي يرفع إليه قضية قاض كان قبله حكم بخلاف رأيه واختلفوا في القاضي يرفع إليه قضية قاض كان قبله، والحق عنده خلاف ما قضى به القاضي الأول، فقالت طائفة: قوله من ذلك ما تولى ولا [يرد] (٦) قضاءه.

стр. 2950

هكذا قال الشعبي (١). وقد روينا أن أهل نجران كلموا عليا وسألوه أن يردهم إلى بلادهم فأبى عليهم، وقال: إن عمر كان رشيد الأمر، ولا أرد قضاء قضى به عمر. وكان شريح يقول: بل أرد ما كان قبلي. وقال مالك (٢): لا يعرض لقضاء القاضي قبله إلا أن يكون جورا بينا. وقالت طائفة: لا يرد من قضايا من كان قبله إلا أن يكون قضى بخلاف كتاب أو سنة أو إجماع، فإذا وجد ذلك خلاف ما ذكرناه رده، لأنه خطأ. هذا قول [ .. .. .. ] (٣). وبين أنه يترجم رجل للإمام عن آخر، لأن المأخوذ عنه القراءة والترجمة واحد.

стр. 2951

[باب من يجوز له أن] (١) يقضي القاضي [له] (١) من الناس ومن لا يجوز قضاؤه له قال الله - جل ذكره -: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾ (٢). وقال لنبيه ﷺ : ﴿إنا أنزلنا إليك الكتب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (٣) وأمر الحكام بذلك فقال: ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ (٤). فكان اللازم على ظاهر هذه الآية أن يحكم الحاكم بين

стр. 2952

جميع من تقدم إليه بالعدل، لأن الله - جل ذكره - أمر به، وأمره على العموم، فكل خصمين تقدما إلى حاكم من حكام المسلمين فعليه أن يحكم بينهما، وسواء كان أحد الخصمين والدا للحاكم أو ولدا له أو أخا أو أختا أو عما أو عمة أو زوجة هم وسائر الناس في ذلك شيء واحد. وقال النبي ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر " (١). ولو كان له مراد لبين فقال: وإذا حكم لغير أبيه أو أمه. هذا الذي يدل عليه ظاهر الكتاب والسنة. وفيه قول ثاني: وهو أن ليس للحاكم أن يحكم لولده، ولا لوالده، ولا لمن لا تجوز شهادته له، ويجوز قضاؤه لكل من جازت شهادته له من أخ وعم وابن عم ومولى. هذا قول الشافعي (٢). وفيه قول ثالث: وهو أن قضاء القاضي لا يجوز لولده ولا لولد ولده من قبل الرجال والنساء، ولا لأبيه، ولا لأمه، ولا لجدته، ولا لجده من قبل الرجال والنساء، ولا لزوجته، ولا لعبد له، ولا لمكاتب، ولا لأم ولده، ألا ترى أن شهادته [لهم] (٣) لا تجوز، فكذلك قضاؤه لهم، وقضاؤه لأخيه وعمه وخاله وابن أخيه ولأخته ولكل ذي رحم محرم من الرضاعة كان أو النسب بعد الذي سميناه فهو جائز. هذا قول أصحاب الرأي (٤).

стр. 2953

قال أبو بكر: فقول أصحاب الرأي هذا مخالف ظاهر الكتاب والسنة، ثم هو قياسا على ما قد خولفوا فيه، وإذا اختلف أهل العلم في الشيء فليس بأصل يجوز القياس عليه، ولو كان ما قاسوه عليه أصلا يجوز القياس عليه لم يجز أن يجعل باب القضاء قياسا على باب الشهادات للفرق البين بينهما على ألسنتهم، وعلى مذاهب غيرهم، فأما مخالفته الكتاب فخروج قائله من ظاهر الآيات اللواتي تلوناها في أول هذا الباب إلى غير حجة يعتمد عليها المخالف، وأما مخالفته السنة فحكم النبي ﷺ لعائشة بنت الصديق وهي زوجته على الذين قذفوها وضربه إياهم الحد. ٦٥١٤ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثنا الزهري، عن علقمة بن وقاص وعن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وعن عبيد الله بن عبد الله، كل قد حدثني بعض هذا الحديث. قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة. وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة، وكل قد اجتمع حديثهم في قصة خبر عائشة قال: قال أهل الإفك فيها ما قالوا .. ثم ساق الحديث، قالت: وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج مع الذي قال مسطح وحمنة بنت جحش، فأما حمنة فإنها أشاعت تعادني لأختها، ثم خرج رسول الله ﷺ فخطبهم ثم تلا عليهم ما أنزل الله من القرآن، ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش - وكانوا ممن

стр. 2954

أفصح بالفاحشة - فضربوا حدهم (١). ٦٥١٥ - وحدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عثمان بن طالوت ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا ابن أبي عدي، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة قالت: لما نزل عذري قام رسول الله ﷺ على المنبر - وقال ابن المثنى: صعد النبي على المنبر - فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم (٢). وأما ما قاسوه على ما قد خالفوا فيه فإنهم شبهوا ذلك وقاسوه على أبواب الشهادات، قالوا: فكما لا تجوز شهادة [الوالد] (٣) لولده، والولد لوالده، والزوج لزوجته، فكذلك لا يجوز أن يحكم الحاكم لولده ولوالده ولزوجته. وأول ما يبدأ في ذلك أن يقال لهم: لو اتبعتم ظاهر كتاب الله فقبلتم شهادة هؤلاء الذين دل ظاهر الكتاب على وجوب قبول شهادة من كان من هؤلاء رضى كان أولى بكم من أن تخالفوا ظاهر آية ثم تقيسوا على ما خالفتم من ذلك، فاتباع ظاهر الكتاب وقبول شهادة من ردوا شهادته ألزم لهم وأولى بهم من أن يخالفوا ظاهر آية ثم يقيسوا على ما قد خالفوا فيه ظاهر الآية، فإن ظن

стр. 2955

ظان أن في رد شهادة الولد لوالده والوالد لولده إجماع فقد أخطأ، لأنا روينا إجازة ذلك عن عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، وقال الزهري، في شهادة الوالد لولده: قد كان فيما مضى من السنة وسلف المسلمين يتأولون في ذلك قول الله ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قومين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ (١) فلم يكن يتهم في سلف المسلمين والد لولده ولا ولد لوالده (٢). وروينا عن إياس بن معاوية: أنه أجاز شهادة رجل لابنه. وهذا قول أبي ثور والمزني، وقد ذكرت هذه المسألة بتمامها في كتاب الشهادات. فإن قال قائل: إنما رددنا شهادة الولد لوالده والوالد لولده للتهمة في ذلك. قيل له: قد نهى رسول الله ﷺ عن الظن وقال: "إنه أكذب الحديث " فتركك ما نهاك عنه رسول الله، ورجوعك إلى الحق أولى بك من مخالفتك السنة، ثم تبني على ما خالفت عليه منها المسائل (٣).

стр. 2956

٦٥١٦ - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن الوليد، عن سفيان الثوري، عن ابن ذكوان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إياكم والظن فإن أكذب الكذب الظن " (١). ويقال لمن خالفنا: أرأيت لو قدم عبد الرحمن بن أبي بكر إلى أبي بكر - وهو خليفة - رجلا يدعي عليه مالا أكان يجوز لأبي بكر الحكم له، أو رأيت لو أن ابن عمر تقدم إلى أبيه - وهو خليفة - فادعى على رجل مالا، أو فعل بعض ولد عثمان أو بعض ولد علي، فإن منع من ذلك فقد فعل أمرا عظيما، لأن التهمة تبعد منهم، وإن جاز لهم أن يحكموا لأولادهم لزمهم ذلك في سائر القضاة، ويقال لبعض من مذهبه أن الحاكم

стр. 2957

لا يحكم لولده ولا لوالده ما يقول في والد الخليفة أو ولد له طالب بحق له عند الخليفة، وجاء على ذلك بالبينة أيحكم له بحقه أم لا يحكم له؟ فإن قال (١): يحكم له. قيل له: فيجوز أن تعطل أحكام الله وتمنع هؤلاء من بين الخلق الحق؟ فإن قال: يجعل الخليفة النظر بينهما إلى بعض الناس لينظر بين والده أو ولده وخصمه. قيل: أليس من قولك أن وكيل الرجل يقوم مقامه فما جاز له أن يفعله فعله وكيله وما منع هو منه فوكيله ممنوع منه. وحكاية هذا القول تغني عن الإدخال على قائله. ٦٥١٧ - وقد روي عن أبي بكر الصديق أنه أمر بقطع رجل رجل سرق حليا لأسماء بنت أبي بكر (٢) من حديث مكي بن إبراهيم، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن نافع. ذكر وجوب الغرم على الحاكم فيما أخطأ فيه واختلفوا في الحاكم يخطئ فقضى بغير الحق، فقالت طائفة: ليس على القاضي غرم فيما أخطأ شاور في ذلك أحدا أو لم يشاور، إنما عليه الاجتهاد، ولكن إن تبين أنه أخطأ اتبع المقضي عليه صاحبه بما

стр. 2958

له. هذا قول الليث بن سعد. وفيه قول ثان: وهو أن القاضي إذا رجم وقطع الأيدي وضرب الرجال فقال بعد ذلك: حكمت بجور، أن ما تعمد من ذلك فإنه يقاد منه. هذا قول مالك (١)، وكان المزني يقول: عليهم الفدية والغرم بكل شيء، أكرهوا عباد الله عليه في أنفسهم وأموالهم، وقد ألزم عمر نفسه الدية في المرأة التي بعث إليها فألقت ولدها من خوفه. فأما قوله "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " (٢) فإنما رفع عنهم المأثم فيما أتلفوا إلا الغرم، ألا ترى أن الله أوجب على من قتل خطأ تحرير رقبة مؤمنة ودية على ما أوجب في سياق الآية، ولا خلاف أعلمه أن على من أتلف مالا خاطئا أنه يغرمه. ٦٥١٨ - حدثنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، قال: حدثنا يزيد، عن إبراهيم، عن عطاء بن أبي ميمونة مولى عمران بن حصين أنه قضى على رجل بقضية فقال: والله لقد قضيت علي بجور. قفال: كيف ذاك؟ فقال: شهد علي بزور. فقال عمران: ما قضيت عليك فهو في مالي، والله لا أجلس مجلسي هذا أبدا (٣).

стр. 2959

ذكر ما يخطئ به الإمام من قتل أو جراح واختلفوا فيما يخطئ به الإمام من قتل أو جراح، فقالت طائفة: هو على بيت المال. كذلك قال الثوري وأحمد (١) وإسحاق وأصحاب الرأي (٢)، واحتج أحمد بحديث علي: ٦٥١٩ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا أبو بكر (٣)، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا مسعر وسفيان، عن أبي حصين، عن عمير بن سعيد قال: قال علي: ما كنت لأقيم على رجل حدا فيموت فأجد في نفسي منه شيئا إلا صاحب الخمر، فلو مات وديته - زاد سفيان وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسنه (٤). وفيه قول ثان: وهو أن ذلك على عاقلة الإمام، هذا قول الشافعي، قال الشافعي (٥): والذي أختار، والذي سمعت ممن أرضى من علمائنا أن العقل على عاقلة السلطان. وقال أبو ثور في أربعة شهدوا على رجل بالزنا فرجم الرجل، فإذا بعضهم كافر أو أعمى قال: الدية على الإمام، ويرجع بها الإمام على الكافر والأعمى، لأنهما غراه.

стр. 2960

ذكر كتاب القاضي إلى القاضي أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن القاضي إذا كتب إلى (القاضي) (١) آخر بقضية قضى بها على ما يجب ببينة عادلة، وقرأ الكتاب على شاهدين وأشهدهما على ما فيه، فوصل الكتاب إلى القاضي المكتوب إليه وشهد الشاهدان عنده بما في الكتاب، على المكتوب إليه قبول كتابه إذا كان ذلك في غير حد (٢). واختلفوا فيه إن بعث بالكتاب معهما مختوما ولم يعرفهما ما فيه ولا قرأه عليهما، فقالت طائفة: يتقبله وإن لم يقرأه عليهما ويعرفهما ما فيه. هذا مذهب مالك بن أنس (٣) فيما ذكره أشهب عنه، وحكى عنه ابن وهب أنه قال: لا ينبغي أن يجاز اليوم كتاب قاضي إلى قاضي حتى يكون مع الكتاب رجلان يشهدان أن القاضي أشهدهما على ما فيه. وقد روينا عن قضاة البصرة: الحسن البصري وسوار وعبيد الله بن الحسن ومعاذ والأنصاري أنهم رأوا قبول كتاب قاض إلى قاضي، وقال هشيم إنما أتيت ابن أبي ليلى [بكتاب] (٤) من أبي شيبة في حق كان لنا فقبل الكتاب، ولم يسألني عليه بينة، وكتب لي بحقنا ذلك إلى الشام (٥).

стр. 2961

وقات طائفة: يقبل كتاب القاضي إلى القاضي، ولا يقبل إلا بشاهدين عدلين يقرأه عليهما ويشهدان على ما فيه، وقال: اشهدا على أن هذا كتابي إلى فلان بن فلان. فإذا شهدا على هذا قبله، فإن لم يشهدا على هذا أولم يزيدا على أن يقولا هذا خاتمه هذا كتابه لم يقبله. هذا قول الشافعي (١)، وقال النعمان (٢): لا يقبل حتى يشهد شاهدا عدل على خاتم القاضي وعلى ما في الكتاب كله، لأنه حق وهو مثل شهادة على شهادة. ورجع يعقوب إلى هذا القول فقال: لا يقبل الكتاب حتى يشهد الشهود أنه قرأه عليهم وأعطاهم نسخة معهم يحضرونها هذا القاضي مع كتاب القاضي. وقال أبو ثور نحوا مما قال هؤلاء. ذكر الأخبار التي احتج بها من قال: يجب قبول كتاب القاضي من غير بينة تثبت عند المكتوب إليه أن هذا كتاب فلان ٦٥٢٠ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٣)، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب [قال] (٤) ما أرى الدية إلا للعصبة، لأنهم يعقلون عنه، فهل سمع أحد منكم من رسول الله ﷺ في ذلك شيئا فقام الضحاك بن سفيان الكلابي - وكان رسول الله

стр. 2962

ﷺ استعمله على الأعراب - فقال: كتب إلي رسول الله ﷺ : أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها. فأخذ بذلك عمر (١). ٦٥٢١ - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله، عن سفيان، قال: حدثنا منصور، عن أبي وائل قال: جاءنا كتاب عمر بن الخطاب ونحن بخانقين فقال: إن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى تمسوا إلا أن يشهد شاهدان أنهما أهلاه بالأمس عشية (٢). ذكر كتاب القاضي يصل وقد مات المكتوب إليه وولي غيره واختلفوا في القاضي المكتوب إليه يموت قبل وصول الكتاب ويلي غيره، فروينا عن الحسن البصري أنه قبل كتاب قاضي الكوفة إلى إياس بن معاوية في حكم - وقد عزل إياس - فأمر الحسن - وقد ولي بعده - بإنفاذ ما فيه (٣). وقال الشافعي (٤): إذا مات القاضي الكاتب أو عزل قبل [أن] (٥) يصل كتابه إلى القاضي المكتوب إليه ثم وصل قبله لم يمنع من قبوله بموته ولا عزله، لأنه تقبل بينته كما يقبل حكمه، ألا ترى أنه لو حكم ثم عزل أو مات قبل حكمه، وهكذا يقبل كتابه. قال: وإذا كتب القاضي

стр. 2963

إلى القاضي فترك أن يكتب [اسمه] (١) في العنوان أو كتب اسمه وكنيته فسواء، وإذا قطع الشهود أن هذا كتابه إليه قبله، ألا ترى أني إنما أنظر إلى موضع الحكم (و) (٢) الكتاب، ولا أنظر إلى الرسالة ولا الكلام غير الحكم ولا الاسم، فإذا أشهد الشهود على اسم [الكاتب] (٣) والمكتوب إليه قبلته. وقال أصحاب الرأي (٤): وإذا مات القاضي الذي كتب الكتاب فإنه لا ينبغي لهذا القاضي الذي لم يأته الكتاب إلا بعد موت ذلك القاضي أن يجيزه، وكذلك لو عزل عن القضاء قبل أن يصل كتابه إلى هذا القاضي ثم مات أو عزل بعدما وصل كتابه إليه وقرأ ما فيه فإن هذا القاضي يمضيه. وكان أبو ثور يقول: وإذا كتب قاضي إلى قاضي فعزل القاضي الكاتب أو مات قبل أن يصل كتابه إلى القاضي المكتوب إليه وأنفذ لصاحبه ما فيه فإنما كتابه بمنزلة حكمه. مسألة وإذا كتب القاضي إلى من بلغه كتابي هذا من قضاة المسلمين. فمن أقام عنده البينة من قضاة المسلمين أجاز ذلك، وهذا بمنزلة الحكم. هذا قول أبي ثور. وقال النعمان (٥): لا يجوز ذلك. وقال يعقوب: أستحسن أن

стр. 2964

أجيز ذلك وأنفذه. وقال يعقوب: إذا مات القاضي أو عزل الكاتب فإن القياس ما قال النعمان. قال يعقوب: إذا كتبه وهو قاض قبلت الكتاب، لأن الكتاب قد فصل من بين يديه وخرج من قبله بشهادة الشهود، فأما إذا كان الكتاب إلى غيره فإنه لا يقبله ولا يفتحه. وقال: أبو ثور: ولو أن قاضيا أشهد على كتب في يديه أنه قد قامت بها بينة عنده وزكوا، ثم مات القاضي والكتاب في يديه، فإن هذا مما لا ينبغي لقاض آخر تنفيذه، وذلك أن الشهود لم يشهدوا على إنفاذ القضاء له به، وأن القاضي حكم له به. وحكي عن الكوفي أنه قال ذلك. ذكر صفة من يجب قبول كتابه من القضاة ومن لا يجب قبول كتابه واختلفوا في صفة القاضي الذي يجوز قبول كتابه، والقاضي المكتوب إليه، فكان الشافعي يقول: ويقبل القاضي كتاب كل قاض عدل، ولا يقبل إلا بشاهدين عدلين (١)، وإذا كان بلد به قاضيان كبغداد فكتب أحدهما إلى الآخر بما ثبت عنده من البينة [لم ينبغ له أن يقبلها حتى تعاد عليه، إنما يقبل البينة] (٢) في البلد الثانية التي لا يكلف أهلها إتيانه وكتاب القاضي إلى الأمير، والأمير إلى القاضي، والخليفة إلى القاضي سواء، ولا يقبل إلا ببينة كما وصفت من كتاب قاضي إلى قاضي (٣).

стр. 2965

وقال أصحاب الرأي (١): لا يقبل كتاب قاضي رستاق (٢) أو قرية ولا كتاب عاملها، ليس ينبغي له أن يقبل إلا كتاب قاضي مدينة من المدائن فيها منبر وجماعة، أو مصر من الأمصار، أو كتاب الأمير الذي استعمل ذلك القاضي. كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود واختلفوا في كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود، فقالت طائفة: ذلك جائز في الحدود كلها. هذا قول أبي ثور، وقال: هذا على مذهب أبي عبد الله - يعني الشافعي - وحكى الربيع عن الشافعي (٣) أنه قال: والقول في الحدود اللاتي لله واحد من قولين: أحدهما: بأنه يقبل في كتاب قاضي إلى قاضي، والآخر: لا يقبله (٤). وقال ابن القاسم: قال مالك (٥): شهادة الشهود على الحدود وغيرها جائزة، قال ابن القاسم (٦): فلما كانت الشهادة على الشهادة في ذلك جائزة جازت كتب القضاة في ذلك، جازت كتب القضاة في ذلك.

стр. 2966

وقالت طائفة: لا يجوز في الحدود كتاب القاضي إلى القاضي. هذا قول أصحاب الرأي (١)، ولو كتب إلى قاضي بشيء من ذلك لم ينفذه، وكتب القضاة جائزة في حقوق الناس فيما بينهم من الطلاق، والنكاح، والعتاق، وكل شيء يختصم فيه الناس ما خلا الحدود والقصاص (٢). قال أبو بكر: كتاب القاضي إلى القاضي جائز مقبول في الأشياء كلها. ذكر ما يجوز إنفاذه من كتب القضاة في الشيء بعينه واختلفوا فيما ينفذ من كتب القضاة فيما يقضون فيه من الشيء بعينه، فكان الشافعي يقول: وإذا أقام الرجل البينة على عبد موصوف، أو دابة موصوفة له ببلد آخر، وأحلفه القاضي أن هذا العبد الذي شهد لك به الشهود لعبدك أو دابتك لفي ملكك ما خرجت من ملكك بوجه من الوجوه كلها، وكتب بذلك كتابا من بلده إلى بلد من البلدان فأحضر عبدا بتلك الصفة، فالقياس أن لا يحكم له حتى يأتي الشهود الموضع الذي فيه تلك الدابة ويشهدوا عليها، وكذلك العبد، فلا يخرج من يدي صاحبه الذي هو في يديه بهذا (٣).

стр. 2967

وقال أصحاب الرأي: لا يلتفت إلى الكتاب، ولا يقضي له به دون أن يجيء الشهود بأعيانهم حتى يشهدوا عليه بعينه. وهذا قول النعمان ومحمد (١)، وهو قول يعقوب الآخر، ويقول بعض القضاة - وهو قول يعقوب الآخر -: يختم في عنقه ويؤخذ منه كفيلا ثم يبعث به إلى القاضي الذي كتب الكتاب فيه حتى يشهد الشهود عليه بعينه، ثم يكتب له القاضي كتابا آخر على ذلك فيبرأ كفيله ويقضي له بالعبد. وهذا القول خطأ وإن كان أرفق بالناس، وقال يعقوب: يجوز في العبد ولا يجوز في الأمة. وقال أصحاب الرأي (٢): ولو جاء بكتاب قاضي إلى قاضي بشهادة شهود على دار ليس فيها حدود فلا أجيز ذلك عليه، ولو حدوها بحدين لم أجز ذلك حتى يحدوها بثلاثة حدود أو أربعة، ولو نسبها إلى اسم معروف مشهور لم أجز ذلك، وهو قول النعمان، وفيها قول آخر: أن ذلك جائز. وهو قول يعقوب ومحمد. ذكر الحال التي يجوز للقاضي المكتوب إليه إنفاذ ما كتب به كان الشافعي يقول: إذا كتب القاضي لرجل بحق على رجل في مصر من الأمصار فأقر ذلك الرجل أنه المكتوب عليه بذلك رفع في نسبه أو لم يرفع أو نسبه إلى صناعة أو لم ينسبه إليها أخذ به. وإن أنكر لم يؤخذ به حتى تقوم بينة أنه هو المكتوب عليه بهذا الكتاب، وإذا رفع في نسبه أو نسبه إلى صناعة أو قبيلة أو أمر يعرف به فأنكره، فقامت عليه بينة

стр. 2968

بهذا الاسم والنسب والقبيلة والصناعة أخذ بذلك الحق، فإن كان في ذلك البلد أو غيره رجل يوافق هذا الاسم والنسب في القبيلة والصناعة فأنكر المكتوب عليه وقال: قد يكتب بهذا في هذا البلد على غيري [ممن] (١) يوافق هذا الاسم فقد يكون له من غير أهله من يوافق هذا الاسم، فعرف أن ثم من يوافق هذا الاسم والنسب والصناعة لم يقض على هذا بشيء حتى يباين بشيء لا يوافقه غيره أو يقر أو يقطع بينة أنه المكتوب عليه، فإن لم يكن هذا لم يؤخذ به (٢). وقال أصحاب الرأي (٣) كقول الشافعي، وقالوا: فإن أقام الذي جاء عليه الكتاب البينة أنه قد كان في القبيلة والفخذ رجل على ذلك الاسم والنسب وأنه قد مات، لم أقبل منه ذلك إلا أن يكون حيا، لأني لا أنظر في حال من مات بعد أن يكون موته قبل تاريخ شهادة الشهود بالحق الذي كان في كتاب القاضي، ولو أتى كتاب القاضي إلى قاض على رجل قد نسبه إلى أبيه وفخذه (٤) وفي تلك القبيلة رجل يوافق نسبه واسمه وقد مات قبل ذلك بزمان ودهر أخذت الحي منهما ولم أنظر إلى ما كان قديما قد مضى ولو جاء بكتاب قاض ينسب فيه رجلا إلى أبيه وإلى بكر بن وائل أو بني تميم أو إلى همدان أبطلت ذلك حتى ينسبه إلى فخذه، ولو أجزت الكتاب في هذا أجزته في أهل اليمن أو مضر أو من العرب أو من العجم حتى يدخل فيها من بني آدم.

стр. 2969

ذكر ما يفعل القاضي الذي كتب الكتاب إلى القاضي الآخر فحضره الخصم قبل خروج الكتاب من يديه وما يفعله المكتوب إليه من القضاة إذا صح الكتاب عنده واختلفوا فيما يفعله القاضي الكاتب إذا حضر الخصم قبل خروج الكتاب من يديه، وما يفعله المكتوب إليه إذا وصل الكتاب إليه، فكان الشافعي يقول (١): ولو قبل القاضي شهادة على غائب وكتب بها إلى قاضي، ثم قدم الغائب قبل مضي الكتاب لم يكلف الشهود أن يعودوا وينبغي أن يقرأ عليه شهاداتهم وبنسخة أسمائهم وأنسابهم ويوسع عليهم في طلب جرحهم والمخرج مما شهدوا به عليه، فإن لم يأت بذلك حكم عليه، ولو مضى الكتاب إلى القاضي الآخر لم ينبغي (٢) له أن يقضي عليه حتى يحضره إن كان حاضرا، أو يقرأ عليه الكتاب ونسخة أسماء الشهود ويوسع عليه في طلب المخرج من شهاداتهم، فإن جاء بذلك وإلا قضى عليه. وقال أصحاب الرأي (٣): إذا لم يخرج الكتاب من يديه حتى يحضر الخصم الذي جاء بالكتاب فقدمه صاحبه إليه فإنه لا ينبغي للقاضي أن يقضي عليه بذلك الكتاب حتى يعيد عليه البينة، لأنه لا يسمع من البينة وهو غائب، ولا ينبغي له أن يقبل بينة على غائب، فإن لم يحضر الخصم حتى يخرج الكتاب من يديه ويمضي إلى القاضي الآخر، فإن القاضي الآخر ينبغي له أن يجمع بينه وبينه ثم يقرأ

стр. 2970

الكتاب بشهادة الشهود عليه وهو حاضر فيكون هذا مثل شهادة الشهود عليه وهو حاضر. ذكر القاضي يرد عليه كتاب قاض بحكم يرى المكتوب إليه فيه بخلاف حكم القاضي الكاتب واختلفوا في القاضي يرد عليه كتاب قاض في حكم رأى القاضي المكتوب إليه في ذلك الحكم خلاف رأي القاضي الكاتب، فكان الشافعي يقول (١): كتاب القاضي كتابان، أحدهما كتاب يثبت فهذا يستأنف المكتوب إليه به الحكم، والآخر كتاب حكم منه فإذا قبله أشهد على المحكوم له أنه قد ثبت له عنده حكم قاضي بلد كذا وكذا، فإن كان حكم بحق أنفذه له، وإن كان حكم عنده بباطل لا يشك فيه لم ينفذه ولم يثبته له الكتاب، فإن كان حكم له بشيء يراه باطلا وهو مما اختلف الناس فيه وهو يخالف كتابا أو سنة أو إجماعا أو قياسا في معنى واحد فهذا من الباطل الذي ينبغي له أن يرده، وإن كان مما يحتمل القياس ويحتمل غيره وقل ما يكون هذا أثبته له ولم ينفذه ولم يرده وخلى بينه وبين حكم الحاكم يتولى منه ما يتولى ولا يشركه بأن يكون مبتدئا بالحكم فيه وهو يراه باطلا. وقال أصحاب الرأي (٢): فإذا أتى القاضي كتاب القاضي بشيء مما يختلف فيه الفقهاء مما ليس من رأى الذي أتاه الكتاب أن يجيزه فإنه

стр. 2971

لا ينبغي أن يجيزه ولا ينفذه من قبل أن الذي كتب الكتاب لم ينفذ شيئا وإنما ينفذ هذا الذي أتاه الكتاب فليس ينبغ (١) له أن يقضي الجور ولا ينفذ شهادة واحد على شهادة واحد وغير ذلك مما يختلف فيه الفقهاء. وقال أبو ثور: لا ينبغي للقاضي أن ينفذ حكما يراه باطلا. قال أبو بكر: هذا صحيح. ذكر القضاء على الغائب والاختلاف فيه اختلف أهل العلم في القضاء على الغائب. فقالت طائفة: لا يقضى على الغائب. كذلك قال شريح، وروينا عن عامر (٢) والقاسم أنهما لم يكونا يقبلان شهادة خصم إلا وخصمه معه. وروينا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: إذا جاءك الخصم وعينه في كفه فلا تقضي حتى يأتي خصمه (٣). وقال ابن أبي ليلى والنعمان ويعقوب (٤): لا يقضى على غائب. وقالت طائفة: القضاء على الغائب جائز. وممن رأى ذلك مالك بن أنس (٥) والليث بن سعد وسوار القاضي وأبو ثور والمزني، قال مالك في الغائب يكون عليه المال: يباع ماله فيقضى غرماؤه وإن

стр. 2972

كان غائبا. ابن نافع عنه، وقال ابن القاسم: سئل مالك عن الغائب: هل يقضى عليه؟ قال: أما الدين فإنه يقضى عليه، وأما كل شيء كانت له فيه حجج فإنه لا يقضى عليه. وكان الشافعي (١) يرى القضاء على الغائب ويجعل الذي قضى عليه على حجته يستأنف لها فإذا حضر أو وكيل له استأنف الحكم بينك وبين المقضي له. وكان أبو عبيد يرى القضاء على الغائب إذا تبين للحاكم إنما فراره واستخفاؤه إنما هو فرارا من الحق ومعاندة للخصم يعذر إليه فإن حضر وإلا حكم عليه. قال أبو بكر: فاحتج بعض من لا يرى القضاء على الغائب من جهة الخبر بالحديث الذي: ٦٥٢٢ - حدثناه محمد بن علي، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا شريك بن عبد الله، عن سماك بن حرب، عن حنش، عن علي قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قوم فقلت: تبعثني إلى قوم ذوي أسنان وأنا حديث السن. قال: "إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما شيئا حتى تسمع من الآخر كما سمعت من [الأول] (٢)، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء ". قال: فما زلت قاضيا (٣). واحتج من النظر بأن الغائب قد يدلى بحجته لو حضر، فلما احتمل ذلك لم يجز القضاء عليه إلا بعد قدومه، وقد يجرح الشهود الذين شهدوا عليه، وإذا كان الخصم لو كان حاضرا لم يجز الحكم عليه حتى يستنطق

стр. 2973

فيقال ما تقول فيما يذكر خصمك، فإذا احتمل أن يكون للغائب حجة تخفى عليه لم يقض على غائب حتى يحضر فإما دفع عن نفسه وإما حكم بما يجب. قال أبو بكر: أما احتجاج هذا القائل بخبر علي فإنما ذلك في الخصمين اللذين يحضران الإمام جميعا ألا تراه يقول: "إذا جلس إليك " وليس هذا من باب القضاء على الغائب بسبيل، وأما قول من قال: قد يدلي الغائب بحجة. فقد يدلي بحجة ولا يدلي، وغير جائز دفع البينة الثابتة بقول قائل لعل، وقل شيء إلا وهو يمكن أن يقال فيه لعل، ولا يجوز ترك ما يجب بلعل، فأما ما احتج به من رأى أن يقضى على الغائب، فمما احتجوا به خبر هند لما جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس لي إلا ما أدخل بيتي. فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " (١). وأبو سفيان في ذلك الوقت ليس بحاضر عند رسول الله ﷺ قضى رسول الله لما علم ما يجب لها عليه حكم عليه بذلك ولم ينتظر حضوره، ولعله لو حضر أدلى بحجة فلم يؤخر الحكم عليه بل أمرها بالذي أمرها به وحكم عليه وهو غائب بالذي يجب. ومما يحتج به في الحكم على الغائب خبر أبي موسى: ٦٥٢٣ - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال: حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا خالد بن نافع، قال: حدثنا سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن معاوية أنه قال لأبي موسى: أنشدك بالله، هل تعلم أن رسول الله ﷺ كان إذا اختصم إليه الخصمان

стр. 2974

فاتعدا الموعد فوافي أحدهما ولم يواف الآخر قضى للذي وافى منهما؟ قال أبو موسى: نعم (١). قال أبو بكر: فإذا صح عند الحاكم حق الخصم وثبتت البينة له بحق وغاب صاحب الحق فإن كان الخصم حاضرا ممتنعا بعث إلى بابه ونادى به وعرفه أن الحق قد ثبت عليه وتوجه، وأنه حضر فأمكنه الدفع عن نفسه فليفعل، وإن لم يحضر نفذ الحكم عليه، وذلك بعد أن تقرر البينة بالنداء على بابه وإن كان غائبا عن البلد وقد طالت غيبته أو لم تطل وثبت الحق عليه حكم عليه بالذي يجب، وجعل كل ذي حجة على حجته إذا حضر، وجعل فيه كتابا يذكر فيه من أي جهة حكم عليه ليدلي بحجته إن كانت عنده إذ حضر. ومما يحتج به في هذا الباب أن الله - جل ذكره - حصن الأموال بالشهود، وجعل النبي ﷺ البينة على المدعي لم يخص بذلك حاضر دون غائب. فالحكم بذلك يجب على العموم غائبا للذي يجب عليه الحق، أم حاضرا لدخول الجميع في جملة من أمر النبي ﷺ مما يحكم عليه ليس لأحد أن يستثني من جملة الخبر شيئا إلا بحجة يحتج بها، ومما يحتج به في الباب حكمهم على حاضر قاتل ثبت عليه البينة أنه قتل ابنا لزيد، وحضر زيد فطالب بدمه وسكت القاتل فلم يتكلم، أن القود يجب عليه وإن سكت، ولا يبطل الحق بسكوته. وكذلك إيجابهم الحقوق في أموال الأطفال والمجانين إذا كانوا في جملة من لا معنى لسؤاله فكذلك القول بظاهر

стр. 2975

الكتاب والسنة يجب على الغائب الذي لا سبيل إلى سؤاله ومخاطبته في وقت الحكم كما لا سبيل إلى سؤال المجنون في حال الجنون والطفولية، وقد يموت الغائب قبل قدومه، ويموت الطفل قبل يبلغ والمجنون قبل يفيق، ولما لم يقولوا إن البينة إذا ثبتت على المجنون والطفل توقف إلى أن يوجد السبيل إلى مخاطبته ببلوغ أحدهما إذا فاته الآخر، فكذلك لا معنى لانتظار الغائب وإيقاف البينة التي ثبتت عليه إلى أن يقدم وكل ما أمكن في أحدهما معنى أمكن في الآخر مثله مع أن المناقضة لا تفارق أصحاب الرأي في مذهبهم (١)، لأنهم قالوا في الرجل يغيب عن بلده ويدع امرأته بغير نفقة ولا كسوة أو يدع الأطفال من أولاده بلا نفقة فيقضي الحاكم بنفقة من يجب له منهم النفقة في مالة بالمعروف. ولا يدع ذلك لمغيبته، فإن لم يكن له مال حاضر يقدر عليه القاضي أمر المرأة أن تدان وتنفق على نفسها بالمعروف ثم يأخذه به إذا قدم. فهذه المسألة مما ترك أصحاب الرأي أصولهم فيه، لأنهم زعموا أنهم لا يقضون على الغائب، وهذا غائب قد حكموا عليه، ولعل الزوج إذا حضر أن يقول قد دفعت إليها النفقة، ويأتي على ذلك ببينة ولو كان للحل (٢) معنى يجوز أن يحتج به محتج في ترك القضاء على الغائب فكان هذا في هذا الموضع يحتج به، وزعموا أنهم يقضون للمرأة والوالدين والولد على أن الذي عنده المال للغائب إذا أقر به ولا يقضون للأخ والأخت ولا لذي رحم محرم، ووجوب نفقات هؤلاء عندهم كوجوب نفقات الآباء والأبناء والزوجات، وزعم بعض

стр. 2976

بعض من أنكر القضاء على الغائب أن رجلا لو ادعى وكالة من غائب وأثبت الوكالة فأراد بيع أمواله من عقار ورقيق وغير ذلك، أن ذلك له إذا قدم رجلا يدعي قبل الغائب الموكل مالا، وهذا ترك منهم لأصولهم، وقد يجوز أن يكون الغائب إذا قدم أنكر ذلك، وجاء بحجة تدفع ما قال من جرح البينة أو إقامة البينة على نسخ الوكالة، وقد ذكرت باقي المسائل التي تركوا فيها أصولهم وحكموا على الغائب في مواضع كثيرة طلب الاختصار وكراهية التطويل (١). ذكر الحكم بين أهل الكتاب اختلف أهل العلم في الحكم بين أهل الكتاب، فقالت طائفة: الإمام بالخيار إن شاء حكم بينهم وإن شاء تركهم وحكامهم. فممن قال إن الإمام بالخيار فيه: عطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، والشعبي، والحسن البصري، وبه قال مالك ومن تبعه من أهل المدينة، وكذلك قال أبو ثور، وقال مالك (٢) بعد أن ذكر كلاما: وذلك أن رسول الله ﷺ حكم في اليهوديين اللذين رجم، لأنهم حكموه وليسوا أهل ذمة قبل أن ينزل القرآن. قال: فأما جراحهم فيما بينهم فأرى أن يحكم فيه أهل الإسلام، لأنهم إن تركوا يجرح بعضهم بعضا أضر ذلك بالمسلمين. واختلف قول الشافعي في هذه المسألة فحكى الحسن بن محمد عنه أنه قال:

стр. 2977

ليس لحكام المسلمين أن يكشفوا أهل الذمة عما بينهم من المخامرة والمعاملة وغيرها، فإن جاء مستعدي على أحدهم لم يحكم بينهم حتى يجمع المستعدي والمستعدى عليه جميعا بالرضا فإذا اجتمعا فللحاكم الخيار إن شاء حكم وإن شاء أن يردهم إلى أهل دينهم فيحكم بينهم حكامهم فعل، وردهم أحب الأمرين إلينا، فإن حكم فلا يحكم حتى يعلمهم أنهم يحكمون بحكم الإسلام، فإذا رضوا فليس له أن يحكم إلا بكتاب الله وسنة رسوله، واحتج بقوله ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ إلى قوله ﴿بالقسط﴾ (١) وإنما يلزم المسلمين الحكم بينهم إذا كان لأحد منهم على مسلم حق أو كان لمسلم عليه، ولا يجوز أن يحكم للمسلم ولا عليه مشرك، ثم قال بمصر: وإن تداعوا إلى حكامنا فجاء المتنازعون معا متراضين فالحاكم بالخيار إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم، وأحب إلينا أن لا يحكم. [قال هذا] (٢) في كتاب اليمين مع الشاهد (٣)، وقال في كتاب الحدود (٤): ولا يحكم بين أهل الكتاب إلا أن يأتونا راغبين، فإن فعلوا قلنا: الخيار أن نحكم أو ندع، فإن حكمنا حكمنا بحكم الإسلام. قال (٥): ويحتمل قول الله ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ (٦) إن حكمت. وذكر حديث محمد بن أبي بكر:

стр. 2978

٦٥٢٤ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن قابوس بن المخارق، عن أبيه قال: بعث علي محمد بن أبي بكر أميرا على مصر فكتب محمد إلى علي يسأله عن رجل مسلم فجر بنصرانية، فكتب علي: أن أقم الحد على المسلم الذي فجر بالنصرانية، وادفع النصرانية إلى النصارى يقضون فيها ما شاءوا (١). وقال في كتاب الجزية قال الله جل ذكره ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ قال الشافعي: فكأن الصغار - والله أعلم - أن يجري عليهم حكم الإسلام. وذكر قوله ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ (فكان ظاهر ما عرفنا أن يحكم بينهم) (٢) والله أعلم، فإذا جاءت امرأة رجل منهم تستعدي عليه بأنه طلقها، أو آلى منها حكمت عليه كحكمي على المسلمين فألزمته الطلاق وفيئة الإيلاء فإن فاء وإلا أخذته بأن يطلق (٣). وقال: وإذا وادع الإمام قوما من أهل الشرك ولم يشترط أن يجري عليهم الحكم ثم جاءوا متحاكمين فهو بالخيار بين أن يحكم بينهم أو يدع الحكم فإن اختار أن يحكم بينهم [حكم] (٤) بينهم حكمه بين المسلمين لقول الله ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ والقسط حكم الله الذي أنزله عليه وليس للإمام الخيار في أحد من المعاهدين الذين

стр. 2979

يجري عليهم الحكم (١) إذا جاءوه في حد الله وعليه أن يقيمه (٢). وقالت طائفة: إذا تحاكموا إلينا فعلى الإمام أن يحكم بينهم، ونسخت هذه الآية ﴿فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ (٣) ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ (٤). ٦٥٢٥ - حدثنا محمد بن نصر، قال: حدثنا إسحاق، قال: أخبرنا علي بن الحسين بن واقد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسأها (٥) … ﴾ (٦) الآية، قال ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ قال: نسختها هذه الآية ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾. ٦٥٢٦ - وحدثنا علي، قال: حدثنا أبو عبيد (٧): حدثنا حجاج، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله ﴿فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ قال: نسختها قوله: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ (٨). وممن قال بمثل قول ابن عباس: عكرمة، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، والشعبي، وقتادة، وعطاء الخراساني، والأوزاعي، وأصحاب الرأي،

стр. 2980

وأبو عبيد القاسم بن سلام (١). وقال سعيد بن جبير في قتل أهل الذمة: وإذا ارتفعوا إلى حكام المسلمين فليحكم بينهم بكتاب الله. وكذلك قال الزهري، وقد احتج بعض من رأى أن الإمام بالخيار إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم، بأخبار رويت فيه أن المائدة لم ينسخ منها شيء. ٦٥٢٧ - حدثنا علي، عن أبي عبيد (٢)، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة فقالت لي: يا جبير، هل تقرأ المائدة؟ قلت: نعم، قالت: إنها من آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه (٣). وقال عمرو بن شرحبيل والحسن البصري (٤): لم ينسخ من المائدة شيء. قال أبو بكر: وقد خالف عائشة عثمان والبراء بن عازب: ٦٥٢٨ - حدثنا موسى، قال: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: آخر سورة نزلت كاملة براءة (٥). ٦٥٢٩ - حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا هوذة، قال: حدثنا
следующие страницы →