فيكتب في كل رقعة اسم ذي السهم حتى يستوظف أسماءهم، ثم تجعل في بنادق طين مستوية لا تفاوت فيها، فإن لم يقدر على ذلك إلا بوزن وزنت، ثم تستجف قليلا، ثم تلقى في ثوب رجل لم يحضر الكتاب، ولا أدخلها في البنادق، ويغطي عليها ثوبه، ثم يقال له: أدخل يدك فأخرج بندقه، فإذا أخرجها فضت وقرأ اسم صاحبها، ثم دفع إليه الجزء الذي أقرع عليه، ثم يقال: أقرع على السهم الذي يليه، ثم هكذا ما بقي من السهمان شيء حتى ينفد، وهكذا في الرقيق وغيرهم سواء.
ذكر سائر الأخبار التي احتج بها أصحابنا في إثبات القرعة غير الخبرين اللذين ذكرناهما
وعن بعض أصحاب الرأي: أن القرعة غير جائز استعمالها، وذكر أنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها، وذكر خبر أبي المهلب، عن عمران بن حصين، وطعن في الخبر جهلا وقلة معرفة بأخبار الرسول ﷺ ولو اشتغل بتعليم السنن لكان أولى به من التخطي إلى ردها بالجهل (١). والقرعة لم تؤخذ عن النبي ﷺ من وجه واحد بل أخذت من وجوه شتى، وخبر عمران بن حصين قد رواه غير أبي المهلب غير هذا الجاهل بأبي المهلب وبالحديث.
стр. 3082
٦٦١٣ - حدثنا يحيى بن محمد قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن رجلا من الأنصار أعتق ستة أعبد له في مرضه، لم يكن له مال غيره فبلغ ذلك النبي ﷺ فدعا فجزأهم فأعتق اثنين، وأرق أربعة وقال قولا شديدا (١).
٦٦١٤ - حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا حجاج قال: حدثنا حماد قال: أخبرنا عطاء الخراساني، عن سعيد بن المسيب وأيوب، عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين. وقتادة وحميد وسماك بن حرب، عن الحسن، عن عمران بن حصين، أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته، وليس له مال غيرهم، فأقرع رسول الله ﷺ بينهم فأعتق اثنين، ورد أربعة في الرق (٢).
قال أبو بكر: وممن قال بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز، وأبان بن عثمان، والشافعي (٣)، وأحمد (٤)، وإسحاق، وجماعة، وأصحاب الرأي (٥).
стр. 3083
وجه ثان من إثبات القرعة وهو في غير معنى العتق
٦٦١٥ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا عبد الرزاق (١)، عن معمر، عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ حيث قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله، وكلهم حدثني بطائفة من حديثهم وبعضهم كان أوعى لحديثه من بعض وأثبت اقتصاصا وبعض حديثهم يصدق بعضا ذكروا أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله ﷺ … وذكر الحديث (٢).
وجه ثالث: يثبت القرعة في القوم بينهم المنازل يتشاحون في موضع النزول فيها
٦٦١٦ - حدثنا يحيى بن محمد قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها كمثل قوم
стр. 3084
استهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان - يعني - الذين في أسفلها يخرجون ويستقون الماء ويصبون على الذين في أعلاها فيؤذيهم فمنعوهم فقالوا: لا ندعكم تمرون علينا فتؤذونا، فقال الذين في أسفلها: أما إذا منعتمونا فننقب السفينة من أسفلها فنستقي. قال: فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعا، وإن تركوهم هلكوا جميعا " (١).
وجه رابع: يثبت القرعة في قوم يتشاحون في الصف الأول والأذان لفضل موضعهما
٦٦١٧ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق (٢)، عن مالك (٣)، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليهما " (٤).
وجه خامس: في استعمال القرعة في الأكفان بين الموتى
٦٦١٨ - حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد
стр. 3085
عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير قال: لما انكشف المشركون عن أحد، وقد أصيب من أصيب من المسلمين. قال: ورسول الله ﷺ وناس من أصحابه جلوس في أصل الجبل، إذ طلعت امرأة من ناحية المدينة تؤم القتلى، فلما رآها رسول الله ﷺ قال: "المرأة المرأة " [وتوسمتها] (١) إذا هي أمه صفية بنت عبد المطلب، فوجهت حتى لقيتها فقلت: يا أمة قفي فلدمت (٢) في صدري، وقالت: إليك لا أرض لك. فقلت لها: إن رسول الله ﷺ يعزم عليك لترجعن، فوقفت وناولتني ثوبين معها وقالت: كفن أخي في هذين الثوبين. قال: فجئنا بهما ليكفن فيهما حمزة فوجدنا إلى جنبه قتيلا من الأنصار، فوجدنا غضاضة أن يكفن حمزة في ثوبين والأنصاري إلى جنبه لا كفن له، فقلنا: لحمزة ثوب والأنصاري ثوب فوجدنا أحد الثوبين أوسع من الآخر، فأقرعنا عليهما، ثم كفنا كل واحد منهما في الثوب الذي طار له (٣).
وجه سادس من استعمال القرعة في دعوى الولد
٦٦١٩ - حدثنا يحيى بن محمد قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن الأجلح، عن الشعبي، عن عبد الله بن الخليل، عن زيد بن أرقم قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ فجاء رجل من أهل اليمن فقال: إن ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا عليا يختصمون في ولد وقعوا على امرأة في طهر واحد.
стр. 3086
فقال لاثنين منهم: طيبا بالولد لهذا. فغلبا ثم قال لاثنين منهم: طيبا بالولد لهذا. فغلبا (١) ثم قال لاثنين منهم: طيبا بالولد لهذا فغلبا، فقال: أنتم شركاء متشاكسون وإني مقرع بينكم، فمن قرع منكم فله الولد، وعليه لصاحبه ثلثا الدية، فأقرع بينهم فجعله لمن قرع فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أضراسه أو نواجذه (٢).
قال أبو بكر: قد تكلم في هذا الإسناد (٣) وقد احتج بعض أصحابنا به.
قال أبو بكر: وقد جاءت القرعة عن رسول الله ﷺ من وجوه
стр. 3087
ثمانية، وقد احتج الشافعي (١) وأبو عبيد في إثبات القرعة بآيات من كتاب الله من ذلك قصة زكريا قوله: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾ (٢) وقال: ﴿وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك المشحون * فساهم فكان من المدحضين﴾ (٣) قال أبو عبيد: وقد أمر نبينا بمثل منهاجهم قال الله تبارك اسمه ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ (٤) فعمل بها رسول الله ﷺ في غير موطن ولا اثنين، وذكر بعض الأخبار التي ذكرناها وخبر أم سلمة.
٦٦٢٠ - أخبرنا حاتم بن منصور، أن الحميدي حدثهم قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة قال: سمعت أم سلمة تقول: كنت عند النبي ﷺ فجاءه رجلان يختصمان في مواريث وأشياء قد درست، فقال رسول الله ﷺ : "إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه شيء، فمن قضيت له بحجة أراها فاقتطع قطعة ظلما، فإنما يقتطع بها قطعة من النار يأتي بها إسطاما يوم القيامة في عنقه ". فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما لصاحبه: يا رسول الله حقي هذا الذي أطلب له. فقال رسول الله ﷺ : "لا، ولكن اذهبا فتوخيا، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه " (٥).
стр. 3088
قال أبو عبيد: قد عمل بها ثلاثة من الأنبياء يونس، وزكريا، ونبينا ﷺ .
قال أبو بكر: والذي خالف أصحابنا في باب القرعة يزعم أن الرجلين إذا أقام كل واحد منهما البينة أن العبد له، يقسم العبد بينهما لكل واحد منهما النصف، وهذا عين الخطأ، لأن البينتين لا يخلو أن تكون إحداهما كاذبة أو غالطة، فأيهما كانت فقد يحكم القاضي به بينهما نصفين أنه حاكم لأحدهما بما ليس له، لأن كل واحدة من البينتين إنما شهدت لصاحبها بالكل، واخترع هو من عند نفسه حكما ثالثا خلاف ما شهدت به البينتان، وأعطى من ليس له، ومنع الذي له حقه أو بعض حقه فإن اعتل معتل بخبر تميم بن طرفة، فذلك خبر غير ثابت، لأنه مرسل، وقد ذكرناه فيما مضى (١)، ولو جاز استعمال المرسل لكان مرسل سعيد بن المسيب أولى، وقد ذكرته مع ذكري خبر تميم، فالراد خبر سعيد اعتلالاً بأنه مرسل قد دخل في مثل ما أنكره، وفيما هو أضعف منه، على أن القائل بخبر سعيد غير موقن بأنه أخطأ، وقاسم الشيء بينهما نصفين موقن الخطأ، لأنه مانع من له حق، ومعطي من لا حق له، لأنه غير مستعمل لما شهدت به البينة ولا حاكم لهما بدعواهما، بل حكم بحكم ثالث لا يفارقه الخطأ فيه، وليس في حديث تميم أن البعير الذي تنازعاه كان في أيديهما أو في يد غيرهما، ولو ثبت الحديث لجاز أن يكون في أيديهما، فلا يكون للقاسم الشيء الذي في غير يد المدعيين فيه حجة مع أن استعمال القرعة كالإجماع من أهل العلم فيما يقسم به بين الشركاء.
стр. 3089
ذكر اختلاف أهل العلم في الشيء يكون بيد رجل يدعيه آخر
واختلفوا في الشيء يكون بيد الرجل، فيدعيه آخر ويقيم كل واحد منهما البينة على أن الشيء له. فقالت طائفة: صاحب اليد أولى، هذا قول شريح والشعبي، وإبراهيم النخعي، والحكم وقال الحكم: وجد بغل بالنهرين فأقام كل فرقة البينة أنه لهم فقضى به عبد الله بن عتبة للذي هو في أيديهم (١). وقال مالك (٢) في الدار تكون بيد الرجل أقام البينة أنها داره وأقام الآخر البينة أنها داره: هي للذي هي بيده، وبه قال الشافعي قال (٣): لفضل قوة سببه. وقالت طائفة: البينة بينة المدعي بينة الذي ليست الدار في يده، لأن النبي ﷺ قال: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " (٤)، لأن المدعى عليه في يده الدار هذا قول أحمد بن حنبل (٥) وإسحاق بن راهويه.
قال أبو بكر: وقد احتج لهذا القول بعض الناس، وقال: يجب أن يحكم بالبينة لمن حكم له النبي ﷺ ويجعل اليمين على من جعلها النبي عليه (٦) وقال: لا فرق بين النتاج في هذا وبين غيره من
стр. 3090
العروض، ولا يجوز غير هذا إلا أن يكون الذي بيده الشيء يأتي ببينة تجرح بينة المدعي، فإذا أتاه بها وجب دفع بينة المدعي والله أعلم. وقال آخر: ولا يدعي مدع إجماعا في النتاج ولا خبرا ثابتا فيه، لأن الخبر في ذلك إنما رواه ابن أبي يحيى عن ابن أبي فروة، وهما ممن طعن فيهما أهل العلم بالحديث. أما ابن أبي يحيى (١) فإن مالكا نهى عن حديثه. وقال يحيى بن معين: ليس بثقة رافضي كذاب. وقال يحيى بن سعيد القطان: كنا نتهمه بالكذب تركه ابن المبارك والناس. وقال أحمد بن حنبل: كان يأخذ حديث الناس فيجعله في كتبه. وقال ابن أبي مريم: أشهد عليه بثلاث خلال: الكذب والقدر وخصلة ثالثة قبيحة. وابن أبي فروة (٢) فيضعف ومنهم من لا يكتب حديثه، وإذا لم يثبت في النتاج خبر وليس فيه إجماع لم يعتل به، وقد ذكرنا خبر أبي الدرداء فيما مضى (٣) وإنما المتبع: من قال بكل سنة في موضعها، ولم يستعمل العقول فيما تدل السنة على خلافه (٤).
стр. 3091
ذكر القوم تختلف دعواهم وتستوي حجتهم
اختلف أهل العلم في الدار يدعيها أربعة نفر، ادعى أحدهم أن له جميع الدار، وادعى الآخر أن له ثلثي الدار، وادعى الثالث أن له نصف الدار، وادعى الرابع أن له ثلث الدار، أقام كل واحد منهم شاهدي عدل على دعواه. يحكي بعض أصحابنا أن في هذه المسألة أربعة أقاويل:
أحدها: أن الدار تقسم بينهم على ستة وثلاثين سهما يعزل ثلثها وهو اثنا عشر سهما فيدفع إلى مدعي الجميع، لأن مدعي الثلثين ومدعي النصف ومدعي الثلث قد تبرءوا من هذا الثلث فلم يدعوا فيه شيئا، ثم يؤخذ سدس الدار، وهو ستة أسهم من ستة وثلاثين سهما فيقسم بين مدعي جميع الدار ومدعي ثلثيها، لأنهما جميعا مدعيان لهذا السدس، وقد أقام كل واحد منهما على دعواه شاهدين فاستويا جميعا في هذا السدس وفي البينة، وتبرأ منه مدعي النصف ومدعي الثلث، ويؤخذ سدس آخر فيقسم بين مدعي جميع الدار ومدعي ثلثيها ومدعي نصفها أثلاثا، لأنهم جميعا قد استووا في الدعوى في هذا السدس، وفي إقامة البينة عليه، وتبرأ منه مدعي الثلث، ويبقى ثلث الدار فيقسم هذا الثلث الباقي بينهم أرباعا، لأنهم جميعا مستوون في الدعوى في هذا الثلث، وفي إقامة البينة عليه، فتصير في يدي مدعي جميع الدار عشرون سهما من ستة وثلاثين سهما من جميع الدار، وفي يدي مدعي ثلثيها ثمانية أسهم وثلاثين سهما في جميعها، وفي يدي مدعي النصف خمسة أسهم من ستة وثلاثين سهما في جميعها، وفي يدي مدعي ثلثها ثلاثة أسهم من ستة وثلاثين سهما من جميعها. قال: وهذا قياس قول الحارث العكلي،
стр. 3092
وقتادة، وابن شبرمة، وحماد بن أبي سليمان، والنعمان (١) قال: وحجتهم في ذلك من الحديث حديث أبي موسى (٢).
قال أبو بكر: وقد ذكرناه في كتاب ذكر البينتين إذا تكافأتا بالدعوى في الشيء الواحد (٣)، وحديث سماك، عن تميم بن طرفة وقد ذكرته فيما مضى (٤)، وحجتهم من النظر أن قالوا: وجدنا كل مدعيين ادعيا شيئا ليس في يد واحد منهما أقام كل واحد منهما شاهدين، أو لم يقم أحد منهما بينة، وحلف كل واحد منهما على صاحبه في دعوى ولا بينة فجعلناهما (شيئين) (٥) في الشيء الذي ادعياه فقسمناه بينهما.
٦٦٢١ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (٦) قال حدثنا عبدة بن سليمان، عن حسن بن صالح، أن ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وربيعة الرأي قالوا في الرجلين يكون بينهما الكيس يقول هذا: نصفه لي، ويقول هذا: لي كله. قال ابن شبرمة: للذي قال هو لي كله نصفه خالصا، ويكون ما بقي بينهما. وقال ابن أبي ليلى: الثلث والثلثان. وقال ربيعة: هو بينهما نصفان:
٦٦٢٢ - حدثنا موسى قال: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الحارث، في رجلين بينهما مال، وادعى أحدهما نصفه،
стр. 3093
وادعى الآخر الثلثين قال: يعطى صاحب الثلثين نصف المال، لأن صاحب النصف قد برئ من النصف، ويعطي الذي يدعي النصف الثلث، لأن صاحب الثلثين قد برئ من الثلث، وبقي سدس فكلاهما يدعيه فهو بينهما نصفين.
وفيه قول ثان: وهو أن الدار تقسم بينهم على خمسة عشر سهما (لمدعي جميعها ستة أسهم ولمدعي ثلثيها أربعة أسهم، ولمدعي نصفها ثلاثة أسهم ولمدعي ثلثها سهمان. هذا قول ابن أبي ليلى وناس من أصحاب الرأي، وكذلك يقولون في رجل أوصى لرجل بجميع ماله، ولآخر بثلثي ماله، ولآخر بنصف ماله، ولآخر بثلث ماله، فإن أجاز الورثة الوصية فجميع ماله مقسوم بينهم على خمسة عشر سهما يضرب فيه صاحب الجميع بالجميع، وصاحب الثلثين بالثلثين، وصاحب النصف بالنصف، وصحاب الثلث بالثلث، وإن لم يجز الورثة فثلث ماله مقسوم بينهم على خمسة عشر سهما (١) على ما فسرنا، وهذا قياس على عول الفرائض.
وفيه قول ثالث: وهو أن ثلث الدار يدفع إلى مدعي الجميع، لأنه لا منازع له فيه، ويقرع بين مدعي الجميع ومدعي الثلثين في سدس الدار فأيهم أصابته القرعة حلف وقضى له به، ويقرع بين مدعي الجميع ومدعي الثلثين ومدعي النصف في سدس آخر، فأيهما أصابته القرعة حلف، وقضي له به، ويقرع بين أربعتهم جميعا في الثلث الباقي من الدار فأيهم أصابته القرعة حلف، وقضي له به، وهذا قياس قول أحمد (٢)
стр. 3094
وأبي عبيد وبه كان يقول الشافعي إذ هو ببغداد ثم وقف عنه بعد.
قال أبو بكر: وقد ذكرنا عن الأوائل في كتاب البينتين تستويان للمتداعيين، والشيء ليس في أيديهما أخبارا احتجوا ببعض تلك الأخبار، وبخبر همام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا أكره الاثنان على اليمين واستحباها استهما عليها " (١).
وفيه قول رابع:
وهو أن (مدعي) (٢) الدار يعزل فيدفع إلى صاحب الجميع ويوقف سدس الدار على مدعى الجميع ومدعي الثلثين حتى يصطلحا فيه، ويوقف سدس آخر على مدعي الجميع، ومدعي الثلثين، ومدعي النصف حتى يصطلحوا فيه، ويوقف ثلث الدار عليهم جميعا حتى يصطلحوا فيه، ولا يقضى به لأحدهم دون الآخرين، لأنهم قد تضادوا في الادعاء والبينة. هذا قول أبي ثور، وقد اختلف عن مالك بن أنس في هذه المسألة فروي عنه أنه قال نحوا مما حكي عن ابن شبرمة، وروي عنه أنه قال بالقول الآخر الذي ذكر عن أبي ثور، وفي هذه المسألة قولان آخران قد ذكرناهما فيما مضى.
أحدهما: أن الشيء لأكثرهما شهودا إذا اختلفت البينات، ذكرنا ذلك عن هشام بن هبيرة والشعبي.
والقول الثاني: أن يقسم الشيء بالحصص على قدر الشهود.
стр. 3095
قد ذكرنا عن مالك أنه قال (١): يقضى به لأعدل الفريقين وأشهرهما في الصلاح والفضل.
وقال بعض من مال إلى القرعة: لا تخلو البينتين اللتين (٢) اختلفتا أن تكون إحداهما مبطلة والأخرى صادقة، فأشكل علينا أمرهما وجب علينا نقرع بينهما قياسا على إقراع النبي ﷺ في الأعبد الستة الذين أعتقهم الرجل عند موته. وقال الذين قالوا بالقرعة في مسألة الدعوى: لو أن رجلا أوصى لرجل بجميع ماله، ولآخر بجميع ماله فإن أجازوا (٣) الورثة الوصية. قسم مال الميت بينهما نصفين، وإن لم يجيزوا قسم ثلث مال الميت بينهما نصفين، وإن أوصى لرجل بجميع ماله [ولآخر بنصف ماله] (٤) ولآخر بثلث ماله قسم ماله بينهم أثلاثا، للموصى له بجميع المال الثلث، وللموصى له بنصف المال الثلث، وللموصى له بالثلث الثلث، إن أجازت الوصية الورثة. فإن لم يجيزوا الوصية فثلث ماله بينهم على ثلاثة، وفرقوا بين الوصايا وبين اختلاف المدعيين فيما اختلفوا فيه من قبل أن الذي أوصى لهم بهذه الوصايا قد علم صحتها وأن كل واحد منهم صادق فيما ادعى وبينته صادقة وليس كذلك أمر الذين ادعوا الدار لاستحالة أن يكون جميع الدار لأحدهم في حالة، ونصف الدار للآخر في تلك الحال، فعلمنا في مسألة الدار أن إحدى البينتين مبطلة، وليس كذلك الشهود الذين شهدوا على الوصايا المختلفة.
стр. 3096
ذكر دعوى النتاج
اختلف أهل العلم في الدابة تكون بيد الرجل فادعاها آخر، وأقام كل واحد منهما بينة على أنها دابته نتجها عنده فكان الشافعي يقول (١): هي للذي في يديه بفضل قوة سببه وهذا قول شريح، وإبراهيم النخعي، وبه قال أصحاب الرأي (٢)، وأبو ثور، وكذلك العبد والأمة، و (الدابة) (٣).
٦٦٢٣ - وقد روينا عن طاوس أنه قال في الدابة يأتي هذا بشهداء وهذا بشهداء عليها: إنها للذي هي في يديه (٤). وبه قال أبو عبيد، وقال: هذا قول أهل المدينة وأهل الشام (٥).
٦٦٢٤ - واحتج الشافعي بحديث أداه عن ابن أبي يحيى، عن إسحاق بن أبي فروة، عن عمر بن الحكم، عن جابر بن عبد الله أن رجلين تداعيا دابة فأقام كل واحد منهما البينة أنها دابته نتجها فقضى بها رسول الله ﷺ للذي هي في يديه (٦).
стр. 3097
وقد ذكرت أمر إبراهيم ومن رماه بالكذب في غير موضع وإسحاق بن أبي فروة (١)، قال يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال محمد بن إسماعيل: تركوه، وكان أحمد بن حنبل يقول (٢): لا فرق بين النتاج وغيره ويقضي بالدابة للذي ليست في يديه.
قال أبو بكر: وإذا كان الثوب في يد رجل فأقام آخر البينة أنه ثوبه نسجه فأقام الذي هو في يديه البينة أنه نسجه فإنه يقضي به للذي هو في يديه.
قال أبو بكر: وإذا كان ثوب خز في يد رجل فادعاه رجل أنه ثوبه نسجه وأقام على ذلك بينة، وأقام الذي هو في يديه البينة على مثل ذلك، فهو للذي هو في يديه في قول الشافعي (٣)، وأبي ثور. وقال أصحاب الرأي (٤): إن كان مما ينسج مرتين قضيت به للمدعي، وإن كان مما لا ينسج إلا مرة قضيت به للذي هو في يديه، وإن كان مشكلا قضيت به للمدعي حتى أعلم أنه مما لا ينسج مرتين، وبه قال محمد. وفي قول أحمد بن حنبل: الثوب للذي ليس هو في يديه.
والجواب في نصل السيف يكون بيد رجل في قول أبي ثور كما قال في الثوب الخز. وفي قول أصحاب الرأي كما قال أبو ثور، وقالوا في الشعر والخز إذا كانا مما ينقض ويغزل مرتين هو للمدعي. وكذلك قالوا
стр. 3098
في الحلي، لأنه يصاغ غير مرة.
وقال أبو ثور: إذا كانت الدار في يد رجل فأقام رجل البينة أنها دار جده اختطها، ثم ساق مواريث حتى انتهت إليه، فأقام الذي هي في يديه البينة على مثل ذلك. فإنها للذي هي في يده، وفي قول أصحاب الرأي (١) يقضى بها للمدعي، لأن الخطة قد تكون غير مرة.
وإذا كان الصوف في يد رجل فأقام رجل البينة أنه صوف جزه من غنمه، وأقام الذي في يديه على مثل ذلك. فهو للذي هو في يده، وكذلك المرعى، والشعر والخز، في قياس قول الشافعي (٢)، وبه قال أبو ثور، وأصحاب الرأي.
قال أبو بكر: وإذا كانت أرض أو نخل في يد رجل فأقام رجل عليها البينة أنها أرضه ونخله غرسه فيها، وأقام الذي في يده الأرض على مثل ذلك فإذا أثبتوا له الأرض ملكا والنخل، كانت للذي في يديه في قياس قول الشافعي وبه قال أبو ثور، وقال أصحاب الرأي: يقضى به للمدعي.
قال أبو بكر: وإذا كانت حنطة في يد رجل وأقام رجل البينة أنها حنطته زرعها، وأقام الذي في يديه البينة على مثل ذلك، فإنها للذي في يديه في قياس قول الشافعي وبه قال أبو ثور، وقال أصحاب الرأي: يقضى بها للمدعي، وقياس قول أحمد بن حنبل (٣): أن الشيء للذي ليس بيده.
стр. 3099
وإذا كان قطن أو كتان في يد رجل فأقام رجل البينة أنه له زرعه في أرض له وأقام الذي هو في يده أنه له زرعه في أرض له أخرى، فإنه للذي هو في يده في قياس قول الشافعي (١)، وبه قال أبو ثور، وقال أصحاب الرأي (٢): هو للمدعي.
وقال أبو ثور وأصحاب الرأي (٣): لو أن أمة في يد رجل أقام رجل عليها البينة أنها أمته ولدت في ملكه من أمة عنده وأقام الذي هو في يديه البينة أنها أمته ولدت في ملكه من أمته هذه. فإنه يقضى بها للذي هي في يده. واختلفوا فيه إن أقام المدعي البينة على الأم التي في يد المدعى عليه أنها له وأنها ولدت هذه الأمة في ملكه وأقام الذي في يده الجارية على مثل ذلك فكان أبو ثور يقول: إن أثبتوا له ملك الأم كانتا للذي هي في يده، وقال أصحاب الرأي: يقضى بها وبأمها للمدعي، وكذلك الحيوان كله في قولهم جميعا.
قال أبو بكر: وإذا كان عبد في يدي رجل فادعى رجل آخر أنه عبده ولد في ملكه من أمته هذه ومن عبده هذا وأقام البينة على ذلك، فإنه للذي هو في يده في قول أبي ثور وأصحاب الرأي (٤).
قال أبو بكر: وإذا كان العبد في يد رجل، فأقام رجل البينة أنه عبده اشتراه من فلان، وأنه ولد في ملك فلان الذي باعه إياه، وأقام الذي هو في يده البينة أنه اشتراه من فلان رجل آخر، وأنه ولد في ملكه، فإنه للذي
стр. 3100
هو في يده في قول أبي ثور، وأصحاب الرأي.
قال أبو بكر: ولو لم يقم بينة على ذلك، وأقام بينة أنه عبده ولد في ملكه كان له أيضا، ولو لم تقم له بينة على ذلك وأقام بينة على أن أباه مات وتركه ميراثا له ولا وارث له غيره، وأنه ولد في ملكه فإنه له أيضا، ولو لم يقم بينة على ذلك وأقام بينة على هبة مقبوضة أو صدقة مقبوضة، وأنه ولد في ملك الواهب أو المتصدق فإنه له أيضا، ولو لم تثبت بينة على الولادة فإنه يقضى بها للمدعي، لأنه يثبت ملك الذي اشتراه منه إذا كان ولد في ملكه، وهذا قول أبي ثور وأصحاب الرأي، وكان أبو ثور يقول: وإذا كان عبد في يد رجل فأقام رجل عليه البينة أنه عبده ولد من أمته هذه ومن عبده هذا، وأنه ولد في ملكه، وأقام الآخر البينة على مثل ذلك، فإنه يوقف حتى يعلم لمن هو منهما، إذا لم يؤقت الشهود ويخرج من يدي الذي هو في يده، لأن الشهود قد أزالوا ملكه عنه وأثبتوا ملكه لأحد هذين فيوقف حتى يعلم أو يصطلحا عليه. وقال النعمان (١): يقضي به بينهما نصفين، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يثبت نسبه من الاثنين، لأن علمي يحيط أنه (بالمرأتين) (٢) وقد يشترك الأبوان في الولد.
قال أبو بكر: وإذا كان قباء محشوا في يد رجل، فأقام آخر عليه البينة أنه قباؤه قطعه وحشاه في ملكه وخاطه، وأقام الذي في يده القباء على مثل ذلك فإن القباء للذي هو في يده، وكذلك الجبة
стр. 3101
المحشوة، والجبة الخز، والفراء، والبرود، والبسط والأنماط، والوسائد، إذا شهدوا على ملكه فهو للذي هو في يده في قول أبي ثور، وقال أصحاب الرأي (١): هو للمدعي، وكذلك قالوا في الثوب المصبوغ بالعصفر أو الورس والزعفران يقضى به للمدعي، لأن هذا يكون غير مرة، وفي قول أبي ثور: يقضى به للذي هو في يده، وكذلك نقول، وقال أبو ثور: وإذا كان كوز صفر أو تور (٢) أو طست أو إناء من آنية الحديد، أو الصفر، أو النحاس، أو الشبه (٣)، أو الرصاص في يد رجل فأقام رجل البينة أنه صاغه في ملكه، وأقام الذي في يده البينة على مثل ذلك، فإنه للذي في يده في قول أبي ثور، وقال أصحاب الرأي (٤): إن كان هذا لا يصاغ إلا مرة فإنه للذي هو في يده، وإن كان يصاغ غير مرة فهو للمدعي. وإذا كان المصراعان الساج أو الخشب أو (المصراع) (٥) فيكون في يد رجل من ذلك شيء فيقيم رجل عليه البينة أنه له، وأنه نجره في ملكه وصنعه، وأقام الذي هو في يده البينة على مثل ذلك فإنه هو للذي هو في يده في قول أبي ثور، وقال أصحاب الرأي: إن كان هذا لا يكون إلا مرة فهو للذي هو في يده وإن كان يكون مرتين فهو للمدعي.
стр. 3102
قال أبو بكر: وكذلك الخفاف، والنعال، والتابوت، والحجلة، والقلانس، والسرر، والقبة، والصندوق يكون في قول أبي ثور للذي هو في يده. وقال أصحاب الرأي كما قالوا في التي قبلها.
قال أبو بكر: وإذا كان لحم مشوي، أو سمك مشوي، في يد رجل فادعاه آخر، وأقام البينة أنه شواه في ملكه، وأقام الذي في يده الشيء البينة على مثل ذلك فإنه هو للذي هو في يده في قول أبي ثور، وقال أصحاب الرأي (١): هو للمدعي قال أبو ثور: والشواء لا يكون مرتين فهو خطأ على قوله.
قال أبو بكر: وإذا كانت أمة في يد رجل فأقام رجل عليها البينة أنها أمته ولدت في ملكه، وأقام آخر عليها البينة أنها أمته سرقت منه، أو أبقت منه أو غصبه هذا، فإنه يقضي بها لصاحب الولادة، وذلك أنها لما ولدت في ملكه كانت له فلا يزول ملكه حتى يشهد بالشهود أنه قد زال ملكه عنها، في قول أبي ثور، وأصحاب الرأي (٢).
إذا كانت دابة في يد رجل فأقام آخر البينة أنها دابة نتجت عنده، وأقام رجل آخر أنها دابته أجرها من هذا الذي هي في يده أو أعارها أو أودعها إياه أو وهبها له فإنه يقضى بها لصاحب النتاج، وكذلك نقول.
قال أبو بكر: وإذا كانت دابة في يد رجل فأقام رجل البينة أنها دابته، وأقام الذي هي في يده البينة أنها دابته نتجها في ملكه، فإنه يقضي بها للذي هي في يده وكذلك لو أقام البينة الذي هي في يده أنه اشتراها من فلان بمائة درهم ونقده الثمن، وأنها نتجت في ملكه، وكذلك الهبة،
стр. 3103
والصدقة، والعمرى، والنحل، والعطية هي للذي هي في يده في قولهم جميعا (١).
وقالوا جميعا (٢): إذا كان الثوب في يد رجل فأقام آخر البينة أنه نسجه ولم يشهدوا أنه له ولا في ملكه، فإنه لا يقضى به له، وذلك أنه قد يكون حائك نسجه لصاحبه، وكذلك لو كانت أمة فأقام البينة أنها ولدت عنده ولم يشهدوا أنها له ولا ولدت في ملكه، وكذلك لو شهدوا أنها ابنة أمته لم يقض بها له وذلك أنها قد تكون ابنة أمته وهو لا يملكها.
وقالوا (٣): لو شهدوا أن هذا الزرع أخذ من أرض فلان، أو هذه الحنطة أخذت من أرض فلان لم يقض بها له، وذلك أن الأرض قد تكون لرجل ويكون الزرع لغيره.
وإذا شهدوا أن هذا التمر أخذ من نخل فلان قضى به لفلان، وذلك أن ثمرة النخل لصحاب النخل.
وقالوا: وإذا شهدوا أن هذا العبد ولدته أمة فلان هذه وهو يملكها قضى له بالعبد، وكذلك لو قالوا: ولدته أمة في ملكه فإنه يقضى بها له.
وكذلك النتاج هو مثل الولادة سواء في قولهم جميعا (٤).
ولو شهدوا أن فلانا غزل هذا الغزل من قطن فلان، وفلان يملك القطن ونسج الثوب، فإن لصاحب القطن أخذ الثوب، فإن كان فيه
стр. 3104
زيادة على ثمن القطن لم يكن على صاحب القطن شيء، وكان في ذلك إما مقطوع وإما غاصب، وليس له في الغزل شيء قائم (١).
وكذلك لو شهدوا أنه طحن هذا الدقيق من حنطة لفلان وهو يملكها، فإن الدقيق لصاحب الحنطة، وإن كان فيه نقصان من ثمن الحنطة كان ضامنا، وإن كانت فيه زيادة كانت لصاحب الحنطة ولا يكون له أجرة بالطحن ولا يملك الدقيق بما أحدث في الحنطة، وذلك أن أهل العلم لا اختلاف بينهم قالوا في رجل غصب جارية مريضة فعالجها وداواها وقام عليها حتى صلحت وبرئت: أنها لصاحبها ولا شيء للغاصب فيها (٢)، هذا قول أبي ثور. وقال أصحاب الرأي (٣): على الذي غزل الثوب مثل ذلك القطن، والثوب له، وعليه حنطة مثل الحنطة، والدقيق له، لأنه غاصب فهو ضامن. وإن قال رب الحنطة: أنا أمرته بطحنها، وقال صاحب القطن: أنا أمرته بغزله ونسجه أخذ الدقيق والثوب في قولهم جميعا.
وقالوا جميعا: إذا كان الدجاج والحمام أو شيء من الطير في يد رجل فأقام رجل عليه البينة أنه فرخ في ملكه وهو له، وأقام الذي في يده البينة على مثل ذلك فإنه يقضى به للذي هو في يده. وإن كان الدجاج في يدي رجل، فأقام رجل البينة أنها له، وأنه فرخه في ملكه، وأقام الذي في يده البينة أنها له قضى به للمدعي في قولهم جميعا.
وقال أبو ثور: وإذا كانت دجاجة في يد رجل قأقام رجل البينة أن البيضة
стр. 3105
التي منها هذه الدجاجة كانت له قضيت له بالدجاجة، لأنها خرجت من ملك له، وقال أصحاب الرأي (١): يقضي على صاحب الدجاجة ببيضة مثلها لصاحبها إذا أقر أنه فرخها، ولا يشبه هذا في هذا المنزلة الولادة والنتاج.
قال أبو ثور: وهذا خطأ، وذلك أن أهل العلم لا اختلاف بينهم قالوا في رجل غصب جارية فولدت عنده: أن الجارية وولدها للمغصوب، فكذلك البيضة لما اغتصبها فخرج منها دجاجة كانت الدجاجة لصاحبها، وكل ما تولد من ملك إنسان شيء فهو له.
وقال أصحاب الرأي: هذا بمنزلة رجل غصب قفيزا من حنطة فزرعه فخرج منه عشرة أقفزة فهذه الحنطة كلها للغاصب، وعليه قفيز من حنطة مثل ما غصب، ويؤمر أن يتصدق بالفضل في قول النعمان ومحمد، ولا يتصدق بشيء في قول يعقوب (٢).
قال أبو بكر: إنما يفزع الخصم إلى حجة من كتاب، أو سنة، أو إجماع، فأما أن يفزع إلى خطأ من القول قد خولف فيه فلا يشاء أحد أن يفعل كفعله إلا فعل.
وقال أبو ثور: ولو أن رجلا اغتصب دجاجة فباضت عنده بيضتين فحضنت الدجاجة أحد البيضتين من غير أن يحضنها الغاصب وأخذ الغاصب البيضة الأخرى فجعلها (تحت دجاجة أخرى) (٣) فأخرجتا فروخين، فإن الدجاجة والفروخين لصاحب الدجاجة.
стр. 3106
قال أبو بكر: وهذا يشبه مذاهب الشافعي (١) وبه نقول. وقال أصحاب الرأي: الدجاجة والفروخ الذي خرج تحتها لصاحبها، والفروخ الآخر للغاصب، وعليه مثل البيضة.
وإذا كان في يد رجل ثوب وهو مصبوغ بعصفر، فشهد شاهد أن هذا العصفر الذي في هذا الثوب لفلان صبغ به هذا الثوب ولا يدرى من صبغه، وجحد رب الثوب ذلك، وادعى رب العصفر أن رب الثوب فعل ذلك ولا بينة تشهد على فعل رب الثوب، فإن رب الثوب يستحلف ما فعل ذلك، فإذا حلف قيل لرب العصفر: إن أمكنك أن تأخذ عصفرك فخذه من غير أن تضر بالثوب، وإن لم يمكنه فليس له أخذ الثوب، ولا يضمن صاحب الثوب صاحب العصفر شيئا، ولا يأخذ صاحب العصفر الثوب، ويعطي صاحب الثوب قيمته، لأن رب الثوب لم يتعد ولم يجن، هذا قول أبي ثور. وفي قول الشافعي: يكونان شريكين في الثوب والعصفر على قدر ما لكل واحد منهما فيه.
وقال أصحاب الرأي (٢): يقوم الثوب أبيض، ويقوم وفيه العصفر، ويرد رب الثوب على صاحب العصفر قيمة ما زاد العصفر في ثوبه، فإن أبى رب الثوب أن يضمن ذلك بيع الثوب، فيقسم الثمن بينهم يضرب فيه رب الثوب بقيمة الثوب، ويضرب فيه صاحب العصفر بقيمة ما زاد العصفر في قيمة الثوب، موسى (٣) عنهم. وقال قائل: لا يخلو العصفر أن يكون صاحب الثوب
стр. 3107
جعله فيه، أو غيره، أو يكون الثوب وقع في العصفر، أو العصفر انصب على الثوب من غير جناية (أتي) (١)، فأي ذلك كان فغير جائز إبطال حق صاحب العصفر، لأنه لم يتعد، والذي يجب أن ينظر إلى قيمة الثوب قبل الصبغ وقيمة العصفر، ثم يباع فيقسم ثمن الثوب بينهما على قدر ما لكل واحد منهما أو يوقف حتى يصطلحا، ولا يجوز أن يبطل حق صاحب العصفر، لأنها عين قائمة، وكيف يجوز أن يأخذ صاحب الثوب عين مال صاحب العصفر، وإنما ثمن ثوبه كان عشرة دراهم، وقد بيع بخمسة عشر درهما كيف يملك خمسة عشر درهما بغير حجة.
[ذكر] (٢) دعوى النتاج
وإذا كان لبن في يد رجل فأقام رجل البينة أنه لبنه ضربه في ملكه، وأقام الذي هو في يده البينة على مثل ذلك فإنه يقضى به للذي هو في يده، هذا قول أبي ثور. وقال أصحاب الرأي (٣): يقضى به للمدعي لأنه يضرب غير مرة.
وقالوا جميعا في جبن في يدي رجل ادعاه رجل وأقام عليه البينة أنه جبنه صنعه في ملكه، وأقام الذي في يده البينة على مثل ذلك فهو للذي في يده، ثم نقض الكوفي ما أصل فقال: ولو أقام البينة أن اللبن لبنه صنع هذا الجبن منه في ملكه، وأقام آخر البينة على مثل ذلك قضيت به للمدعي، لأنه أقام البينة على أصل اللبن، ثم قال: ويمكن لو كان أقام البينة الذي
стр. 3108
هو في يديه أن اللبن حلبه من شاته هذه، وهي في ملكه، وصنع هذا الجبن منه، وأقام الآخر البينة على مثل ذلك فهو للذي هو في يديه ثم قال: ولو أقام الرجل البينة أن اللبن لبنه حلبه من شاته هذه في ملكه وأن هذه الشاة له، وأن هذا الجبن صنعه من ذلك اللبن في ملكه، وأقام الذي في يده الشاة والجبن البينة على مثل ذلك قضيت به وبالشاة للمدعي، لأنه أقام على الأصل ولا أقضي به للذي هو في يديه، لأنه لم يقم البينة على نتاج الشاة (١).
قال أبو بكر: وهذا ينقض بعضه بعضا. والجواب في هذا كله إذا تكافأت البينات أنه للذي هو في يديه، فأما التحكم الذي ذكره بعض الناس فلا معنى له.
وقال أبو ثور: إذا كان آجرا أو جص أو نورة في يد رجل فأقام آخر البينة أنه آجره أو جصه أو نورته صنع في ملكه وأقام الذي هو في يديه البينة على مثل ذلك، فإنه يقضي به للذي هو في يده، والقول في جلد الشاة يكون في يد الرجل على هذا السبيل كالقول في الجص والنورة، ولو لم يكن هكذا وأقام المدعي البينة أنه جلد شاته، ولم يشهدوا أنه له فإنه له، لأن في قولهم جلد شاته [شهدوا] (٢) به له، وقال أصحاب الرأي (٣): إذا قالوا شاته ولم يشهدوا أنه له فإنه لا يقضى به، لأنهم لم يشهدوا أنه له.
стр. 3109
قال أبو بكر: كما قال أبو ثور أقول.
والجواب في الصوف يوجد في يدي الرجل وشهدوا أنه صوف شاته، ولم يقولوا أنه له كالجواب في المسألة قبلها، يكون في قول أبي ثور للذي هو في يده، ولا يقضى به للذي هو بيده في قول أصحاب الرأي.
وقال أبو ثور: إذا كانت شاة مسلوخة في يد رجل [وجلدها] (١) ورأسها وسواقطها في يد رجل آخر، فأقام الذي الشاة في يده البينة أن الشاة وجلدها ورأسها وسواقطها له، وأقام الذي في يده السقط على مثل ذلك، فإنه يقضى لكل واحد منهما بما في يديه ويد صاحبه فأجزنا شهادتهم على ما في يد كل واحد منهما، ويستحلف كل واحد منهما لصاحبه على ما صار في يديه، لأن صاحبه قد يدعي ما في يديه مما قضى له به. وقال أصحاب الرأي (٢): يقضى لكل واحد منهما بما في يد صاحبه.
وقالوا جميعا: ولو أقام كل واحد منهما البينة أن الشاة شاته نتجت عنده وفي ملكه، وذبحها هو وسلخها، وأن هذا الجلد والرأس والسقط جلدها ورأسها وسقطها، وأن ذلك كله له قضى بالسقط للذي الشاة في يده وذلك أنه لما ثبت ملكه كان سواقط الشاة تبعا لها.
وإذا كانت شاة في يد رجل وشاة أخرى في يد رجل آخر، فأقام كل واحد منهما البينة على شاة صاحبه التي في يديه أنها شاته ولدت في ملكه من هذه الشاة القائمة في يديه، فإنه يقضى لكل واحد منهما بشاة صاحبه التي في يديه في قول أبي ثور، ولو أقام أحدهما البينة أن الشاة التي في
стр. 3110
يديه شاته، ولدت في ملكه وأن شاة صاحبه له. ولدتها شاته هذه في ملكه، وأقام الآخر البينة على مثل ذلك، فإنه يقضى لكل واحد منهما بما في يديه، ويحلف كل واحد منهما لصاحبه على ما ادعى قبله في قول أبي ثور، وقال أصحاب الرأي (١): يقضى لكل واحد منهما بشاته التي في يديه، ولا يقضى لواحد منهما بما في يدي صاحبه.
قال أبو بكر: وكذلك الحيوان كله على هذا المثال في قولهما.
قال أبو بكر: وإذا كانت شاتان في يد رجل فأقام رجل البينة على أنهما له، وأن هذه الشاة ولدت هذه الشاة في ملكه، وادعى آخر أنهما له وأنها لا بنت (٢) التي ذكر صاحبه، أنها شاة ولدت الأخرى في ملكه، فإنه ينظر في سن الشاتين أيهما يجوز أن تكون ولدت الأخرى فأقبل بينة صاحبها، ولا أقضي للآخر بشيء، وذلك أن بينته شهدت بالباطل، وذلك أن الشاة إذا كانت رباع والأخرى ثني فشهدت شهود أحدهما أن الثني ولدت الرباع علمنا أنها كاذبة (٣) وقضينا للآخر إذا أمكن ما قال، هذا قول أبي ثور، وقال أصحاب الرأي (٤): يقضى لكل واحد منهما بالشاة التي شهدت شهوده أنها ولدت في ملكه.
قال أبو بكر: وإذا كانت شاة في يد رجل فأقام آخر البينة أنها شاته ولدت في ملكه، فقضى القاضي له بها، ثم جاء آخر فأقام البينة أنها شاته وادعاهما، وثبت أنها ولدت في ملكه فقال الذي في يده الشاة للقاضي:
стр. 3111
قد قضيت لي بالولادة بالبينة، فإن اكتفيت بذلك وإلا أعدت بالبينة ثانية: فإن القاضي يقضي بها للتي هي في يديه ويجتزئ بالشهادة الأولى في قول أبي ثور. وقال أصحاب الرأي (١): لا ينبغي للقاضي أن يقضي بالشهادة الأولى فإن أعاد عليه البينة قضى بها للذي هي في يديه، وإن لم يعدها قضى بها للمدعي، ثم أحضر الآخر بينة عادلة على الولادة، فإنه يقبل بينته ويقضي بها له ويبطل قضاؤه ذلك، وكذلك هذا في بني آدم والنتاج، والنسج في جميع الأشياء كلها.
قال أبو بكر: قول أبي ثور صحيح وليس لإعادة الشهادة معنى، لأنها لو أعيدت مرات كانت تلك بعينها ولا فائدة في إعادتها.
وقالوا جميعا: لو أن شاة في يد رجل فادعاها آخر، وأقام البينة أنها له قضينا له، ثم أقام الذي كانت في يده أنها شاته ولدت في ملكه فسخ القضاء الأول، وقضى بها للذي كانت في يده.
قال أبو بكر: ولو أن أمة في يد رجل فادعاها آخر، وأقام البينة أن قاضي مكان كذا قضى بها له، وأقام الذي في يديه البينة أنها له ولدت في ملكه قضى بها للذي هي في يديه في قول أبي ثور. وقال بعض أصحاب الرأي (٢): أقضي بها للذي قضى له بها القاضي، وقال محمد: أقضي بها لصاحب الولادة الذي هي في يده.
قال أبو بكر: قول أبي ثور صحيح.
قال أبو بكر: ولو أن المدعي أقام البينة أنها له ولدت في ملكه، وأن قاضي كذا قضى بها له على هذا الذي هي في يده، وأخذها من يده فدفعها
стр. 3112
إليه وأقام الذي في يديه البينة أنها أمته ولدت في ملكه قضى بها للذي هي في يده، في قول أبي ثور، ومحمد بن الحسن، وفي قول النعمان يقضى بها للذي أقام البينة وقضى بها القاضي له.
قال أبو بكر: ولو أن عبدا في يدي رجل، فأقام آخر البينة أنه عبده وأن قاضي موضع كذا وكذا قضى به له بشهادة شهود شهدوا عنده على الذي هو في يديه، وأقام الآخر البينة أنه عبده ولد في ملكه، فإنه يقضى به للذي ولد في ملكه، ولا يزال ملكه عنه إلا ببينة تشهد عليه بزوال ملكه، في قول أبي ثور ومحمد، وفي قول النعمان: يقضى بها للذي قضى القاضي (١).
قال أبو بكر: وإذا كان عبد في يدي رجل فأقام رجل آخر البينة أنه له قضى له به القاضي، وأقام الذي العبد في يديه البينة أنه عبده ولد في ملكه وأقام الآخر البينة أن قاضي موضع كذا وكذا قضى (له) (٢) على هذا، فإن لم ترد البينة على هذا قضيت به (للذي قضى به) القاضي، وذلك أنه لما قضى عليه به قد يكون قضى به عليه ببيع، أو هبة، أو صدقة، أو إقرار فلا أبطل القضاء إذا كان يحتمل بعض هذه الوجوه في قول أبي زيد.
قال أبو بكر: وإذا كان عبد في يد رجل فأقام رجل البينة أنه عبده ولد في ملكه، ووقتوا وقتا، وكان العبد أكبر من ذلك وذلك معروف بين، فإني أبطل شهادتهم ولا أنفذ له شيئا، وهذا قول أبي ثور، وأصحاب الرأي (٣)، وكذلك نقول.
стр. 3113
ذكر الدعوى وأحدهما وقته قبل وقت صاحبه
كان الشافعي يقول (١): إذا كان العبد في يد رجل، فأقام رجل البينة أنه له منذ سنتين، وأقام الذي هو في يده البينة أنه له منذ شهر فهو للذي في يديه، والوقت الأول والوقت الآخر سواء. الربيع أخبرني عنه. وحكى البويطي والربيع عنه أنه قال: وإذا كانت الدار في يد رجل، فأقام رجل البينة أنها له منذ شهر، وأقام الآخر البينة أنها منذ عشرة أشهر، فإن كانت في يدي رجل أجنبي تحالفا، وكانت بينهما نصفين. فإن كانت في يدي أحدهما كانت له مع يمينه. وهذه ليست متضادة، وقد يمكن أن تكون الشهادتان صادقتين (٢). قال البويطي: هي لأقدمهما ملكا. وقال أصحاب الرأي: إذا كان العبد في يد رجل فأقام رجل آخر البينة أنه عبده ملكه منذ سنة. وأقام الذي هو في يده البينة أنه له منذ سنتين. فإن أبا حنيفة كان يقول: هو للذي في يديه، وقال أبو يوسف: هو للمدعي، ولا أقبل من الذي هو في يديه البينة ثم رجع إلى قول أبي حنيفة وهو قول محمد (٣).
وكان أبو ثور يقول: هو للذي في يده وذلك أنه قد ثبت على ملكه فلا يزول ملكه عنه إلا ببينة تشهد عليه أو إقرار منه أو يستحلف أنه ما خرج من ملكه منذ هاتين السنتين بوجه من الوجوه، وقال أصحاب
стр. 3114
الرأي: إذا كانت أمة في يدي رجل فادعى رجل أنها له منذ سنة، وأقام على ذلك بينة، وادعى الذي هي في يديه أنها له منذ سنتين، وأقام البينة أنها في يديه منذ سنتين وهو يدعي رقبتها ولم يشهدوا أنها له. موسى عنهم. وكذلك قال أبو ثور. قال أبو ثور: وذلك أنها قد تكون في يدي الذي هي في يده عارية أو وديعة أو إجارة. وقال أصحاب الرأي: إذا كانت الدابة في يدي رجل، وأقام رجل البينة أنها له منذ سنة، وأقام آخر البينة أنها له منذ سنتين، فإنه يقضى بها لصاحب السنتين في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - الآخر - ومحمد، وأما قول أبي يوسف الأول فإنه يقضى بها بينهما نصفين (١). موسى عنهم. وقال أبو ثور بقول النعمان.
وقال أبو ثور: إذا الدابة في يدي رجل وأقام آخر البينة أنها له منذ عشر سنين، فنظر الحاكم في سنها، فإذا هي بنت ثلاث سنين يعرف ذلك كانت بينته باطلة، وكانت للذي هي في يديه ويستحلف للمدعي، وقال أصحاب الرأي (٢): لا تقبل بينته على ذلك، وقال أبو ثور، وأصحاب الرأي: إذا كانت الدار في يد رجل فادعاها رجل وأقام البينة أنها له منذ سنة، وأقام آخر البينة أنه اشتراها من آخر وهو يومئذ يملكها منذ سنتين فإنه يقضى بها لصاحب الشراء.
وقال أبو ثور: إذا كانت أرض في يد رجل فأقام رجل البينة أنه اشتراها من فلان بثمن مسمى ونقد الثمن فلا تقبل بينته على هذا حتى يشهدوا أنه باعها وهو يملكها فإن شهدوا أنها أرض هذا المدعي
стр. 3115
اشتراها من فلان بكذا وكذا وقبضها ونقد الثمن قبلت البينة على هذا وذلك أنهم قد شهدوا على ملك المدعي بالشراء وقبضها فلا تخرج من يده إلا ببينة تشهد عليه بإخراجها من يده أو بينة يستحق (١) الأصل وقال أصحاب الرأي: هذا جائز. موسى عنهم.
وقال أبو ثور: ولو كانت دار في يد رجل يقر أنها للبائع، ولا يدعي رقبتها، قبلت من المشتري البينة، وحكمت له على البائع إذا شهدوا أنه باعها وهو يملكها، وأخرجتها من يد الذي هي في يديه، ودفعتها إلى المشترى.
قال أبو بكر: هذا على مذهب الشافعي (٢)، لأنه يرى الحكم على الغائب، وقال أصحاب الرأي (٣): لا يقبل من المشتري البينة، لأن خصمه غائب.
ذكر الدعوى في الشراء والهبة والصدقة والوقت في ذلك
واختلفوا في الدار تكون بيد الرجل فادعى رجل أنه اشتراها بمائة درهم ونقده الثمن، وادعى آخر أنه اشتراها منه بمائتي درهم ونقد الثمن، ولم تؤقت واحدة من البينتين وقتا. فقالت طائفة: كل واحد منهما بالخيار إن شاء أخذ نصفها بنصف الثمن الذي سمى شهوده، ويرجع على البائع بنصفه، وإن شاء رده، فإن اختارا البيع فهو جائز
стр. 3116
لهما، وإن اختار أحدهما البيع واختار الآخر [الرد] (١) فللذي اختار نصفها بنصف الثمن، ولا يكون له كلها إذا وقع الخيار من الحاكم، هذا قول الشافعي في كتاب الدعوى والبينات (٢). الربيع أخبرني عنه، وبه قال النعمان ويعقوب ومحمد (٣).
قال أبو بكر: وللشافعي قول آخر حكاه أبو ثور عنه أنه قال: أقرع بينهما، فعلى هذا القول تجعل الدار لمن أصابته القرعة، ويرجع الآخر على البائع بالثمن.
قال أبو بكر: وقال الربيع: وفيه قول آخر أن البيع كله مفسوخ بعد الأيمان إذا لم يعرف أيهما أول وترجع إلى صاحبها الأول، فمن أقر له المالك أنه باعه أولا فهي للذي باعه (أولا) (٤)، وهو قياس قول الشافعي وهو له في موضع آخر، وكان أبو ثور يقول: والذي نقول به في هذا - والله يسترشد - أن البيع قد وقع لأحد المشتريين وليس للآخر شيء فلما لم يعلم كان فيها قولان.
أحدهما: أن يجبر الحاكم على فسخ البيع حتى ترجع إلى مالكها الأول ثم يبيعها ممن شاء، ويقبض المشتريين أموالهما.
والآخر: إذا كانت الدار في يد البائع حكم عليه برد ما أخذ من المشتريين، وأوقفت السلعة حتى يتبين لمن هي فيحكم بها، أو يصطلحا من ذلك على شيء يتراضوا به، وقال أبو ثور: وإن وقت الشهود وقتا
стр. 3117
فهي للأول ويرجع (١) على البائع بالثمن، وكذلك قال النعمان (٢)، وقال أبو ثور: وإن وقت إحدى البينتين ولم توقت الأخرى، كان القول كما قلنا في البينتين إذا لم يوقتا، وقال النعمان: أقضي بها لصاحب الوقت.
قال أبو بكر: وإن لم توقت البينتان، وكانت الدار في يد أحد المشتريين لم تخرج من يده، ويرد البائع الثمن على الآخر. كذلك قال أبو ثور والنعمان (٣). وقال أبو ثور: ولو وقتت بينة الذي ليس هي في يده لم ينتفع بها حتى يشهد أن شراءه كان قبل شراء الذي هي في يده فيقضى بها له ورجع الآخر بالثمن، وبه قال النعمان ويعقوب ومحمد.
وإذا كانت الدابة في يد رجل فأقام رجل البينة أنها دابتة اشتراها من فلان بثمن مسمى ونقده الثمن وقبض الدابة، وأقام آخر البينة أن فلانا ذلك وهبها له، وقبضها منه، فإن لم يوقت الشهود وقف أمرها حتى يتبين أو يصطلحا عليها وتخرج ممن هي في يده، لأن كل واحد منهما قد ثبت قبضه لها، وقد يكون باعها بعدما وهبها وقبضها الموهوب له ثم أودعها إياه فباعها، [وقد] (٤) يكون فتركها المشتري في يد البائع فوهبها وهو لا يملكها، فلما لم يدر لمن هي منهما أوقف أمرها حتى يعلم أو يصطلحوا في قول أبي ثور. وقال أصحاب الرأي (٥): يقضى
стр. 3118
بها لصاحب الشراء، قال أبو ثور: وكذلك الصدقة والنحل والعمرى إذا كانت مع الشراء توقف، وقال أصحاب الرأي: يقضى بهما لصحاب الشراء في ذلك كله.
قال أبو بكر: وإذا لم يكن شراء وادعى أحدهما هبة والآخر صدقة، فإن ذلك يوقف في قول أبي ثور. وقال النعمان ويعقوب ومحمد (١): يقضى بها بينهما نصفين.
قال أبو بكر: وإذا كان شراء ورهن وأقاما البينة بالشراء والرهن والقبض، أوقف أمرهما حتى يتبين في قول أبي ثور. وقال أصحاب الرأي: الشراء أولى من الرهن، والرهن أولى من الصدقة والهبة في قول النعمان، ويعقوب، ومحمد، وهكذا النكاح والصدقة والهبة والشراء في قول أبي ثور، وقال أصحاب الرأي: النكاح أولى من الصدقة والهبة، وإذا كان نكاح وشراء كان بينهما نصفين في قول يعقوب، وقال محمد: الشراء أولى من النكاح، ويكون للمرأة القيمة.
وإذا كانت الدار في يد رجل، فأقام رجل البينة أنه اشتراها من الذي هي في يده بألف درهم، فأقام الذي في يده أنه اشتراها من هذا الذي ادعاها بخمسمائة درهم، فإنها للذي هي في يده، ولو قوت الشهود وقتا فكان وقت المدعي أولا، فإنها للذي هي في يدع وكان الشراء الآخر يبطل الأول، وذلك أن الشراء ممن قد ثبت الشيء له، فالشراء الأخير ها هنا أولى، ولو وقتت شهود الذي هي في يده الوقت الأول ووقت شهود المدعي الوقت الأخير كان شهود المدعي أولى، وذلك أنها تشهد أن
стр. 3119
هذا الذي في يده قد باعها منه بعدما كانت له في قولهم جميعا (١).
قال أبو بكر: وإذا كانت الأمة في يد رجل، فأقام رجل البينة أنه اشتراها من هذا الذي في يده بألف درهم ونقده الثمن، وأقامت الخادم البينة أن مولاها الذي هي في يديه أعتقها البتة، ولم توقف واحدة من البينتين وقتا، أوقف أمرها حتى يعلم العتق كان قبل الشراء وإن وقتت البينتان فكانت (بينة) (٢) العتق أولا: كانت حرة وبطل الشراء ورجع بالثمن، وإن كان الشراء أولا بطل العتق، ولو وقتت بينة العتق ولم توقت بينة الشراء أو وقتت بينة الشراء ولم توقت بينة العتق وقف أمرها، ولو قامت بينة بالتدبير مكان العتق كان الشراء جائزا وبطل التدبير، لأن المدبر يباع وقد باع النبي ﷺ مدبرا (٣) هذا قول أبي ثور وبه نقول. وقال أبو ثور: وإذا كان المشتري قد قبض الجارية فإن كانت عند المعتق (٤) يشهد أن مولاها أعتقها قبل البيع أبطلنا البيع وأمضينا العتق، وإن لم يوقت وقتين كانت للمشتري، لأنها في يده، ولا يكون عتق البائع إذا كان الشيء في يد المشتري مما يبطل ملك المشتري، وذلك أني لا أعلم بينهم اختلافا في رجل باع جارية ثم قال بعدما باعها أنها ابنته، أن قوله ذلك باطل، ولا يبطل ملك المشتري. فإذا كانت السلعة في يد المشتري لم تخرج من يده بشيء فعله البائع إلا أن
стр. 3120
يشهد الشهود أنه فعله قبل البيع. وقال النعمان: أجعلها حرة [و] (١) أبطل الشراء، وأرد المشتري على البائع بالثمن. ولو وقتت البينتان وقتا فكان العتق أولا أنفذت العتق وأبطلت الشراء، وإن كان الشراء أولا كان جائزا والعتق باطل، ولو وقت بينة الشراء وقتا، ولم يوقت بينة العتق أبطلت الشراء وأمضيت العتق والتدبير في جميع ذلك مثل العتق البتات، وإذا كان المشتري قد قبض، فالشراء أولى من العتق ومن التدبير إلا أن تقوم بينة أن العتق أولا أو يوقتوا وقتا يعرف أنه أول، وهذا قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد (٢)، وقالوا جميعا (٣): وإذا كانت الدار في يد رجل، أو الأمة، أو الأرض، فأقام رجل عليها البينة أنه وهبها له وقبضها ببينة، وأقام الذي هي في يده البينة على المدعي بمثل ذلك فإنها للذي هي في يده. وكذلك الصدقة في هذا، والنحل والعطية، والعمرى، وكان أبو ثور يقول: وإذا ادعى رجل أنه اشترى هذه (الأمة من فلان بألف درهم ونقده الثمن، وأنه أعتقها وأقام على ذلك بينة) (٤) والأمة في يد فلان، وأقام الآخر البينة أنه اشتراها من فلان الذي هي في يده بألف درهم، ونقده الثمن. فإن وقتت البينتان فهي للأول منهما، وإن لم توقت أوقف أمرها حتى يعلم لمن هي منهما، ويرد الثمن عليهما إذا كان قبضه منهما حتى يعلم لمن هي فيكون عليه بالثمن.