قال أبو بكر: ولو أن رجلا وامرأة في أيديهما صبي، فقال الرجل: هو ابني من زوجتي فلانة وهي غائبة، وقالت المرأة: هو ابني من زوجي فلان لرجل آخر وهو غائب، وأقام كل واحد منهما البينة على ذلك، فإن أبا ثور قال: أجعله ابن الرجل ولا ألحقه بالمرأة الذي ادعى، لأنها ليست حاضرة تدعيه، وكذلك أجعله ابن المرأة ولا ألحقه بالرجل الذي ادعت أنه منه وهو غائب ليس يدعي.
وقال أصحاب الرأي (١): نجعله ابن الرجل من المرأة وابن المرأة من الرجل.
واختلفوا في صبي لقيط في يد رجل مسلم فادعى رجل مسلم أنه ابنه من امرأته هذه الحرة، وأقام على ذلك بينة، فإن الصبي يرى القافة مع هؤلاء، لأن الشهود قد كذب بعضهم بعضا فمن ألحقوه فهو ابنه وهذا قول أبي ثور.
وفيه قول ثان: وهو أن يقضى بالصبي للحر دون المكاتب والعبد، لأن هذا عتق في الأصل. هذا قول أصحاب الرأي (٢).
قال أبو بكر: إذا كان الصبي في يد رجل، فادعى عبد أنه ابنه ولد على فراشه من هذه الأمة، وادعاه مكاتب أنه ابنه ولد على فراشه من هذه المكاتبة، وأقام كل واحد منهما على ذلك بينة، فإن هذا يرى القافة في قول أبي ثور، فبأيهما ألحقوه لحق به.
وقال أصحاب الرأي: نجعله للمكاتب.
стр. 3152
قال أبو بكر: ولم يفزع إلى حجة ولو شاء قائل أن يقول: يجعله للعبد ما كان بين القولين فرق.
وقال أبو ثور: ولو ادعاه يهودي ونصراني ومجوسي وأقام كل واحد منهما بينة أنه ابنه ولد على فراشه، فإنه يرى القافة ويلحق بمن ألحقوه به.
وقال أصحاب الرأي (١): نجعله ابن اليهودي والنصراني.
قال أبو بكر: وليس عنده بين اليهود والنصارى والمجوس في شيء من الأحكام فرق، والجزية تؤخذ من جميعهم، ويزعم أنهم مثله.
وقال أبو ثور، وأصحاب الرأي (٢): ولو أن رجلا في يده صبي لا يدعيه، وأقامت امرأة البينة أنه ابنها ولدته، وأقام رجل البينة أنه ولد على فراشه قضى به للرجل والمرأة. ولو كان في يد رجل فادعته امرأة أنه ابنها وأقامت على ذلك البينة، وكذلك لو كان في يد امرأة، وأقام رجل عليه البينة أنه ابنه ولد على فراشه فهو ابن الرجل والمرأة في قول أبي ثور وأصحاب الرأي.
ذكر الدعوى في الدار يدعيها ثلاثة نفر أو اثنان وهي في أيديهم أو يد غيرهم واختلاف الدعوى في ذلك
قال أبو بكر: وإذا كانت الدار في يد ثلاثة أنفس، فادعى أحدهم أن له جميعها، وادعى آخر أن له ثلثيها وادعى الثالث أن له نصفها فإن الدار في أيديهم أثلاثا ويحلف كل واحد منهما صاحبه على ما يدعي قبلهما
стр. 3153
فإذا حلف كانت الدار بينهم أثلاثا على ما بيد كل واحد منهم هذا قول أبي ثور.
وقال أصحاب الرأي (١): على كل واحد منهم البينة، فإن لم تكن بينة فعلى كل واحد منهم اليمين على دعوى صاحبه، فإن حلفوا جميعا، فالدار بينهم أثلاثا لكل واحد منهم ما في يديه، فإن قامت بينة لهم جميعا على ما ادعوا، كان لصحاب النصف الثمن، وكان لصاحب الثلثين الربع، ولصاحب الجميع ما بقي وهو خمسة عشر سهما، لأن صاحب النصف ادعى فضل سدس على ما في يديه، نصف ذلك السدس في يدي صاحب الجميع، فيأخذ ذلك منه، ونصف ذلك السدس في يد صاحب الثلثين، وقد أقام عليه صاحب الجميع البينة على كله، فلصاحب النصف من ذلك النصف السدس نصفه وذلك ربع السدس، وصاحب الثلثين قد ادعى فضل ثلث على ما في يدي صاحب الجميع من ذلك سدس تام فيأخذ منه كله، وفي يدي الذي ادعى النصف سدس فيأخذ نصفه، وما بقي فلصاحب الجميع.
وقال أبو ثور: والذي نقول به أنا نحكم لكل واحد بما زادته بينته على ما في يديه، فلما كان صاحب الجميع في يده الثلث فشهدت له بينته بالكل حكمنا له على الآخرين بجميع ما في أيديهما وهو الثلثان، فلما شهدت شهود صاحب النصف له بالنصف، وكان في يديه الثلث كانت بينته قد زادته سدس على ما كان في يده، فحكمنا له على صاحب الجميع بسدس الدار، وكذلك صاحب الثلثين لما شهدت له شهوده بزيادة ثلث على ما كان في يده وهو ثلث الدار حكمنا له بالثلث على صاحب
стр. 3154
الجميع، فصار في يد صاحب الثلثين ثلث، وصار في يد صاحب الجميع النصف، فكانت الدار بينهم على ذلك.
وقال أصحاب الرأي: ولو كانت الدار في يد غيرهم، والدعوى على ما سميت لك، فإن ذلك في قول النعمان (١): لصاحب الجميع الثلث والسدس [بين] (٢) صاحب الجميع وصاحب الثلثين نصفين والنصف الباقي بينهم أثلاثا.
وفي قول يعقوب ومحمد: الدار بينهم على ثلاثة عشر سهما لصاحب الجميع ستة، ولصاحب الثلثين أربعة، ولصاحب النصف ثلاثة.
وقال أبو ثور: القول في هذا واحد من قولين:
أحدهما: أنهم لما ثبتوا على الدار فكانت الدار في أيديهم جميعا، فالحكم فيها كما قلنا إذا كانت الدار في أيديهم في أول المسألة.
والقول الثاني: أن يضرب صاحب الجميع فيه بستة، ويضرب صاحب الثلثين بأربعة، ويضرب صاحب النصف بثلاثة بمنزلة غرماء، سواء [لهم] على رجل حق وقد ترك ستة آلاف درهم، فأقام أحدهم البينة على ستة آلاف، وأقام آخر بأربعة آلاف، وأقام آخر بثلاثة آلاف انقسموا الستة على قدر ما ثبتوا فيضرب صاحب الستة بستة، وصاحب الأربعة آلاف بأربعة، وصاحب الثلاثة آلاف بثلاثة فيقتسمون المال على ثلاثة عشر سهما.
قال أبو بكر: وإذا كانت الدار في يد رجلين، فادعى أحدهما النصف وادعى الآخر الكل، فإن المدعي صاحب الكل، فيقال لصاحب النصف:
стр. 3155
ما تقول فيما يدعي، فإن أقر له به (دفع) (١) ما في يده، وإن أنكر حلف وكان النصف في يده كما كان. وهذا قول أبي ثور.
قال النعمان (٢): صاحب النصف مصدق، لأن النصف في يديه ولم يدع فضلا، والذي ادعى الجميع مدع عليه البينة، فإن قامت لهما البينة، فإنه يقضى بالدار لصاحب الجميع. وهذا قول النعمان، ويعقوب، ومحمد.
قال أبو بكر: وإن كانت الدار في يد غيرهما والدعوى على ما وصفت، وقامت لكل واحد منهما بينة، فالقول في ذلك مثل القول في المسألة قبلها. هذا قول أبي ثور.
وقال النعمان (٣): في هذا لصاحب الجميع ثلاثة أرباعها، ولصاحب النصف ربعها، من قبل أن النصف لصاحب الجميع لا حق للآخر فيه، والنصف الباقي كل واحد منهما قد أقام عليه البينة فهو بينهما نصفان.
وقال يعقوب، ومحمد: الدار بينهم على ثلاثة أسهم لصاحب الجميع الثلثان، ولصاحب النصف الثلث يضرب كل واحد منهما في الدار بما شهدت به الشهود.
قال أبو بكر: وإذا كانت الدار في يد رجل منها منزل، وفي يد آخر منها منزل آخر، فادعى أحدهما نصفها فإن كانت الدار في أيديهما مشاعا وإنما [ ..... ] (٤) في المنزلين، استحلف صاحب النصف لصاحب الجميع،
стр. 3156
فإن حلف كانت الدار نصفها لصاحب النصف، والباقي لصاحب الجميع وإن كان كل واحد منهما يزعم أن المنزل الذي في يده له فصاحب الجميع يدعي بما في يدي صاحب النصف، فإن أقام عليه البينة وإلا حلف له. هذا قول أبي ثور.
وقال أصحاب الرأي (١): لصاحب الجميع المنزل الذي في يديه وله من الآخر نصفه.
قال أبو بكر: وإن كانت الدار في أيديهما (٢) لا يعرف شيء منها في يد واحد منهما دون صاحبه فهي بأيديهما نصفين. في قول أبي ثور، والنعمان، ويعقوب، ومحمد، وبه نقول.
قال أبو بكر: والثياب والعروض والحيوان والعبد والأمة في ذلك واحد عندهم جميعا.
وقال أبو ثور، وأصحاب الرأي (٣): وإذا كانت سفلها في يد رجل، وعلوها في يد رجل آخر، وطرف العلو في الساحة، فادعى كل واحد منهما أن الدار له، أحلف كل واحد منهما على ما ادعى وكانت الدار في أيديهما كما كانت.
قال أبو بكر: وإذا كانت الدار في يد ثلاثة رهط، فادعى واحد النصف، وادعى آخر الثلث، وادعى آخر السدس، وجحد بعضهم دعوى بعض، فإن الدار بينهم على ما يدعون فهو في أيديهم على ما يدعون بيد صاحب النصف النصف، لأن أحدا منهم لا يدعي شيئا
стр. 3157
مما في يديه، فإن كانت الدار في أيديهم أثلاثا، فقال صاحب الثلث: أنا في يدي حقي، وقال صاحب السدس: في يدي فضل سدس لا أدري لمن هو؟ استحلف لصاحب النصف، فإن حلف قيل لصاحب النصف تثبت على حقك. وهذا قول أبي ثور.
وقال أصحاب الرأي: في يد كل واحد منهم الثلث، والثلث الذي يقع في يد صاحب السدس نصفه له ونصفه موقوف في يديه، وإذا قامت البينة لصاحب النصف أخذ من يد كل واحد من صاحبه نصف السدس.
ذكر الدعوى في الحائط
جاء الحديث عن النبي ﷺ بإسناد مجهول لا يثبت من جهة النقل أنه قضى في الخص يتداعاه الرجلان يدعيه كل واحد منهما أنه للذي يليه القمط (١).
٦٦٤٣ - حدثنا أحمد بن داود، قال: حدثنا هدبة بن خالد ومحمد بن الصباح وأبو كريب قالوا: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن دهثم بن قران، عن نمران بن جارية، عن أبيه أن قوما اختصموا إلى رسول الله ﷺ في خص، فبعث معهم حذيفة يقضي بينهم، فقضى للذي يليه القمط، فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره بخبر فقال: "أحسنت " (٢).
стр. 3158
قال، أبو بكر: دهثم بن قران مجهول (١)، ونمران بن جارية (٢) وأبوه غير معروفين، ولا يدرى هل لجارية صحبة أم لا (٣)، والإسناد إذا كان هذا سبيله فالاعتماد عليه غير جائز، وإنما حملني على ذكره لئلا أخفي أمره على من يجهل معرفة الحديث فيغتر به، وقد رويت عن علي بن أبي طالب بإسناد فيه مقال أنه قضى بمثل ذلك.
٦٦٤٤ - حدثنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا مسدد، عن محمد بن جابر، عن سماك بن حرب، عن حنش بن المعتمر، أن رجلين اختصما إلى علي في حظار قصب، فقضى به للذي يليه القمط - يعني العقد (٤).
стр. 3159
٦٦٤٥ - وقد روينا عن شريح أنه قضى بالقمط والعلق (١).
وكان سوار يرى حائط القصب إذا لم يدر ما وجهه لمن الوثاق يليه.
وقال يعقوب ومحمد (٢): يقضى بالخص لمن إليه القمط، ويقضى بالبناء أيضا لمن كان ظهر البناء وأنصاف اللبن إليه.
قال أبو بكر: وفيه قول ثان وهو: أنه بينهما نصفان، ولا يلتفت إلى القمط أن يكون إلى أحدهما بعد أن يكون في أيديهما. هذا قول أبي ثور، والنعمان. قال أبو ثور: وكذلك البناء إذا كان وجهه إلى أحدهما فهو بينهما نصفان، ولا ينظر في ذلك إلى من إليه الوجه. وكذلك قال النعمان (٣).
قال أبو بكر: وهذا أصح القولين أن لا يلتفت إلى من إليه معاقد القمط، لأن الخبر إذا لم يثبت فالاعتماد عليه غير جائز، فيجعل معاقد القمط بمنزلة بينة تثبت بشيء معلوم يحكم بها، وقد يجوز أن تكون معاقد القمط جعل لمن لا شيء له وأزيل عمن له الشيء، وإذا احتمل ذلك معنيين ولم يثبت خبر لم يجز الحكم به بالظن.
وكان الشافعي يقول (٤): وإذا تداعى الرجلان جدارا بين داريهما، فإن كان متصلا ببيت أحدهما اتصال البنيان الذي لا يحدث مثله إلا من أول البنيان جعلته له، وهذا منقطع منه وإن كان يحدث بمثله بعد كمال
стр. 3160
بنيانه مثل نزع طوبة وإدخال أخرى أحلفتهما وجعلته بينهما، وإن كان غير موصول بواحد من بنيانهما أو متصل ببنيانهما جميعا بعد أن أحلف كل واحد منهما ولا أنظر إلى من إليه الخوارج ولا الدواخل ولا أنصاف اللبن ولا معاقد القمط، لأنه ليس في شيء من هذا دلالة، ولو كان لأحدهما عليه جذوع ولا شيء للآخر عليه أحلفتهما، وأقررت الجذوع بحالها، وجعلت الجدار بينهما نصفين ولم أجعل لواحد منهما أن يفتح كوة ولا يبني عليه بناء إلا بإذن صاحبه وقسمته بينهما إن شاء، إن كان عرضه ذراعا أعطيته شبرا في طول الجدار.
وكان أبو ثور يقول: إذا كان الحائط بين دارين فادعى كل واحد من مالك الدارين أن الحائط له ولا بينة، حلف كل واحد منهما لصاحبه، وكان الحائط بينهما نصفين، ولا ينظر إلى عقد البناء ولا إلى وجهه إنما الحكم فيه بالأيمان وترك كل من بيده شيء ما بيده ولا نحكم بالظن.
قال أبو ثور: فإن كان لأحدهما عليه جذوع وليس للآخر عليه شيء، فصاحب الجذوع أولى، لأنه في يد دون صاحبه، وكذلك قال النعمان (١).
قال أبو بكر: واختلفوا فيه إن كان لأحدهما عليه حرادي (٢)
стр. 3161
أو بواري (١)، فكان أبو ثور يقول: هو له أيضا.
وقال النعمان (٢): لا يستحق بالبواري والحرادي شيئا.
وكان أبو ثور يقول: وإذا كان علي الحائط جذوع لأحدهما، وهو متصل ببناء في الآخر، فهو في يد صاحب الجذوع، وذلك أن البناء لا يدل على شيء. وكذلك قال النعمان قال: إلا أن يكون اتصالا بتربيع دار أو بتربيع بيت فيكون الحائط لصاحب الاتصال ولصاحب الجذوع موضع جذوعه.
وقال أبو ثور: إذا كان الحائط متصلا ببناء أحدهما، وليس للآخر عليه جذوع فهو بينهما أيضا.
وقال النعمان (٣): هو لصاحب الاتصال.
وقال أبو ثور والنعمان: إن لم يكن متصلاً ببناء أحدهما ولا لواحد منهما عليه جذوع فهو بينهما نصفين.
وقال أبو ثور: إن كان لأحدهما عليه عشر خشبات، وللآخر واحدة فهو بينهما نصفين.
وقال النعمان: لكل واحد منهما ما تحت خشبه ولا يكون بينهما نصفين.
وقال أبو ثور: إن كان لأحدهما عليه خشب وللآخر سترة فهو بينهما.
стр. 3162
وقال النعمان (١): الحائط الأسفل لصاحب الخشب منهما ولصاحب السترة السترة على حالها.
وقال أبو ثور: إن كان أسفل الحائط لرجل وعلوه لرجل، فأراد صاحب السفل أن يفتح فيه كوة أو بابا أو يدخل فيه جذعا، فإن كان لا يضر بصاحب العلو فذلك له، وإن كان يضر به فليس ذلك له.
وقال يعقوب ومحمد (٢): له أن يحدث فيه ما شاء ما لم يضر بذلك العلو، فإن أضر به لم يكن له أن يفعله.
وقال النعمان: ليس له أن يفتح فيه كوة ولا بابا ولا يدخل فيه جذعا لم يكن إلا بإذن صاحب العلو.
واختلفوا في صاحب العلو إن أراد أن يحدث في علوه بناء أو يدخل جذعا.
أو يشرع جناحا فله أن يفعل ذلك. وفي قول أبي ثور ما لم يضر بصاحب السفل.
وقال النعمان: ليس له أن يفعل شيئا من ذلك.
وقال أبو ثور: وإذا كان الحائط بين دارين فأقام كل واحد من رب الدار (بينة) (٣) كانت البينتان قد تدافعتا وكان الحائط في أيديهما كما كان، وإذا أقام أحدهما البينة أنه له ولم يقم الآخر بينة ولم تقم له عليه جذوع، فالحائط للذي أقام البينة، وإن كان صاحب الجذوع لا يجد موضعا لجذوعه إلا على حائط جاره لم يكن له أن ينزع الجذوع من حائطه،
стр. 3163
وكان عليه تركها، وذلك أن النبي ﷺ قال: "لايمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره " (١).
وقال النعمان (٢): يقضى به لصاحب البينة، وإن كان للآخر عليه جذوع نزعت منه.
قال أبو بكر: وإذا كان الحائط بين رجلين، فادعى رجل آخر أن أحد الرجلين قد أقر أن الحائط له، وأقام على ذلك بينة، فإنه يقضى له بحصة المقر له ويكون بينه وبين الآخر. وهذا قول أبي ثور، وأصحاب الرأي.
قال أبو بكر: وإذا كان لرجل حائط عليه جذوع خارجة في دار رجل، فأراد صاحب الحائط أن يسقف ما له من أطراف الجذوع الخارجة في دار الرجل، فلصاحب الدار أن يمنعه من ذلك. في قول أبي ثور وأصحاب الرأي.
وكان أبو ثور يقول: لصاحب الدار أن يقطع ما في داره من أطراف جذوع جاره، لأن المطر قد يقع عليه فيقطر في دار الرجل وإنما ذلك بمنزلة [شجرة] (٣) أغصانها تشرف في دار رجل، فله أن يقطع ما كان يشرف في داره.
وقال أصحاب الرأي: ليس له أن يقطع الجذوع إلا أن يكون لا يحتمل على مثلها بناء، إنما هي أطراف جذوع، فإنها تقطع في قول النعمان.
стр. 3164
وكان أبو ثور يقول: إذا كان سفل لرجل وأعلاه لآخر. فليس لصاحب السفل أن يهدم سفله إلا أن يكون مستهدما فيهدمه ويعيده، ولصاحب العلو أن يبني على علوه ما لم يضر بصاحب السفل.
وقال يعقوب ومحمد (١): له أن يبني ما لم يضر بصاحب السفل وليس له أن يبني ما يضر به.
وقال النعمان: ليس لصاحب العلو أن يبني على علوه، ما لم يكن قبل ذلك.
وقال النعمان ويعقوب ومحمد (٢): إذا انهدم العلو والسفل جميعا لم يجبر صاحب السفل على بنائه، ولصاحب العلو أن يبني السفل ثم يبني العلو فوقه ولا يسكن، صاحب السفل بمنزله حتى يؤدي قيمة البناء إلى صاحب العلو.
وقال أبو ثور: يجبر صاحب السفل أن يمنع من ذلك، فيضر بصاحب العلو، وقد نهى عن الإضرار بالجار.
قال أبو بكر: وهذا قول مالك (٣).
وفيه قول ثالث: وهو أن صاحب السفل لا يجبر على بناء سفله، فإن تطوع صاحب العلو ببناء السفل بناه ورد علوه عليه، وليس له أن يمنع صاحب السفل من سكنى سفله، لأنه متطوع بما فعل ولا يجبر صاحب السفل على أن يعين صاحب العلو قيمة بنائه، لأنه متطوع. ولا يجوز
стр. 3165
لصاحب العلو أن يمنع صاحب السفل من سكناه، سمعت بعض أصحابنا يحكي هذا عن الشافعي (١).
وقال النعمان (٢): لو هدم صاحب العلو علوه وصاحب السفل سفله، أخذت صاحب السفل بالبناء حتى يعيده على حاله، وقال: لو كان بيت بين رجلين فانهدم، فبناه أحدهما لم يرجع على شريكه بشيء، وكذلك الحائط إذا لم يكن عليه جذوع، والحمام، وكذلك البيت بين الرجلين، لا يشبه بهذا العلو والسفل، لأن هذا قد ينافي ملكه (وملك صاحبه بغير أمره وصاحب العلو إنما بنى في) (٣) ملك صاحب السفل ولا يكون له علو حتى يبني السفل وصاحب الدار والبيت، والشريك في الدار في البيت يقدر على القسمة فيبني في حقه.
وقال يعقوب ومحمد: له أن يبني ما لم يضر بالسفل فليس له ذلك.
وكان أبو ثور يقول: إن كل من بينه وبين رجل شيء فحدثت فيه حادثه فكان في تركه ضرر عليهما أو على جاره [أو] (٤) على بنائه وذلك أن من ترك إصلاح ماله فهو مفسد يحجر عليه، وإذا ترك رجل ماله يخرب كان مفسدا يحجر عليه.
стр. 3166
ذكر النهي عن منع الرجل جاره أن يغرز خشبة على جداره
٦٦٤٦ - أخبرنا محمد بن عبد الله، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا مالك بن أنس (١) ويونس، عن ابن شهاب الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره " - قال: ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم (٢).
٦٦٤٧ - حدثنا يحيى، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الوارث، عن أيوب، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس لجار أن يمنع جاره أن يضع أعوادا في حائطه " (٣).
ذكر الأخبار الدالة على أن القضاء بذلك يجب إذا منع الجار جاره أن يغرز خشبة في جداره
٦٦٤٨ - أخبرنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا وهيب بن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت الزبير بن خريت يحدث عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس لرجل أن يمنع جاره أن
стр. 3167
يضع خشبة في جداره " (١).
٦٦٤٩ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الزراد (٢) بتونس، قال: أخبرنا ابن أبي فديك، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "ليس لأحد أن يمنع أخاه أن يضع خشبا فوق جداره " (٣).
٦٦٥٠ - ومن حديث محمد بن معمر، قال: حدثنا أبو عاصم، عن جرير بن حازم، قال: حدثنا الزبير بن خريت، عن عكرمة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قضى رسول الله ﷺ أن الجار يضع جذوعه في حائط جاره إن شاء، وإن أبى (٤). كتب إلي بعض أصحابنا يذكر أن محمد بن معمر حدثهم.
стр. 3168
٦٦٥١ - حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا الحجاج، قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أن يحيى بن هشام أخبره أن عكرمة بن سلمة بن ربيعة أخبره أن أخوين من بني المغيرة أقسم أحدهما أن لا يغرز الآخر خشبا في جداره، فلقيا مجمع بن يزيد الأنصاري ورجالا كثيرا من الأنصار فقالوا: نشهد أن رسول الله ﷺ أمر أن لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبا في جداره. فقال الحالف: يا أخي، قد علمت أنك مقضي لك علي، وقد حلفت فاجعل أسطوانا دون جداري، ففعل الآخر فغرز في الأسطوان خشبة. قال عمرو: فأنا نظرت إلى ذلك (١).
قال أبو بكر: وقد اختلف في ذلك، فكان مالك بن أنس يقول (٢) في قول النبي ﷺ : "لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره الذي ملك " إنما كان من رسول الله ﷺ تخصيصا ولا يقضى به على الناس وفي العمل به فضل ومكرمة.
قال مالك (٣): وكان المطلب (٤) يقضي به.
стр. 3169
وفيه قول ثان: وهو أن ذلك يجب ويحكم به. هذا قول أحمد بن حنبل (١)، وأبي ثور، وطائفة من أهل الحديث.
سئل أحمد (٢) عن الرجل يريد أن يضع خشبة على حائط جاره فيمنعه، قال: لو اختصم إلي لحكمت عليه أن يضعه إذا كان حائطا وسيقا لا يخاف عليه.
قال أبو بكر: وقد حكى مالك (٣) عن المطلب أنه كان يقضي به.
ومن حجة هذه الطائفة مع الحديث الثابت عن رسول الله ﷺ خبر روي عن عمر بن الخطاب يوافق هذا القول.
٦٦٥٢ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن الضحاك بن خليفة ساق خليجا له من العريض (٤) فأراد أن يمر به في أرض لمحمد بن مسلمة فأبى محمد، فقال الضحاك: لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب به أولا وآخرا ولا يضرك، فأبى محمد، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعا عمر محمد بن مسلمة فأمره أن يخلى سبيله، فقال محمد: لا. فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع تشرب أولا وآخرا ولا يضرك؟ فقال محمد: لا والله. فقال عمر بن الخطاب: والله ليمرن
стр. 3170
به ولو على بطنك فأمر عمر أن يمر به، ففعل (١).
قال مالك: أرى عمر بن الخطاب إنما قضى بذلك، لأن رسول الله ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار ".
قال أبو بكر: وهذه اللفظة "لا ضرر ولا ضرار " يرددها كثير من أهل العلم في كتبهم ولا أعلم ذلك يثبت متصلا، ولا يجوز أن يطلق فيقال: قال رسول الله ﷺ ، إلا أن يكون ذلك موجودا بإسناد جيد.
٦٦٥٣ - حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار " (٢).
قال أبو بكر: وهذا مرسل لا تقوم به الحجة، وإنما روى هذا الحديث جابر الجعفي، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعا (٣).
стр. 3171
٦٦٥٤ - حدثناه النجار، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن جابر، وجابر (١) متروك الحديث عندهم لا يجوز الاحتجاج بحديثه من وجوه.
حدثونا عن عباس الدوري، قال: حدثنا يحيى بن يعلى المحاربي، عن زائدة قال: كان [جابر] (٢) الجعفي كذاب يؤمن بالرجعة.
وحدثت عن أبي موسى الأنصاري، قال: سمعت ابن عيينة يقول: جابر الجعفي يؤمن بالرجعة، وحكى عباس الدوري، عن أبي يحيى البكائي، عن أبي حنيفة قال: ما رأيت رجلا أكذب قط من جابر الجعفي.
وحدثني محمد بن عيسى، قال: حدثنا عمرو بن علي أبو حفص، قال: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن جابر الجعفي.
وحدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا يحيى بن سعيد - يعني الأموي - عن إسماعيل، عن الشعبي أنه قال لجابر الجعفي: لا تموت حتى تأتيهم بالكذب على رسول الله ﷺ فما مات حتى أتاهم بالكذب.
وكان يحيى بن معين يقول: جابر الجعفي ليس بشيء كذاب لا يكتب حديثه.
стр. 3172
وقال محمد بن نصر: سمعت إسحاق يقول: وقد قال قوم من أهل العلم: لا نروي عن جابر أصلا لاختلاط رأيه وحديثه وذلك أنه كان يقول: أردفني وصي الأوصياء - يعني أبا جعفر -، فحفظت في ردفتي ألف حديث كل حديث يشق منه ألف حديث، وعندي عن أبي جعفر اثنا عشر ألف حديث من غرائب الحديث ونحو هذا فقيل ذلك لابن عيينة فقال: كان يقول هذا وما هو أشد من هذا.
قال أبو بكر: فليس للاشتغال بحديث جابر معنى (١).
قال أبو بكر: وقد روينا عن النبي ﷺ أنه قال: "من ضار أضر الله به ".
٦٦٥٥ - أخبرنا محمد بن إسماعيل (٢)، عن محمد بن يحيى بن حبان،
стр. 3173
عن لؤلؤة عن أبي صرمة صاحب النبي ﷺ قال: "من شق شق الله عليه، ومن ضار أضر الله به " (١).
قال أبو بكر: في أمر النبي ﷺ : "أن لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره "، وقوله: "ليس لأحد أن يمنع جاره أن يضع خشبة في جداره "، وقوله: "إذا أراد الرجل أن يبني فله أن يضع خشبة على جدار أخيه " (٢)، مع الحرف الذي في خبر أبي عاصم إن شاء وإن أبى دلائل على أن ذلك أمر واجب من طريق الوجوب لا من جهة الندب، ويؤيد ذلك يمين أبي هريرة: والله لأصوبن بها بين أكتافكم. وغير جائز على مثل أبي هريرة أن يحلف ويلزم الناس ما ليس بواجب. يبعد أمر التأديب والندب من ذلك كله، وخبر عمر يدل على ذلك لو اقتصر عليه مقتصر فكيف والأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ تؤيد ما قلناه (٣).
стр. 3174
ذكر الرجل يأذن للرجل في البناء على جداره ثم يرجع عنه ويريد نزعه
واختلفوا في الرجل يستعير حائطا من جار له فيبني عليه ثم يبدو له (١): فقالت طائفة: يعطيه بناءه، هذا قول شريح، والشعبي.
وقال مالك فيمن أرفق رجلا مرفقا ثم بدا له أن ينتزعه (٢): إن كان إنما أراد ذلك لحاجة إليه، فأرى ذلك له فأما أن يكون على وجه الضرر فلا نرى ذلك له.
مسألة: روينا عن شريح أنه قال: حائطك تفتح فيه ما لم يكن ضررا على جارك. وروي ذلك عن الحسن البصري.
وقال مالك (٣): ليس للرجل أن يفتح كوة في جداره، أو سطحه يطلع منها على جاره إذا كان فوقه، ولا يكلف الأسفل أن يطيل ببنائه حتى لا يراه صاحبه إلا أن يكون صاحب الكوة أراد بها الروح، ولا يطلع منها على جاره.
وقد حكي عن مالك أنه قال (٤): ليس له أن يحدث على جاره ما يضره، وإن كان الذي يحدث في ملكه.
стр. 3175
ذكر قدر سعة الطريق إذا تشاح أهلها فيها عند القسم
٦٦٥٦ - حدثنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا خالد بن عبد الله، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن يوسف بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اختلف في [الطريق] (١) جعل عرضه سبع أذرع " (٢).
٦٦٥٧ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا ابن الأصبهاني، قال: حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اختلفتم في طريق فاجعلوه سبع أذرع، ولا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره " (٣).
٦٦٥٨ - ومن حديث حامد بن محمود، قال: حدثنا عبد الرحمن - يعني الدشتكي -، قال: حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اختصم في السكة فاجعلها سبع أذرع، ثم ضعوا البناء، ومن بنى بناء فليدعمه على جدار جاره " (٤).
стр. 3176
ذكر الدعوى في الطريق
قال أبو بكر: وإذا كان للرجل باب في دار رجل من داره، فأراد أن يمر من ذلك الباب في دار الرجل، فللرجل منعه من ذلك، وليس يستحق المدعي في هذه المسألة شيئا إلا ببينة تثبت له على أن له طريقا ثابتا في دار الرجل، فإن جاءت بينة تشهد بأن له في دار الرجل طريقا ثابتا كان له أن ينصرف منه على ما ثبتت البينة، وإن لم تثبت بينة استحلف صاحب الدار للمدعي على دعواه، وهذا على قول أبي ثور، وأصحاب الرأي (١).
قال أبو ثور: فإن جاء شاهدان فشهدا أن هذا كان ينصرف من هذا الباب ولم يقولوا بحق ففيها قولان: أحدهما: أن لا يحكم له بشيء لأنه قد ينصرف بإذن صاحب الدار وبغير إذنه، فإذا لم يشهدوا له بحق فلا شيء له. والآخر: أن مروره فيه مثل شيء بيده ولا يمنع منه إلا بحق.
وقال أصحاب الرأي: لا يستحق بهذه الشهادة شيئا حتى يشهدوا أن له طريقا ثابتا فيها، فإن شهدوا بذلك جازت شهادتهم، وإن لم يحدوا الطريق ولا يسموا ذرعا عرضا ولا طولا بعد أن يقولوا إن له طريقا في هذه الدار من هذا الباب إلى باب الدار، فإذا شهدوا بهذا فهو جائز.
وقال أبو ثور في الشهادة في الطريق:
إذا لم يسموا ذرعا عرضا ولا طولا كما قال أصحاب الرأي. وقالوا جميعا: وكذلك لو قالوا مات أبوه وترك هذا الطريق ميراثا له ولم يحدوا طولا ولا عرضاً كانت شهادتهم جائزة.
стр. 3177
وكان أبو ثور يقول: وإذا كان لرجل ميزابا في دار رجل، فأراد أن يسيل فيه الماء فمنعه صاحب الدار، كان الحكم فيه مثل الحكم في المسائل قبلها في قول أبي ثور، وفي قول أصحاب الرأي كما قالوا (١).
وقال أبو ثور: فإن شهدوا أنه لماء المطر خاصة فهو كما شهدوا (٢).
أنه مسيل ماء دائم للغسل والوضوء ولماء المطر فهو جائز، وإن شهدوا أن له مسيل ماء ولم ينسبوه إلى شيء مما سميناه كان القول قول صاحب الدار مع يمينه، وذلك أن الشهود شهدوا له بحق في الدار ولم يقوموا عليه، فالقول في ذلك قول رب الدار، فإن لم يكن له بينة أراد رب الدار استحلافه استحلف، فإن حلف برئ وإن نكل (حكم) (٣) المدعي وحكم له بدعواه. وكذلك قال أصحاب الرأي (٤) إلا في رد اليمين، فإنهم يلزمون المدعى عليه بالنكول: الحق.
ذكر الدعوى في واحد من وجهين
قال أبو بكر: وإذا كانت الدار في يد رجل، فادعى رجل أن أباه مات وتركها ميراثا عند القاضي، وجحد ذاك الذي هي في يده، وقال المدعي: مات والدي منذ سنة وتركها ميراثا، فسأله القاضي شهودا، فأتاه بشهود فشهدوا أنه اشتراها من الذي هي في يديه منذ سنتين، ولم يذكروا أباه، فلا تقبل شهادتهم له وذلك أنه يكذب شهوده،
стр. 3178
ويدعي خلاف ما شهدوا له. وهذا مذهب أبي ثور وأصحاب الرأي (١)، وكذلك لو ادعاها هبة أو صدقة لم تقبل بينته إذا شهدوا له بالشراء في قولهم جميعا.
وقال أبو ثور: لو أن عبدا في يد رجل، فادعاه رجل أنه تصدق عليه بالعبد منذ سنة وقبضه منه، والذي في يده العبد يجحد، فسأله القاضي بينة، فجاء ببينة فشهدت أنه اشترى هذا العبد من الذي هو في يده منذ سنتين لم تقبل شهادتهما، وكذلك لو ادعى أول مرة الشراء، ثم جاء بالشهود على الصدقة، فإن ذلك لا يقبل منه. وهكذا قال أصحاب الرأي. فإن ادعى أنه تصدق به عليه وجحده الذي هو في يديه فأقام البينة أنه اشتراه منه منذ شهر، وقال: جحدني الصدقة فاشتريته منه، قبلت البينة، وقضيت له به، وذلك أن هذا يجوز أن يكون كما قال. وهذا قول أبي ثور، وأصحاب الرأي، ولو ادعى الشراء منه منذ سنة، وقال: جحدني، فسألته أن يتصدق به علي ففعل، فأقام عليه البينة بالصدقة منذ شهرين. قبلت البينة عليه وقضيت له بالعبد، وكذلك لو قال إن أباه مات منذ سنة وتركه ميراثا له لا وارث له غيره، فجحدني ذلك فاشتريته منه منذ شهر، وأقام على الشراء بينة، قبلت ذلك منه، وقضيت له بالعبد. وهذا كله قول أبي ثور، وأصحاب الرأي.
ولو ادعى ميراثا من أبيه منذ سنة فسأله القاضي البينة على ذلك، فقام من عند القاضي على ذلك، ثم جاء ببينة فشهد على أنه اشتراه منه بعدما قام من عند القاضي وذلك أنه جحده، فإني أقبل البينة على ذلك وأقضي له بالعبد.
стр. 3179
وهذا مذهب أبي ثور، وأصحاب الرأي، وقالوا جميعا (١): إذا ادعى رجل أمة في يد رجل وقال: اشتريتها بعبدي هذا منذ سنة، وجحد البائع فسأله القاضي البينة فجاء بشاهدين فشهدا أنه منذ قام من عند القاضي اشتراه بألف درهم، وقال: جحدني البيع الأول ولم يكن له بينة، فإنه تقبل بينته ويقضى له بالأمة.
وقالوا جميعا: إذا ادعى رجل عبدا في يدي رجل، أو دارا، أو شيئا من الحيوان والعروض أنه له، وجحده الذي هو في يديه، فسأله القاضي البينة فجاء ببينة أنه اشتراه من الذي هو في يده بثمن مسمى ونقده الثمن فثبتت بينته على ذلك وقضى له بالشيء، لأنه بينته لم تخالف دعواه، وكذلك لو شهدوا على هبة أو صدقة كان كذلك، وكذلك لو جاء ببينة فشهد أن أباه مات وتركه ميراثا لا وارث له غيره قضيت بها له، لأن بينته لم تشهد على خلاف ما ادعى، وكذلك لو كان معه وارثا غيره، فإنه يقضي له (بحقه) (٢) من ذلك.
ذكر التداعي في الولد وإيجاب الولد لصاحب الفراش
٦٦٥٩ - حدثنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه قال: كنت مع عمر بن الخطاب فبعث إلى رجل من بني زهرة في دارنا قد أدرك الجاهلية فسأله عن الولاد فقال: النطفة من فلان والفراش لفلان؟ فقال عمر بن الخطاب: قضى رسول الله
стр. 3180
ﷺ بالفراش (١).
٦٦٦٠ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي، قال: حدثنا مهدي بن ميمون، قال: حدثنا محمد بن أبي يعقوب. وحدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال: حدثنا الحسن بن الربيع، قال: حدثنا مهدي بن ميمون، عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن [سعد] (٢)، عن رباح قال: زوجني أهلي أمة لهم رومية، فوقعت عليها فجاءت بغلام أسود مثلي فسميته عبد الله، ثم وقعت عليها فجاءت بغلام أسود فسميته عبيد الله، ثم طبن لها (٣) غلام لأهلي رومي يقال له يحنس (٤) فراطنها فوقع عليها، فجاءت بغلام كأنه وزغة من الوزغات. قال: فقلت لها: ما هذا؟ فقالت: هو ليحنس. قال: فارتفعنا إلى أمير المؤمنين عثمان. قال: فأحسبه سألهما فاعترفا، فقال: أقضي بينهما بقضاء رسول الله ﷺ : الولد للفراش - وأحسبه قال: وجلدها وجلده (٥). الحديث للصائغ.
стр. 3181
٦٦٦١ - حدثنا حامد بن محمود، قال: حدثنا إسحاق الرازي، قال: حدثنا مالك بن أنس (١)، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "الولد للفراش، وللعاهر الحجر " (٢).
الخبر الدال على أن النبي ﷺ إنما أراد بقوله: الولد للفراش يريد صاحب الفراش الذي له وطء زوجته أو أمته
٦٦٦٢ - حدثنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا الحجبي عبد الله بن عبد الوهاب، قال: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة قال: خطبنا رسول الله ﷺ وهو على ناقة وأنا آخذ بجرانها (٣) وهي تقصع بجرتها (٤)، ولعابها يسيل بين كتفي، فقال: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، ولا وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر " (٥).
стр. 3182
الأخبار الدالة على أن السيد صاحب فراش أمته وأن ولدها أحق به إن كان يطؤها
٦٦٦٣ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الرزاق (١)، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن عتبة بن أبي وقاص قال لأخيه سعد: أتعلم أن ابن جارية زمعة ابني. قالت عائشة: فلما كان يوم الفتح رأى سعد الغلام فعرفه بالشبه، فاعتنقه وقال: ابن أخي ورب الكعبة. فجاء عبد بن زمعة فقال: بل هو أخي ولد على فراش أبي من جاريته، فانطلقا إلى النبي ﷺ فقال سعد: يا رسول الله، هذا ابن أخي انظر إلى شبهه بعتبة. قال عبد بن زمعة: يا رسول الله بل هو أخي ولد على فراش أبي من جاريته. فقال النبي ﷺ : "الولد للفراش واحتجبي منه يا سودة " - قالت عائشة: فوالله ما رآها حتى ماتت (٢).
الخبر الدال على المنع من انتفاء الرجل من ولد لا يشبهه
٦٦٦٤ - حدثنا الربيع بن سليمان، قال: أخبرنا الشافعي (٣) قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن رجلا من أهل البادية أتى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت ولدت [غلاما] (٤) أسود فقال له النبي ﷺ : "هل لك من إبل؟ " قال نعم. قال: "ما
стр. 3183
ألوانها؟ " قال: حمر. قال: "هل فيها من أورق؟ " قال: نعم. قال: "أنى ترى ذلك؟ " قال: عرق نزعه. فقال النبي ﷺ : "فلعل هذا عرق نزعه " (١).
ذكر اختلاف أهل العلم في الرجل ينتفي من ولد سريته التي يطؤها
اختلف أهل العلم في الرجل يقر بوطء أمته، فتأتي بولد لوقت يمكن أن يكون الحمل منه، فألزمته طائفة الولد.
٦٦٦٥ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر وابن جريج، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمر قال: بلغني أن رجالا منكم يعزلون، فإذا حملت الجارية قال: ليس مني، والله لا أوتى برجل فعل ذلك منكم إلا ألحقت به الولد، فمن شاء فليعزل، ومن شاء فلا يعزل (٢).
٦٦٦٦ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا القعنبي، عن مالك (٣)، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، أن عمر بن الخطاب قال: ما بال رجال يطئون ولائدهم ثم يدعونهم يخرجن، لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أنه كان ألم بها إلا ألحقت به ولدها، فأرسلوهن من بعد أو أمسكوهن (٤).
стр. 3184
٦٦٦٧ - وحدثنا محمد بن نصر، قال: حدثنا إسحاق، قال: أخبرنا محمد بن بشر، قال: حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن صفية قالت: سمعت عمر يقول على المنبر: ما بال رجال يطئون ولائدهم ثم يرسلونهن، فإذا ولدت إحداهن قال: ليس مني، لا أوتى برجل فعل ذلك فحبلت جاريته إلا ألحقته به، فأرسلوا جواريكم أو امسكوا.
قال أبو بكر: وكان أبو ثور يقول: إذا وطئ الرجل جارية له، فجاءت بولد فهو ولده، وليس له أن ينفيه. وحكى هذا القول عن الشافعي (١).
وقد روينا عن عطاء معنى هذا القول، واحتج أبو ثور بقضاء النبي ﷺ في ابن وليدة زمعة.
قال أبو بكر: وفيه قول ثان.
٦٦٦٨ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن ذكوان، عن خارجة بن زيد قال: كان زيد بن ثابت يقع على جارية له بطيب نفسها، لأنها كانت جارية له، فلما ولدت انتفى من ولدها وضربها مائة ثم أعتق الغلام (٢).
٦٦٦٩ - وحدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن محمد بن عمرو، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أن ابن عباس وقع على جارية له وقد كان يعزلها، فولدت فانتفى من ولدها (٣).
стр. 3185
٦٦٧٠ - وحدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن الثوري عن عبد الكريم عن زياد قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل - أظنه من بني كرز - فرأى ابن عباس يسب الغلام أو أمه، فتناوله - أي بلسانه - فقال: إنه لابنك، فدعاه وحمل أمه على راحلة. قال: وكان ابن عباس انتفى منه (١).
وكان سفيان الثوري يقول: ليس للرجل أن ينكر ولد الأمة إذا اعترف به، وإذا انتفى منه قبل أن يلحق به، لم يلحق به.
وقال النعمان (٢): إذا أقر الرجل بولده من سريته أو زوجته لم يكن له أن ينفيه أبدا.
قال أبو بكر: إذا أقر الرجل بوطء أمته، فجاءت بولد لستة أشهر من يوم أقر بوطئها، فهو لازم له لا ينفى عنه أبدا استدلالا بخبر الزهري عن عروة عن عائشة في قضاء النبي ﷺ في ابن جارية زمعة، وقد ذكرنا الخبر فيما مضى، وللأخبار التي جاءت عن عمر بن الخطاب، وإن كانت السنة يستغنى بها عما سواها، ففي إعلام عمر ذلك بين المهاجرين والأنصار على المنبر مع ترك الجميع إنكار ما ذكره عليه أبين البيان على أن الذي قاله النعمان خطأ بين إذ هو خلاف السنة، وخلاف قول عمر بين المهاجرين والأنصار على المنبر، فإن النعمان يقول (٣): إذا وطئ الرجل أمته فولدت لم يلزمه ولدها، وإن حصنها وبوأها بيتا لم يلزمه الولد إلا أن يقر به، وقال: إذا حصنها فأحب إلي في دينه أن يقر به، وإن لم يحصنها فهو في سعة من إنكاره.
стр. 3186
ذكر الخبر الذي فيه ذكر سودة بنت زمعة ومعناه
٦٦٧١ - حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثني زهير، قال: حدثنا جري، عن منصور، عن مجاهد، عن يوسف بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير قال: كانت لزمعة جارية يتطئها (١)، وكانت تظن برجل أنه يقع عليها، فمات زمعة وهي حبلى، فولدت غلاما يشبه الرجل الذي كانت تظن به، فذكرته سودة لرسول الله ﷺ فقال: " أما الميراث فله، وأما أنت فاحتجبي منه، فإنه ليس لك بأخ " (٢).
قال أبو بكر: وقد تكلم أصحابنا في معنى قوله: "ليس لك بأخ " فقال بعضهم: ليس هو لك يعني بأخ على الكمال له حرمة الأخوة، فحل ذلك أن تبدي له زينتك، وإن حكمت له بالميراث على الظاهر ألا تراه يقول: "واحتجبي منه يا سودة " منعها من أخيها في الحكم من أجل الزنا، لما رأى شبها بينا بعتبة فجعلها منه كالأجنبي في هذا المعنى، واحتج أحمد بن حنبل (٣) وأبو عبيد في تحريمهم المرأة إذا زنا بها رجل على أبيه، أو على ابنه بهذا الخبر. قال أحمد: ألا تراه قد ثبت لعتبة شيئا، وكان قد زنا بها. وقال أبو عبيد: كذلك قال، وقد علم أنه لم يكن هناك مانع من رؤيتها إلا ما كان من نكاح عتبة بتلك الأمة، ولولا ذلك ما كان لاحتجابها منه معنى. وقال آخر: بل جعله أخاها، ولكن لما
стр. 3187
كان من المباح ترك رؤية الأخ أمرها أن تحتجب منه، لأن مباحا لها أن لا تراه، وليس رؤيتها فرض عليه ولا عليها، وقال آخر: إنما أجاب النبي ﷺ في ذلك على المسألة لا أنه قيل على أخيه أنه زنى بها، ولا على زمعة أنه أولدها هذا الولد، لأن خبر كل واحد منهما عن غيره، ولا يجوز أن يقبل إقرار أحد على غيره (١).
ذكر دعوة الولد بعد البيع
أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا كانت له جارية، وعلم أنه يطؤها أقر بذلك قبل بيعها ثم باعها، وظهر بها حمل وولدت عند المشتري ولدا تاما لأقل من ستة أشهر من يوم عقد البيع، وادعاه البائع أن الولد لاحق به وأن البيع باطل (٢).
стр. 3188
واختلفوا فيه إن ولدته لستة أشهر أو لأكثر أو لأقل من المدة التي تحمل المرأة فيه:
فقالت طائفة: إن كان يعلم أن البائع كان يطؤها فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر أو أكثر ما بينها وبين تسعة أشهر منذ باعها ولم يدعيه المشتري، فهو ابن البائع، ويفسخ البيع ويرد الثمن وترجع الجارية إليه، ويكون ابنه وتكون أم ولد له، وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر، ولم يدعيه البائع، وادعاه المشتري فلا يلحق به النسب، وذلك أن المرأة لا تلد ولدا يعيش إلا لستة أشهر أو أكثر، فإن جاءت به لستة أشهر أو أكثر وادعاه المشتري ولم يدعه البائع فهو ابن المشتري، لأن في مثل هذه (المدة) (١) تلد المرأة، وإن ادعياه جميعا، وقد علم أن البائع كان يطؤها [أرى] (٢) القافة، فبأيهما ألحق لحق، وإن ألحقوه بهما فهو ابنهما جميعا يرثهما ويرثانه، ويرد البائع على المشتري نصف الثمن، وتكون الجارية أم ولدهما جميعا، وليس لواحد منهما أن يطأها، وإذا ماتا فهي حرة، وإن أعتقاها جميعا فلها أن تزوج أيهما شاءت بعد أن تحيض حيضة استبراء لا عدة. هذا كله قول أبي ثور.
وقال أصحاب الرأي (٣): إن جاءت به لأكثر من ستة أشهر فهو ابن المشتري إن ادعاه، وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر فهو ابن البائع إن ادعاه، وإن ادعياه جميعا، فإنا ننظر لكم جاءت به، فإن كانت جاءت
стр. 3189
بالولد لأكثر من ستة أشهر فصاعدا فهو ابن المشتري، وإن كان أقل من ستة أشهر فهو ابن البائع، وإن شك فيه فهو عبد المشتري، وهذا قول النعمان ويعقوب ومحمد.
وقال النعمان: إذا باع الرجل أمة حبلى فولدت بعد البيع، فادعيا جميعا نظرت، فإن جاءت به بعد البيع لستة أشهر فصاعدا فهو ابن المشتري ولا يصدق البائع، وإن كان لأقل من ستة أشهر فهو ابن البائع إن ادعاه ولا يصدق المشتري، وإن لم يدعياه جميعا فهو عبد، والبيع نافذ.
وقال أبو ثور: وإذا حبلت الأمة عند رجل ثم باعها فولدت عند المشتري لأقل من ستة أشهر فادعاه (الولد) (١) وكذبه المشتري، ثم قتل عند المشتري بعد ذلك، أو قطعن يده عمدا أو خطأ، فإن كانت بينة أن البائع كان يطؤها قبل البيع ردت إليه، وبطل البيع، ورد الثمن على المشتري، وكانت الجناية للبائع على الجاني عمدا كانت أو خطأ مثل جناية على حر، وذلك أن الولد حر فعلى الجاني جناية الحر. وهذا قول أصحاب الرأي (٢) إلا أنهم لم يقولوا: إن ثبت وطء البائع قبل البيع، وقالوا جميعا: وإن كانت الجناية على الأم، فإن في ذلك مثل ما في الجناية على أم الولد.
قال أبو بكر: وإذا كانت الجناية من الولد أو من الأمة، فإن الولد يحكم عليه مثل ما يحكم على الحر، وعلى الأمة كما يحكم على أم الولد قضى القاضي بذلك أو لم يقضه، وذلك أن القاضي لا يحل شيئا
стр. 3190
له بخلاف (١) ولا يحرم شيئا ليس بحرام، وإن كانت الجناية قبل الدعوى فلا شيء على المشتري وهي على الأمة في ملك البائع يحكم عليها مثل ما يحكم على أم الولد. إن كانت الجناية عمدا كان فيها القصاص، وإن كانت جناية خطأ ففيها قولان: أحدهما: أن السيد يفديها. وهذا على مذهب الشافعي (٢)، والقول الثاني: أنه إن أعطى قيمتها من بيت المال فذلك جائز، وليس على المولى أن يفديها. هذا قول أبي ثور.
وقال أصحاب الرأي: إذا كانت الجناية قبل الدعوى فلا شيء على المشتري وهي على البائع، فإن كان علم فهذا منه اختيار وعليه أرش الجناية، وإن لم يكن علم فعليه الأقل من أرش الجناية ومن القيمة.
قال أبو بكر: وإذا حبلت الأمة عند الرجل ثم باعها، ثم ولدت عند المشتري لأقل من سنة فكبر ابنها وولد ابنها عند المشتري ابن، ثم مات الابن الأول، ثم إن البائع ادعى الميت. ففيها قولان: أحدهما: إن كان يعرف أن البائع كان يطؤها قبل البيع ثبتت دعوته، وبطل البيع ولحق نسبه، وكان هذا الثاني ابن ابنه على ما ذكرناه. وهذا قول أبي ثور، وقال أصحاب الرأي (٣): لا يثبت نسبه. وقالوا جميعا: إذا اشترى الرجل جارية حبلى ثم باعها، فولدت عند المشتري فادعاه البائع، فدعوته باطلة، وذلك أن الحمل كان في ملك غيره، ولا تجوز دعوته إن كان وطئها في ملك غيره فهو زنا لا يثبت نسبه. وقال أبو ثور: وإذا باع