ذكر الخبر الذي فيه ذكر سودة بنت زمعة ومعناه
٦٦٧١ - حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثني زهير، قال: حدثنا جري، عن منصور، عن مجاهد، عن يوسف بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير قال: كانت لزمعة جارية يتطئها (١)، وكانت تظن برجل أنه يقع عليها، فمات زمعة وهي حبلى، فولدت غلاما يشبه الرجل الذي كانت تظن به، فذكرته سودة لرسول الله ﷺ فقال: " أما الميراث فله، وأما أنت فاحتجبي منه، فإنه ليس لك بأخ " (٢).
قال أبو بكر: وقد تكلم أصحابنا في معنى قوله: "ليس لك بأخ " فقال بعضهم: ليس هو لك يعني بأخ على الكمال له حرمة الأخوة، فحل ذلك أن تبدي له زينتك، وإن حكمت له بالميراث على الظاهر ألا تراه يقول: "واحتجبي منه يا سودة " منعها من أخيها في الحكم من أجل الزنا، لما رأى شبها بينا بعتبة فجعلها منه كالأجنبي في هذا المعنى، واحتج أحمد بن حنبل (٣) وأبو عبيد في تحريمهم المرأة إذا زنا بها رجل على أبيه، أو على ابنه بهذا الخبر. قال أحمد: ألا تراه قد ثبت لعتبة شيئا، وكان قد زنا بها. وقال أبو عبيد: كذلك قال، وقد علم أنه لم يكن هناك مانع من رؤيتها إلا ما كان من نكاح عتبة بتلك الأمة، ولولا ذلك ما كان لاحتجابها منه معنى. وقال آخر: بل جعله أخاها، ولكن لما
стр. 3187
كان من المباح ترك رؤية الأخ أمرها أن تحتجب منه، لأن مباحا لها أن لا تراه، وليس رؤيتها فرض عليه ولا عليها، وقال آخر: إنما أجاب النبي ﷺ في ذلك على المسألة لا أنه قيل على أخيه أنه زنى بها، ولا على زمعة أنه أولدها هذا الولد، لأن خبر كل واحد منهما عن غيره، ولا يجوز أن يقبل إقرار أحد على غيره (١).
ذكر دعوة الولد بعد البيع
أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا كانت له جارية، وعلم أنه يطؤها أقر بذلك قبل بيعها ثم باعها، وظهر بها حمل وولدت عند المشتري ولدا تاما لأقل من ستة أشهر من يوم عقد البيع، وادعاه البائع أن الولد لاحق به وأن البيع باطل (٢).
стр. 3188
واختلفوا فيه إن ولدته لستة أشهر أو لأكثر أو لأقل من المدة التي تحمل المرأة فيه:
فقالت طائفة: إن كان يعلم أن البائع كان يطؤها فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر أو أكثر ما بينها وبين تسعة أشهر منذ باعها ولم يدعيه المشتري، فهو ابن البائع، ويفسخ البيع ويرد الثمن وترجع الجارية إليه، ويكون ابنه وتكون أم ولد له، وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر، ولم يدعيه البائع، وادعاه المشتري فلا يلحق به النسب، وذلك أن المرأة لا تلد ولدا يعيش إلا لستة أشهر أو أكثر، فإن جاءت به لستة أشهر أو أكثر وادعاه المشتري ولم يدعه البائع فهو ابن المشتري، لأن في مثل هذه (المدة) (١) تلد المرأة، وإن ادعياه جميعا، وقد علم أن البائع كان يطؤها [أرى] (٢) القافة، فبأيهما ألحق لحق، وإن ألحقوه بهما فهو ابنهما جميعا يرثهما ويرثانه، ويرد البائع على المشتري نصف الثمن، وتكون الجارية أم ولدهما جميعا، وليس لواحد منهما أن يطأها، وإذا ماتا فهي حرة، وإن أعتقاها جميعا فلها أن تزوج أيهما شاءت بعد أن تحيض حيضة استبراء لا عدة. هذا كله قول أبي ثور.
وقال أصحاب الرأي (٣): إن جاءت به لأكثر من ستة أشهر فهو ابن المشتري إن ادعاه، وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر فهو ابن البائع إن ادعاه، وإن ادعياه جميعا، فإنا ننظر لكم جاءت به، فإن كانت جاءت
стр. 3189
بالولد لأكثر من ستة أشهر فصاعدا فهو ابن المشتري، وإن كان أقل من ستة أشهر فهو ابن البائع، وإن شك فيه فهو عبد المشتري، وهذا قول النعمان ويعقوب ومحمد.
وقال النعمان: إذا باع الرجل أمة حبلى فولدت بعد البيع، فادعيا جميعا نظرت، فإن جاءت به بعد البيع لستة أشهر فصاعدا فهو ابن المشتري ولا يصدق البائع، وإن كان لأقل من ستة أشهر فهو ابن البائع إن ادعاه ولا يصدق المشتري، وإن لم يدعياه جميعا فهو عبد، والبيع نافذ.
وقال أبو ثور: وإذا حبلت الأمة عند رجل ثم باعها فولدت عند المشتري لأقل من ستة أشهر فادعاه (الولد) (١) وكذبه المشتري، ثم قتل عند المشتري بعد ذلك، أو قطعن يده عمدا أو خطأ، فإن كانت بينة أن البائع كان يطؤها قبل البيع ردت إليه، وبطل البيع، ورد الثمن على المشتري، وكانت الجناية للبائع على الجاني عمدا كانت أو خطأ مثل جناية على حر، وذلك أن الولد حر فعلى الجاني جناية الحر. وهذا قول أصحاب الرأي (٢) إلا أنهم لم يقولوا: إن ثبت وطء البائع قبل البيع، وقالوا جميعا: وإن كانت الجناية على الأم، فإن في ذلك مثل ما في الجناية على أم الولد.
قال أبو بكر: وإذا كانت الجناية من الولد أو من الأمة، فإن الولد يحكم عليه مثل ما يحكم على الحر، وعلى الأمة كما يحكم على أم الولد قضى القاضي بذلك أو لم يقضه، وذلك أن القاضي لا يحل شيئا
стр. 3190
له بخلاف (١) ولا يحرم شيئا ليس بحرام، وإن كانت الجناية قبل الدعوى فلا شيء على المشتري وهي على الأمة في ملك البائع يحكم عليها مثل ما يحكم على أم الولد. إن كانت الجناية عمدا كان فيها القصاص، وإن كانت جناية خطأ ففيها قولان: أحدهما: أن السيد يفديها. وهذا على مذهب الشافعي (٢)، والقول الثاني: أنه إن أعطى قيمتها من بيت المال فذلك جائز، وليس على المولى أن يفديها. هذا قول أبي ثور.
وقال أصحاب الرأي: إذا كانت الجناية قبل الدعوى فلا شيء على المشتري وهي على البائع، فإن كان علم فهذا منه اختيار وعليه أرش الجناية، وإن لم يكن علم فعليه الأقل من أرش الجناية ومن القيمة.
قال أبو بكر: وإذا حبلت الأمة عند الرجل ثم باعها، ثم ولدت عند المشتري لأقل من سنة فكبر ابنها وولد ابنها عند المشتري ابن، ثم مات الابن الأول، ثم إن البائع ادعى الميت. ففيها قولان: أحدهما: إن كان يعرف أن البائع كان يطؤها قبل البيع ثبتت دعوته، وبطل البيع ولحق نسبه، وكان هذا الثاني ابن ابنه على ما ذكرناه. وهذا قول أبي ثور، وقال أصحاب الرأي (٣): لا يثبت نسبه. وقالوا جميعا: إذا اشترى الرجل جارية حبلى ثم باعها، فولدت عند المشتري فادعاه البائع، فدعوته باطلة، وذلك أن الحمل كان في ملك غيره، ولا تجوز دعوته إن كان وطئها في ملك غيره فهو زنا لا يثبت نسبه. وقال أبو ثور: وإذا باع
стр. 3191
الرجل جارية وهي حبلى فجاءت بولد عند المشتري لأقل من ستة أشهر، فإن كان البائع أقر بوطئها قبل البيع فسخنا البيع وردت عليه، وإن لم يقم بينة ولم يعلم ذلك وشهد شاهدان أن البائع ادعاه حين ولدته، وأنكر البائع ذلك لم يفسخ البيع، وذلك أن دعوة البائع الولد إذا لم يعلم منه وطء، فليس يجب له بها شيء. وقال أصحاب الرأي: إذا شهد شاهدان أن البائع ادعى هذا الولد حين ولد والبائع ينكر ذلك، فإن شهادتهما جائزة ويكون ابنه، وينتقض البيع.
قال أبو بكر: هذا أصح إذا أقر بذلك المشتري، وإن أنكر المشتري ذلك لم يفسخ البيع، وإن شهدوا أنه ادعى الحمل قبل البيع، ثم باعه وجحد ذلك بطل البيع، وردت وولدها عليه ورجع عليه بالثمن إن كان قبضه، وهكذا قال أبو ثور وأصحاب الرأي (١).
قال أبو بكر: وإذا باع الرجل الجارية وهي حبلى، فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم باعها، فادعاه البائع. ففيها قولان: أحدهما: أن القول قول البائع، وإن أنكر ذلك المشتري، ويفسخ البيع، ويكون الولد ولده. هذا قول أصحاب الرأي، والقول الثاني: إن البائع كان أقر به قبل البيع فسخ البيع، وإن لم يكن أقر به قبل لم يفسخ البيع هذا قول أبي ثور. وقال أبو ثور: وإذا باع الرجل جارية وهي حبلى فولدت عند المشتري لأقل من ستة أشهر بنتاً، وولدت الابنة ابناً ثم جاء البائع فادعى الابنة، وقد كان المشتري أعتق الابن، فإن ثبت وطء البائع أو إقراره بالوطء قبل البيع، فسخ البيع، ورددتها عليه، وكانت الابنة
стр. 3192
حرة، وابنها حر من الأصل، لأن أمة حرة، ولا يجوز عتق المشتري ولا يثبت له بذلك ولاء.
وقال أبو ثور: وإذا حبلت الأمة عند الرجل ثم باعها فولدت عند المشتري ولدين أحدهما لأقل من ستة أشهر بيوم، فادعى المشتري والبائع الولدين جميعا، فإن كان من البائع إقرار بالوطء قبل البيع وعلم ذلك فهما ابناه، ويفسخ البيع، لأنه حمل واحد، فإذا كان أحد الولدين دون الستة الأشهر، كان ما تأخر من الحمل بعد الستة الأشهر يلزمه البائع.
وقال أصحاب الرأي (١): هما ابنا البائع، والأمة أم ولد له، وينتقض البيع، ورد عليه الثمن، ورد عليه ما قبض من الثمن.
وقيل لابن القاسم (٢): أرأيت صبيا ولد في ملكي، ثم بعته فمكثت زمانا، ثم ادعيت أنه ولدي. قال: إن لم يستدل على كذب ما قال فهو ولده ويترادان. قلت: وهذا قول مالك؟ قال: نعم.
قال: وسألت مالكا عن الرجل يبيع الجارية فتلد فيدعي الولد قال: تجوز دعواه إلا أن يتهم.
وحكى أشهب عن مالك (٣): في الرجل يبيع الجارية ومعها ولد ثم يدعي أنه منه. قال: يلحق به، وتكون أم ولد له. قال: وإن ادعى ذلك بعد موت الغلام، لم يجز ذلك له. قال (٤): وكذلك الرجل يتزوج المرأة ثم
стр. 3193
يفارقها (١) لم أمس وتقول: [مسني] (٢) ثم تأتي بولد فيدعيه أن ذلك له ويلحق به، وإن ادعى الولد بعد موت الولد لم يكن ذلك له. ابن عبد الحكم عن أشهب عنه.
ذكر دعوة التوءم بعد البيع
قال أبو بكر: وإذا حبلت الأمة عند الرجل، فولدت عند المشتري ولدين في بطن واحد لأقل من ستة أشهر جميعا، أو أحدهما فهو سواء، فإن ادعى البائع أحدهما أو كلاهما، فإن ثبت أنه كان يطؤها قبل البيع فهما جميعا ولده ويفسخ البيع وترد الأمة إليه، وتكون أم ولده ويرد على المشتري الثمن إن كان قبضه، فإن أعتق المشتري أحد الولدين أو كلاهما فالعتق باطل، ويردون إلى البائع وتكون أم ولده ولا تعتق بعتق المشتري، وذلك أن البيع لم يتم فيها ولا يجوز عتق ما لا يملكه المرء. وهذا قول أبي ثور. وقال النعمان (٣): دعوة البائع فيهما جائزة، وعتق المشتري أحدهما باطل، فترد الأم فتكون أم ولد للبائع، ويرد الثمن. ثم قال: وإن كان المشتري أعتق الأم جاز عتقه، ولم ترجع إلى البائع رقيقا، ولا تشبه الأم بهاذ الولد، وكذلك لو كان دبرها. قال: وإن كان باع أحد الولدين فأعتقه المشتري، ثم ادعاهما البائع الأول جازت دعوته، وكان عتق المشتري باطلا.
стр. 3194
قال أبو بكر: من حيث ثبت نسب الولد بدعواه ثبت أنها أم ولد له، ومن حيث أبطل عتق المشتري أحد الولدين وجب أن يبطل عتق المشتري من ذلك الوجه للأم، لأنها تصير أم ولد له بثبوت نسب الولد منه ويبطل ذلك إذا بطل دعواه لا فرق بين ذلك.
قال أبو بكر: ولو كان أحد الولدين فأعتقه المشتري، ثم ادعاهما البائع الأول على ما وصفنا من وطئه قبل البيع، جازت دعوته وبطل عتق المشتري، ولو كان أحد الولدين جنيت عليه جناية فأخذ المشتري أرشها، ففقأ رجل عينه أو قطع يده، ثم ادعاها البائع كانت دعوته جائزة، وكان الأرش الذي أخذه المشتري باطلا، ويرجع البائع على الجاني بدية ما جنى دية حر، ويرد المشتري الأرش الذي قبضه على الجاني، ويرجع المشتري بالثمن إن كان قبضه البائع عليه. وهذا قول أبي ثور.
ولو قتل أحدهما ثم ادعاه البائع ثبت نسبه منه، وكان ولده، ويرجع على القاتل بدية حر إن كان خطأ، وإن كان عمدا ففيه القود. وهذا قول أبي ثور، وقال أصحاب الرأي (١): إذا جنى على أحد الولدين جناية ففقأ عينه أو قطع يده فأخذ المشتري أرشها، ثم ادعاهما البائع كانت دعوته جائزة، وكان أرش ذلك الجرح للمشتري ثم قالوا: ولو كان أحدهما قتل ثم ادعاهما البائع، فإن نسبهما يثبت من البائع وتكون قيمة المقتول لورثة المقتول ويصدق المدعي على القيمة.
قال أبو بكر: ما الفرق بين قيمته، وبين أرش جناية جنيت عليه، ما بينهما فرق.
стр. 3195
قال أبو بكر: ولو كان المشتري اعتق أحد الولدين فقتل فأخذ ديته وميراثه بالولاء، ثم ادعاهما البائع فألحق به نسبهما، وصارت الأم أم ولد، فإنه يرجع على المشتري بالدية والميراث، ويرجع عليه المشتري بالثمن، وهذا قول أبي ثور، وقال أصحاب الرأي (١): يقضى بالحي منهما وبأمه له، ويلحق نسبه ونسب المقتول به، ولا يصدق على الدية والميراث الذي قد وجب للمشتري، ولو لم يقتل ولم يمت صدق عليه ورجع النسب إليه وبطل عتق المشتري وولائه. قال أبو ثور: إذا كان حمل واحد فصدق على أحدهما لما لا يصدق على الآخر وهو يلحق نسبه به؟ فلو جاز أن يفرق بين حمل واحد جاز أن يدعي أحد الولدين دون الآخر، فإن لم يجز أن يفرق بينهما (ما فعل) (٢) لم فرق فيهما.
قال أبو بكر: وإذا ولدت الأمة ولدين في بطن لم يكن أصل الحمل عند المولى فباع أحدهما ثم ادعى الآخر، والذي باع جميعا وقد أعتق المشتري الذي اشترى، فإن دعوته قد ثبتت وثبت نسبه منهما، لأن هذين ليس لهما نسب يعرف ولا ولدا على فراش أحد ولا في ملكه، بل ولدا في ملك الرجل فادعى أنهما ابناه ثبت نسبهما منه، ولا ينقض البيع، لأن النسب لم يثبت بسبب. وقال مرة أخرى: بسبب كان في ملكه فيكون بيعه باطل. وكذلك قال أبو ثور وأصحاب الرأي. وقالوا جميعا (٣): وإذا كانت أمة في يد [رجل] (٤)، وفي يده ولد لها وفي يد
стр. 3196
آخر ولد لها آخر، فادعى الذي في يده الولد أن الولدين جميعا [ولداه] (١) ولدا له من هذه الأمة في بطن واحد، وأن الأمة أمته وأقام على ذلك بينة، فأقام الذي في يده البينة على مثل ذلك، فإن الأمة والولدين يقضى بهما للذي الأمة في يده، وذلك أن الولاد لا يكون إلا مرة واحدة فلما تدافعت البينتان كانت الأمة في يد الذي هي في يده. وحكم على الآخر الذي في يده الولد برد الجارية إذا كان ولدها وكان الفراش أحق من غيره.
وقالوا جميعا (٢): إذا كانت الأمة في يد رجل، وفي يده ولدها، وجاء آخر يدعيها ولا يدعي ولدها أنه ابنه وفي يده ابن آخر لها يدعي أنه ابنه، فأقام الذي يدعي البينة أن الأمة له، وأن الابن الذي في يده ابنه ولدته، فإن أقام الذي في يده الأمة بينة أن هذه الأمة أمته ولدت هذا الولد الذي في يده منه، والولدين في بطنين محتلفين، وليس يدعي كل واحد منهما الولد الذي في يد صاحبه ولم يعلم أيهما أكبر، فإنه يقضي لكل واحد منهما بالولد الذي في يده ويقضى بالأمة للذي هي في يديه، لأن البينتين قد تدافعتا.
وقال أبو ثور: وإذا كانت أمة في يد رجل له منها ولد، فادعى آخر أن الأمة للذي هي في يديه، وأنه زوجها إياه، وأنها ولدت في ملكه على فراشه ولدا هو بيديه، وأقام الذي هو في يديه البينة أن هذه الأمة لهذا المدعي، وأنه زوجها إياه، وأنها ولدت على فراشه هذا الولد الآخر. فإنه يقضي لكل واحد منهما بالولد الذي هو في يديه، وأما الأمة فكل واحد منهما يزعم أنها ملك لصاحبه، فأيهما مات منهما فهي حرة،
стр. 3197
وذلك أن كل واحد منهما قد أولدها، وتكون في يد الذي هي في يديه فلا يطأها واحد منهما، لأن كل واحد منهما يدعي أن صاحبه زوجه وصاحبه ينكر ذلك. فقال أصحاب الرأي (١): يقضى لكل واحد منهما بولده الذي هو في يديه وتكون الأمة موقوفة في يدي الذي هي في يديه، ولا يطأها أحد منهما وأيهما مات عتقت.
وقال أبو ثور: وإذا كانت الأمة في يد رجل، وله منها ولد، فادعى آخر أنه تزوجها بغير إذن مولاها، وأنها ولدت منه على فراشه هذا الولد الذي في يد مولاها بعدما تزوجها ببينة، وأقام على ذلك البينة، وأقام المولى البينة بأنه ولد على فراشه من أمته هذه. فإنه ابن المولى ولا يكون للمدعي شيء، وإن علم أن هذا لا يحل له كان محدودا لقول النبي ﷺ : "أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر وعليه الحد " (٢). وكذلك قال ابن عمر، وكذلك الأمة إذا علمت أن هذا لا يحل لها كانت عاهرة عليها الحد. وقال أصحاب الرأي (٣):
стр. 3198
يقضي بالولد للزوج ويثبت نسبه منه، ويعتقه بإقرار المولى، ويجعل أمه أم ولد إذا مات المولى عتقت. وقال أبو ثور: هذا خطأ وخلاف السنة والقياس والمعقول، لأن النبي ﷺ قد حكم في ابن وليدة زمعة وقد ادعى عتبة، وكان وطؤه بشبهة، وهو لا يعلم أن ذلك مما لا يجوز، فأبطل النبي ﷺ دعوته وقضى بالولد للفراش ثم قال الجاهل: أجعله ابن الزوج وأثبت نسبه وأعتقه، فإن كان ابن أمته قد يقر الأب الذي ألحقه به أنها أمته، وأبطل قول المولى أنه ولده لم تعتق عليه، وله نسب معروف، ولم جعلها أم ولده وهو لا يلزمه الولد، فأعتق عليه الابن، ومنعه من بيع الجارية، وجعلها تعتق عليه إذا مات، وإنما جعل خطأه ردا على خطأ له آخر زعم أن رجلا ابن ثلاثين سنة وله عبد ابن خمسين سنة قال لعبده: هو ابني والعبد أكبر منه بعشرين سنة أنه يعتق عليه فإقراره أنه ابنه ولا يلحق نسبه.
ذكر إقرار الرجل بالصبي أنه ولد غيره ثم يدعيه هو بعد
قال أبو بكر: وإذا كانت الأمة في يد رجل فولدت غلاما، فأقر المولى الذي له الأمة أن هذا الولد من زوج زوجها إياه كان حرا أو عبدا، وأقر الزوج بذلك [أو] (١) أنكر أو لم يقر ولم ينكر أو كان غائبا، ثم إن المولى ادعى الولد أنه ابنه بعد ذلك فإن دعوته باطل (٢) ولا يثبت نسبه، وذلك لأنه قد أقر أنه ابن لغيره بتزويج فلا تقبل دعوته بعد ذلك، أقر الذي نسبه إليه أو أنكر ولا يشبه هذا ابن الملاعنة،
стр. 3199
وذلك أن المرأة امرأة الرجل وهي فراش له، فلما قذفها برجل لم يكن الود [ملحقًا] (١) بالذي رماها به، لأنه وطئ ما لا يلحق به النسب وهو للفراش، فلما حكم الله فيه باللعان فألحق النبي ﷺ الولد بالأم إذا التعن الرجل، ثم أقر الرجل بعد ذلك أنه كذب فيما رماها به، وأن الولد ولده لحقه الولد، وذلك أنه ولد على فراشه فهو له والأمة أقر أنها ولدت على فراش رجل بنكاح صحيح فلا يشبه النكاح الصحيح بالزنا الذي قد يكون الرامي للمرأة به كاذبا أو صادقا، وحكى أبو ثور عن النعمان أنه قال (٢): يعتق عليه ولا يثبت نسبه منه. وقال يعقوب ومحمد كذلك إلا في خصلة واحدة: إن أنكر الأب الأول أن يكون ابنه كان ابن الآخر.
قال أبو بكر: وإذا كانت أمة في يد رجل يملكها فولدت غلاما، فأقر رجل ليس منها بسبيل أن هذا الولد ولد المولى، وجحد المولى ذلك، ثم إن الرجل الشاهد اشترى الغلام أو ورثه، فادعى أنه ابنه لم يصدق على ذلك، ولا يثبت نسبه منه ولا يعتق عليه من طريق النسب إلا أن يقر أنه حر عتق عليه من قبل أنه قد أقر أنه ابن مولى الأم، وأنه حر الأصل، وذلك أن الرجل إذا أولد أمته فولدها حر، فلما شهد بذلك على المولى فقد زعم أن هذا الولد حر فلما اشتراه عتق عليه، لأنه يشهد أنه حر، وكذلك إن ورثه أيضا كان حرا ولا يملكه. وقال النعمان (٣): يعتق ولا يثبت نسبه منه، لأنه شهد أنه ابن المولى الأول.
стр. 3200
وقال أبو ثور والنعمان (١): إذا شهد رجلان على صبي من امرأة حرة أنه ابنها وابن هذا الرجل، وأن هذا الرجل زوجها، وادعته تلك المرأة وجحد الرجل فسأل القاضي عن الشهود فلم يزكوا فرد شهادتهم، ثم إن أحد الشاهدين ادعى أنه ابنه فصدقته المرأة، فإن دعوته باطل (٢) لا تجوز، وذلك أنه قد شهد أنه ابن غيره فلا يقبل، وقال يعقوب ومحمد: دعواه جائزة وهو ابنه.
وقال أبو ثور: وإذا شهدت امرأة على صبي أنه ابن هذه المرأة، فادعت المرأة ذلك، فسأل القاضي عن الشاهدة فلم تعدل فرد شهادتها، ثم إن الشاهدة ادعت أن هذا الغلام ابنها، وأقامت على ذلك شاهدين لم يقبل ذلك، لأنها كذبت شهادتهما لما شهدت أن الصبي ابن غيرها، وبه قال أصحاب الرأي، وكذلك نقول.
وقال أبو ثور وأصحاب الرأي (٣): ولو كبر الصبي فادعى أن الشاهدة أمه، وأقام على ذلك شاهدين قبل شهادتهما، وثبت نسبه منها وكانت أمه، وهذا حق للصبي يجب أن يحكم به عليها وإن جحدت.
وقالوا جميعا: وإذا ادعى الرجل الصبي وشهد له شاهد أنه ابنه وأم الصبي تنكر ذلك، ولم يقض القاضي بشهادة واحد، ثم إن الشاهد ادعى أن الصبي ابنه وأن المرأة امرأته، وأقام على ذلك شاهدين، والمرأة تنكر فإن شهادتهما لا تجوز، لأنه كذبهم، ولو أن المرأة ادعت أنه زوجها، وأن هذا ابنه منها وأقامت على ذلك شاهدين قبلت ذلك منها، وألزمت
стр. 3201
الولد الرجل وجعلته ابنه.
وقالوا جميعا (١): لو أن رجلين ادعيا صبيا في يد امرأة، وكل واحد منهما يقول: هو ابني ويدعي أنه تزوج هذه المرأة، والمرأة تنكر ذلك، ثم إن المرأة ادعت على رجل آخر أنه تزوجها وأنه أبو هذا الصبي، وشهد لها الرجلان المدعيان بالصبي على ذلك لم تقبل شهادتهما، وذلك أن كل واحد منهما قد ادعى الصبي فلا يجوز شهادة من يقر على نفسه بالكذب.
وقالوا جميعا: إذا كان الصبي في يد امرأة، فأقر رجل أنه ابن فلان وشهد على ذلك فرد القاضي شهادته، ثم شهد هو وآخر أنه ابن رجل آخر لم تقبل شهادته، لأنه شهد شهادتين تنقض إحداهما الأخرى.
وقال أبو ثور والنعمان ويعقوب ومحمد (٢): إذا كانت الأمة لرجل وكانت حاملا فقال: إن ولدت غلاما [فهو] (٣) مني، وإن ولدت جارية فهي من زوج [زوجتها إياه] (٤) فولدت غلاما أو جارية أو ولدتهما جميعا فإنهما ولده، وذلك أنه قد أقر بالوطء وهي في ملكه.
وقالوا: إذا كانت أمة لرجل فأقر أنه زوجها من رجل وهو غائب وهو حي لم يمت، ثم جاءت بولد لستة أشهر منذ قال ما قال، فادعاه المولى فإنه لا يصدق على ذلك، لأنه قد أقر أنها امرأة لغيره.
وقالوا جميعا: إذا كانت أمة بين رجلين فجاءت بولد، فأقر أحدهما أنه من صاحبه، وقال الآخر إنه من صاحبه فمن ادعاه منهما بعد ذلك لم
стр. 3202
يصدق على دعواه ولا تباع وتكون بمنزلة أم الولد، وأيهما مات عتقت عليه، وذلك أن كل واحد منهما يزعم أنها قد صارت أم ولد لصاحبه، وليس لواحد منهما أن يطأها.
ذكر الأب يدعي ولد الابن
واختلفوا في أمة لرجل ولدت غلاما أو جارية فادعى أبو المولى أن الولد منه وجحد ذلك المولى والأمة، فقالت طائفة: إن اقر الواطئ أنه وطئها وهو يعلم أن ذلك عليه حرام أقيم عليه الحد، لأن وطأه حرام، وإن كان يعذر بجهالة فعليه صداق مثلها، ولا يثبت نسبه، وذلك أن وطأة لم يكن على نكاح ولا طء يمين في الظاهر، فيلحق به الولد، ويكون الولد عبدا لمولى الجارية وهذا قول أبي ثور.
وقال النعمان ويعقوب ومحمد (١): يثبت النسب منه وتكون الأمة أم ولد له ويضمن قيمتها لابنه ولا يضمن عقرها، والولد الصغير والكبير والذكر والأنثى في ذلك كله سواء.
قال أبو بكر: واحتج أبو ثور بقول النبي ﷺ : "الولد للفراش " (٢).
وهذا لا يملك الجارية، ولا هو تزوجها وقد علم أن وطأه أياها حرام عليه، فإذا وطئ فهو زان، وقد جعل النبي ﷺ للعاهر الحجر واحتج غيره بقوله ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ (٣) الآية.
стр. 3203
فإن قال قائل: إن للأب أن يأخذ من مال ابنه ما شاء فليس كما يذكر، وقد حرم الله بينهما الزنا، ولا يصح الخبر الذي روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أنت ومالك لأبيك " (١) وفي إثبات الله - جل ذكره - في كتابه للأب السدس في مال ابنه إذا مات وخلف ولدا ذكرا دليل على أن الرجل لا يملك من مال ابنه شيئا، إذ غير جائز أن يكون مال ابنه له، فإذا مات ابنه زال ملكه عما كان يملك بموت ابنه. هذا مستحيل، وفي إيحاب الكوفي على الأب الواطئ قيمتها من ماله أن يحتج بقوله: "أنت ومالك لأبيك "، لأن المال لو كان للأب لم يضمن وحكمه في وطئه جارية يملكها قيمتها لغير مالك هذا يستحيل.
واختلفوا في الأب يتزوج أمة ابنه برضاه أو بغير رضاه، فولدت منه ولدا. فقالت طائفة: إن كان تزوجها بأمر الابن أو زوجها إياه، فالنكاح ثابت، والولد عبد للابن وذلك أن الرجل يملك أخاه هكذا قال أبو ثور.
قال: وهذا على قول مالك (٢) وأبي عبد الله يعني الشافعي.
وأخبرني الربيع قال: قال الشافعي (٣): وإذا كان الأب فقيرا يخاف العنت، فأراد أن ينكح أمة ابنه لم يجز ذلك له وجبر ابنه إذا كان
стр. 3204
واجدا على أن يعفه بإنكاح أو ملك يمين، لأن الأب إذا بلغ لن يكون فقيرا غير مغني زمنا أن ينفق عليه الابن.
وقال أصحاب الرأي (١): وإذا تزوج الأب أمة ابنه برضا المولى أو بغير رضاه فولدت منه وأقر بالولد، فإن الولد يلحق به ويكون ابنه ويعتق في قول النعمان، ولا تعتق أمه ولا تكون أمه أم ولد للأب.
وقال النعمان (٢): النكاح مخالف للغصب، فإذا وقع عليها غصبا، فادعى الولد ثبت النسب، وضمن قيمة الأم فإذا وقع عليها بنكاح ثبت نسبه منه، وضمن المهر ولا يضمن من قيمة الأم شيئا.
وقال أبو ثور وأصحاب الرأي (٣): وإذا ولدت الأمة عند الرجل، فادعى الولد المولى وأبوه جميعا، فإن الولد للمولى وتبطل دعوة الأب وتكون أم ولد للمولى. قال أبو ثور: وإذا اشترى المكاتب أمة فوقع عليها مولاه، فجاءت بولد فادعى الولد وصدقه المكاتب لم يثبت نسبه منه، وليس للمولى أن يأخذ من مال المكاتب شيئا، فإن علم أن هذا لا يحل له: حد، وإن كان لا يعلم فعليه العقر، والأمة وولدها للمكاتب، وليس يثبت نسبه منه.
وقال أصحاب الرأي: يثبت نسب الولد من المولى إذا ادعى المولى وصدقه المكاتب وأضمنه قيمة الولد وعقر الجارية، فإن استحقها رجل قضى له والعقر الذي أعطى المكاتب.
стр. 3205
ذكر دعوى الحميل
قال أبو بكر: وإذا سبي صبيان فوقع كل واحد منهما في سهم رجل فأعتقه، ثم ادعى كل واحد منهما أن الآخر أخوه لأبيه وأمه، فإنه لا يصدق على هذا، ولا يتوارثون إلا ببينة تثبت أنسابهم، وكذلك لو كانت معهم امرأة فادعت أنها أمهم فصدقاها، فإنها لا تصدق ولا يقبل قولهم إلا ببينة.
والحميل: كل نسب في دار الحرب، فالأخ وابن الأخ والعم وابن العم والخال وابن الخال، والمرأة تدعي الصبي والجدة والخالة، وكل نسب فهو في هذا الباب سواء، وهذا قول أبي ثور وأصحاب الرأي (١).
٦٦٧٢ - حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا سعيد (٢)، قال: حدثنا سفيان عن ابن جدعان، عن سعيد بن المسيب، قال: كتب عمر بن الخطاب: ألا تورثوا حميلا إلا ببينة.
٦٦٧٣ - حدثنا يحيى، قال حدثنا أبو الربيع، قال: نا حماد، قال: حدثنا عاصم، عن الشعبي، أن عمر كتب إلى شريح: ألا تورثوا حميلا إلا ببينة (٣).
قال أبو بكر: وبهذا قال سفيان الثوري، وأحمد بن حنبل (٤)، وعبيد الله بن الحسن، وكذلك قال عطاء بن أبي رباح، وقال مالك (٥):
стр. 3206
الأمر عندنا أنه لا يورث أحد من الأعاجم شيئا بولادة العجم. إلا أن تكون امرأة جاءت حاملا من أرض العجم فولدت في العرب فهو ولدها يرثها إن ماتت، وترثه إن مات ميراثها في كتاب الله. وقال الشافعي (١): إذا ادعى الأعاجم بولادة الشرك إخوة بعضهم لبعض، فإن كانوا جاءونا مسلمين لا ولاء لأحد عليهم بعتق قبلنا دعواهم [كما قبلنا دعوى غيرهم] (٢) من أهل الجاهلية الذين أسلموا، وإن كانوا مسبيين عليهم رق أو عتقوا (٣) فثبت عليهم ولاء لم تقبل دعواهم إلا ببينة تثبت على ولادة أو دعوى معروفة كانت قبل السباء، وهكذا من قل منهم أو كثر أهل حصن كانوا أو غيرهم.
وقد ذكرت اختلافهم في تفسير الحميل في كتاب المواريث. وقال أبو ثور وأصحاب الرأي (٤): لو أن رجلا أعتق صبيا وأعتق آخر رجلا، ثم ادعى [الرجل] (٥) أنه ابنه، وأقر الصبي بذلك وقد احتلم، ومثله يولد لمثله أنه ابنه وهذا جائز وكل واحد منهما مولى للذي أعتقه.
وقالوا: لو أن رجلا من العرب أو الموالي معروفا ادعى أخا مجهولا وصدقه الآخر بذلك لم يصدق على النسب، ولم يثبت النسب من الولد بقولهما، ولكنه يرث معه على ما بينا، وكذلك دعوة الرجل ابن أخيه أو ابن عمه أو ابن أخته أو خاله أو عمه أو ذا رحم محرم، فإنه لا يصدق على ذلك، ولا يثبت نسبه.
стр. 3207
وقال أبو ثور: إذا ادعى رجل ابن رجل قد مات، فقال: هذا ابن ابني ولم يكن الأب يقر بذلك لم تجز دعوته، وكذلك لو كانت امرأة، فادعت صبيا وأقر الصبي بذلك ثبت نسبه بقولها. وقال أصحاب الرأي (١) كذلك غير أنهم قالوا: إن كان عبدا عتق بقوله، فإن لم يكن لواحد منهما وارث معروف فالمال لصاحبه الذي أقر به إذا مات، ولا يثبت نسب. وقال أبو ثور: إذا لم يكن له وارث يعرف فهو في بيت المال. وقال أبو ثور وأصحاب الرأي: إذا أقر الرجل بابن من امرأة، وصدقته فهو ثابت النسب منهما. وكذلك لو أقرت امرأة بولد من رجل فصدقها كان كذلك، ولو أقر أن نكاحهما كان في الكفر أو في أهل الذمة أو دار الحرب، أو أقر أن نكاحهما كان فاسدا ثبت النسب.
وقال أبو ثور وأصحاب الرأي (٢): لا يجوز من الحميل دعوة أحد إلا أن المرأة تجوز دعوتها في الزوج والمولى والولد إذا صدقها زوجها، والرجل تجوز دعوته في الولد والمرأة والمولى لمن أعتقه أو من أعتق تصدق دعوتهم إذا أقروا بذلك.
ذكر دعوة العبد [التاجر] (٣)
وقال أبو ثور وأصحاب الرأي (٤): وإذا كان العبد التاجر يشتري ويبيع فاشترى أمة فوطئها فولدت ولدا، فأقر به أنه ابنه وكذبه المولى، فإنه ابنه
стр. 3208
ثابت النسب منه. ولو تزوج هذه الأمة فولدت منه، وأقر بذلك فكان تزويجه بإذن سيده فإنه ابنه، ويثبت نسبه منه، ويكون الولد مملوكا مثل أمه، وكذلك لو ادعى ولدا من امرأة حرة أو أمة، وكان نكاحا فاسدا إلا أنه كان بإذن مولاه، فالولد يلزمه ويثبت نسبه، وذلك أن النسب يثبت في النكاح الفاسد كما يثبت في النكاح الصحيح، وكل ما كان الحر يدعيه من النكاح فإن دعوة العبد فيه كذلك إذا كان النكاح بإذن السيد، وكل ما لم يصدق الحر فيه، ولا يثبت فيه نسبه، فإن العبد فيه كذلك على ما وصفنا، وإذا ملك الحر ولده عتق عليه، وكذلك العبد إذا أعتق فملك ولده عتق عليه، والعبد التاجر إذا كان عليه دين فاشترى أمة فأولدها، فادعاه العبد وكذبه المولى، فإنه يكون ابن العبد، وكذلك لو أن مولاها أحلها له، وكذبه المولى فهو ابنه إذا كان هذا عنده جائزا، وكان ذلك على شبهة، ولو ادعى ولدا من أمة لمولاه ولم تكن من تجارته، وادعى أن مولاه أحلها له أو زوجه إياها. فإن صدقه المولى ثبت نسبه منه، وإن كذبه لم يثبت نسبه منه، فإن عتق العبد يوما فملك ذلك الولد، فادعاه عتق وكان ابنه ثابت النسب، وذلك أن كل رجل ادعى صبيا لا نسب له يعرف ثبت نسبه منه إذا كان المقر به لا ينكر ذلك، هذا كله قول أبي ثور وأصحاب الرأي (١).
стр. 3209
ذكر دعوة المكاتب
وقال أبو ثور وأصحاب الرأي (١): وإذا ولدت أمة لمكاتب وادعى ولدها، فإنه ابنه وهو بمنزلة الأب، ولا يبيع المكاتب ولده إذا ولد له في مكاتبته، وكذلك الأمة إذا ولدت في مكاتبتها فلا تبيع ولدها، وذلك أن الولد ليس بملك، وإذا اشترى المكاتب أمة فوطئها فجاءت بولد، أو جاءت بولد فادعاه، فهو ولده ويثبت نسبه. وذلك أن الأمة له. فإذا أقر بوطئها أو بولدها كان الولد ولده. هذا قولهم جميعا. وقال أبو ثور: ولو أن جارية بين مكاتب ورجل حر، فجاءت بولد فادعاه المكاتب، وكان ممن يعذر بالجهالة، ويرى أن هذا يحل له فوطئها على هذه الشبهة كان الولد ولده، وكان عليه نصف قيمة الجارية ونصف قيمة ولدها ونصف العقر، وإن كان يعلم أن هذا لا يحل له وطئها وأنه حرام عليه كان عليه الحد، وكان الولد رقيقا ولا يلحق به النسب، وعليه نصف العقر للشريك إلا أن تكون الجارية تعلم أن هذا لا يحل، فإنها تحد ولا مهر لها.
وقال أصحاب الرأي (٢): يثبت نسبه منه، ويضمن نصف قيمة الأم ونصف العقر. وقال أبو ثور: ولو ملك المكاتب ابنه هو ورجل آخر، وكان معروفا أنه ابنه، فالقول فيه كما قلنا فيما اشترى من ولده.
وقال أصحاب الرأي (٣): حصة المكاتب من ذلك بمنزلة الأب
стр. 3210
لا يستطيع بيعه في قول النعمان، وقال يعقوب ومحمد (١): هو مكاتب مع ابنه، ويضمن لشريكه نصف قيمته، ولا يكون عبد بعضه مكاتب وبعضه رقيق غير مكاتب. وقال أبو ثور: هذا خطأ، وذلك أن المكاتب لم يكاتب على ولده، ولا يعتق عليه ولده إذا اشتراه، فكيف يلزمه نصف قيمته، وإنما اشتراه شراء، فإن كان بالشراء يصير حرا عتق عليه، وإن كان بالشراء لا يكون حرا، فلم ضمنه وهو لم يعتقه ولم يكاتب عليه، ولا أحدث فيه شيئا يرجع عليه به هذا خطأ من كل وجه.
وقال أبو ثور وأصحاب الرأي (٢): إذا ادعى المكاتب ولد مكاتبة له وأنكرت ذلك فهو ولده، وهو ثابت النسب، فإن ادعته عتقت وإن عجزت ردت رقيقا له وصارت أم ولد له.
وقال أبو ثور: وإذا ادعى المكاتب ولد مكاتب له، فإنه لا يصدق على ذلك ولا يكون ابنه، وقال أصحاب الرأي (٣): لا يكون ابنه ولا يصدق عليه إن كذبه المكاتب وإن ملكه المكاتب المدعي كان ابنه ثابت النسب منه وأمه أم ولد له، وإن صدقه مولاها كان ابنه بالقيمة.
ذكر دعوة الرجل ولد مكاتبته أو ولدا منها:
وقال أبو ثور: وإذا ادعى الرجل ولد مكاتبته ولم يكن لها زوج ولا كان له نسب معروف وكان المولى حر، فإنه ولده، وهو حر، وإن كذبته المكاتبة،
стр. 3211
فإن شاءت مضت على كتابتها، وإن شاءت عجزت فصارت أم ولد له، وكذلك قال أصحاب الرأي (١).
وإذا ادعى الرجل ولد أمة مكاتبه أو مكاتبته الذي قد ولدته في ملك المكاتب وكذبه المولى، فإنه لا يصدق على ذلك، وإن صدقه المولى لم يكن ولده أيضا، فإن كان ممن لا يعذر بالجهالة حددناه، وكان عليه عقر جارية المكاتب هذا قول أبي ثور. قال: وذلك أن أهل العلم قد منعوا مولى المكاتب أن يأخذ من ماله شيئا فلما كان ماله ممنوعا منه لم يكن له أن يطأ جاريته، وإن كان ممن يعذر بالجهالة لم يحد، وكان عليه العقر للأمة إلا أن تكون الأمة علمت أن هذا لا يحل لها، وكانت زانية كان عليها الحد ولا عقر لها، ويكون ولدها مملوكا للمكاتب، وقال أصحاب الرأي (٢): لا يصدق، فإن صدقه المولى كان ابنه وهو ضامن لقيمته. وهو حر.
قال أبو ثور: وإذا ادعى المولى عبدا في يد مكاتبه اشتراه، فقال: هو ابني فإنه لا يصدق على ذلك ولا يكون ابنه، ولو علم أنه ابنه من أمة كان تزوجها كان نسبه ثابتا منه، وكان عبدا للمكاتب ولا يعتق عليه بثبوت نسبه من مولى المكاتب، وذلك أن المكاتب مالك ماله ليس لمولاه أن يأخذ من يده شيئا، وكذلك لو أعتق المولى عبدا للمكاتب كان عتقه باطلا، وهذا لا أعلم فيه اختلافا، فلما لم يكن له أن يعتق عبده لم يكن يعتق عليه عبده في يده بدعوته أنه ابنه معروفا كان أو مجهولا. وقال أصحاب الرأي: لا يصدق على ذلك ولا يكون ابنه، لأنه لم يولد في
стр. 3212
ملك المكاتب، ولو صدق على هذا لأعتق رقيق المكاتب كلهم بدعاية أنهم ولده إنما استحسن أن أصدقه إذا كان الحبل في ملك المكاتب، ولو أن المكاتب اشترى ابنا لمولاه معروف النسب منه لم يعتق (١). قال أبو ثور: فإذا كان الجاهل يقول: إذا اشترى ابن مولاه وهو معروف النسب فلم يعتق عليه لم يعتق عليه ولد أمته إذا ادعاه المولى وكان عليه قيمته. هذا خطأ وتناقض.
وقال أبو ثور: ولو أن المولى ادعى ولد مكاتبة المكاتب وكذبته المكاتبة لم يكن ولده، وكان القول فيه كما قلنا في المسألة قبلها، وإن صدقته المكاتبة كان كذلك لا يكون ولده إلا أن يكون تزوجها فأولدها ويكون نسبه ثابت، ويكون ابن المكاتب فإن عجزت الأم ردت رقيقا، وكان الولد عبدا للمكاتب الأول، فإن عجز المكاتب الأول ورد رقيقا كان للمولى أخذ ماله وأخذ الأمة وولدها، وكان ولده حرا وكانت أم ولده. وهذا على مذاهب أبي عبد الله (٢) - يعني الشافعي - وقوله. وفي قول مالك (٣): الولد حر ولا تكون أم ولده حتى تلد وهي مكاتبة، وقال أصحاب الرأي (٤): إن كذبته المكاتبة لم يصدق. وهذا قول النعمان ويعقوب ومحمد، فإن صدقته فهو ابنه وهو بمنزلة أمه، وإن عجزت والمكاتب على حاله أخذ المولى ابنه بالقيمة وإن أدت فعتقت
стр. 3213
فهو حر معها وهو ثابت النسب منه.
وقال أبو ثور: وإذا ادعى الرجل ولد أمة مكاتب مكاتبه فكذبه مولاها وصدقه المكاتب الأول، فإنه لا يصدق على ذلك، والقول في ذلك كما قلنا في المسائل قبلها، وقال أصحاب الرأي (١): لا يصدق على ذلك ولا يكون ابنه، فإن عجز فرد إلى ملك المكاتب الأول أخذه المولى بالقيمة وإن عتق لم يصدق المولى، وإن صدقه المكاتب الذي له الأمة فهو ابنه ولا يأخذه بالقيمة.
واختلفا في الرجل يدعي ابن مكاتبته ولها زوج معروف، فقال أبو ثور وأصحاب الرأي (٢): لا يصدق على النسب غير أن أصحاب الرأي قالوا: يعتق الولد. وقال أبو ثور: لا يعتق، لأن النسب إذا بطل بطل العتق، وقالوا جميعا: لو أن الأب زوج الأمة أقر أنه من المولى لم يقبل قوله، ولم يجز دفع الولد عن الفراش، لأن للولد حق فلا يدفع حقه بقولهما، وكذلك في قولهم جميعا: لو كان الزوج عبدا للمولى والذمي والمسلم في ذلك سواء.
وقال أبو ثور: وإذا ادعى رجل ولد مكاتبة بينه وبين رجل آخر، فإن كان يعذر بالجهالة وصدقته المكاتبة كان الولد ولده، وضمن لشريكه نصف قيمتها، ونصف قيمة الولد، ونصف العقر، وكانت على كتابتها، فإن أدت عتقت، وإن عجزت ردت رقيقا وكانت أم ولد له.
وقال أصحاب الرأي (٣): صدقته أو كذبته فهو يصدق وهو ابنه وهو حر ثابت النسب منه، وتأخذ العقر فتستعين به في كتابتها، فإن أدت
стр. 3214
عتقت وكان ولاؤها بينهما نصفين، وإن عجزت كانت أم ولد لأبي الولد ويضمن نصف قيمتها.
ذكر الجارية بين الشريكين يطؤها أحدهما
فقالت طائفة: تقوم عليه الجارية إن كان له مال، ويلحق به الولد ولا يجلد الحد، ويعاقب بنكال موجع للذي اجترم، وليس عليه من قيمة ولده شيئا. هذا قول مالك (١)، ابن نافع عنه، قال ابن نافع: وإن كان لا مال له وكان الشريك يتمسك بنصيبه إن شاء ويتبعه بنصف قيمة ولده. قال مالك (٢): وإن لم تحبل لم تقوم عليه إلا أن يشاء شريكه أن يلزمه إياها بالقيمة لوطئه إياها.
قال ابن عبد الحكم، عن أشهب: سئل مالك عن جارية كانت بين رجلين فوقع عليها أحدهما فتحمل منه وتلد، فقال: إن كان له مال أقيمت عليه، ولم أر أن يقام عليه الولد لا أرى ذلك.
وقياس قول الشافعي (٣) فيما زعم المزني (٤): أنه إذا أقر أنه أولدها وهي في ملكهما، إن كان موسرا كان عليه نصف قيمتها ونصف مهر مثلها لشريكه. وفي نصف قيمة ولدها إن كان حيا، في قول الشافعي قولان:
стр. 3215
أحدهما: أن عليه نصف قيمته يوم سقط.
والآخر: لا شيء عليه. وهذا أقيس، لأن الحال التي أحبلها هي الحال التي صارت بها أم ولد، وإن تأخر الولاد فليس له من قيمة الولد شيء، لأنه من حين ما حملت ماء مهين فلا قيمة لذلك، وإن كان معسرا فقياس قوله أن عليه نصف مهر مثلها، ونصف قيمة ولدها في أحد قوليه يوم سقط. والآخر: يكون بينهما نصفين، ويكون نصف المحبل في معنى أم الولد، تعتق بموته، ونصف ولده حر، والنصف الآخر منهما لشريكه مملوك، والنفقة على كل واحد منهما نصفان.
وقال أبو ثور: وإذا كانت أمة بين رجلين فولدت ولدين كل واحد في بطن، فادعى أحدهما الأكبر، وادعى الآخر الأصغر، وكانت الدعوى معا جميعا فإن كانا عالمين لا يعذرا بالجهالة حدا جميعا، وكان الولدين جميعا مملوكين، لأن هذا وطء حرام لا يلحق به النسب، وعلى كل واحد منهما نصف العقر لصاحبه إلا أن تكون الجارية تعلم أن هذا حرام فهي زانية عليها الحد، ولا عقر لها، وإن كانا يعذران بالجهالة كان كل واحد من الولدين للذي ادعاه على صاحب الولد الأكبر نصف قيمتها لصاحب الولد الأصغر، ونصف قيمة الولد ونصف العقر، وعلى صاحب الولد الأصغر قيمة الولد وعقرها لصاحب الولد الأكبر، لأنها قد صارت أم ولد له، وضمن نصف قيمتها ونصف عقرها ونصف قيمة الولد لصاحبه، وصارت ملكا له. فلما وطئها الآخر على شبهة كان بيعا للأم إلا أنه تقوم عليه، وذلك أنه وطئ على ملك غيره.
стр. 3216
وقال أصحاب الرأي (١): تكون أم ولد لصاحب الأكبر، والأكبر ابن ثابت النسب منه، وهو ضامن لنصف قيمتها ونصف عقرها، والأصغر من ولدها ابن الذي ادعاه، ويضمن قيمته، ونصف عقرها لصاحب الأكبر، وكان ينبغي في القياس أن لا تجوز دعواه، ولكن استحسنت ذلك فأجزته. ولو ادعى صاحب الكبير أول مرة، ثم ادعى صاحب الأصغر بعد ذلك، لم تجز دعواه وكان الأصغر لصاحب الأكبر مع الأم ويثبت نسب الأكبر، ويضمن الأب نصف قيمة الأم ونصف عقرها، ولو كان ادعاء صاحب الأصغر أولا. ثبت نسبه وكانت أمه أم ولد له، ويضمن نصف عقرها ونصف قيمتها، فإن ادعى صاحب الأكبر بعده ثبت نسبه، وضمن الأب نصف قيمته ونصف المهر.
قال أبو ثور: والذي أقول به إذا ادعى الأكبر أولا ألزمناه نصف قيمة الأم ونصف قيمة الولد الأكبر ونصف العقر، فلما جاءت بولد آخر لزمه، لأنها صارت فراشا له، فكل ولد جاءت به لزمه وليس له نفيه، وإن ادعى صاحب الصغير أولاً ألزمناه نصف قيمتها ونصف قيمة الولد، وكان الولد الكبير، لما جاءت به وهي أمة لهما فهو مملوك لهما، فلما ادعى الآخر ألزمناه نصف قيمته لصاحبه، وألزمناه نصف العقر بإقراره أنه قد وطيء، ولو علمنا أن وطأه كان أولاً كان الحكم في ذلك كما قلنا في أول المسألة، وإنما حكمنا في هذا على إقرارهما.
وقال أبو ثور: وإذا مات رجل وترك جارية حبلى، وترك ابنين فادعى أحد الابنين أن الحمل من أبيه، وادعى الآخر أن الحمل منه ادعيا معا.
стр. 3217
فإن كان الأب يقر بوطئها كان الحمل منه والولد ولده، وإن لم يقر بالحمل كان نصف الجارية حرا، وكان الولد حرا وذلك أنهما جميعا قد أجمعا على أنه حر وكانت دعوة الابن باطلا، وذلك أن الأب مات وهي حامل، فإن كان وطئها وهي لأبيه فوطئه وطء حرام لا يثبت به النسب، ولا يضمن الذي أقر أن الحمل من أبيه شيء (١)، وذلك أنه لم يعين شيئا، وإنما أقر أنها عتقت بسبب أبيه ويعطى الولد ثلث ما في يده من الميراث، لأنه أقر بأنه أخوه، ويكون الذي ادعى الحمل نصف الجارية، وليس له بيعها، لأنه يقر أنها أم ولد له، وليس له وطؤها.
وقال أصحاب الرأي (٢): الحمل من ابن الميت الذي ادعاه لنفسه، ولا يصدق الأخ على دعواه للأب، ويضمن الأخ الذي أثبت النسب منه لأخيه نصف قيمتها، ونصف العقر، وإن كان الذي ادعى هو لنفسه هو الذي بدأ بالدعوى، وكان الجواب على ما وصفت لك. ولو كان الذي ادعى الحبل للأب هو الذي بدأ بالدعوى عتق نصيبه من الأم و [مما] (٣) في بطنها، وتجوز دعوة الآخر ويثبت نسبه منه، ولا يضمن [من] (٤) قيمة الأم شيئا، و [يضمن] (٥) نصف عقرها إن طلب ذلك أخوه، وأما الابن فإني أثبت نسبه منه، لأن حصته منه رقيق بعد في قول أبي حنيفة. قال أبو ثور: والذي قال الجاهل خطأ من كل وجه إذا
стр. 3218
كان لا يضمنه من قيمة الرقيق شيئا لأخيه فلم يضمنه نصف العقر والأخ يزعم أنه ليس يملك هذه الجارية، وأنها حرة وقد بينا القول في ذلك.
ذكر دعوى أهل الإسلام وأهل الذمة الولد
قال أبو بكر: وإذا كانت أمة بين رجلين مسلم وذمي، فجاءت بولد فادعياه جميعا، فإن كانا يعذران بالجهالة أري القافة فبأي الرجلين ألحق ألحقناه به وصار على الذي يصير الولد له نصف قيمة الأم لصاحبه، ونصف قيمة الولد، ونصف العقر، وإن كانت للمسلم كانت أم ولد له مسلمة كانت أو ذمية، فإن صارت للذمي كانت أم ولد له، وكان له أن يطأها إن كانت ذمية، وليس له أن يطأها إن كانت مسلمة ولا يبيعها، وهي تخدمه مثل ما تخدم مثلها مثله، فإذا مات فهي حرة، وإن أسلم كان له أن يطأها، ولا تعتق بإسلامها عليه، وهذا قول أبي ثور، وذكر أنه على مذهب الشافعي (١).
قال أبو بكر: وقد اختلفوا في أم ولد النصراني تسلم، فكان مالك يقول (٢): تعتق ولا تباع. وقال النعمان (٣): يقضى عليها بأن تسعى في قيمتها، وقال الثوري: تقوم قيمة تكون عليها.
وفيه قول ثالث: وهو أن تقوم قيمة، ثم يلقى الشطر وتؤدي الشطر وهي حرة، هكذا قال الأوزاعي.
стр. 3219
وفيه قول رابع: وهو أن يحال بينه وبينها، ويؤخذ بالنفقة عليها، وتعمل له ما يعمل مثله، فمتى أسلم خلي بينه وبينها، وإن مات قبل يسلم عتقت بموته. هذا قول الشافعي (١) وأحمد (٢) وإسحاق وأبي ثور.
٦٦٧٤ - وروى محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم أنه قال: إذا كانت أمة بين مسلم وذمي فجاءت بولد فادعياه جميعا فإنه ابن المسلم منهما.
وقال أبو حنيفة (٣): يلحق ويثبت نسبه منه، وتكون أم ولد له ويضمن نصف قيمتها لشريكه النصراني ونصف عقرها، ويضمن النصراني نصف عقرها للمسلم. هذا قول أبي حنيفة وأبي ثور ومحمد. وقال أبو ثور: وإذا كانت أمة من أهل الذمة يهودية أو نصرانية أو مجوسية فهو سواء، وكانت بين مسلم وذمي فجاءت بولد، فالقول فيه كما قلنا في المسألة التي قبل إذا [ادعياه] (٤)، وقال أصحاب الرأي: يكون ابن المسلم، وكذلك قالوا: لو كان للمسلم فيها عشر ولكافر تسعة أعشار، وكذلك لو كان المسلم باع حصته من الكافر فجاءت بالولد لأقل من ستة أشهر من يوم باع، وكذلك لو كان الكافر هو باع حصته من المسلم ثم ادعياه جميعا فإنه ابن المسلم، وينتقض البيع ويضمن المسلم حصة الكافر من قيمة الأم ومن عقرها ويرجع بالثمن إن كان نقده.
وقال أبو ثور: ولو كانت أمة بين رجلين مسلمين فعلقت، ثم باع
стр. 3220
أحدهما حصته من الآخر، ثم وضعته بعد البيع لأقل من ستة أشهر فادعياه جميعا، وقد كانا أقرا بالوطء قبل البيع، فإنه يرى القافة فبأي الرجلين ألحق لحق، وكان القول فيه على ما وصفنا في أول المسألة، فإن ألحقوه بهما (جميعا) (١) فهو ابنهما، ولا يكون لواحد منهما على صاحبه شيء، فإذا ماتا فهي حرة، وليس لواحد منهما أن يطأها، وينتقض البيع، ورد الذي قبض الثمن على صاحبه الذي اشترى منه، ويرثهما ويرثانه، ويكون ولدهما حيين كانا أو ميتين. وقال أصحاب الرأي (٢): يكون ابنهما يرثهما ويرثانه، وهو للباقي منهما وينتقض البيع، ويرد البائع ما قبض من الثمن.
قال أبو بكر: وإذا كانت أمة بين نصراني ويهودي ومجوسي فولدت فادعوا الولد جميعا، فإن كانوا يعذرون بالجهالة أري الولد القافة. في قول أبي ثور، وكان الجواب فيه على مذهبه على ما وصفنا من قوله، فإن ألحقوه بهم جميعا كان لهم جميعا، وإن ألحقوه بواحد منهم كان ابنه وكان عليه ثلثي قيمة الأم، وثلثي عقرها، وثلثي قيمة ولدها، وكان له على شريكيه ثلث عقرها، وكان الحكم فيه على ما وصفنا في المسألة قبلها.
وقال أصحاب الرأي (٣): يكون ابن اليهودي والنصراني، ولا دعوة للمجوسي مع أهل الكتاب. وإن كانت أمة مجوسية فهو على دين الأبوين، فإذا مات أحدهما فهو على دين الباقي منهما. وقال أبو ثور: وإذا كان ذمي ومسلم كان الحكم فيها كما وصفت.
стр. 3221
وقال أبو ثور: إذا كانت أمة لذمي فباع نصفها من مسلم فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر منذ باع نصفها، فادعياه جميعا، فإن كان الذمي قد أقر بوطئها قبل البيع، فإن الولد ولده، ويفسخ البيع، ويرد الثمن على المشترى إن كان قبضه، وتكون أم ولد للذمي، ويلحق به النسب.
وإذا كانت أمة بين رجل وامرأة فجاءت بولد فادعاه الرجل وادعاه أبو المرأة، فإن نسبه يثبت من المالك، ويضمن قيمتها ونصف عقرها، ونصف قيمة الولد للمرأة، وتكون أم ولد له وتبطل دعوة أبي المرأة، وذلك أنه ليس بمالك، وكذلك لو ماتت المرأة صغيرة في حجر أبيها كان هكذا.
وقال أصحاب الرأي كذلك (١)، إلا أنه لا يضمن نصف قيمة الولد.
وقال أبو ثور: وإذا كانت أمة بين رجلين، فجاءت بولد فقال كل واحد منهما لصاحبه: هذا ابنك، فإنه لا يكون ابن واحد منهما وهو حر ولا رق عليه، والأمة أم ولد موقوفة لا يملكها واحد منهما، وإذا مات أحدهما فهي حرة، وذلك أنهما جميعا قد زعما أنها أم ولد لأحدهما، ولكن يستحلف كل واحد منهما لصاحبه على ما ادعى عليه، وذلك أنه في قوله ابنك يدعي أن له عليه نصف قيمتها ونصف عقرها ونصف قيمة ولدها، فإن حلفا فأمرهما على ما وصفنا، فإن نكل أحدهما حلف الآخر، وكان على الذي نكل نصف قيمتها ونصف عقرها ونصف قيمة ولدها وكانت أم ولد له وكان الولد ولده.
стр. 3222
وقال أصحاب الرأي (١): لا يكون ابن واحد منهما وهو حر، وأمه بمنزلة أم ولد موقوفة لا يملكها واحد منهما فأيهما مات عتقت.
قال أبو بكر: وإذا كانت مدبرة بين رجلين مسلمين أو كافرين أو كافر ومسلم، أو مرتد ومسلم، فجاءت بولد، فادعاه أحدهما وكان يعذر بالجهالة، فإنه ابنه وهو ضامن لنصف قيمتها، ونصف عقرها، ونصف قيمة ولدها، ويبطل التدبير، وذلك أن المدبرة بمنزلة الأمة في جميع أحولها. وهذا قول أبي ثور.
وقال أصحاب الرأي (٢): يكون ابنه وهو ضامن لنصف قيمة الولد مدبرا، ولنصف العقر، وولاء الولد بينهما وولاء الأم حصة أبي الولد منهما بمنزلة حصة أم الولد وحصة الآخر مدبرة.
وقال أبو ثور: وإذا كانت أمة بين رجلين مسلمين أو كافرين أو مسلم وكافر، فولدت ولدا فادعاه أحدهما فهو ابنه، فإن ولدت بعد ذلك ولدا لستة أشهر، فادعاه الآخر فإنه ابنه، وتكون أم ولد الأول، ويكون عليه نصف قيمتها ونصف عقرها ونصف قيمة ولدها لشريكه، وتبطل الكتابة ويكون على الآخر قيمة الولد كله لشريكه وعقر مثلها.
وقال أصحاب الرأي (٣): الولدان حران ويثبت نسبهما من الذين ادعياهما، وعلى كل واحد منهما العقر للأمة تستعين به في كتابتها، فإن أدت عتقت وكان الولاء بينهما، وإن عجزت فهي أم ولد للأول دون الآخر. وهذا قول أبي حنيفة.
стр. 3223
وقال أبو ثور: وإذا كانت أمة بين رجلين فولدت فادعى أحدهما الولد في مرضه الذي مات فيه فهو جائز ويكون ولده، وعليه كما قلنا في المسائل قبلها، وتعتق إذا مات من جميع المال، وكذلك قال أصحاب الرأي (١) إلا في نصف قيمة الولد.
وقال أبو ثور: وإذا كانت أمة بين رجلين فجاءت بولد، فادعياه جميعا، فإنه يرى القافة فأيهما ألحق به لحق، وإن ألحق بهما جميعا فهو منهما يرثهما ويرثانه، وقد بينا ذلك في غير موضع.
وقال النعمان وصاحباه (٢): هو ابنهما يرثهما ويرثانه.
قال أبو بكر: وإذا كانت جارية بين رجل وابنه فولدت ولدا، فادعياه جميعا، فإنه يرى القافة، فإن ألحقوه بهما جميعا فهو ابنهما، وإن ألحقوه بأحدهما فهو ابنه. وهذا قول أبي ثور. وقال: الحكم فيه كما ذكرناه في المسائل قبلها.
وقال أصحاب الرأي (٣): نجعله ابن الأب نستحسن ذلك وأضمنه نصف قيمتها ونصف العقر، وأضمن الابن أيضا نصف العقر فيكون كصاحب، وإذا كانت أمة بين رجلين أخوين أو رجل وعمه أو رجل وخاله فجاءت بولد، فادعياه جميعا أري القافة، وهذا على قول الشافعي (٤) وأبي ثور، وبه نقول.
وقال أصحاب الرأي كما قالوا، وكذلك كل ذي رحم محرم،
стр. 3224
أو غيره ما خلا الأب، والجد من قبل الأب إذا كان الأب ميتا، فإنا نستحسن في هذا أن نجعله للجد إن كان (١)، وإن كان الأب مسلما والأم من أهل الكتاب، زوجة كانت أو أم ولد، أو كانا كافرين جميعا فأسلم أحدهما الأب أو الأم والولد صغير، فإن الولد يكون على دين المسلم أيهما كان.
وقال أبو ثور: إذا أسلم أحد الأبوين والولد صغير فإنه يكون على دين الأب، وهذا على قول مالك (٢). وفي قول الشافعي (٣) والكوفي: يكون الولد على دين أيهما أسلم. وإن كان الوالدان مجوسيين فتهود أحدهما أو تنصر، فالولد في قول الكوفي (٤) يكون على دين الكتابي، وفي قول أبي ثور: الولد يكون على دين الأب على أي دين كان.
وقال أبو ثور: وإذا كانت الجارية بين رجلين فولدت ولدا، فادعياه جميعا أري القافة، وأن القول فيه كما وصفنا.
وقال أصحاب الرأي: هو ابنهما جميعا وهي أم ولدهما، فإن ولدت آخر بعد ذلك لم يلزمه واحد منهما إلا أن يدعيه أحدهما فيلزمه، فأيهما ادعاه لزمه، وضمن لصاحبه نصف قيمته إن كان موسرا، والأم أمة. في قول أبي يعقوب ومحمد، ولا يضمن في قول أبي حنيفة شيئا، وإن ادعياه جميعا لزمهما.
стр. 3225
دعوى اللقيط
أجمع عوام أهل العلم على أن اللقيط حر (١).
٦٦٧٥ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، قال: حدثني أبو جميلة أنه وجد منبوذا على عهد عمر بن الخطاب فأتاه به، فاتهمه عمر فأثني عليه خيرا. فقال عمر: هو حر، ولك ولاؤه، ونفقته من بيت المال (٢).
قال أبو بكر: فإذا التقط الرجل صبيا، فادعاه الملتقط أو رجل حر غيره أنه ابنه قبل قوله، ولحق به نسبه، في قول الشافعي (٣)، وأبي ثور، وأصحاب الرأي (٤)، غير أن أصحاب الرأي قالوا: ينبغي في القياس أن لا يصدق، ولكنا ندع القياس ونثبت نسبه.
وقال أبو ثور: أجعله ابنه، وذلك أني لا أعلم أهل العلم اختلفوا في رجل ادعى صبيا صغيرا لا يعلم نسبه أنه ابنه، فكذلك اللقيط إذا كان لا نسب له يعرف فهو ابن من ادعاه، ولو قال هو ابني من زوجتي هذه أو من أمتي هذه وصدقته المرأة وادعياه جميعا، فإنه يكون ولدهما جميعا.
وقال أصحاب الرأي (٥): إذا تكلم بعلم في جسده أو وصف شيئا في جسده فوجد على ما قال، فإنا نجعله ابنه، أستحسن ذلك، وأدع القياس